LOGINلا عودة
غادرت أم مالك الغرفة بعد حديثها. وتركتني وحدي. وحيدة تمامًا للمرة الأولى منذ سنوات. الغرفة هادئة. باردة. لا يُسمع فيها سوى صوت الأجهزة الطبية المنتظمة. أما داخلي فكان عاصفة كاملة. أغمضت عيني. وحاولت أن أستوعب كل ما سمعته. سمر. الخيانة. العلاج النفسي. الانهيار العصبي. الشك. الخوف. المرض. كل شيء أصبح واضحًا الآن. واضحًا بصورة موجعة. لكن وضوح الحقيقة لم يخفف الألم. بل زاده. لأنني اكتشفت أنني كنت أدفع ثمن حرب لم أبدأها أصلًا. حرب بدأت بين مالك وسمر. وانتهت فوق جسدي أنا. مرّت ساعات طويلة. لم أتكلم خلالها مع أحد. كنت أحدق في السقف فقط. وأفكر. لأول مرة منذ زواجي لم أبكِ. لم أصرخ. لم أشتكِ. شعرت أن شيئًا ما مات بداخلي. شيء كان يجعلني أتمسك بالأمل. أو أبحث عن أعذار. أو أصدق أنه سيتغير. انتهى كل ذلك. تمامًا. ... في المساء دخل والدي إلى الغرفة. كان يبدو أكبر من عمره بعشر سنوات. عيناه حمراوان من السهر. ووجهه شاحب. اقترب مني وجلس بجواري. ثم أمسك يدي. — كيف حالك يا ابنتي؟ نظرت إليه طويلًا. ولم أجب. شعرت بالخنقة تعود إلى صدري. لكني قاومتها. قال بعد لحظات: — مالك نادم. أدرت وجهي إلى الناحية الأخرى. فأكمل بسرعة: — يبكي منذ الأمس. ويطلب رؤيتك. ويقول إنه لم يقصد. ضحكت. ضحكة صغيرة ومؤلمة. ثم نظرت إليه. — وهل سيعيد الندم ذراعي المكسورة؟ سكت. — هل سيزيل آثار الضرب؟ هل سيعيد لي سنوات الخوف؟ هل سيجعلني أنام دون أن أفزع من صوته؟ خفض والدي رأسه. أما أنا فشعرت لأول مرة أنني أقول ما بداخلي دون خوف. — أبي... رفع رأسه نحوي. — لو خرجت من هنا وعدت إليه فسأموت. هذه المرة لن أعيش. ولن ينجو طفلي أيضًا. ساد الصمت. صمت طويل. ثم قال بصوت متعب: — لكنه زوجك. ابتسمت بمرارة. — وكان من المفترض أن يكون سندي. لا جلادي. ... غادر أبي الغرفة بعد ذلك. وعرفت من عينيه أنه بدأ يفهم. ولو متأخرًا. ... في صباح اليوم التالي جاءت الطبيبة. كانت تحمل بعض الأوراق. جلست أمامي وقالت بهدوء: — الشرطة تريد أخذ أقوالك عندما تسمح حالتك. نظرت إلى الأوراق. شعرت أن حياتي كلها تقف عند تلك اللحظة. كلمة واحدة مني. وقد يدخل مالك السجن. كلمة واحدة. وقد أعود إلى الدائرة نفسها من جديد. الخوف. الضرب. الاعتذار. ثم الضرب مرة أخرى. ... وضعت يدي على بطني. شعرت بحركة صغيرة. ضعيفة. لكنها موجودة. ابتسمت رغم دموعي. طفلي ما زال يقاوم. ما زال يتمسك بالحياة. فلماذا لا أفعل أنا أيضًا؟ ... رفعت رأسي نحو الطبيبة. وسألتها: — إذا تنازلت الآن... هل سيتغير؟ نظرت إليّ طويلًا. ثم قالت بصراحة: — لا أستطيع أن أعدك بشيء. لكنني أستطيع أن أقول إن ما حدث ليس حادثًا عابرًا. إنه نمط متكرر. وكان من الممكن أن ينتهي بموتك. ... أغمضت عيني. ثم فتحتها من جديد. وشعرت بشيء يعود إليّ. شيء فقدته منذ سنوات. كرامتي. ... مددت يدي نحو الأوراق. وقلت بصوت ثابت لأول مرة: — أريد تسجيل أقوالي. ابتسمت الطبيبة. أما أنا فشعرت أن القيود التي كانت تخنق روحي بدأت تتكسر. ببطء. لكنها تتكسر. ... في تلك اللحظة تحديدًا أدركت حقيقة مهمة. أنا لا أحارب مالك فقط. بل أحارب الخوف الذي زرعه داخلي. والمرأة التي ستخرج من هذه المعركة... لن تكون وعد القديمة أبدًا. بل امرأة جديدة. تعرفت أخيرًا إلى قوتها.الفصل الثاني والعشرون والأخيرحياة بعد النجاةأغلقت الهاتف ببطء.وما زالت كلمات عميد الكلية تتردد في أذني....