Home / الرومانسية / عشق سادي / الفصل العاشر

Share

الفصل العاشر

last update publish date: 2026-06-13 04:55:52

المواجهة الأولى

لم أنم تلك الليلة.

رغم المسكنات.

ورغم الإرهاق.

ورغم أن جسدي كان يصرخ من الألم.

كلما أغمضت عيني رأيت نفسي أسقط على الدرج من جديد.

ورأيت يد مالك.

وسمعت صوته.

وسمعت صرخة أمه.

"وعد ليست سمر."

الجملة كانت تطاردني بلا رحمة.

...

مع شروق الشمس دخلت الطبيبة إلى غرفتي.

كانت تبدو أكثر جدية من المعتاد.

ألقت التحية ثم قالت:

— هناك محقق من النيابة يريد الاستماع إلى أقوالك.

شعرت بتوتر يجتاحني.

رغم أنني كنت صاحبة الحق.

ورغم أنني صاحبة الجرح.

إلا أن الأمر لم يكن سهلاً.

لم أتخيل يومًا أن أصل إلى هذه المرحلة.

أن أجلس وأتحدث عن زوجي كما لو كان مجرمًا.

...

بعد دقائق دخل رجل في منتصف العمر.

قدم نفسه بهدوء.

وجلس أمامي.

ثم فتح ملفًا سميكًا.

وقال:

— أريدك أن تخبريني بما حدث بالتفصيل.

...

في البداية تعثرت الكلمات.

لكن شيئًا فشيئًا بدأت أتحدث.

عن الخطبة.

عن الغيرة.

عن الصراخ.

عن المنع.

عن الضرب.

عن الخوف الذي عشته سنوات.

...

كلما تحدثت أكثر شعرت بثقل ينزاح عن صدري.

وكأنني أخرج السم الذي تراكم داخلي طوال تلك السنوات.

...

عندما انتهيت أغلق المحقق الملف.

ثم قال:

— هل تعرضتِ للضرب سابقًا؟

نظرت إليه.

ثم إلى ذراعي المكسورة.

وأجبت:

— نعم.

...

— أكثر من مرة؟

— نعم.

...

كتب شيئًا في أوراقه.

ثم قال:

— وهل ترغبين في استكمال الإجراءات القانونية؟

تذكرت كلمات أبي.

وتذكرت دموع أم مالك.

وتذكرت نظرات الندم التي رأيتها على وجهه قبل أن أفقد وعيي.

...

لكنني تذكرت أيضًا الخوف.

الخوف الذي كنت أعيشه كل يوم.

...

رفعت رأسي.

وأجبت بثبات:

— نعم.

...

انتهى التحقيق.

وغادر الجميع الغرفة.

لكن بعد ساعة تقريبًا حدث ما لم أتوقعه.

...

دخل شرطي إلى الغرفة.

وخلفه مالك.

...

توقفت أنفاسي.

...

كان يرتدي ملابس الحجز.

ووجهه شاحب بصورة مخيفة.

ولحيته غير مرتبة.

وعيناه غارقتان في السواد.

...

بدا أكبر بعشر سنوات دفعة واحدة.

...

تجمدت في مكاني.

أما هو فظل ينظر إليّ.

طويلاً.

طويلاً جدًا.

...

ثم انهمرت دموعه.

لأول مرة أراه يبكي.

...

قال بصوت مبحوح:

— وعد...

أدرت وجهي بعيدًا.

...

— انظري إليّ أرجوك.

...

لم أفعل.

...

— أقسم بالله لم أقصد.

...

ضحكت بمرارة.

— لم تقصد ماذا؟

كسر ذراعي؟

أم قتل طفلك؟

أم قتلي أنا؟

...

ارتجف جسده.

وكأن كلماتي أصابته في صدره.

...

— أنا مريض يا وعد.

...

التفت نحوه فجأة.

...

— وأنا ما ذنبي؟

...

ساد الصمت.

...

