مشاركة

الفصل 0004

مؤلف: راقصة ثانوية
إنْ عجزتُ عن الفهم، فلن أرهق نفسي بالسعي إليه.

منذ تلك اللحظة، قررتُ ألا أهدر حياتي على أشخاص لا يعنون لي شيئًا.

انشغلتُ بالمراجعة وزيارة معالم المدينة لتوثيق ذكرياتي الأخيرة فيها.

وفي اليوم المقرر لرحيلي، ذهبتُ إلى مدينة الألعاب.

لكن يا للسخرية، التقيتُ هناك بفارس وجميلة مرة أخرى.

"جيهان، لماذا عدتِ لملاحقتنا مرة أخرى؟"

هكذا تساءلت جميلة بملامح يكسوها تعجبٌ مُصطنع.

ثم تابعت: "طالما تحبين فارس، فعليكِ أن تتقبلي أنه يضع الصداقة في المقام الأول، والحب ثانيًا، نحن مجرد أصدقاء خرجنا للتنزه، أرجوكِ كُفي عن إساءة الفهم".

ها هي الاسطوانة نفسها من جديد، في كل مرة تستخدم هذه الكلمات المسمومة والمغلفة بالبراءة، محاولة دفعي لفقدان أعصابي.

لم أكلف نفسي عناء الرد، واستدرت لأرحل.

لكن فارس أوقفني.

قائلًا: "بما أننا التقينا بالصدفة، فلنقضِ بعض الوقت معًا".

ترددت لوهلة، ثم أدركت الحقيقة، فاهتمام الرجل المفاجئ ليس دائمًا حبًا، بل قد يكون مجرد شعور بالذنب.

تلك القبلة التي جمعته بجميلة كانت في النهاية تجاوزًا صريحًا لكل الحدود.

قالت جميلة: "فارس، أريد آيس كريم".

بمجرد أن أبعدت فارس بهذا الطلب، وجهت لي جميلة نظرة عدائية.

قالت: "أنتِ حقًا كالشبح لا تفارقينا! بقاؤه معك ليس إلا شفقة، أما من يحبها حقًا فهي أنا".

سألتها أخيرًا عن اللغز الذي طالما حيرني: "بما أنكِ تعتبرينه مجرد صديق، فلماذا يهمكِ إذًا من يحب؟"

سخرت قائلة: "في الماضي لم يكن يلفت نظري أصلًا، أما الآن أصبح ناجحًا ومميزًا، وأصبح يليق بي".

وتابعت بغرور: "الرجل لا يقدر مَن تركض خلفه وتتودد إليه مثلكِ، بل يهيم عشقًا بمَن تمنحه القليل وتمنع عنه الكثير، هكذا فقط سيظل مهووسًا بي للأبد".

ثم هددت وقالت: "أعلم أنكما حجزتما موعدًا للطلاق اليوم. اذهبي وأنهي الإجراءات بهدوء، وإلا سأريكِ وجهي الآخر!"

قبل أن يتسنى لي رؤية وجهها الآخر الذي توعدتني به، دب الاضطراب فجأة في الحشد.

اندلع شجار عنيف بين رجلين بسبب الازدحام في الطابور.

وإذا بجسدٍ ضخم يندفع نحونا بسرعة البرق.

وعلى مقربة منا، رأيت فارس وهو يلقي بالآيس كريم من يده. ويصرخ بهلع: "جيجي".

هرع نحونا والخوف يملأ عينيه. وفي لمح البصر، جذب جميلة التي كانت تقف بجانبي، واحتضنها ليدفعها بعيدًا عن الخطر.

أما أنا، فقد أطاح بي الاصطدام أرضًا، وشعرتُ بالدماء الدافئة تسيل على وجهي حتى حجبت الرؤية تمامًا.

كان يجب أن أفهم ذلك منذ البداية. أنه حين صرخ، كان ينادي جميلة وليس أنا.

ذهبتُ إلى المستشفى وحدي لأضمد جراحي، وعند مغادرتي، لمحت فارس يهرع نحوي بأنفاسٍ متلاحقة.

فتح باب المقعد الأمامي للسيارة، ودفعني للداخل دون أن يمنحني فرصة للاعتراض.

قال: "جميلة فقدت الوعي من رؤية الدماء، اطمأننتُ عليها وجئتُ إليكِ في أسرع وقت".

عند إشارة المرور، كان ينقر بأصابعه على عجلة القيادة، ثم بدا كمن حسم أمره وقال: "أعترف أنني أهملتُكِ في السابق، لكن حين وقع الحادث قبل قليل، أدركتُ أن الشخص الأهم في حياتي ليس جميلة، بل أنتِ".

