تسجيل الدخول
منذ عشرين عاماً
جلس تشارلز باريت ومايكل بريسكوت متقابلين في غرفة الاستقبال بضيافة عائلة باريت، وكانت الغرفة مزينة بالألواح الخشبية الداكنة. اتكأ تشارلز إلى الخلف في كرسيّه ممسكاً بكأس من الويكي، بينما تطلع مايكل بتفكير إلى لوحة قديمة معلقة على الجدار. جلس كلا الرجلين وجهاً لوجه، وتبدو على ملامحهما علامات الترقب. كسر مايكل الصمت قائلاً وابتسامة عريضة تعلو وجهه: "كانت هذه أفضل فكرة توصلنا إليها حتى الآن." بدأ تشارلز حديثه، وصوته يحمل نفس حماس مايكل: "إذاً تم الأمر، لقد توصلنا إلى قرار. هذا التحالف بين عائلتينا سيضمن اتحادنا لعدة أجيال قادمة." هز مايكل رأسه بتفكير، مستمراً في التطلع إلى اللوحة: "سيكون الزواج بين بكر كلينا، ابنك ميسون، وابنتي التي لم تولد بعد." أجاب وصوته يحمل الأمل. ارتشف تشارلز جرعة من مشروبه ثم مال إلى الأمام بملامح جادة: "ألا تعتقد أنه قد حان الوقت لألتقي بزوجتك؟" سأل تشارلز والنظرة الفضولية تملأ عينيه. "نحن أصدقاء منذ وقت طويل، ولم تُعرّفني عليها قط." أطلق مايكل تنهيدة خفيفة، وهبطت نظراته نحو الأرض: "لا تجعلني أبدو كشخص سيئ يا تشارلز؛ أنت تعرف الظروف المحيطة بزواجنا. أنت الوحيد الذي يعلم أنها حامل بطفلي." أجاب مع نبرة أسف تنبعث من صوته. طمأنه تشارلز بابتسامة دافئة: "أنا أتفهم ذلك، الأمر فقط أنني لا أعرف حتى كيف تبدو. لكنني متأكد أنه بمجرد أن تنجب، سيستقر كل شيء في نصابه." هز مايكل رأسه، وظل عقله مشغولاً بالتفكير في زوجته: "أنت الوحيد الذي أثق به لحماية عائلتي، في حال حدث لي أي شيء." قالها بصوت خافت يفيض بضعف نادراً ما أظهره. مد تشارلز يده وأمسك بكتف مايكل بقوة: "أعطيك كلمتي يا مايكل. سأحرص على اتحاد عائلتينا." قطع هذا العهد بصوت ثابت. وبهذا، تم إبرام التحالف بين عائلتي باريت وبريسكوت. الوقت الحاضر كان قصر عائلة باريت هادئاً كالمقبرة اليوم؛ فـ "ميسون" يعود أخيراً من فرنسا بعد سنوات طويلة. لكن الظروف المحيطة بعودته كانت هي السبب في جعل المنزل بأكمله على أعصابه. ترجل ميسون من سيارة سوداء أنيقة تلمع تحت شمس الظهيرة. وما إن فتح الباب، حتى خطى ميسون إلى الخارج بجسده الطويل الذي تنبعث منه الهيبة والثقة. عدّل أزرار أكمام بدلته المجهزة خصيصاً له، وكانت ملامحه غير قاطعة بينما كانت أحذيته الجلدية المصقولة تصدر صوتاً على طريق السيارة. توقف للحظة يستوعب المكان الأليف قبل أن يتجه إلى الداخل. مضى نحو مكتب والده في المنزل، وقبضات قلبه تتخبط غضباً. كان تشارلز باريت، والد ميسون، بانتظاره وهو ينظر بهدوء إلى الوثائق التي أمامه. كانت الغرفة مبطنة برفوف الكتب، وتطل نافذة كبيرة