Home / الرومانسية / عشق سادي / الفصل الثاني

Share

الفصل الثاني

last update publish date: 2026-06-12 06:39:48

المعيد الوسيم

قبل ست سنوات...

كانت شمس الخريف تتسلل بخجل عبر نوافذ كلية التربية بجامعة بني سويف، بينما كنت أجلس في الصف الأول كعادتي، منهمكة في تدوين الملاحظات.

لم أكن من الفتيات اللواتي يلتفتن للشباب أو ينشغلن بقصص الحب التي كانت تملأ أروقة الجامعة.

كان لدي هدف واحد فقط.

التفوق.

كنت أعلم أن حصولي على تقدير امتياز سيمنحني فرصة الالتحاق ببعثة علمية طالما حلمت بها، لذلك كنت أتعامل مع سنوات الجامعة وكأنها معركة يجب الفوز بها.

في ذلك اليوم دخل معيد جديد إلى المدرج.

ساد الهمس بين الفتيات فور ظهوره.

ابتسمت إحدى زميلاتي قائلة:

— يا ساتر... هو ده المعيد الجديد؟

ضحكت أخرى:

— شكله طالع من مسلسل مش من الجامعة.

رفعت رأسي للحظة.

رأيته واقفًا أمام السبورة.

طويل القامة.

أنيق المظهر.

هادئ الملامح.

يرتدي نظارة طبية منحته وقارًا إضافيًا.

كان يتحدث بثقة واتزان، بينما تتنقل عيناه بين الطلاب.

ثم عادت عيناي إلى دفاتري مجددًا.

لم أكن أهتم.

أو هكذا ظننت.

...

مر أسبوع.

ثم أسبوعان.

بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.

كلما دخل المحاضرة كانت عيناه تستقران عليّ للحظات أطول من اللازم.

في البداية تجاهلت الأمر.

لكن التكرار جعلني أشعر بالتوتر.

وفي أحد الأيام، وبعد انتهاء المحاضرة، كنت أجمع أوراقي عندما سمعت صوته خلفي.

— آنسة وعد؟

التفت نحوه.

كان يقف مبتسمًا.

ابتسامة هادئة ومهذبة.

قال:

— هل لديك دقيقة؟

ترددت.

ثم أومأت برأسي.

قال بلطف:

— أريد فقط أن أهنئك.

عقدت حاجبي بدهشة.

— أهنئني على ماذا؟

ابتسم أكثر.

— نتائجك الأخيرة.

شعرت بالحرج.

لم أعتد أن يهتم أحد بتفوقي لهذا الحد.

أكمل:

— رئيس القسم يتحدث عنك باستمرار، ويبدو أنكِ من أفضل الطالبات في الدفعة كلها.

شكرته باقتضاب.

ثم استأذنت وانصرفت سريعًا.

لكنني شعرت بنظراته تلاحقني حتى خرجت من المدرج.

...

تكرر الأمر مرات عديدة.

مرة يسأل عن مشروع بحثي.

ومرة يعلق على إجابتي داخل المحاضرة.

ومرة أخرى يستفسر عن خططي بعد التخرج.

كان الحديث دائمًا محترمًا.

دائمًا في حدود الأدب.

لكن شيئًا بداخلي كان يخبرني أن الأمر أكبر من مجرد اهتمام أكاديمي.

...

في إحدى المرات كنت أعبر ساحة الجامعة عندما وجدت صديقتي مروة تركض نحوي.

— وعد!

التفت إليها.

— ماذا هناك؟

قالت وهي تلهث:

— المعيد مالك يسأل عنك.

تجمدت مكاني.

— ماذا يريد؟

هزت كتفيها.

— لا أعلم، لكنه طلب مني أن أخبرك أن تمرّي عليه قبل المغادرة.

شعرت بالقلق.

هل أخطأت في شيء؟

هل هناك مشكلة في الدراسة؟

توجهت إلى مكتبه وأنا أراجع كل واجب وكل مشروع سلمته خلال الأشهر الماضية.

طرقت الباب.

جاءني صوته:

— تفضلي.

