LOGINتجمّد الهواء داخل الغرفة بعد كلمات أم راكان، وكأن القصر بأكمله حبس أنفاسه في انتظار ما سيحدث بعدها. ظل راكان واقفًا أمامها، وعيناه مثبتتان عليها بطريقة لم تعتدها ليان منه من قبل؛ لم يكن في نظراته غضب فقط، بل كان هناك شيء أعمق، شيء يشبه الصدمة التي تحاول أن تجد لها مخرجًا.
قال بصوت منخفض، لكنه كان أخطر من الصراخ: «قولي إنك تكذبين.»
رفعت أمه عينيها إليه، ولم تجب.
اقترب خطوة أخرى، حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة، وقال: «سمعتِني. قولي إنك لم تقتلي عائلتها.»
تنفست المرأة ببطء، ثم قالت: «لم يكن الأمر بهذه البساطة يا راكان.»
ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي فرح، وقال: «كل شيء يصبح بسيطًا عندما يتعلق الأمر بالدم. إما أنك قتلتِهم أو لم تقتليهم.»
تدخل آسر، الذي كان يقف قرب الباب مراقبًا المشهد، وقال بحذر: «راكان... هناك شيء غير منطقي. إذا كانت هي من قتلت عائلة ليان، فلماذا أبقت ليان حية؟ ولماذا أخفتها طوال هذه السنوات؟»
التفتت إليه أم راكان، وقالت: «لأنني لم أكن أملك الحق في قتلها.»
رفعت ليان رأسها فجأة، وكانت الدموع قد توقفت على وجهها من شدة الصدمة، وقالت: «أنا لا أفهم شيئًا... أنتم جميعًا تتحدثون عن حياتي وكأنني آخر شخص يحق له أن يعرفها. أبي اختفى، ثم قيل لي إنه مات، والآن أعرف أنه كان يخفي عني شيئًا، وأنتِ تقولين إنك قتلتِ عائلتي... فلماذا؟ ماذا فعل أبي؟»
نظرت إليها المرأة طويلًا، ثم قالت: «والدك لم يكن الرجل الذي ظننته.»
ارتجفت أصابع ليان، وقالت: «كان أبي.»
«وهذا لا يعني أنك تعرفينه.»
اندفع راكان نحوها، لكن أمه رفعت يدها بسرعة وقالت: «إذا أردت أن تعرف الحقيقة، فعليك أن تسمعني حتى النهاية.»
توقف راكان، بينما قال آسر: «إذن ابدئي.»
جلست المرأة على الكرسي القريب، وكأن سنوات طويلة من الأسرار أثقلت جسدها فجأة. قالت: «قبل ثلاثة وعشرين عامًا، كانت المملكة على وشك السقوط. لم يكن الصراع بين العشائر كما ترونه اليوم. كان هناك عرش... ووريثة.»
تجمدت ليان.
تابعت المرأة: «وكانت تلك الوريثة طفلة لم يتجاوز عمرها أسابيع.»
نظرت إلى ليان مباشرة.
لم تحتج ليان إلى سماع المزيد حتى فهمت أن الحديث عنها.
قال راكان: «أنتِ تتحدثين عن ليان.»
«نعم.»
اقتربت ليان منها خطوة، وقالت بصوت مرتجف: «أنا... كنت وريثة؟»
قبل أن تجيب، دوّى انفجار هائل في الخارج، اهتزت له جدران القصر وسقطت إحدى النوافذ من مكانها. اندفع آسر إلى الباب، ثم عاد وهو يصرخ: «الهجوم لم ينتهِ! رجال القمر الأحمر دخلوا الجناح الشرقي!»
رفع راكان رأسه فورًا، وقال: «خذ ليان إلى الممر السفلي.»
اعترضت ليان: «لن أهرب مرة أخرى.»
التفت إليها، وقال بحزم: «هذه ليست بطولة. إذا وصلت إليكِ العشيرة الحمراء فلن يكون أمامنا وقت لإنقاذك.»
«وأنا سئمت أن يتحدث الجميع عن إنقاذي وكأنني عاجزة.»
اقترب منها راكان، وخفض صوته: «أنا لا أراكِ عاجزة، وهذا تحديدًا ما يخيفني.»
