مشاركة

الفصل 0003

مؤلف: راقصة ثانوية
إنها جميلة.

كان فارس يجلس مقابلها، وحتى ظهره كان يبدو مفعمًا بالحنان.

كان يقشر لها الروبيان بعناية، ثم يقربه من شفتيها.

وهي تفتح فمها لتأكل بكل عفوية.

فتحت عينيها على وسعهما، وارتسمت على وجهها ابتسامة وقالت: "يا إلهي! الطعم لم يتغير منذ عشر سنوات، لا يزال كما هو، أنا أحبه بشدة."

رد عليها فارس "وأنا أيضًا لم أتغير، هل يعجبك ذلك؟"

واستمر في تقشير الروبيان وكأنه يمزح معها.

لكن ظهره الذي تصلب فجأة، فضحَ حقيقة توتره.

حدقت جميلة بدهشة، ثم عبست شفتيها وقالت: "يا لك من كاذب! لقد تغيرت كليًا، فلديك الآن زوجة."

ألقت عليّ نظرة خاطفة بطرف عينيها، ونبرتها مليئة بتحدٍ متعمد وشعور بالتفوق: "اعترف الآن! هذا المطعم الدوار، وحوض السمك الكبير، ورحلات السفينة في نهر الكستناء... كل هذه الأماكن المليئة بذكرياتنا، هل أخذتَها إليها؟"

أجابها دون تردد: "أبدًا، لم أفعل."

بلا وعي، ضغطت على راحة يدي بقوة.

اتضح لي الآن أن انشغاله المتكرر لم يكن سوى أعذار واهية؛ لقد كان في الحقيقة يحمي ذكرياتهما معًا.

أما أنا، فلم أكن يومًا جزءًا من عالمه.

قالت جميلة وعلى وجهها مزيج من الغرور والدلال: "هكذا أفضل" ثم تابعت: "أنت وعدتني أن أبقى دائمًا الأولى، وإذا تجرأت وأخلفت وعدك، فسوف ألتهمك هكذا!" ثم قضمت قطعة الروبيان من بين أصابعه بفتحة فم واسعة، متظاهرةً بأنها شخصٌ شرس لا يُستهان به.

تصرفاتها وكلماتها المتصنعة، كانت كعلكة التصقت بشعري؛ تثير في نفسي الاشمئزاز والضيق، لكنني لا أستطيع التخلص منها مهما فعلت.

أما هو، فقد اكتفى بابتسامته وقال: "أنتِ حقًا لن تكبري أبدًا."

ثم تابع وقال: "كل ما تطلبينه سيُنفذ يا أميرتي."

في تلك اللحظة، ارتسمت على شفتي جميلة ابتسامة المنتصر، والتفتت نحوي وكأنها قد انتبهت لوجودي للتو.

قالت بذهول مصطنع: "آه، جيهان؟ ماذا تفعلين هنا؟"

استدار فارس فجأة.

لمع في عينيه توتر لم أر له مثيل، لكن سرعان ما استبدلها غضب عارم.

قال بصوتٍ حاد: "أنتِ تلاحقينني؟"

ثم تابع بغضب: "جيهان، أولًا هددتِني بالطلاق، والآن تتبعينني، من أين تعلمتِ كل هذه الأساليب الدنيئة؟"

"مهما كانت طبيعة العلاقة بين البشر، يجب أن يترك كل طرف للآخر مساحة من الحرية.

بتصرفاتك هذه، كل ما تفعلينه هو دفعِي بعيدًا عنك أكثر، أنتِ…"

توقفت كلمات توبيخه فجأة حين لمح احمرار عينيّ.

صمت لحظة، ثم سحب الكرسي الفارغ إلى جانبه.

وقال بهدوء: "بما أنكِ أتيتِ بالفعل، فلنأكل معًا."

ربما كانت هذه المرة الأولى التي يلاحظ فيها حزني، وهو يقف أمام جميلة.

تلاشت ابتسامتها المتفاخرة فجأة.

لكنَّ حزني هذه المرة لم يعد سببه أنه لا يحبني، بل كان شفقةً على نفسي لأنني أهدرت عشر سنوات من عمري مع شخص لا يستحق.

قلتُ بهدوء: "لم أكن ألاحقك، جئتُ فقط لتناول الطعام، ثم إن لي مقعدي الخاص." وبعد أن أنهيت كلماتي، تجاوزتهما دون أن ألتفت.عبرت نصف القاعة وجلست في المقعد الذي حجزته مسبقًا.وفي تلك البقعة التي غاب فيها عن ناظري، بدأت معالم الليل الفاتنة تنسابُ أمامي ببطءٍ وجمال.