ثم تابع بنبرةٍ حانية: "جيجي، لنذهب معًا لإلغاء طلب الطلاق، أعِدُكِ أنني لن أسمح لأحد أن يظلمكِ بعد اليوم".

كان جرحي ينبض بالألم، وشعرتُ بالذهول، أخيرًا قرر فارس أن يختارني بصدق، وأخيرًا كانت كلمة جيجي موجهة لي أنا.

في الماضي، ربما كانت هذه الكلمات كفيلة بأن تجعلني أبكي فرحًا.

لكن فات الأوان.

فلن أنسى أبدًا، أنه في لحظة الخطر الحقيقي.

لم يكن يركض نحوي.

قال ضاحكًا وهو يربت على رأسي: "أصابتكِ السعادة بالذهول؟"

ثم أضاف: "في المساء، سأقدم لكِ مفاجأة طالما تمنيتِها".

حقًا؟ لكن يا فارس، الشيء الوحيد الذي أتمناه الآن هو الابتعاد عنك.

ما إن توقفت السيارة أمام مكتب السجل المدني، حتى رن هاتفه بالنغمة المخصصة لجميلة.

"فارس، أشعر أن هناك من يلاحقني، أنا خائفة جدًا"...

تردد للحظة، ثم ناولني الأوراق وقال لي: "اذهبي وألغي طلب الطلاق، سأذهب إليها وأعود فورًا. صدقيني، هي الآن مجرد صديقة، عليكِ أن تثقي بي".

أجبتُ بهدوءٍ تام: "حسنًا".

كان هدوئي غريبًا.

وكأن هذا ليس لقاءنا الأخير.

بعد أن استلمتُ وثيقة الطلاق، ألقيتُ نظرةً أخيرة على هذا المكان الذي سكنتُه لسبع سنوات. المكان الذي ظننته يومًا بيتًا، فإذا به يتحول تدريجيًا إلى قيدٍ يكبل روحي.

وضعتُ نسخة فارس من الوثيقة على مكتبه.

وبجانبها فلاشة، كانت هذه مفاجأتي له.

أو ربما صدمة عمره.

فداخلها لم تكن هناك حقيقة جميلة المقززة فحسب، بل أسرار ترقياته السريعة طوال تلك السنوات.

حتى وأنا أرحل، لم أفكر لحظة في مسامحتهما.

فلو فعلت، كيف سأواجه نفسي التي خُدعت لعشر سنوات وغرقت في بحور الألم؟

وقبل أن يحل الظلام، استدرتُ ورحلت، ولم ألتفت خلفي أبدًا.
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • عساها حرة كالنسيم   الفصل 0020

    "أي سوء تفاهم؟"تقديرًا لرشا، وضعت السيدة نغم حذاءها أخيرًا، واستندت إلى كتفي لتنتعله.جلسنا نحن الأربعة على المقاعد الحجرية في الحديقة.خيم الصمت على الوجوه.ثم قالت رشا: "أنا وزين خطوبتنا زائفة، فأنا في الحقيقة أميلُ للنساء، وهو كذلك لا تستهويه النساء، لذا قررنا التعاون بهذا الارتباط الصوري لإسكات عائلتينا.""ماذا؟"ارتجف صوت السيدة نغم، وارتسمت على وجهها في تلك اللحظة ملامح بؤسٍ شديد.وقالت: "يا بني، أهون عليّ أن تكون زيرَ نساء من أن ينقطع نسل عائلة الرشيد على يديك!"ثم استدركت بحيرة، وهي تهزّ رأسها قائلة: "لا، لا، هذا أيضًا لا يجوز، فكلاهما أمر لا يُطاق. لا يمكن أن تكون زيرَ نساءٍ أبدًا..."وضع زين يده على جبينه وقال: "ثمة سوء فهم في كلامكِ، كل ما في الأمر أنني لم أقابل فتاة أحبها طوال حياتي، وكنت أجد العمل أكثر متعة. لذا فضلتُ التعاون مع رشا بدلًا من الزواج بامرأة لا أحبها وأظلمها معي."ثم التفت إليّ، وبدت ملامحه الواثقة دائمًا مشوبة بحمرة خجل خفيفة وتابع: "حتى رأيتُ جيجي في ذلك اليوم.""ذُهلتُ من رد فعلي في لقائنا الأول.""فحتى لو كان وجهًا مألوفًا، لم يكن من المفترض أن أفقد رزان