— مبروك يا دكتورة وعد... تم قبولك رسميًا في البعثة....أغمضت عيني للحظة....سنوات طويلة حلمت بهذه الجملة.سنوات طويلة كنت أرى مستقبلي يقترب ثم يبتعد.مرة بسبب الظروف.ومرة بسبب الخوف.ومرة بسبب شخص آخر كان يقرر عني....أما اليوم...فلا أحد يقرر غيري....جلست على الأريكة أحتضن صغيرتي.بينما كانت تثرثر بكلماتها الطفولية التي لا أفهم نصفها....ضحكت رغمًا عني....وفجأة أدركت شيئًا....أنا نجوت....نجوت حقًا....ليست النجاة من مالك فقط.بل من النسخة القديمة مني.النسخة التي كانت تخاف من الاعتراض.وتخاف من الرفض.وتخاف من خسارة الناس أكثر من خوفها من خسارة نفسها....بعد أيام قليلة كنت أقف داخل المطار....أبي يقف بجانبي.وأمي تمسح دموعها كل دقيقة....أما صغيرتي فكانت مندهشة من كل شيء حولها....اقترب مني أبي.وظل صامتًا للحظات....ثم قال بصوت مبحوح:— سامحيني يا بنتي....نظرت إليه....فأكمل:— كنت أظن أنني أحميك.لكنني كنت أدفعك إلى النار بيدي....امتلأت عيناه بالدمو
الفصل الحادي والعشرونالرسالةمرّت ثلاثة أسابيع منذ صدور الحكم.ثلاثة أسابيع كاملة لم أسمع فيها اسم مالك.ولأول مرة منذ سنوات طويلة أصبحت أيامي هادئة.هادئة بشكل غريب....عدت إلى جامعتي.عدت إلى محاضراتي.وعدت إلى أحلامي التي دفنتها طويلًا....كانت إجراءات البعثة تسير بصورة جيدة.وبدأت أجهز أوراق السفر.أما صغيرتي فكانت تقفز حولي طوال الوقت وهي تظن أن السفر مجرد نزهة طويلة....في ذلك الصباح كنت أجلس أراجع بعض الأوراق عندما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب....فتحت لأجد ساعي البريد....ناولني ظرفًا أبيض صغيرًا....لم يكن عليه سوى اسمي....أغلقت الباب وعدت إلى الداخل.ثم فتحت الظرف....وتجمدت....لأن أول ما وقع عليه بصري كان اسم المرسل....مالك....شعرت بشيء ينقبض داخل صدري....ظلت الرسالة بين يدي دقائق طويلة قبل أن أقرر قراءتها....وأخيرًا فتحتها...."وعد...إذا وصلت إليك هذه الرسالة فهذا يعني أن الحكم صدر بالفعل.ولا أعلم إن كنتِ ستقرئين كلماتي للنهاية أم لا.لكنني سأكتبها على أي حال.ليس لأنني أبحث عن عفو.ولا لأنني أريد منكِ شيئًا.بل لأن هناك أمورًا كان يجب أن أقولها منذ س
الفصل العشرونالكلمة الأخيرةمر الأسبوع أسرع مما توقعت.أو ربما كنت أنا من توقفت عن عد الأيام.فمنذ الجلسة الأخيرة وأنا أعيش حالة غريبة.لا خوف.ولا راحة.شيء بينهما.كأنني أقف على باب مرحلة جديدة من حياتي وأنتظر فتحه....في صباح يوم الحكم استيقظت مبكرًا.جلست أمام المرآة أتأمل انعكاسي.كانت آثار الكدمات قد بدأت تختفي تدريجيًا.لكن هناك آثارًا أخرى لا يراها أحد.آثارًا أعمق.في القلب.وفي الذاكرة.وفي الروح....دخلت أمي الغرفة.نظرت إليّ للحظات.ثم اقتربت ورتبت خصلات شعري برفق.كما كانت تفعل وأنا صغيرة....— هل أنتِ بخير؟سألتني بصوت خافت....ابتسمت ابتسامة هادئة.— لا أعلم.لكنني مستعدة....ربتت على كتفي.ولم تقل شيئًا آخر....وصلنا إلى المحكمة قبل بدء الجلسة بقليل.كانت القاعة أكثر ازدحامًا من المرات السابقة.الجميع ينتظر النهاية.أو ما يظنه نهاية....جلست في مكاني.وبجواري أبي.وأمي....رفعت بصري لأجد مالك في الجهة المقابلة....كان أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.لا يبدو غاضبًا.ولا متوترًا.ولا حتى حزينًا....فقط مرهق.كأن السنوات كلها سقطت فوق كتفيه دفعة واحدة....التقت أعي