منها على أراضي العقار. رفع تشارلز رأسه عندما اقتحم ميسون الغرفة، وكان غضب ابنه واضحاً في كل خطوة. سأل ميسون بحدة دون أن يخفي المرارة في صوته: "لماذا تفعل هذا يا أبي؟" حيّا تشارلز ابنه ببرود وهزة رأس، متجاهلاً النبرة العدائية: "أهلاً بعودتك يا بني." صاح ميسون بنفاذ صبر: "لا تفعل، لا تتصرف وكأنك سعيد لرؤيتي، فأنا وأنت نعلم أنك أنت من أبعدتني في المقام الأول!" تنهد تشارلز، ووضع قلمه جانباً ثم اتكأ إلى الخلف: "أرسلتك إلى فرنسا لتركز وتُعيد حياتك إلى مسارها الصحيح. لقد كنت في حالة يرثى لها، وأنا قدمت لك خدمة." أجاب تشارلز بنبرة موزونة ومضبوطة. "عليك أن تكون ممتناً لأن لديك من يهتم لأمرك." اشتدم فك ميسون وهو يحاول السيطرة على مشاعره: "الشيء الوحيد الذي تهتم لأجله هو نفسك،" رد عليه بصوت خافت ملؤه الاستياء. "أعترف أن حياتي كانت فوضى، لكن هل توقفت يوماً لتفكر أنك كنت السبب؟" تصلبت ملامح تشارلز، لكنه لم يقل شيئاً بينما استمر ميسون: "أمي، زوجتك، توفيت، ولم تمضِ حتى ثلاثة أشهر على ذلك حتى تزوجت مجدداً. أجبرتني على إنهاء علاقتي بـ 'دارسي'، وعندما رفضت، هددتها وأرسلتني إلى فرنسا بحجة إدارة الأعمال هناك." رد تشارلز بصوت صارم: "تزوجت لأنني لم أملك خياراً آخر. ارتكبت بعض الأخطاء بعد وفاة أمك، لكنني فعلت ما اعتقدت أنه الأفضل لك. أما بالنسبة لـ 'دارسي'، فلم أهددها؛ بل طلبت منها فقط أن تحدد ثمنها، وقد فعلت. كانت تطمع في ثروتك فقط يا ميسون." هز ميسون رأسه غير مصدق: "إذاً لماذا غيّرت الاتفاق الذي كان بيننا قبل أن أذهب إلى فرنسا؟" سأل وزاد حنقه. أجاب تشارلز بهدوء: "لم أغيّر الاتفاق يا ميسون. أنت فقط لم تقرأ الاتفاقية بأكملها قبل أن توقع." قبض ميسون على يديه محاولاً كبح غضبه: "أي تحالف أنشأته مع صديقك ليس لي أي علاقة به،" قال وصوته يرتجف من السخط. "لا يمكنك المقامرة بحياتي. أنا حتى لا أعرف من تكون هذه الفتاة، فكيف تتوقع أن ينجح هذا الزواج؟" مال تشارلز إلى الأمام، وكانت نظراته ثابته: "إذاً تعرّف عليها،" قالها بنبرة باردة وقاسية. "الأمر ليس بتلك الصعوبة. أنا وأمك لم نكن نعرف شيئاً عن بعضنا عندما تزوجنا. وإذا رفضت الزواج منها، فيمكنك أن تودع منصب المدير التنفيذي." اتسعت عينا ميسون صدمة: "لا يمكنك أن تكون جاداً يا أبي،" قالها بصوت يملؤه الذهول. "في آخر مرة تحققت فيها، ليس لديك أبناء آخرون، و'جولي' لا تعرف شيئاً عن إدارة الأعمال." ابتسم تشارلز ابتسامة ساخرة لعلمه أنه ضرب على الوتر الحساس: "جاستن قادر تماماً على إدارة الشركة، وأنا متأكد أنه سيقوم بفيض من العمل الممتاز،" أجاب بنبرة تقطر شفاءً ورضا. دارت الأفكار في رأس