قبل أن تستطيع الرد، انفتح الباب بعنف، واندفع أحد الحراس إلى الداخل وهو ينزف من كتفه.
قال: «سيدي... لقد وصلوا إلى البوابة الداخلية.»
تحرك راكان في اللحظة نفسها، لكن ليان أمسكت بذراعه.
«لن أذهب.»
نظر إليها، ثم إلى يدها فوق ذراعه، وقال: «إذن ابقي خلفي.»
خرج الاثنان مع آسر، بينما بقيت أم راكان للحظات وحدها في الغرفة. أغمضت عينيها، ثم مدت يدها إلى صندوق خشبي صغير كان مخبأً خلف أحد الأحجار.
فتحته وأخرجت منه قلادة قديمة، لكن وجهها تغيّر عندما سمعت صوتًا خلفها.
«كنت أعلم أنك ستخرجينها في النهاية.»
استدارت بسرعة.
كان أورليك يقف عند الباب.
قالت: «كيف دخلت؟»
ابتسم ابتسامة باردة وقال: «أنا لا أدخل الأماكن يا سيدتي... أنا أجد الأبواب التي يخاف الآخرون من فتحها.»
شدت المرأة القلادة في يدها.
«لا تقترب منها.»
«لم آتِ من أجلها.»
توقف لحظة، ثم أضاف: «جئت من أجل ما تحت جلدها.»
في الخارج، كان راكان يخوض معركة شرسة وسط الممر الحجري. تحولت مخالبه إلى امتدادات حادة، وكانت عيناه تلمعان بلون ذهبي مخيف. اندفع أحد رجال القمر الأحمر نحوه، فانحنى راكان بسرعة، ثم أمسك بذراعه وألقاه أرضًا قبل أن يلتفت إلى آخر.
لكن شيئًا جعل حركته تتوقف فجأة.
صرخة ليان.
استدار.
كانت ليان واقفة في منتصف الممر، ويدها فوق العلامة الموجودة قرب صدرها، التي بدأت تضيء من جديد. غير أن هذه المرة لم يكن الضوء ذهبيًا.
كان أسود.
تراجعت ليان خطوة، وقالت: «راكان... أنا لا أشعر بيدي.»
اندفع نحوها، لكن قبل أن يصل إليها، خرج صوت منخفض من أعماق القصر، ليس صوت إنسان ولا ذئب.
صوت جعل جميع الذئاب تتوقف في أماكنها.
حتى أورليك رفع رأسه.
قال آسر بصدمة: «ما هذا؟»
أجاب أورليك من بعيد، وهو يبتسم: «لقد استيقظت.»
صرخ راكان: «ماذا استيقظ؟!»
نظر أورليك إلى ليان، وقال: «ليس ما في داخلها... بل ما كانت تحملها روحها منذ ولادتها.»
ثم انطفأت العلامة فجأة.
وسقطت ليان بين ذراعي راكان.
لكن عندما رفع وجهه إليها، رأى شيئًا لم يره أحد من قبل.
عيناها كانتا مغلقتين...
إلا أن حدقتيها من خلف الجفون كانتا تلمعان بلون أحمر داكن.
وفي اللحظة نفسها، همست ليان بصوت لم يكن صوتها:
«أعيدوا لي عرشي.»
وتراجع راكان خطوة لأول مرة.
لأن الصوت الذي خرج منها كان صوت امرأة ماتت قبل ثلاثة وعشرين عامًا.
لم يتحرك أحد.
حتى أنين الجرحى في الممر بدا وكأنه اختفى، وبقيت الجملة التي خرجت من فم ليان معلقة في الهواء.
«أعيدوا لي عرشي.»
حدق راكان فيها، بينما كانت بين ذراعيه بلا حركة. كان وجهها هادئًا، لكن العلامة السوداء قرب صدرها أصبحت أكثر وضوحًا، وكأن شيئًا تحت جلدها يحاول شق طريقه إلى الخارج.
قال آسر بصوت خافت: «راكان... لا توقظها.»
رفع راكان عينيه إليه: «لماذا؟»
«لأنني لا أعتقد أن هذه ليان الآن.»
اقترب أورليك ببطء، وقال: «أخيرًا فهمت.»
استدار راكان نحوه، وانطلقت من حلقه زمجرة جعلت الحراس يتراجعون.
«ابتعد.»