دخلت.

فوجدته وحده.

نهض فور رؤيتي.

ثم مد يده بورقة مطوية.

نظرت إليها باستغراب.

— ما هذا؟

قال بهدوء:

— لا تقلقي، ليس كما تتصورين.

ازدادت دهشتي.

أكمل:

— داخل الورقة رقم هاتفي وبعض المعلومات عني وعن أسرتي.

شعرت وكأن الأرض اهتزت تحت قدمي.

تابع بصوت ثابت:

— أريدك أن تعطيها لوالدك.

اتسعت عيناي.

أما هو فأكمل:

— إذا اطمأن عليّ وعلى أسرتي... فأتشرف بطلب يدك رسميًا.

لثوانٍ طويلة لم أستطع الكلام.

كنت أحدق فيه فقط.

هل سمعت جيدًا؟

هل يطلب الزواج فعلًا؟

أم أنني أتخيل؟

ابتسم ابتسامة صغيرة.

وقال:

— خذي وقتك في التفكير.

ثم أضاف:

— ولن أتحدث معك في هذا الأمر مرة أخرى إلا من خلال والدك.

خرجت من المكتب وأنا أشعر أن قلبي يقفز داخل صدري.

لأول مرة في حياتي أقف عاجزة عن التفكير.

ولأول مرة يصبح التفوق الدراسي آخر ما يشغل عقلي.

...

في تلك الليلة أعطيت الورقة لأبي.

قصصت عليه كل ما حدث بالتفصيل.

ظل صامتًا للحظات.

ثم أخذ الورقة وقرأ محتواها بعناية.

وأخيرًا قال:

— سأبحث عنه أولًا.

تنفست الصعداء.

كان هذا الرد الذي أتمناه.

لكن شيئًا لم أفهمه حينها.

شيئًا صغيرًا جدًا.

شيئًا كان يختبئ خلف هدوء مالك وابتساماته المهذبة.

لم أكن أعرف أن بعض العواصف...

تبدأ بنسمة لطيفة. :::

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عشق سادي   الأخير

    الفصل الثاني والعشرون والأخيرحياة بعد النجاةأغلقت الهاتف ببطء.وما زالت كلمات عميد الكلية تتردد في أذني....— مبروك يا دكتورة وعد... تم قبولك رسميًا في البعثة....أغمضت عيني للحظة....سنوات طويلة حلمت بهذه الجملة.سنوات طويلة كنت أرى مستقبلي يقترب ثم يبتعد.مرة بسبب الظروف.ومرة بسبب الخوف.ومرة بسبب شخص آخر كان يقرر عني....أما اليوم...فلا أحد يقرر غيري....جلست على الأريكة أحتضن صغيرتي.بينما كانت تثرثر بكلماتها الطفولية التي لا أفهم نصفها....ضحكت رغمًا عني....وفجأة أدركت شيئًا....أنا نجوت....نجوت حقًا....ليست النجاة من مالك فقط.بل من النسخة القديمة مني.النسخة التي كانت تخاف من الاعتراض.وتخاف من الرفض.وتخاف من خسارة الناس أكثر من خوفها من خسارة نفسها....بعد أيام قليلة كنت أقف داخل المطار....أبي يقف بجانبي.وأمي تمسح دموعها كل دقيقة....أما صغيرتي فكانت مندهشة من كل شيء حولها....اقترب مني أبي.وظل صامتًا للحظات....ثم قال بصوت مبحوح:— سامحيني يا بنتي....نظرت إليه....فأكمل:— كنت أظن أنني أحميك.لكنني كنت أدفعك إلى النار بيدي....امتلأت عيناه بالدمو