— ما ذنبي أن أدفع ثمن مرضك؟

ما ذنبي أن أعيش خائفة؟

ما ذنبي أن أُعاقب على ذنب امرأة أخرى؟

...

أخفض رأسه.

ولم يجد إجابة.

...

اقترب خطوة.

فوقف الشرطي في طريقه.

...

قال مالك بصوت مكسور:

— سامحيني.

...

أغمضت عيني.

...

كم مرة سمعت هذه الكلمة؟

بعد كل صراخ.

بعد كل إهانة.

بعد كل كسر داخلي.

...

سامحيني.

...

ثم يعود كل شيء كما كان.

...

فتحت عيني.

ونظرت إليه للمرة الأخيرة.

...

— أنا سامحتك كثيرًا يا مالك.

أكثر مما ينبغي.

لكن هذه المرة مختلفة.

...

رفع رأسه ببطء.

...

— ماذا تقصدين؟

...

شعرت بقوة غريبة تسري داخلي.

قوة لم أعرفها من قبل.

...

فقلت بوضوح:

— هذه المرة سأختار نفسي.

...

اتسعت عيناه.

...

أما أنا فواصلت:

— انتهى الأمر.

...

للمرة الأولى منذ عرفته...

لم أكن خائفة منه.

...

وللمرة الأولى منذ عرفني...

أدرك أنه فقد السيطرة إلى الأبد.

...

خرج مالك من الغرفة محاطًا بالشرطة.

بينما بقيت أنا أنظر إلى الباب المغلق.

...

وأشعر أن فصلًا كاملاً من حياتي قد انتهى.

لكن فصلًا آخر...

كان على وشك أن يبدأ.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عشق سادي   الأخير

    الفصل الثاني والعشرون والأخيرحياة بعد النجاةأغلقت الهاتف ببطء.وما زالت كلمات عميد الكلية تتردد في أذني....— مبروك يا دكتورة وعد... تم قبولك رسميًا في البعثة....أغمضت عيني للحظة....سنوات طويلة حلمت بهذه الجملة.سنوات طويلة كنت أرى مستقبلي يقترب ثم يبتعد.مرة بسبب الظروف.ومرة بسبب الخوف.ومرة بسبب شخص آخر كان يقرر عني....أما اليوم...فلا أحد يقرر غيري....جلست على الأريكة أحتضن صغيرتي.بينما كانت تثرثر بكلماتها الطفولية التي لا أفهم نصفها....ضحكت رغمًا عني....وفجأة أدركت شيئًا....أنا نجوت....نجوت حقًا....ليست النجاة من مالك فقط.بل من النسخة القديمة مني.النسخة التي كانت تخاف من الاعتراض.وتخاف من الرفض.وتخاف من خسارة الناس أكثر من خوفها من خسارة نفسها....بعد أيام قليلة كنت أقف داخل المطار....أبي يقف بجانبي.وأمي تمسح دموعها كل دقيقة....أما صغيرتي فكانت مندهشة من كل شيء حولها....اقترب مني أبي.وظل صامتًا للحظات....ثم قال بصوت مبحوح:— سامحيني يا بنتي....نظرت إليه....فأكمل:— كنت أظن أنني أحميك.لكنني كنت أدفعك إلى النار بيدي....امتلأت عيناه بالدمو