ميسون، والغضب يسري في جسده كالنار في الهشيم. كان "جاستن" دائماً منافساً له، وشخصاً لم يستطع يوماً الثقة به كلياً. كانت فكرة خسرانه الشركة لصالحه أمرًا لا يُطاق. أخرج ميسون العقد وأراه لوالده قائلاً: "لم يُذكر في العقد أنه يتوجب عليّ الزواج من الشخص الذي تختاره أنت، مما يعني أنني حر في الزواج ممن أختار." رفع تشارلز حاجبيه، وتبدو عليه علامات الفضول: "حسنٌ جداً إذاً،" قالها وابتسامة مكرة ترتسم على شفتيه. "لديك 48 ساعة لتأتي بالفتاة التي تريد الزواج منها، وإذا فشلت في ذلك، فلن يكون أمامك خيار سوى الزواج من 'بلير بريسكوت'." انقشعت ملامح ميسون إلى ابتسامة ساخرة بدوره: "اتفقنا،" قالها بصوت ملؤه الإصرار. "وبالمناسبة يا أبي، لدي بالفعل خطيبة في فرنسا، لذا لن تكون هناك أي مشكلة." اختفت ابتسامة تشارلز فوراً، وشحب لونه. لم يكن ليسمح لابنه بنكث الوعد الذي قطعه لصديقه مايكل. لكن قبل أن يتمكن من الرد، استدار ميسون وغادر الغرفة، تاركاً والده في الذهول والصمت. في هذه الأثناء، في قصر عائلة بريسكوت، كانت "بلير" ووالدتها "لينورا" في أفضل حال. لقد تلقيتا للتو خبر عودة ميسون، وكانت كلتاهما تنتظران بشغف الزواج الذي تم الترتيب له منذ سنوات طويلة. وقفت بلير أمام المرآة تتأمل انعكاس صورتها؛ شعرها المنسدل على ظهرها وعيناها العسليتان تلمعان بالحماس. لم تكن تستطيع الانتظار للزواج من ميسون وتأمين مكانتها أخيراً في عائلة باريت. تابعت لينورا ابنتها بابتسامة فخر، لكن كان في عينيها بريق من الدهاء والتدبير: "تذكري يا حبيبتي، يجب أن تكوني في أفضل تصرفاتك عندما نذهب إلى عائلة باريت غداً." قالت بنبرة حازمة. هزت بلير رأسها بحماس، وهي تتخيل نفسها بالفعل تسير في ممر الزفاف: "لا تقلقي يا أمي، سأحرص على إبهارهم." أجابت وصوتها ممتلئ بالإصرار. عادت "رايفن" إلى المنزل من العمل وهي مجهدة. اتجهت إلى غرفتها لتأخذ حماماً دافئاً قبل النوم. وبينما كانت تمر بغرفة والدتها، سمعت بلير وأمها تتحدثان. في البداية أردات تجاهلهما، لكنها سمعت اسمها، فتوقفت واستمعت باهتمام. كانت لينورا تقول بصوت يملؤه ازدراء: "لماذا لم أفكر في ذلك من قبل؟ لا أطيق وجودها في هذا المنزل بعد الآن. أريدها خارج حياتنا للأبد." هبط قلب رايفن عندما أدركت أنهما تتحدثان عنها. تأففت بلير وطوت ذراعيها: "أعرف، لهذا السبب أخبرتكِ بأن تبعديها منذ البداية. لكنكِ بطيبة قلبكِ أعطيتها فرصة ووقتًا." قالتها بنبرة مشبعة بالسخرية. أطلقت لينورا ضحكة مريرة: "لم أرد فقط أن يعتقد الناس أنني أم سيئة،" أجابت وصوتها يلين قليلاً. "جاءني السيد 'كلينتون' بعرض مذهل؛ طلب الزواج منها، وأنا أبدأ بالاعتقاد أنها فكرة جيدة." تجمد الدم في عروق رايفن عند ذكر اسم السيد كلينتون. كان رجلاً طاعناً في السن ولديه 3 زوجات، وكان الجميع في نيويورك يعلمون ظمأه للفتيات الصغيرات. كانت فكرة الزواج منه لا تُطاق. قلبت بلير عينيها بقلة صبر واضح: "أمي، لا يمكنكِ فعل ذلك. إنه جيد جداً بالنسبة لها،" قالتها وكرهها لرايفن يتجلى في كل كلمة. ورغم أن رايفن لم تعجبها طريقة أختها في القول، إلا أنها لم تستطع منع نفسها من الشعور بالارتياح لمعرفتها أن بلير معارضة للفكرة. ضيقت لينورا عينيها وهي تزن كلمات بلير: "الرجل يبدو وكأنه سيموت في أي لحظة، لذا فهي تستحق ذلك على الأقل." تمتمت دون ذرّة شفقة. هزت بلير رأسها والعبوس يملأ وجهها: "أمي أنتِ لا تفهمين،" قالت بنبرة ينقصها الصبر. "إنه يطاردني منذ فترة؛ وهو تحت سيطرتي بالكامل. يفعل كل ما أطلبه لأنه يراني جميلة. لكن فكري ماذا سيحدث لو تزوج من رايفن؟" تقلب بطن رايفن وهي تحاول استيعاب ما تقوله بلير؛ أدركت أنها تقصد أنه "راعٍ مالي" لها (Sugar Daddy). شعرت رايفن بالقرف وهي تتخيل أختها في الفراش معه. كانت تعلم أن بلير لعوب، لكن هذا كان انحطاطاً كبيراً، حتى بالنسبة لها. نظرت لينورا إلى ابنتها والارتباك يعلو وجهها: "لا أفهم يا حبيبتي، ماذا سيحدث؟" سألت بفضول حقيقي. تنهدت بلير بعجز: "إنها جميلة يا أمي، لا يمكننا الاستمرار في إنكار هذه الحقيقة. إذا تزوجها، ستتلاعب به لتأخذ كل ثروته، وسأصبح أنا طي النسيان،" أوضحت وصوتها يرتفع بإحباط. "إذا كان يتوجب عليها الزواج من أي شخص، فيجب أن يكون شخصاً من طبقة أدنى بكثير." كان قلب رايفن يدق في صدرها بقوة وهي تستوعب هذا الاعتراف الصادم من أختها. لانت ملامح لينورا ومدت يدها لتمسك بذراع بلير: "هذه ليست مشكلة يا حبيبتي،" قالت بنبرة مهدئة. "ستكون لديك ثروة عائلة باريت، لذا ليس لديك ما تقلقين بشأنه." أضاءت عينا بلير عند ذكر عائلة باريت: "آه يا أمي، لا أستطيع الانتظار لأصبح جزءاً من تلك العائلة،" قالت بلهفة وعقلها يسابق الأحداث نحو الحياة المترفة التي تنتظرها. ابتسمت لينورا لابنتها: "ستفعلين يا حبيبتي. سنزورهم غداً،" قالت بنبرة لطيفة ولكن حازمة. "أما بالنسبة لـ 'رايفن'، فسأنهي زواجها من السيد كلينتون حتى تخرج من حياتنا للأبد." انسحبت رايفن بهدوء، وأفكار الهروب تتزاحم في رأسها. لم تكن لتسمح لوالدتها بإجبارها على الزواج من السيد كلينتون. لقد أوضحت والدتها أنها ليست سوى عبء، شخص يجب التخلص منه بمجرد أن سنحت الفرصة. بالعودة إلى قصر باريت، جلس ميسون في الحديقة يسترجع ذكريات وقته في فرنسا وخطيبته "كانديس". كانت الليلة باردة والنجوم تتلألأ في السماء، لكنه