  • عشق سادي   الفصل الحادي والعشرون

    الفصل الحادي والعشرونالرسالةمرّت ثلاثة أسابيع منذ صدور الحكم.ثلاثة أسابيع كاملة لم أسمع فيها اسم مالك.ولأول مرة منذ سنوات طويلة أصبحت أيامي هادئة.هادئة بشكل غريب....عدت إلى جامعتي.عدت إلى محاضراتي.وعدت إلى أحلامي التي دفنتها طويلًا....كانت إجراءات البعثة تسير بصورة جيدة.وبدأت أجهز أوراق السفر.أما صغيرتي فكانت تقفز حولي طوال الوقت وهي تظن أن السفر مجرد نزهة طويلة....في ذلك الصباح كنت أجلس أراجع بعض الأوراق عندما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب....فتحت لأجد ساعي البريد....ناولني ظرفًا أبيض صغيرًا....لم يكن عليه سوى اسمي....أغلقت الباب وعدت إلى الداخل.ثم فتحت الظرف....وتجمدت....لأن أول ما وقع عليه بصري كان اسم المرسل....مالك....شعرت بشيء ينقبض داخل صدري....ظلت الرسالة بين يدي دقائق طويلة قبل أن أقرر قراءتها....وأخيرًا فتحتها...."وعد...إذا وصلت إليك هذه الرسالة فهذا يعني أن الحكم صدر بالفعل.ولا أعلم إن كنتِ ستقرئين كلماتي للنهاية أم لا.لكنني سأكتبها على أي حال.ليس لأنني أبحث عن عفو.ولا لأنني أريد منكِ شيئًا.بل لأن هناك أمورًا كان يجب أن أقولها منذ س

  • عشق سادي   الفصل العشرون

    الفصل العشرونالكلمة الأخيرةمر الأسبوع أسرع مما توقعت.أو ربما كنت أنا من توقفت عن عد الأيام.فمنذ الجلسة الأخيرة وأنا أعيش حالة غريبة.لا خوف.ولا راحة.شيء بينهما.كأنني أقف على باب مرحلة جديدة من حياتي وأنتظر فتحه....في صباح يوم الحكم استيقظت مبكرًا.جلست أمام المرآة أتأمل انعكاسي.كانت آثار الكدمات قد بدأت تختفي تدريجيًا.لكن هناك آثارًا أخرى لا يراها أحد.آثارًا أعمق.في القلب.وفي الذاكرة.وفي الروح....دخلت أمي الغرفة.نظرت إليّ للحظات.ثم اقتربت ورتبت خصلات شعري برفق.كما كانت تفعل وأنا صغيرة....— هل أنتِ بخير؟سألتني بصوت خافت....ابتسمت ابتسامة هادئة.— لا أعلم.لكنني مستعدة....ربتت على كتفي.ولم تقل شيئًا آخر....وصلنا إلى المحكمة قبل بدء الجلسة بقليل.كانت القاعة أكثر ازدحامًا من المرات السابقة.الجميع ينتظر النهاية.أو ما يظنه نهاية....جلست في مكاني.وبجواري أبي.وأمي....رفعت بصري لأجد مالك في الجهة المقابلة....كان أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.لا يبدو غاضبًا.ولا متوترًا.ولا حتى حزينًا....فقط مرهق.كأن السنوات كلها سقطت فوق كتفيه دفعة واحدة....التقت أعي

  • عشق سادي   الفصل التاسع عشر

    بين العدالة والرحمةخرجت من مكتب القاضي وأنا أشعر بثقل غريب فوق كتفي.سؤال واحد فقط.لكنه كان كافيًا ليبعثر كل أفكاري...."هل تريدين أن يبقى مالك والدًا في حياة ابنتكما؟"...طوال الطريق إلى المنزل لم أستطع التوقف عن التفكير.كنت أظن أن معركتي انتهت.أن القضية تدور حول حقي أنا.حول ما تعرضت له.حول سنوات الخوف والإهانة.لكن فجأة وجدت نفسي أمام سؤال أكبر.سؤال يتعلق بابنتي....حين وصلت إلى المنزل كانت الصغيرة تلعب في غرفة الجلوس.ما إن رأتني حتى ركضت نحوي.احتضنت ساقيها الصغيرة.ورفعت يديها تطلب مني حملها....جلست على الأريكة وضممتها إلى صدري.فأخذت تضحك وتداعب وجهي بيديها الصغيرتين....شعرت بدموعي تقترب....هذه الطفلة لا تعرف شيئًا.لا تعرف معنى المحاكم.ولا معنى الخيانة.ولا معنى العنف....كل ما تعرفه أن لديها أمًا تحبها.وأبًا كانت تفرح حين يعود إلى المنزل....وضعت رأسي فوق شعرها الناعم.وأغمضت عيني....هل من حقي أن أحرمها من والدها؟...وهل من حقي أن أعيده إلى حياتها بعدما كاد يقتل أمها؟...كان السؤال مؤلمًا.مؤلمًا أكثر مما توقعت....في تلك الليلة لم أستطع النوم....جلس