ضحك أورليك وقال: «أنت تحمي شيئًا لا تعرفه، يا راكان. وهذا هو خطؤك الأكبر.»
انقض راكان عليه.
اصطدمت قبضته بصدر أورليك، لكن أورليك لم يتراجع إلا خطوات قليلة، ثم تحولت عيناه إلى الأحمر القاني، وظهرت مخالبه.
بدأ الاشتباك أمام ليان مباشرة.
ضرب راكان خصمه بقوة، فرد أورليك بضربة أطاحت به إلى أحد الأعمدة. تحطم جزء من الحجر، لكن راكان نهض في اللحظة نفسها وانقض عليه من جديد.
صاح آسر: «كفى! هناك شيء يحدث لليان!»
التفت راكان.
كانت ليان تتحرك.
فتحت عينيها ببطء.
كانتا عاديتين هذه المرة.
نظرت إلى راكان وقالت: «ماذا حدث؟»
اقترب منها بسرعة، وأمسك كتفيها: «ليان، هل تسمعينني؟»
نظرت إليه باستغراب: «طبعًا أسمعك... لماذا تنظر إليّ هكذا؟»
قال آسر: «هل تتذكرين ما قلته منذ لحظات؟»
عقدت حاجبيها: «ماذا قلت؟»
لم يجب أحد.
اقتربت أم راكان من ليان، لكنها توقفت عندما رأت العلامة السوداء.
قالت بصوت متقطع: «لقد بدأت المرحلة الثانية.»
التفت راكان إليها: «ما معنى هذا؟»
«معناه أن الوقت انتهى.»
«أي وقت؟»
نظرت إلى ليان وقالت: «الوقت الذي كان بيننا وبين عودتها.»
قالت ليان بعصبية: «عودتي إلى ماذا؟ أنا هنا أصلًا!»
أجابتها المرأة: «ليس إلى مكان يا ليان... إلى هويتك.»
ساد الصمت.
ثم دوّى صوت أبواق من خارج القصر.
ركض أحد الحراس إلى الداخل وقال: «سيدي! رجال القمر الأحمر انسحبوا.»
قطّب راكان جبينه.
قال آسر: «انسحبوا؟ بعد أن كانوا على وشك اقتحام القصر؟ هذا غير منطقي.»
ابتسم أورليك، الذي كان يقف على الجانب الآخر، وقال: «بل منطقي جدًا.»
نظر إليه راكان: «أنت تعرف السبب.»
«بالطبع.»
«تكلم.»
اقترب أورليك خطوة، وقال: «لم نأتِ الليلة لنقتل أحدًا.»
«إذن لماذا؟»
أشار إلى ليان.
«كنا نريد أن نوقظها.»
اندفع راكان نحوه، لكن أمّه وقفت بينهما.
«لا تقتله.»
نظر إليها راكان بحدة: «بعد كل ما سمعته منكِ، ما زلتِ تطلبين مني حمايته؟»
قالت: «لأن قتله الآن سيجعلنا نفقد الشخص الوحيد الذي يعرف أين يوجد الباب.»
سأل آسر: «أي باب؟»
لم تجب.
تدخل أورليك وقال: «الباب المؤدي إلى المملكة القديمة.»
تغير وجه أم راكان.
أما راكان فقال: «المملكة القديمة مجرد أسطورة.»
«هكذا ظن أبي أيضًا.»
صمت أورليك لحظة، ثم أخرج من جيبه قطعة معدنية صغيرة وألقاها إلى راكان.
أمسكها راكان، وما إن نظر إليها حتى تغير وجهه.
كان عليها رمز مطابق تمامًا للرمز الموجود على جسد ليان.
قال: «من أين حصلت عليها؟»
«من والدك.»
شهقت أم راكان.
أما ليان فتقدمت نحو راكان وقالت: «أرني.»
نظر إليها للحظة، ثم أعطاها القطعة.
وما إن لامست أصابعها المعدن حتى بدأ يتوهج.
ظهر على سطحه نقش جديد.
ثلاث كلمات فقط:
«الملكة لم تمت.»
تجمدت ليان.
رفعت رأسها ببطء نحو أم راكان.
«من الملكة؟»
لم تجب المرأة.
اقتربت ليان منها وقالت: «من الملكة؟»
لكن قبل أن تتكلم، جاء صوت من أعلى السلم.