كاد لا يلاحظها. كانت كانديس كل ما تمناه يوماً في شريكة حياته: جميلة، ذكية، ومستقلة للغاية. كانا يتواعدان منذ ستة أشهر، لكن ميسون لم يكشف لها عن هويته الحقيقية أبداً؛ تقدم لخطبتها قبل أسبوع من عودته إلى نيويورك، وكان يخطط لكشف هويته لها قبل يوم واحد من زفافهما. كانديس عارضة أزياء شهيرة في فرنسا، وبالنسبة لها، كان ميسون مجرد صحفي عادي، لكنها واعدته رغم أن مكانته كانت أدنى من مكانتها. لقد أبقى هويته الحقيقية سراً ليتأكد من أنها تحبه لشخصه، لا لثرائه أو مكانته. بعد تفكير طويل، قرر ميسون الاتصال بها وطلب مجيئها إلى نيويورك. أخرج هاتفه، وكانت أصابعه تحوم فوق اسم كانديس. وبعد لحظة من التردد، ضغط على زر الاتصال. لم يكن لديه الكثير من الوقت، ورن الهاتف ثلاث مرات قبل أن ترد كانديس.وجهة نظر بليرعدّلتُ نظارتي الشمسية وأنا أدخل إلى وكالة عرض الأزياء الخاصة بأمي، وكانت طقطقة كعبي العالي ترتد على الأرضية الرخامية مع كل خطوة واثقة أخطوها. كنتُ أعلم أن الجميع يراقبونني؛ خبَبْ، هذا كل ما يمكنهم فعله... الإعجاب بي من بعيد. ابتسمت موظفة الاستقبال باضطراب عندما أومأتُ لها برأسي باقتضاب، ولم أكلّف نفسي عناء رد الابتسامة؛ فهي لا تستحق ذلك. كنتُ أشعر بالملل، لكن لم يكن بيدي شيء أفعله؛ فقد كان اليوم مجرد يوم آخر في حياتي حيث يتوجب عليّ أن أكون محط الأنقاض والاهتمام، الشخصية التي تسيطر على كل شيء دوماً، ملكة الجمال المثالية.غير أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة؛ فهذه السيطرة بدأت تتفلت من يدي ببطء، وكان الفضل في ذلك يعود بكامله إلى رايفن. أشعر وكأنني أعيش على أعصابي مؤخراً، وأنا دائماً هكذا عندما يتعلق الأمر بتلك الفتاة المزعجة؛ فهي تعرف دوماً كيف تثير حنقي. نفضتُ تلك الأفكار من رأسي واتجهتُ نحو الاستوديو لبدء جلسة التصوير؛ فلا يمكنني تحمّل إفساد اليوم، وإلا فستغضب أمي. كان عليّ الحفاظ على الصورة التي بذلَت جهداً شاقاً لرسمها.~ ~ ~ ~بعد انتهاء جلسة التصوير، أتيحت لي أخيراً فر
كانت تأمل أن تكون قد نجحت في إحداث وقيعة بينهما. لكن ما لم تدركه ميا هو أن جاستن كانت لديه خططه الخاصة؛ فقد كانت كانديس مجرد بيدق في لعبته، وأداة يستخدمها ضد ابن عمه ميسون. والآن، بعد أن علم بإنها تخطط للسفر إلى نيويورك، بات بإمكانه البدء في تنفيذ مخططاته.~ ~ ~ ~في الصباح التالي في منزل ميسون، كان كل من ميسون ورايفن يتناولان وجبة الفطور. جلس ميسون على رأس الطاولة يرتشف قهوته، بينما كانت رايفن تعبث بطعامها دون رغبة. كان الصمت بينهما ثقيلاً ومحمولاً بكلمات لم تُقل بعد.