  • عشق سادي   الفصل الحادي والعشرون

    الفصل الحادي والعشرونالرسالةمرّت ثلاثة أسابيع منذ صدور الحكم.ثلاثة أسابيع كاملة لم أسمع فيها اسم مالك.ولأول مرة منذ سنوات طويلة أصبحت أيامي هادئة.هادئة بشكل غريب....عدت إلى جامعتي.عدت إلى محاضراتي.وعدت إلى أحلامي التي دفنتها طويلًا....كانت إجراءات البعثة تسير بصورة جيدة.وبدأت أجهز أوراق السفر.أما صغيرتي فكانت تقفز حولي طوال الوقت وهي تظن أن السفر مجرد نزهة طويلة....في ذلك الصباح كنت أجلس أراجع بعض الأوراق عندما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب....فتحت لأجد ساعي البريد....ناولني ظرفًا أبيض صغيرًا....لم يكن عليه سوى اسمي....أغلقت الباب وعدت إلى الداخل.ثم فتحت الظرف....وتجمدت....لأن أول ما وقع عليه بصري كان اسم المرسل....مالك....شعرت بشيء ينقبض داخل صدري....ظلت الرسالة بين يدي دقائق طويلة قبل أن أقرر قراءتها....وأخيرًا فتحتها...."وعد...إذا وصلت إليك هذه الرسالة فهذا يعني أن الحكم صدر بالفعل.ولا أعلم إن كنتِ ستقرئين كلماتي للنهاية أم لا.لكنني سأكتبها على أي حال.ليس لأنني أبحث عن عفو.ولا لأنني أريد منكِ شيئًا.بل لأن هناك أمورًا كان يجب أن أقولها منذ س

  • عشق سادي   الفصل العشرون

    الفصل العشرونالكلمة الأخيرةمر الأسبوع أسرع مما توقعت.أو ربما كنت أنا من توقفت عن عد الأيام.فمنذ الجلسة الأخيرة وأنا أعيش حالة غريبة.لا خوف.ولا راحة.شيء بينهما.كأنني أقف على باب مرحلة جديدة من حياتي وأنتظر فتحه....في صباح يوم الحكم استيقظت مبكرًا.جلست أمام المرآة أتأمل انعكاسي.كانت آثار الكدمات قد بدأت تختفي تدريجيًا.لكن هناك آثارًا أخرى لا يراها أحد.آثارًا أعمق.في القلب.وفي الذاكرة.وفي الروح....دخلت أمي الغرفة.نظرت إليّ للحظات.ثم اقتربت ورتبت خصلات شعري برفق.كما كانت تفعل وأنا صغيرة....— هل أنتِ بخير؟سألتني بصوت خافت....ابتسمت ابتسامة هادئة.— لا أعلم.لكنني مستعدة....ربتت على كتفي.ولم تقل شيئًا آخر....وصلنا إلى المحكمة قبل بدء الجلسة بقليل.كانت القاعة أكثر ازدحامًا من المرات السابقة.الجميع ينتظر النهاية.أو ما يظنه نهاية....جلست في مكاني.وبجواري أبي.وأمي....رفعت بصري لأجد مالك في الجهة المقابلة....كان أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.لا يبدو غاضبًا.ولا متوترًا.ولا حتى حزينًا....فقط مرهق.كأن السنوات كلها سقطت فوق كتفيه دفعة واحدة....التقت أعي

  • عشق سادي   الفصل التاسع عشر

    بين العدالة والرحمةخرجت من مكتب القاضي وأنا أشعر بثقل غريب فوق كتفي.سؤال واحد فقط.لكنه كان كافيًا ليبعثر كل أفكاري...."هل تريدين أن يبقى مالك والدًا في حياة ابنتكما؟"...طوال الطريق إلى المنزل لم أستطع التوقف عن التفكير.كنت أظن أن معركتي انتهت.أن القضية تدور حول حقي أنا.حول ما تعرضت له.حول سنوات الخوف والإهانة.لكن فجأة وجدت نفسي أمام سؤال أكبر.سؤال يتعلق بابنتي....حين وصلت إلى المنزل كانت الصغيرة تلعب في غرفة الجلوس.ما إن رأتني حتى ركضت نحوي.احتضنت ساقيها الصغيرة.ورفعت يديها تطلب مني حملها....جلست على الأريكة وضممتها إلى صدري.فأخذت تضحك وتداعب وجهي بيديها الصغيرتين....شعرت بدموعي تقترب....هذه الطفلة لا تعرف شيئًا.لا تعرف معنى المحاكم.ولا معنى الخيانة.ولا معنى العنف....كل ما تعرفه أن لديها أمًا تحبها.وأبًا كانت تفرح حين يعود إلى المنزل....وضعت رأسي فوق شعرها الناعم.وأغمضت عيني....هل من حقي أن أحرمها من والدها؟...وهل من حقي أن أعيده إلى حياتها بعدما كاد يقتل أمها؟...كان السؤال مؤلمًا.مؤلمًا أكثر مما توقعت....في تلك الليلة لم أستطع النوم....جلس