«أنا.»
رفع الجميع رؤوسهم.
كانت نادين تقف هناك، ووجهها شاحب، وفي يدها كتاب قديم.
قال راكان: «نادين... ماذا تفعلين هنا؟»
نزلت الدرج ببطء، ثم قالت: «وجدت هذا في غرفة والدك.»
فتح آسر الكتاب، وتقلبت صفحاته بسرعة، ثم توقف فجأة.
«راكان... انظر.»
اقترب راكان.
كانت هناك صفحة تحتوي على رسم لامرأة تحمل علامة ليان نفسها.
وتحت الرسم جملة مكتوبة بلغة قديمة.
قرأها آسر بصعوبة، ثم قال:
«عندما تولد الملكة من دمين متحاربين، سيظهر الذئب الذي لا ينتمي إلى أي عشيرة... وسيكون اختياره لها بداية الحرب.»
نظر راكان إلى ليان.
ثم إلى أورليك.
ثم إلى أمه.
وقال ببطء: «دمين متحاربين... ماذا يعني هذا؟»
لم تجب أمه.
لكن أورليك قال: «يعني أن والد ليان لم يكن بشريًا.»
رفعت ليان عينيها إليه.
«ماذا؟»
اقترب أورليك منها، وقال: «والدك كان من عشيرة الذئب الأبيض.»
ساد الصمت.
قال راكان: «هذا مستحيل.»
ابتسم أورليك ابتسامة غامضة.
«الأكثر استحالة أنك لا تعرفين من تكون أمك.»
تجمدت ليان.
التفتت نحو أم راكان.
قالت بصوت يكاد يختنق: «أنتِ تعرفينها، أليس كذلك؟»
لم تجب.
«أنتِ تعرفين أمي.»
أغمضت المرأة عينيها.
ثم قالت الجملة التي جعلت راكان نفسه يفقد القدرة على الكلام:
«أنا لم أقتل عائلتك يا ليان... أنا كنت أحاول قتل المرأة التي كانت تريد قتلك.»
شهقت ليان.
«ومن هي؟»
رفعت أم راكان عينيها إليها، وقالت:
«أمك.»
وفي اللحظة نفسها، انطفأت جميع مشاعل القصر.
ومن مكان مجهول في الظلام، جاء صوت امرأة يضحك.
ثم همست:
«وأخيرًا... عرفتم أين ابنتي.»
تجمد راكان، بينما انطلقت من خارج القصر عواءات عشرات الذئاب في وقت واحد.
وعندما عادت المشاعل للاشتعال...كانت ليان قد اختفت.
لكن ليان لم تستطع إبعاد عينيها عن التمثال. كانت تسمع صوتًا خافتًا داخل رأسها، صوتًا يناديها باسم لم تسمعه من قبل.«إيلارا...»وضعت يدها على أذنها، وقالت: «من يناديني؟»أجابها الصوت مرة أخرى، هذه المرة بوضوح أشد:«إيلارا، ابنة الملكة... عودي إلى العهد.»شهقت ليان، ثم انحنت من الألم، بينما انطفأ الضوء الذهبي حولها. اندفع راكان ليمسك بها قبل أن تسقط، لكنه ما إن لمس يدها حتى ظهرت على كفه علامة سوداء مطابقة لتلك التي ظهرت على جسدها.نظر الاثنان إلى العلامة في ذهول.ثم تردد صوت أدهم في القاعة، وقد اختفى الهدوء من نبرته للمرة الأولى:«لقد بدأ العهد يختار وريثه.»رفع راكان رأسه إليه.«أي عهد؟»لم يجب أدهم. كان ينظر إلى كف ابنه، ثم إلى ليان، وكأنه يشاهد كابوسًا ظن أنه انتهى منذ زمن بعيد.اقتربت ليان من راكان، وهمست: «ما الذي يحدث لنا؟»أمسك يدها، وقال: «لا أعرف، لكنني لن أسمح لأحد بأخذك مني.»نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: «لا تعدني بما لا تستطيع الوفاء به.»وقبل أن يجيب، انشق التمثال الأبيض بالكامل، وسقطت قطع الحجر على الأرض، كاشفة عن تجويف صغير في صدره. كان داخله صندوق فضي، مغلقًا بقفل يحمل رمزً