حاول ميسون بدء حديث عدة مرات، لكن رايفن كانت تجيبه في كل مرة بكلمات مقتضبة ذات حرف واحد، وبنبرة باردة وجافة. لم يكن يسعه لومها؛ فقد قال لها كلمات جرحتها الليلة الماضية، والآن لا يدري كيف يصلح الأمور.أخيراً، كسرت رايفن ذلك الصمت قائلة: "أريد التحدث إلى والدك".كاد ميسون يغص بقهوته؛ فقد كان هذا آخر ما يتوقعه: "ماذا؟ لماذا؟".ردت رايفن بنبرة جليدية: "الأمر لا يتعلق بزواجنا، إن كان هذا ما يقلقك".قطب ميسون حاجبيه محاولاً تخمين ما تريد التحدث عنه. تسارعت أفكاره خشية أن تكتشف الإنذار النهائي الذي وجهه له والده؛ إذ لا يمكنه ا
بالعودة إلى منزل عائلة باريت، وجدت جولي نفسها في موقف لا تحسد عليه. كان الأمر أشبه بحلم يتحقق بالنسبة لها؛ فقد بدأت والدتها فجأة بفيضها بالاهتمام والرعاية. وبعد سنوات من الشعور بالتجاهل والجفاء، حصلت جولي أخيراً على الحب والاهتمام اللذين طالما تتوق إليهما. كانت مارغريت تحضر لها أطباقها المفضلة، وتسألها عن يومها، بل وأخذتها للتسوق ذات مرة. ولأول مرة في حياتها، عرفت جولي كيف يكون شعور حنان الأم.لكن الحلم سرعان ما انقلب إلى كابوس عندما طلبت مارغريت شيئاً لم تستطع جولي تقديمها. في البداية، لم تولي اهتماماً كبيراً لتعليقات والدتها العابرة هنا وهناك حول أن زواج ميسون ورايفن ليس صائباً، وأن ميسون يستحق امرأة أفضل. ولكن في أحد الأمسيات، وبينما كانتا تجلسان في الصالون، ألقت مارغريت قنبلتها.قالت مارغريت بنبرة لطيفة على نحو مخادع: "عزيزتي، لقد كنتُ أفكر... لماذا لا تحاولين إقناع أخيكِ بطلاق تلك الفتاة؟".غاص قلب جولي: "ماذا؟ لا يا أمي، لا يمكنني فعل ذلك!".تضيقت عينا مارغريت، وتلاشى كل الدفء الذي أظهرته طوال أسابيع: "ماذا تقصدين بـ 'لا يمكنني فعل ذلك'؟ هل طلبتُ منكِ يوماً أن تفعلي أي شيء من أج
وجهة نظر رايفنمرت ثلاثة أسابيع منذ تلك الليلة مع ميسون، وكان كل يوم يمضي كأنه جحيم بطيء. لا تزال ذكرى وجودنا معاً تفوح في مخيلتي، لكن ما ألمني أكثر هو التغير المفاجئ في سلوكه؛ فقد تحول من رجل جاف إلى شخص يتجنبني تماماً، وكأننا لم نعد نعيش تحت سقف بيت واحد.بعد تخرجي من الكلية منذ أسبوع، ألقيتُ بنفسي في عالم تصاميمي، محاولةً البدء من الصفر وتشتيت ذهني عن الاضطراب العاطفي الذي يعتصر رأسي. استخدمتُ مدخراتي لشراء كل ما تحتاجه مصممة الأزياء لابتكار ملابس وحقائب مذهلة. قضيتُ معظم أيامي في رسم المخططات والخياطة، محاولةً إبداع شيء جميل رغم الفوضى العارمة في داخلي. ولكن مهما حاولت، لم أستطع التوقف عن التفكير في ميسون.كان جفافه وتجاهله يدفعانني إلى الجنون. كل صباح أستيقظ ولا أجد له أي أثر؛ كان يغادر إلى العمل قبل الفجر ويعود بعد منتصف الليل بكثير، متأكداً من عدم تقاطع طرقنا. لكن الليلة، انتهيتُ من لعب هذه اللعبة؛ كنتُ بحاجة إلى إجابات.قررتُ انتظاره، رافضةً السماح له بالهروب مني كما فعل طوال الأسابيع الثلاثة الماضية. بعد أن أعددتُ لنفسي كوباً من الشاي لأهدئ أعصابي، اتجهتُ إلى غرفته واستلقيتُ