أدركتُ أن الحياة دون فارس مذهلة.

في تلك الليلة، لم يعد فارس إلى المنزل.

لكن لأول مرة فعل شيئًا لم يفعله من قبل وأرسل لي رسالة: "هناك تجمع الليلة، مجرد مجموعة من الأصدقاء. لا تذهبي بظنونكِ بعيدًا."

حدّقتُ بدهشة في رسالة إثبات الحضور هذه، التي طالما تمنيتها في الماضي.

لكن لم يعد في قلبي أي شعور بالفرح، لم يبقَ سوى السخرية.

وفي تلك الأثناء، كان هاتفي يعرض مقطع فيديو أرسلته جميلة للتو.

كانوا في غرفة كبار الزوار الصاخبة، يلعبون لعبة "ما عندي أنا، ليس عند الآخرين."

وبما أنهم جميعًا أصدقاء منذ الطفولة، كانت مسارات حياتهم متشابهة للغاية.

وبعد عدة جولات، ظلّ الجميع متعادلين دون فائز.

فجأة، أمسكت جميلة بياقة قميص فارس، جذبته نحوها، وطبعت قبلةً على شفتيه.

وبعد مرور خمس دقائق كاملة، أفلتت فارس.وقالت: "لقد قبّلتُ فارس، فمن منكم فعل ذلك أيضًا؟ لا أحد، إذن أنا الفائزة!" ثم تشبثت بذراعه، وراحت تلوّح بعلامة النصر وهي في قمة سعادتها.

وقالت: "استعرت فم فارس فقط لإشباع هذه الرغبة اللعينة في الفوز، فلا يسيء أحد فهم صداقتنا."

أما أنا، فكان كل تركيزي منصبًا على صورته في الفيديو.

على مدار سنواتنا العشر معًا، كان دائمًا متزنًا، عقلانيًا، وهادئًا.

لكنني لم أرَه يومًا مرتبكًا بهذا الشكل، حتى شحمة أذنيه احمرت.

أكتشفتُ أنه يمتلك مشاعر فياضة هو الآخر، لكنها لم تكن يومًا من نصيبي.تذكرتُ حين كانت جميلة تتباهى أمامي قائلة، إنهما كبرا معًا، وكان يشتري لها الفطور، ويوصلها للمنزل، ويكتب لها القصائد، ويخوض المعارك من أجلها... فعل كل ما يمكن فعله من أمور مليئة بالعاطفة والحرارة. لكنني لم أفهم، إن كانت حقًا لا تحبه، فلماذا تستمر في إرسال الرسائل لاستفزازي وإثارة غضبي مرة تلو الأخرى؟ بل ولماذا بادرت حتى بتقبيله؟
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • عساها حرة كالنسيم   الفصل 0020

    "أي سوء تفاهم؟"تقديرًا لرشا، وضعت السيدة نغم حذاءها أخيرًا، واستندت إلى كتفي لتنتعله.جلسنا نحن الأربعة على المقاعد الحجرية في الحديقة.خيم الصمت على الوجوه.ثم قالت رشا: "أنا وزين خطوبتنا زائفة، فأنا في الحقيقة أميلُ للنساء، وهو كذلك لا تستهويه النساء، لذا قررنا التعاون بهذا الارتباط الصوري لإسكات عائلتينا.""ماذا؟"ارتجف صوت السيدة نغم، وارتسمت على وجهها في تلك اللحظة ملامح بؤسٍ شديد.وقالت: "يا بني، أهون عليّ أن تكون زيرَ نساء من أن ينقطع نسل عائلة الرشيد على يديك!"ثم استدركت بحيرة، وهي تهزّ رأسها قائلة: "لا، لا، هذا أيضًا لا يجوز، فكلاهما أمر لا يُطاق. لا يمكن أن تكون زيرَ نساءٍ أبدًا..."وضع زين يده على جبينه وقال: "ثمة سوء فهم في كلامكِ، كل ما في الأمر أنني لم أقابل فتاة أحبها طوال حياتي، وكنت أجد العمل أكثر متعة. لذا فضلتُ التعاون مع رشا بدلًا من الزواج بامرأة لا أحبها وأظلمها معي."ثم التفت إليّ، وبدت ملامحه الواثقة دائمًا مشوبة بحمرة خجل خفيفة وتابع: "حتى رأيتُ جيجي في ذلك اليوم.""ذُهلتُ من رد فعلي في لقائنا الأول.""فحتى لو كان وجهًا مألوفًا، لم يكن من المفترض أن أفقد رزان