لم تكن العينان الذهبيتان اللتان ظهرتا في نهاية الممر انعكاسًا لضوء المشاعل، ولم يكن الصوت الذي خرج من الظلام وهمًا صنعه الخوف في عقول الواقفين. كان هناك رجل يتقدم نحو القاعة بخطوات بطيئة، وكأن السنوات الثلاثين التي مرت على اختفائه لم تترك في جسده أثرًا واحدًا. ارتدى عباءة سوداء طويلة، وتدلت من كتفيه سلاسل فضية تحمل رموزًا قديمة، بينما أحاطت بوجهه ندوب دقيقة بدت كأنها آثار مخالب لم تستطع تمزيقه بالكامل.تراجع الحراس الذين كانوا قد دخلوا خلف آسر، وانحنى بعضهم دون وعي، أما راكان فظل واقفًا في مكانه، جامد الملامح، كأن جسده رفض تصديق ما تراه عيناه. كان يعرف ذلك الوجه، ويحفظ تفاصيله رغم السنوات التي قضاها يتخيل ملامح أبيه في ذكرياته القديمة. لقد رأى صورته في القاعة الملكية، وسمع حكايات والدته عنه، وقرأ التقارير التي أعلنت مقتله في المعركة الأخيرة بين العشائر، لكنه لم يتخيل أن يراه يومًا يقف أمامه حيًّا.خرج صوته أخيرًا، خشنًا ومختنقًا: «أبي؟»توقف الرجل على مسافة خطوات منه، ثم نظر إليه نظرة طويلة، وقال: «لقد كبرت يا راكان.»لم تكن تلك الكلمات كافية لتفسير ما يحدث، بل بدت مستفزة على نحو جعل
لم يكن الدم الذي سال من صدر الذئب الأسود دمًا عاديًّا؛ فقد امتزج بلون داكن يشبه الحبر، وانساب فوق الأرض الحجرية في خطوط متعرجة، حتى بدا كأنه يرسم رموزًا قديمة لم تعد الذاكرة البشرية قادرة على استيعابها ارتجفت ألسنة اللهب داخل المشاعل، وانحنت تماثيل الذئاب المحيطة بالقاعة نحو الجسد الملقى أمام العرش، وكأنها تشهد سقوط ملك لم يُعلن موته بعد.تراجعت ليان خطوة، ثم أخرى، غير قادرة على استيعاب ما تراه. كان الذئب ضخمًا إلى حد جعل جسده يحتل مساحة واسعة من أرض القاعة، وكان فراؤه الأسود ملطخًا بالدماء، بينما راحت أنفاسه تخرج متقطعة من بين أنيابه وعلى الرغم من الرعب الذي اجتاحها، لم تستطع الابتعاد عنه؛ فقد شعرت بشيء غريب يشدها إليه، إحساس لم تعرف له تفسيرًا، كأن الألم الذي يسكن صدره قد وجد طريقًا خفيًّا إلى قلبها.صرخت باسمه: «راكان!»لم يستجب.اندفعت نحوه، غير عابئة بتحذيرات المرأة التي كانت تقف قرب العرش، وجثت على ركبتيها بجواره مدّت يدها المرتجفة نحو رأسه، لكنها توقفت قبل أن تلامس فراءه، حين سمعت صوت أخيها خلفها.«إذا كنتِ تريدين الاحتفاظ بحياتك، فلا تلمسيه.»استدارت إليه بعنف، وقد اختلط الخوف
انطفأت مشاعل القصر دفعة واحدة، وكأن يدًا خفية أطبقت على أنفاس المكان، ثم انطلقت عواءات الذئاب من الخارج متتابعة، حتى ارتجفت الجدران تحت وطأة الصوت. وفي اللحظة التي حاول فيها راكان الوصول إلى ليان، لم يجد أمامه سوى الهواء.استدار بعنف، وعيناه تشتعلان بالغضب، ثم صاح: «أغلقوا جميع المخارج! لا أحد يغادر القصر، ولا أحد يدخل إليه! فتشوا كل غرفة وكل ممر، وإذا وجد أحد ليان فلا يقترب منها حتى أصل إليه.»اندفع الحراس لتنفيذ أوامره، بينما كان آسر يركض نحو النوافذ والممرات الجانبية. أما أم راكان فظلت واقفة في مكانها، تنظر إلى الفراغ الذي كانت ليان تقف فيه قبل لحظات، وكأنها كانت تتوقع هذا منذ سنوات.