  • عساها حرة كالنسيم   الفصل 0019

    لم أذهب إلى جلسة المحاكمة.وحين سمعتُ أن فارس يريد رؤيتي، انتابتني الدهشة.فهو يعلم جيدًا أنني أنا مَن قدم الأدلة للشرطة.وبسبب ذلك أُعيد إلى البلاد، ليواجه مصيره خلف القضبان.في ظل ظروف كهذه، كيف لا يحمل في قلبه حقدًا أو كراهية؟لم أستطع أن أحسم أمري في تلك اللحظة.في ذلك الوقت، تلقيتُ اتصالًا من السيدة نغم تدعوني لتناول العشاء."جيجي، لماذا أصبحتِ نحيفة هكذا؟ عليكِ أن تأكلي كثيرًا اليوم."في كل مرة نلتقي فيها، تقول إنني فقدتُ الوزن.أدركتُ أخيرًا معنى مقولة، هناك نوعٌ من النحافة، لا يراها إلا أهلك.في الحقيقة، كنتُ أحسد الأطفال الآخرين منذ صغري حين أرى اهتمام والديهم بهم.كنتُ أفكر حينها، لو أن أمي ما زالت هنا، لكنتُ أنا أيضًا جوهرتها المدللة.لم أكن أتخيل أنه بعد كل هذه السنين، سأجد من يحبني من جديد.أثق أن أمي في السماء ستشعر براحة وطمأنينة كبيرة حين تعرف ذلك.عادةً ما يكون زين ووالده مشغولين جدًا بالعمل، لذا تقتصر زياراتي لمنزلهم غالبًا على لقاء السيدة نغم.لكن اليوم، حضر زين أيضًا، وكان برفقته خطيبته رشا المهدي.ألقيتُ عليهما التحية بكل أدب.ردت رشا التحية، لكنها كانت تختلس النظر

  • عساها حرة كالنسيم   الفصل 0018

    "هدوء!"طرق القاضي بمطرقته، لكنه مع ذلك منحها فرصة للدفاع عن نفسها.انفجرت جميلة في نوبة بكاء مريرة كانت الدموع تنهمر على وجهها بغزارة."أنا مظلومة، لم أكن أنا وفارس سوى صديقين ليس إلا.""تلك القبلة كانت مجرد لعبة، لم تكن حقيقية أبدًا.هو كان يحبني منذ صغرنا، لكنني كنتُ أصده دائمًا، وأصدقاؤنا يمكنهم الشهادة بذلك!"وتابعت: "وعندما رأيتُ الرأي العام يهاجمه، خشيتُ أن يُساء فهمه، وبدافع الشهامة وافقتُ على عقد قراني به، كان زواجًا صوريًا فقط!من كان يظن أنه سيلقي بقاذوراته عليّ، محاولًا جعلي كبش فداء ليحملني جرائمه وديونه.""كنتُ ساذجة وطيبة القلب حين حاولتُ مساعدة هذا الشيطان. الآن أدركتُ حقيقته، أريد الطلاق منه، لا علاقة لي بكل ما حدث!"ورغم شحوب ملامح جميلة وإرهاقها الشديد، فإن دموعها لم تتوقف، وكان صوتها يرتجف وهي تنتحب.وبالفعل، أثارت كلماتها قدرًا من التعاطف.أما فارس، اكتفى بابتسامة ساخرة وباردة، قبل أن يطلب من محاميه تقديم الأدلة.ثم قال: "اتخذت جميلة من الصداقة قناعًا، لكن الحقيقة هي أنها عادت إلى البلاد بهدفٍ واحد، وهو تدمير عائلتي. إنها امرأة تمرست على لعب دور العشيقة."توالت الص

