LOGINحين أخبرني بأن توثيق زواجنا سيتأجل، كنت قد رفعت ملعقة الحساء للتو. "لنؤجله إلى المرة القادمة." وضع إياس الحداد شوكته، وقال بنبرة عابرة، كأنه يعلّق على جمال الطقس. أخذت ملعقة من حساء الشوفان، ومضغت ما في فمي ثم ابتلعته. "حسنًا." ألقى عليّ نظرة. خفض رأسه ليلتقط بعض الطعام بشوكته، ثم رفع عينيه ونظر إليّ مرة أخرى. "ألست غاضبة؟" تناولت ملعقة أخرى من الحساء، وقلت بهدوء: "لست غاضبة." كان قد مضى على حفل زفافنا ستة أشهر، وهذه هي المرة السابعة عشرة التي يتأجل فيها توثيق زواجنا. اعتاد هو الأمر. واعتدته أنا أيضًا. تناولت حساء الشوفان على مهل، أمضغ وأبتلع ببطء، حتى أفرغت الوعاء ملعقة بعد أخرى. أما هو، فلم يمد يده إلى الطعام بعد ذلك. وحين فرغت من آخر ملعقة من الحساء، نهضت لأجمع الأطباق وأرتب المائدة. وعندما مررت بجواره، أمسك بمعصمي. "أريج السعدي، يوم الاثنين المقبل. سأكون متفرغًا بالتأكيد الأسبوع المقبل." "لقد أقمنا حفل الزفاف بالفعل، فلا بأس إن انتظرنا بضعة أيام أخرى." "اطمئني، لن أخلف موعدي هذه المرة بالتأكيد." خفضت بصري إلى يده، ثم رفعت عينيّ إليه وابتسمت قائلة: "حسنًا." خلال الأشهر الستة الماضية، قال "الأسبوع المقبل" تسع مرات، و"بالتأكيد" ثلاث عشرة مرة، و"اطمئني" ست عشرة مرة. ومع ذلك، لم نوثق زواجنا رسميًا حتى الآن. ولن نفعل ذلك في الأسبوع المقبل أيضًا. لأنني هذه المرة، أنا من سيخلف الموعد.
View Moreلم أجب."أعرف أن كل ما أقوله الآن لن يجدي نفعا."مسح دموعه بيده."لكنني تغيرت حقا. نقلت جمانة إلى مكان آخر، ولم يعد بيني وبينها أي تواصل.""كل ما أفكر فيه كل يوم هو أنت: كيف تأكلين، وكيف تنامين، وكيف تمضين يومك في العمل. أريد أن أتصل بك، لكنني أخشى أن أزعجك. وأريد أن آتي لرؤيتك، لكنني أخشى أن تضيقي بي."رفع رأسه، وكانت عيناه حمراوين."لكنني لم أعد أحتمل. لا أستطيع العيش من دونك."نظرت في عينيه.كان فيهما خوف وتوسل وصدق وشعور بالذنب."لكنني لم أعد أحبك."غرق المكان في صمت مطبق.وبعد صمت طويل، قال بصوت أجش خشن كورق الصنفرة:"ألم... تعد لي أي فرصة؟"لم أجب.ظل ينظر في عيني، وكأنه يحاول أن يعثر فيهما على الإجابة.وفي النهاية، خفض رأسه وأكمل ما بقي في الطبق.وضع الشوكة، ثم نهض."شكرا لأنك أعددت لي المعكرونة." ثم قال: "سأعود غدا.""إياس."توقف."لا داعي لأن تأتي مجددا."تصلب ظهره.قلت: "أنا لا أكرهك ولا ألومك، لكنني مضيت قدما بالفعل."ظل صامتا وقتا طويلا.ثم استدار ونظر إلي."أعرف." وأضاف: "لكنني مستعد للانتظار.""إلى متى؟""حتى يأتي اليوم الذي تلتفتين فيه لتنظري إليّ ولو مرة واحدة."ابتسم،
رفعت رأسي."لكن ذلك كان كل ما قلته يومها."تجمد في مكانه."لم تقل إنك تريد الزواج مني."تغيرت ملامح وجهه فجأة."قلت إنك ستحميني طوال حياتك، وإنك ستحبني إلى الأبد. قلت أشياء كثيرة، لكنك لم تقل إنك ستقبل بي زوجة لك."سحبت يدي من قبضته."لم أنتبه إلى ذلك حينها. ظننت أنك كنت متوترا فنسيت. لكنني فكرت في الأمر لاحقا، وربما لم تفكر قط في الزواج مني حقا.""بلى، فكرت!" ارتفع صوته فجأة. "كنت أريد ذلك! وقد استعددت له طويلا...""