  • عساها حرة كالنسيم   الفصل 0019

    لم أذهب إلى جلسة المحاكمة.وحين سمعتُ أن فارس يريد رؤيتي، انتابتني الدهشة.فهو يعلم جيدًا أنني أنا مَن قدم الأدلة للشرطة.وبسبب ذلك أُعيد إلى البلاد، ليواجه مصيره خلف القضبان.في ظل ظروف كهذه، كيف لا يحمل في قلبه حقدًا أو كراهية؟لم أستطع أن أحسم أمري في تلك اللحظة.في ذلك الوقت، تلقيتُ اتصالًا من السيدة نغم تدعوني لتناول العشاء."جيجي، لماذا أصبحتِ نحيفة هكذا؟ عليكِ أن تأكلي كثيرًا اليوم."في كل مرة نلتقي فيها، تقول إنني فقدتُ الوزن.أدركتُ أخيرًا معنى مقولة، هناك نوعٌ من النحافة، لا يراها إلا أهلك.في الحقيقة، كنتُ أحسد الأطفال الآخرين منذ صغري حين أرى اهتمام والديهم بهم.كنتُ أفكر حينها، لو أن أمي ما زالت هنا، لكنتُ أنا أيضًا جوهرتها المدللة.لم أكن أتخيل أنه بعد كل هذه السنين، سأجد من يحبني من جديد.أثق أن أمي في السماء ستشعر براحة وطمأنينة كبيرة حين تعرف ذلك.عادةً ما يكون زين ووالده مشغولين جدًا بالعمل، لذا تقتصر زياراتي لمنزلهم غالبًا على لقاء السيدة نغم.لكن اليوم، حضر زين أيضًا، وكان برفقته خطيبته رشا المهدي.ألقيتُ عليهما التحية بكل أدب.ردت رشا التحية، لكنها كانت تختلس النظر

  • عساها حرة كالنسيم   الفصل 0018

    "هدوء!"طرق القاضي بمطرقته، لكنه مع ذلك منحها فرصة للدفاع عن نفسها.انفجرت جميلة في نوبة بكاء مريرة كانت الدموع تنهمر على وجهها بغزارة."أنا مظلومة، لم أكن أنا وفارس سوى صديقين ليس إلا.""تلك القبلة كانت مجرد لعبة، لم تكن حقيقية أبدًا.هو كان يحبني منذ صغرنا، لكنني كنتُ أصده دائمًا، وأصدقاؤنا يمكنهم الشهادة بذلك!"وتابعت: "وعندما رأيتُ الرأي العام يهاجمه، خشيتُ أن يُساء فهمه، وبدافع الشهامة وافقتُ على عقد قراني به، كان زواجًا صوريًا فقط!من كان يظن أنه سيلقي بقاذوراته عليّ، محاولًا جعلي كبش فداء ليحملني جرائمه وديونه.""كنتُ ساذجة وطيبة القلب حين حاولتُ مساعدة هذا الشيطان. الآن أدركتُ حقيقته، أريد الطلاق منه، لا علاقة لي بكل ما حدث!"ورغم شحوب ملامح جميلة وإرهاقها الشديد، فإن دموعها لم تتوقف، وكان صوتها يرتجف وهي تنتحب.وبالفعل، أثارت كلماتها قدرًا من التعاطف.أما فارس، اكتفى بابتسامة ساخرة وباردة، قبل أن يطلب من محاميه تقديم الأدلة.ثم قال: "اتخذت جميلة من الصداقة قناعًا، لكن الحقيقة هي أنها عادت إلى البلاد بهدفٍ واحد، وهو تدمير عائلتي. إنها امرأة تمرست على لعب دور العشيقة."توالت الص