اقترب منها راكان، وأمسك بذراعها بقوة وقال: «أين ذهبت؟»قالت بهدوء غريب: «لم يأخذها أحد.»«إذن أين هي؟»«ذهبت إلى المكان الذي كان ينتظرها منذ ولادتها.»اشتدت قبضته على ذراعها. «لا تتحدثي بالألغاز معي. لقد فقدت ثقتي بكِ مرة، ولن أسمح لكِ أن تفعلي ذلك ثانية. إذا كنت تعرفين مكانها فقولي.»رفعت عينيها إليه وقالت: «لو كنت أعرف كيف أوقف ما يحدث، لفعلت منذ ثلاثة وعشرين عامًا.»تدخل آسر وهو يلهث: «راكان، لا يوج
تجمّد الهواء داخل الغرفة بعد كلمات أم راكان، وكأن القصر بأكمله حبس أنفاسه في انتظار ما سيحدث بعدها. ظل راكان واقفًا أمامها، وعيناه مثبتتان عليها بطريقة لم تعتدها ليان منه من قبل؛ لم يكن في نظراته غضب فقط، بل كان هناك شيء أعمق، شيء يشبه الصدمة التي تحاول أن تجد لها مخرجًا.قال بصوت منخفض، لكنه كان أخطر من الصراخ: «قولي إنك تكذبين.»رفعت أمه عينيها إليه، ولم تجب.اقترب خطوة أخرى، حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة، وقال: «سمعتِني. قولي إنك لم تقتلي عائلتها.»تنفست المرأة ببطء، ثم قالت: «لم يكن الأمر بهذه البساطة يا راكان.»ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي فرح، وقال: «كل شيء يصبح بسيطًا عندما يتعلق الأمر بالدم. إما أنك قتلتِهم أو لم تقتليهم.»تدخل آسر، الذي كان يقف قرب الباب مراقبًا المشهد، وقال بحذر: «راكان... هناك شيء غير منطقي. إذا كانت هي من قتلت عائلة ليان، فلماذا أبقت ليان حية؟ ولماذا أخفتها طوال هذه السنوات؟»التفتت إليه أم راكان، وقالت: «لأنني لم أكن أملك الحق في قتلها.»رفعت ليان رأسها فجأة، وكانت الدموع قد توقفت على وجهها من شدة الصدمة، وقالت: «أنا لا أفهم شيئًا... أنتم جميعًا تتحدثون عن
لم يحتج الباب إلى أن يُفتح بالكامل حتى شعر راكان بأن شيئًا في هذا القصر انقلب رأسًا على عقب؛ فقد كان الصوت الذي خرج من خلفه مستحيلًا، صوتًا دفنه بنفسه في ذاكرته منذ سبعة عشر عامًا، صوت امرأة كان يظن أن العالم كله انتهى يوم اختفائها، ومع ذلك كان يسمعه الآن واضحًا، ينادي اسمًا لم يكن من المفترض أن تعرفه صاحبة الصوت أصلًا."ليان..."تراجعت ليان خطوة وهي تحدق في الفتحة السوداء بين الباب وإطاره، بينما رفع آسر سيفه واستعد للهجوم، وقال بصوت خافت: "لا أحد يدخل قبلي." لكن راكان أمسك بذراعه وأبعده، ثم قال: "لا." نظر إليه آسر باستغراب، فأضاف راكان: "إن كانت هي فعلًا... فسأدخل وحدي."قالت ليان بسرعة: "لن تدخل وحدك."التفت إليها."ماذا قلتِ؟"اقتربت منه رغم الخوف الذي كان ينهشها، وقالت: "إن كان الصوت يناديني، فسأعرف من صاحبته."قال راكان بصرامة: "لن تفعلي."رفعت ذقنها بعناد: "ومنذ متى تقرر أنت كل شيء يخصني؟"اقترب منها حتى أصبح أمامها مباشرة، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة: "منذ أصبحتِ الهدف الأول لكل شخص يريد إسقاط هذه المملكة."ردت دون أن تتراجع: "وأنا لم أطلب أن أكون ملكة ولا أن أكون هدفًا لأحد