  • عساها حرة كالنسيم   الفصل 0017

    "جيجي، هذا أنا."في ذلك اليوم، تلقيتُ مكالمة من الخارج.ولم يخطر ببالي أبدًا أن يصلني عبر الهاتف صوت فارس، مجهدًا قليلًا هذه المرة.تابع قائلًا: "ليس لدي الكثير من الوقت، لذا سأختصر الكلام. أعلم أنني حطمتُ قلبكِ، ولا ألومكِ على تلك المعلومات التي فضحتِني بها، لكنني الآن متأكد تمامًا من مشاعري.""أنا حقًا أحبكِ.""ربما شاهدتِ الأخبار، أنا الآن خارج البلاد ومعي مبالغ طائلة من المال، تعالي إليّ ما رأيكِ؟ لنذهب إلى مكان أشبه بالجنة، مكانٍ منعزلٍ عن العالم، ونعش معًا بسلام. ألم تقولي ذات مرة إن المكان الذي أكون فيه هو بيتكِ؟ أعطني فرصة أخرى أرجوكِ، أقسم لكِ أمام السماء أنني منذ الآن لن أحب سواكِ."طوال تلك السنين التي قضيناها معًا، نادرًا ما كان فارس يفصح عن مشاعره بهذا الإسهاب.طوال تلك العشر سنوات، لو أنه منحني نصف هذا الصدق آنذاك، لما سعَتني الدنيا من الفرح.لكن، كيف ظن أن كل شيء يمكن أن يعود كما كان بعد كل ما حدث؟كيف يجرؤ بكل برود على محو كل آلامي الماضية بجملة واحدة، سأحبكِ في المستقبل؟أجبته بهدوء قاطع: "لن آتي إليك، لأنني راضية تمامًا عن حياتي الآن.""والأهم من ذلك، أنني لم أعد أحبك

  • عساها حرة كالنسيم   الفصل 0016

    كانت السيدة نغم في غاية الدهشة."ما الذي تقوله يا فتى؟ أريد أن أتخذ جيهان ابنةً لي بالتبنّي، فلماذا تعترض؟"أجاب زين بهدوءٍ تام، دون أن تتغيّر ملامحه: "أرغب في أن أبقى الابن الوحيد."ثم أضاف: "يمكنكِ الاهتمام بها، وأنا سأدعمكِ في ذلك، لكن لا يمكننا إتمام التبني رسميًا."شعرت السيدة نغم بمزيج من الغضب والإحراج.حتى أنها كادت أن تنهال عليه بضربات حقيبتها الـهيرميس.فكادت صورتها كسيدة أرستقراطية رزينة أن تنهار.أمسكتُ بيدها لتهدئتها.ففي العائلات الثرية، تكون هذه الأمور حساسة للغاية.فوجود ابنة جديدة بالتبني يمثل تهديدًا لزين في تقسيم الميراث.من حيث العاطفة والمنطق، كان موقفه مفهومًا.وهكذا، أصبح لدي خالة تهتم بي منذ ذلك الحين.عدا ذلك، لم تتغير حياتي كثيرًا.مضت أيامي وأنا غارقة في العمل على المشروع والسعي نحو التطور، مستمتعة بذلك الشعور الغامر بالإنجاز.ومع مرور الوقت، بدأت ضغوط العمل تخف قليلًا، فصار لدي أخيرًا متسع من الوقت والطاقة لمتابعة أحوال فارس.سمعتُ أن فيديو قبلته مع جميلة سُرّب في نفس الليلة التي غادرتُ فيها.ولم أكن بحاجة للتفكير لأفهم أن تلك المسرحية كانت من تأليف وإخراج ج

  • عساها حرة كالنسيم   الفصل 0015

    بدا الارتباك واضحًا على ملامحي.لماذا قد تبحث السيدة نغم عني؟وبحالةٍ من الذهول، وجدتُ نفسي أقف عند باب المختبر، لأرى سيدةً أرستقراطيةً أنيقة، تجلس داخل سيارة فارهة، تترقب خروجي بلهفة.ما إن وقعت عيناها عليّ، حتى نزلت من السيارة مسرعة، وقد بدا التأثر واضحًا على ملامحها.ثم قالت: "أنا صديقة والدتك نرمين."وأمسكت بيدي، وأخذت تتأملني طويلًا، قبل أن تفيض عيناها بالدموع.حين رأت علامات الدهشة على وجهي، حاولت أن تسيطر على انفعالاتها."أعتذر منكِ، يبدو أنني أخفتُكِ، أنتِ جيهان أليس كذلك؟ لا أعلم إن كان لديكِ متسع من الوقت الآن؟ أو أم نؤجل إلى وقت يناسبك، هل يمكننا تناول الغداء معًا لنتحدث قليلًا؟ لدى خالتكِ الكثير من الكلام لتخبركِ به."ألقيت التحية على رئيس الفريق بكلمات سريعة، ثم جلست في سيارة السيدة نغم.وخلال الطريق، اتضحت لي القصة كاملة.واكتشفت أن السيدة نغم لم تكن مجرد صديقة، بل كانت رفيقة درب والدتي وأعز صديقاتها.فتاتان نشأتا معًا في ملجأ للأيتام، تقاسمتا مرارة الحياة ودعمتا بعضهما البعض كجسدٍ واحد.وعندما تم تبني كل واحدة منهما على حدة في زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال متوفرة، تعاهدتا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status