  • عساها حرة كالنسيم   الفصل 0017

    "جيجي، هذا أنا."في ذلك اليوم، تلقيتُ مكالمة من الخارج.ولم يخطر ببالي أبدًا أن يصلني عبر الهاتف صوت فارس، مجهدًا قليلًا هذه المرة.تابع قائلًا: "ليس لدي الكثير من الوقت، لذا سأختصر الكلام. أعلم أنني حطمتُ قلبكِ، ولا ألومكِ على تلك المعلومات التي فضحتِني بها، لكنني الآن متأكد تمامًا من مشاعري.""أنا حقًا أحبكِ.""ربما شاهدتِ الأخبار، أنا الآن خارج البلاد ومعي مبالغ طائلة من المال، تعالي إليّ ما رأيكِ؟ لنذهب إلى مكان أشبه بالجنة، مكانٍ منعزلٍ عن العالم، ونعش معًا بسلام. ألم تقولي ذات مرة إن المكان الذي أكون فيه هو بيتكِ؟ أعطني فرصة أخرى أرجوكِ، أقسم لكِ أمام السماء أنني منذ الآن لن أحب سواكِ."طوال تلك السنين التي قضيناها معًا، نادرًا ما كان فارس يفصح عن مشاعره بهذا الإسهاب.طوال تلك العشر سنوات، لو أنه منحني نصف هذا الصدق آنذاك، لما سعَتني الدنيا من الفرح.لكن، كيف ظن أن كل شيء يمكن أن يعود كما كان بعد كل ما حدث؟كيف يجرؤ بكل برود على محو كل آلامي الماضية بجملة واحدة، سأحبكِ في المستقبل؟أجبته بهدوء قاطع: "لن آتي إليك، لأنني راضية تمامًا عن حياتي الآن.""والأهم من ذلك، أنني لم أعد أحبك

  • عساها حرة كالنسيم   الفصل 0016

    كانت السيدة نغم في غاية الدهشة."ما الذي تقوله يا فتى؟ أريد أن أتخذ جيهان ابنةً لي بالتبنّي، فلماذا تعترض؟"أجاب زين بهدوءٍ تام، دون أن تتغيّر ملامحه: "أرغب في أن أبقى الابن الوحيد."ثم أضاف: "يمكنكِ الاهتمام بها، وأنا سأدعمكِ في ذلك، لكن لا يمكننا إتمام التبني رسميًا."شعرت السيدة نغم بمزيج من الغضب والإحراج.حتى أنها كادت أن تنهال عليه بضربات حقيبتها الـهيرميس.فكادت صورتها كسيدة أرستقراطية رزينة أن تنهار.أمسكتُ بيدها لتهدئتها.ففي العائلات الثرية، تكون هذه الأمور حساسة للغاية.فوجود ابنة جديدة بالتبني يمثل تهديدًا لزين في تقسيم الميراث.من حيث العاطفة والمنطق، كان موقفه مفهومًا.وهكذا، أصبح لدي خالة تهتم بي منذ ذلك الحين.عدا ذلك، لم تتغير حياتي كثيرًا.مضت أيامي وأنا غارقة في العمل على المشروع والسعي نحو التطور، مستمتعة بذلك الشعور الغامر بالإنجاز.ومع مرور الوقت، بدأت ضغوط العمل تخف قليلًا، فصار لدي أخيرًا متسع من الوقت والطاقة لمتابعة أحوال فارس.سمعتُ أن فيديو قبلته مع جميلة سُرّب في نفس الليلة التي غادرتُ فيها.ولم أكن بحاجة للتفكير لأفهم أن تلك المسرحية كانت من تأليف وإخراج ج

  • عساها حرة كالنسيم   الفصل 0015

    بدا الارتباك واضحًا على ملامحي.لماذا قد تبحث السيدة نغم عني؟وبحالةٍ من الذهول، وجدتُ نفسي أقف عند باب المختبر، لأرى سيدةً أرستقراطيةً أنيقة، تجلس داخل سيارة فارهة، تترقب خروجي بلهفة.ما إن وقعت عيناها عليّ، حتى نزلت من السيارة مسرعة، وقد بدا التأثر واضحًا على ملامحها.ثم قالت: "أنا صديقة والدتك نرمين."وأمسكت بيدي، وأخذت تتأملني طويلًا، قبل أن تفيض عيناها بالدموع.حين رأت علامات الدهشة على وجهي، حاولت أن تسيطر على انفعالاتها."أعتذر منكِ، يبدو أنني أخفتُكِ، أنتِ جيهان أليس كذلك؟ لا أعلم إن كان لديكِ متسع من الوقت الآن؟ أو أم نؤجل إلى وقت يناسبك، هل يمكننا تناول الغداء معًا لنتحدث قليلًا؟ لدى خالتكِ الكثير من الكلام لتخبركِ به."ألقيت التحية على رئيس الفريق بكلمات سريعة، ثم جلست في سيارة السيدة نغم.وخلال الطريق، اتضحت لي القصة كاملة.واكتشفت أن السيدة نغم لم تكن مجرد صديقة، بل كانت رفيقة درب والدتي وأعز صديقاتها.فتاتان نشأتا معًا في ملجأ للأيتام، تقاسمتا مرارة الحياة ودعمتا بعضهما البعض كجسدٍ واحد.وعندما تم تبني كل واحدة منهما على حدة في زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال متوفرة، تعاهدتا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status