إذن، لماذا لم تذهب لتوثيق زواجنا؟"فتح فمه، لكنه عجز عن الإجابة."لأنك كنت ترى أنني أصبحت لك بالفعل. وسواء وثقنا زواجنا أم لا، فلن يغير ذلك شيئا في نظرك.""لكنك نسيت أننا من الناحية القانونية لسنا زوجين."شحبت ملامحه في الحال."إياس، عد إلى البلد."استدرت واتجهت نحو شقتي.صاح من خلفي: "أريج! سأنتظرك هنا! سأظل أنتظر حتى تسامحيني!"لم ألتفت.ولم يرحل إياس حقا.بقي في باريس شهرا كاملا، وكان يأتي كل يوم لينتظر أمام المبنى الذي أسكن فيه.كان شتاء باريس قارسا، وأحيانا كانت الثلوج تتساقط، فيقف وسطها مرتديا معطفه الأسود، كأنه تمثال.عندما أعود من العمل، أجده هناك.وعندما أخرج صباح
أصبحت لغتي الفرنسية أكثر طلاقة، وصرت أكثر تمكنا من عملي.وقال بيير إنه سيعهد إليّ في ربيع العام المقبل بقضية أتولاها بمفردي.في تلك الليلة، عدت إلى شقتي بعد انتهاء العمل الإضافي، فرأيت عند مدخل المبنى هيئة مألوفة.كان يقف تحت عمود الإنارة مرتديا معطفا أسود، وفي يده باقة من الزهور.وما إن رآني حتى أسرع نحوي."أريج."كان إياس.كان قد نحف حتى تغيرت ملامحه. غارت عيناه وبرزت عظام وجنتيه، وتشققت شفتاه، وكأنه لم يأكل أو ينم جيدا طوال شهر كامل.وقفت في مكاني من دون أن أتحرك."لماذا أتيت؟""جئت لأراك." كان صوته مبحوحا. "لم أعد أستطيع الانتظار.""ماذا تنتظر؟"قال: "أن تعودي. لكنك لا تجيبين عن رسائلي ولا تردين على مكالماتي، فلم يبق أمامي سوى أن آتي إليك."نظرت إلى الزهور في يده، كانت ورودا بيضاء.زهوري المفضلة.قال بصوت مرتجف: "طوال الأشهر الثلاثة الماضية، كنت أفكر فيك كل يوم."لم أقل شيئا."تذكرت أول مرة التقينا فيها. كنت ترتدين تلك البدلة الرمادية وتقفين في المحكمة الصورية. حينها قلت لنفسي إنني لا بد أن أتزوج هذه المرأة.""وتذكرت موعدنا الأول، عندما اصطحبتك إلى ذلك المطعم الشعبي الصغير. كنت سعي
"أريج!""إياس، أرجوك دعني وشأني."أنهيت المكالمة وأغلقت هاتفي.أسرع زميلي الذي جاء لاستقبالي نحوي، واعتذر بالفرنسية عن تأخره.ابتسمت وهززت رأسي، ثم تبعته إلى خارج مبنى المطار.كان ليل باريس أبرد من ليالي الوطن، وكانت الريح تحمل معها نفحة غريبة لم آلفها.أخذت نفسا عميقا، وكأنني أخرجت معه السنوات الخمس الماضية كلها من صدري.بعد شهر، كنت أجلس بجوار النافذة في مقهى صغير يدعى لو ماريه، في الدائرة التاسعة في باريس.كان أمامي طبق من الكرواسون وكوب من قهوة اللاتيه.في الشارع خارج النافذة، كان المارة يسيرون على عجل. بعضهم يصطحب كلبا، وبعضهم يدفع عربة طفل، وآخرون يتوقفون أمام أكشاك الكتب على جانب الطريق."أريج؟"رفعت رأسي، فرأيت رجلا فرنسيا أشقر الشعر أزرق العينين يقف أمام الطاولة، وفي يده ملف."بيير،" نهضت ورحبت به بالفرنسية بطلاقة: "تفضل بالجلوس."كان بيير شريكا في مكتب المحاماة، ورئيسي المباشر حاليا.كان في أوائل الأربعينيات من عمره، أنيقا ولبقا. وقيل إنه كان أصغر محام متخصص في المرافعات في باريس.جلس وطلب فنجانا من قهوة الإسبريسو، ثم سألني: "هل اعتدت الحياة في باريس؟""نعم، الأمور تسير على م












reviews