بين العدالة والرحمةخرجت من مكتب القاضي وأنا أشعر بثقل غريب فوق كتفي.سؤال واحد فقط.لكنه كان كافيًا ليبعثر كل أفكاري...."هل تريدين أن يبقى مالك والدًا في حياة ابنتكما؟"...طوال الطريق إلى المنزل لم أستطع التوقف عن التفكير.كنت أظن أن معركتي انتهت.أن القضية تدور حول حقي أنا.حول ما تعرضت له.حول سنوات الخوف والإهانة.لكن فجأة وجدت نفسي أمام سؤال أكبر.سؤال يتعلق بابنتي....حين وصلت إلى المنزل كانت الصغيرة تلعب في غرفة الجلوس.ما إن رأتني حتى ركضت نحوي.احتضنت ساقيها الصغيرة.ورفعت يديها تطلب مني حملها....جلست على الأريكة وضممتها إلى صدري.فأخذت تضحك وتداعب وجهي بيديها الصغيرتين....شعرت بدموعي تقترب....هذه الطفلة لا تعرف شيئًا.لا تعرف معنى المحاكم.ولا معنى الخيانة.ولا معنى العنف....كل ما تعرفه أن لديها أمًا تحبها.وأبًا كانت تفرح حين يعود إلى المنزل....وضعت رأسي فوق شعرها الناعم.وأغمضت عيني....هل من حقي أن أحرمها من والدها؟...وهل من حقي أن أعيده إلى حياتها بعدما كاد يقتل أمها؟...كان السؤال مؤلمًا.مؤلمًا أكثر مما توقعت....في تلك الليلة لم أستطع النوم....جلس
الاعتراف الكامللم تنتهِ الجلسة في ذلك اليوم.بعد اعتراف مالك المفاجئ قرر القاضي تأجيل النطق بالحكم وإعطاء المحكمة فرصة لسماع أقوال إضافية.لكن شيئًا ما تغير داخل القاعة.لم يعد الأمر مجرد قضية عنف أسري.بل أصبح قصة كاملة من الانكسارات والأخطاء والقرارات المدمرة....بعد انتهاء الجلسة اقترب أحد رجال الأمن من مالك.لكن مالك طلب من القاضي السماح له بالكلام.ولو لدقائق معدودة....تبادل الجميع النظرات.ثم وافق القاضي....وقف مالك ببطء.كانت عيناه مرهقتين.وصوته أضعف مما عرفته يومًا.لكنه بدا صادقًا.صادقًا بصورة مؤلمة....قال وهو ينظر إلى الأرض:— لا أطلب شفقة من أحد.ولا أبحث عن عذر.وأعلم أن ما فعلته لا يُغتفر.لكنني أريد قول الحقيقة كاملة....ساد الصمت....— عندما تركتني سمر...لم أخسر خطيبتي فقط.خسرت نفسي....نظر إلى يديه للحظة.ثم أكمل:— كنت أظن أنني قوي.ومتزن.وقادر على تجاوز أي شيء.لكنني اكتشفت أنني أضعف مما تخيلت....توقفت عيناه عند والدته الجالسة في آخر القاعة....— أمي تعرف كم كنت محطمًا وقتها.كنت أستيقظ كل يوم وأنا أبحث عن سبب يجعلني أنهض من السرير....انخفض رأس و
شهادة فراسساد الصمت داخل قاعة المحكمة.الجميع ينظر إلى الرجل الذي وقف فجأة طالبًا الإدلاء بشهادته.أما مالك فبدا وكأنه رأى شبحًا من الماضي.كانت عيناه مثبتتين على فراس دون أن يرمش.بينما شعرت أنا بأن قطعة جديدة من الحكاية على وشك أن تنكشف....نظر القاضي إلى الأوراق التي قدمها الرجل ثم سأله:— ما علاقتك بالقضية؟أجاب بهدوء:— اسمي فراس عبدالعزيز.وكنت صديقًا لمالك في الجامعة.كما أنني أحد الأشخاص المرتبطين بسبب انهياره النفسي الأول....ارتفعت همسات الحاضرين.بينما ازداد توتر مالك بصورة واضحة....قال القاضي:— تفضل....أخذ فراس نفسًا عميقًا.ثم نظر نحو مالك للحظات قبل أن يتحدث....— طوال سنوات كنت أعتقد أن الصمت هو أفضل حل.لكن بعدما علمت بما حدث للسيدة وعد قررت أن أتكلم....شعرت بيدي تنقبض فوق المقعد....أكمل:— نعم.كنت أعرف سمر.لكن الحقيقة ليست كما ظن الجميع....رفع مالك رأسه فجأة....— ماذا تقصد؟...نظر إليه فراس مباشرة....— أقصد أنني لم أكن على علاقة بها كما اعتقدت....ساد الصمت....حتى القاضي توقف عن تدوين الملاحظات....أما مالك فبدا كأن الكلمات أصابته بصدمة....