  • عشق سادي   الفصل الثامن عشر

    الاعتراف الكامللم تنتهِ الجلسة في ذلك اليوم.بعد اعتراف مالك المفاجئ قرر القاضي تأجيل النطق بالحكم وإعطاء المحكمة فرصة لسماع أقوال إضافية.لكن شيئًا ما تغير داخل القاعة.لم يعد الأمر مجرد قضية عنف أسري.بل أصبح قصة كاملة من الانكسارات والأخطاء والقرارات المدمرة....بعد انتهاء الجلسة اقترب أحد رجال الأمن من مالك.لكن مالك طلب من القاضي السماح له بالكلام.ولو لدقائق معدودة....تبادل الجميع النظرات.ثم وافق القاضي....وقف مالك ببطء.كانت عيناه مرهقتين.وصوته أضعف مما عرفته يومًا.لكنه بدا صادقًا.صادقًا بصورة مؤلمة....قال وهو ينظر إلى الأرض:— لا أطلب شفقة من أحد.ولا أبحث عن عذر.وأعلم أن ما فعلته لا يُغتفر.لكنني أريد قول الحقيقة كاملة....ساد الصمت....— عندما تركتني سمر...لم أخسر خطيبتي فقط.خسرت نفسي....نظر إلى يديه للحظة.ثم أكمل:— كنت أظن أنني قوي.ومتزن.وقادر على تجاوز أي شيء.لكنني اكتشفت أنني أضعف مما تخيلت....توقفت عيناه عند والدته الجالسة في آخر القاعة....— أمي تعرف كم كنت محطمًا وقتها.كنت أستيقظ كل يوم وأنا أبحث عن سبب يجعلني أنهض من السرير....انخفض رأس و

  • عشق سادي   الفصل السابع عشر

    شهادة فراسساد الصمت داخل قاعة المحكمة.الجميع ينظر إلى الرجل الذي وقف فجأة طالبًا الإدلاء بشهادته.أما مالك فبدا وكأنه رأى شبحًا من الماضي.كانت عيناه مثبتتين على فراس دون أن يرمش.بينما شعرت أنا بأن قطعة جديدة من الحكاية على وشك أن تنكشف....نظر القاضي إلى الأوراق التي قدمها الرجل ثم سأله:— ما علاقتك بالقضية؟أجاب بهدوء:— اسمي فراس عبدالعزيز.وكنت صديقًا لمالك في الجامعة.كما أنني أحد الأشخاص المرتبطين بسبب انهياره النفسي الأول....ارتفعت همسات الحاضرين.بينما ازداد توتر مالك بصورة واضحة....قال القاضي:— تفضل....أخذ فراس نفسًا عميقًا.ثم نظر نحو مالك للحظات قبل أن يتحدث....— طوال سنوات كنت أعتقد أن الصمت هو أفضل حل.لكن بعدما علمت بما حدث للسيدة وعد قررت أن أتكلم....شعرت بيدي تنقبض فوق المقعد....أكمل:— نعم.كنت أعرف سمر.لكن الحقيقة ليست كما ظن الجميع....رفع مالك رأسه فجأة....— ماذا تقصد؟...نظر إليه فراس مباشرة....— أقصد أنني لم أكن على علاقة بها كما اعتقدت....ساد الصمت....حتى القاضي توقف عن تدوين الملاحظات....أما مالك فبدا كأن الكلمات أصابته بصدمة....

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status