  • عشق سادي   الفصل الثامن عشر

    الاعتراف الكامللم تنتهِ الجلسة في ذلك اليوم.بعد اعتراف مالك المفاجئ قرر القاضي تأجيل النطق بالحكم وإعطاء المحكمة فرصة لسماع أقوال إضافية.لكن شيئًا ما تغير داخل القاعة.لم يعد الأمر مجرد قضية عنف أسري.بل أصبح قصة كاملة من الانكسارات والأخطاء والقرارات المدمرة....بعد انتهاء الجلسة اقترب أحد رجال الأمن من مالك.لكن مالك طلب من القاضي السماح له بالكلام.ولو لدقائق معدودة....تبادل الجميع النظرات.ثم وافق القاضي....وقف مالك ببطء.كانت عيناه مرهقتين.وصوته أضعف مما عرفته يومًا.لكنه بدا صادقًا.صادقًا بصورة مؤلمة....قال وهو ينظر إلى الأرض:— لا أطلب شفقة من أحد.ولا أبحث عن عذر.وأعلم أن ما فعلته لا يُغتفر.لكنني أريد قول الحقيقة كاملة....ساد الصمت....— عندما تركتني سمر...لم أخسر خطيبتي فقط.خسرت نفسي....نظر إلى يديه للحظة.ثم أكمل:— كنت أظن أنني قوي.ومتزن.وقادر على تجاوز أي شيء.لكنني اكتشفت أنني أضعف مما تخيلت....توقفت عيناه عند والدته الجالسة في آخر القاعة....— أمي تعرف كم كنت محطمًا وقتها.كنت أستيقظ كل يوم وأنا أبحث عن سبب يجعلني أنهض من السرير....انخفض رأس و

  • عشق سادي   الفصل السابع عشر

    شهادة فراسساد الصمت داخل قاعة المحكمة.الجميع ينظر إلى الرجل الذي وقف فجأة طالبًا الإدلاء بشهادته.أما مالك فبدا وكأنه رأى شبحًا من الماضي.كانت عيناه مثبتتين على فراس دون أن يرمش.بينما شعرت أنا بأن قطعة جديدة من الحكاية على وشك أن تنكشف....نظر القاضي إلى الأوراق التي قدمها الرجل ثم سأله:— ما علاقتك بالقضية؟أجاب بهدوء:— اسمي فراس عبدالعزيز.وكنت صديقًا لمالك في الجامعة.كما أنني أحد الأشخاص المرتبطين بسبب انهياره النفسي الأول....ارتفعت همسات الحاضرين.بينما ازداد توتر مالك بصورة واضحة....قال القاضي:— تفضل....أخذ فراس نفسًا عميقًا.ثم نظر نحو مالك للحظات قبل أن يتحدث....— طوال سنوات كنت أعتقد أن الصمت هو أفضل حل.لكن بعدما علمت بما حدث للسيدة وعد قررت أن أتكلم....شعرت بيدي تنقبض فوق المقعد....أكمل:— نعم.كنت أعرف سمر.لكن الحقيقة ليست كما ظن الجميع....رفع مالك رأسه فجأة....— ماذا تقصد؟...نظر إليه فراس مباشرة....— أقصد أنني لم أكن على علاقة بها كما اعتقدت....ساد الصمت....حتى القاضي توقف عن تدوين الملاحظات....أما مالك فبدا كأن الكلمات أصابته بصدمة....

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status