وجهة نظر ميسونترددت، وعيناها ممتلئتان بالألم والغضب: "ذهبتُ إلى منزل أمي اليوم لأخذ بعض أشيائي. ولكن عندما وصلتُ إلى هناك... رأيتُ بلير تحرق كل شيء".~ ~ ~ ~أنهت إخباري بكل ما حدث، وكنتُ أغلي غضباً. قررتُ في داخلي أنني سأقوم بزيارتهم؛ فقد حان الوقت لأوضح لهم الأمور بجلاء.لم أكن أملك أدنى فكرة عن أن رايفن تحب الموضة؛ فلم أسمعها تتحدث عن تصاميمها من قبل. ولكن مجدداً، لم أظهر أبداً اهتماماً بالأشياء التي تفعلها.قالت: "لا أعلم ما الذي فعلتُه ليدفعهم إلى كرهي إلى هذا الحد!". كنتُ قد نسيتُ تقريباً أنني لا أزال في غرفة نومها.قلتُ وأنا أحتضن وجهها بين يديّ: "إنهم يغارون منكِ فحسب يا رايفن. لا تدعيهم يكسرونكِ. لقد دمرتْ تصاميمكِ، وماذا في ذلك؟ إنها لا تزال ملككِ، وإذا صنعتِها مرة فيمكنكِ فعلها مجدداً، بل وبشكل أفضل هذه المرة لأنكِ رايفن... رايفن القوية والموهوبة".حدقت فيّ لفترة طويلة، وعيناها تبحثان في عينيّ وكأنها تفتش عن شيء ما. ثم، وقبل أن أتمكن من إبداء أي رد فعل، مالَت ونكست شفتيها على شفتيّ.كانت القبلة هادئة في البداية، لكنني أخذتُ زمام المبادرة وسرعان ما أصبحت أكثر إلحاحاً ورغبة.
وجهة نظر ميسونعدتُ إلى المنزل في وقت أسبق من المعتاد، وفي ذهني خطط خاصة لهذه الليلة. أردتُ أخذ رايفن للخارج لتناول العشاء، شيء أشبه بموعد غرامي. لا تفهموني خطأ، فأنا لا أكنّ لها أي مشاعر؛ فهذا آخر ما أتمناه بعد تجربتي مع كانديس. كانت أولويتي الوحيدة هي شركتي، ولتحقيق ذلك كان عليّ إيجاد طريقة للوصول إلى قلبها؛ فهذه هي الطريقة الوحيدة التي ستجعلها توافق على إنجاب طفلي. ولكن عندما دخلتُ الشقة، لم تكن رايفن بالمنزل.قطّعتُ حاجبي وأنا ألقي نظرة على ساعتي. كانت تعود عادةً في هذا الوقت بعد محاضراتها. أخرجتُ هاتفي وطلبتُ رقمها. لم تجب، فحاولتُ ثلاث مرات أخرى. رنّ الهاتف لفترة قبل أن تجيب أخيراً.قالت بصوت خافت يرتجف قليلاً: "مرحباً؟".سألتها محاولاً الحفاظ على نبرة خفيفة، رغم تسلل القلق إلى صوتي: "أين أنتِ؟ لقد كنتُ أحاول الوصول إليكِ، هل أنتِ بخير؟".ساد الصمت للظة على الطرف الآخر من الخط، وعندما تحدثت أخيراً، يبدو صوتها متغيرًا: "أنا في طريقي إلى المنزل، وسأكون هناك قريباً".سألتها وقد تعمّق قلقي: "هل أنتِ بخير؟".أغلقت الخط قبل أن أتمكن من الضغط عليها أكثر. حدقتُ في الهاتف والشعور بعدم ال







