Share

عشق على خط النار

last update publish date: 2026-06-27 14:44:02

الفصل العاشر

انطلقت سيارات الدفع الرباعي الثلاث خلف سيارة الجيب بسرعة جنونية، وأضواؤها العالية تكاد تعمي عين مراد في مرآة الرؤية الخلفية. كان الموقف يوحي بمعركة طاحنة بالأسلحة في وسط هذا الطريق الصحراوي المظلم، لكن الرائد مراد لم يمد يده إلى مسدسه هذه المرة. كان يعلم تماماً أن دخول مواجهة نارية مباشرة ضد ثلاث سيارات مجهزة في طريق مفتوح هو انتحار محتم، وأن الحفاظ على حياته وحياة ليلى يتطلب دهاءً عسكرياً خالصاً وليس مجرد إطلاق رصاص عشوائي.

"مراد! هؤلاء يقتربون منا جداً! سأغمض عيني وأتشهد فوراً، لو حدث لي أي شيء أخبر أمي أنني كنت أحبها للغاية، وأن طبق الكشري كان طموحي الأخير في هذه الدنيا الفانية!"، هتفت ليلى وهي تضع يديها فوق رأسها وتنكمش في مقعدها برعب شديد امتزج بعفويتها الكوميدية المعهودة.

"أحكمي ربط حزام الأمان وتشبثي جيداً بالمقعد يا ليلى، لن يموت أحد الليلة ما دمتِ معي"، قالها مراد بنبرة هادئة وثابتة بشكل عجيب زلزل خوفها، بينما كانت عيناه اللامعتان تلمحان لافتة ضخمة على بعد كيلومتر واحد تشير إلى منطقة ملاحات كبرى وممرات جبلية وعرة تستخدمها الشاحنات العملاقة فقط.

بدلاً من الاستمرار في الركض بالطريق المستقيم، انحرف مراد بعجلة القيادة فجأة وبقوة هائلة نحو اليمين، لتنحرف السيارة برعونة محسوبة وتدخل في ممر ترابي ضيق ومظلم للغاية بين تلال الملح الشاهقة ذات اللون الأبيض الناصع كالثلج. تلاحقت خلفه السيارات الثلاث بسرعة هائلة، لكن ضيق الممر الجبلي أجبرهم على السير في خط مستقيم واحد خلف بعضهم البعض، مما أفقد الكثرة العددية ميزتها التكتيكية تماماً.

لمح مراد أمامه شاحنة نقل عملاقة متوقفة على جانب الممر الضيق لإصلاح أحد إطاراتها الثقيلة، وكانت تملأ المسار بالكامل تقريباً. هنا ظهرت العبقرية العسكرية؛ أطفأ مراد مصابيح سيارته بالكامل ليتحول إلى شبح يندمج مع عتمة الليل، وزاد من سرعة المحرك، وقبل الشاحنة بأمتار قليلة انحرف بالسيارة في دخلة صخرية جانبية شديدة الضيق لا تتسع إلا لسيارة واحدة بحجم سيارتهم، مستغلاً حفظه التام لتضاريس المنطقة.

السيارة الأولى للمهاجمين، وبسبب سرعتها الجنونية وظلام الممر المفاجئ بعد إطفاء مراد لأنواره، لم تلمح الشاحنة الضخمة المتوقفة إلا في اللحظة الأخيرة. حاول السائق الانحراف تفادياً للاصطدام، لكن عجلة القيادة اختلت في يده ليصطدم بقوة وعنف بزاوية الشاحنة، مما أدى إلى توقف المسار فجأة واصطدام السيارات الأخرى التي كانت تلاحقه خلفه مباشرة، صانعين حائطاً سداً من الركام حجزهم بالداخل بنجاح باهر وبدون إطلاق رصاصة واحدة.

تنفس مراد الصعداء وهو يخرج بالسيارة بهدوء من الجانب الآخر للممر الجبلي المطل على منطقة سكنية شعبية قديمة ونابضة بالحياة في أطراف القاهرة. نظر إلى ليلى التي فتحت عيناً واحدة ببطء شديد، وقالت بنبرة غير مصدقة من فرط الدهشة: "هل نجونا فعلاً؟ وبهذه البساطة؟ بدون أن يدخل في جسدنا أي رصاص؟ يا سيادة الرائد، أنت لست ضابطاً عادياً بالمرة، أنت ساحر محترف يرتدي بدلة ميري بالتأكيد!".

ابتسم مراد ابتسامته الدافئة الخفيفة التي تظهر في الأوقات الصعبة فقط، وقال وهو يهدئ من سرعة السيارة تماماً لتندمج وسط زحام الحافلات وسيارات الأجرة الشعبية: "القتال ليس دائماً بالرصاص يا ليلى، أحياناً يكون العقل هو السلاح الأكثر فتكاً وتدميراً. الآن، نحن وسط الزحام السكاني، ولن يجرؤ أحد من أفراد العصابة على تتبعنا أو إثارة الشبهات هنا وسط الناس. سنأخذ قسطاً من الراحة لنفكر في الخطوة القادمة بحكمة".

أوقف مراد السيارة في زقاق جانبي آمن تماماً، وترجلا معاً ليدخلا إلى مقهى شعبي صغير وبسيط يقع تحت ظلال شجرة جميز قديمة وعريقة. كان المكان يعج بصوت ضحكات كبار السن ورائحة الشاي بالنعناع المميزة، مما أضفى على الأجواء شعوراً فورياً بالأمان والدفء المفقود منذ ساعات طويلة.

جلسا على طاولة خشبية صغيرة في زاوية معزولة، ونظرت ليلى إلى مراد الذي بدت ملامحه مسترخية لأول مرة منذ لقائهما، وقالت بمرحها المعتاد: "بما أننا في أمان مؤقت يا سيادة الرائد،  ، هل يمكن أن نطلب شاي بالنعناع؟ صراحة، المشاعر المشحونة والأكشن جعلت ريقي جافاً تماماً!".

ضحك مراد بصوت منخفض، وهو ينظر إلى عينيها الواسعتين اللتين عاد إليهما البريق والشقاوة فوراً، وقال بنبرة شديدة العذوبة والاهتمام: "لكِ ما تشائين يا ليلى. أنا فعلاً مدين لكِ باعتذار كبير، لقد أقحمتكِ الظروف في عالمي المليء بالمخاطر والبارود، ورغم ذلك أثبتِ للجميع أنكِ بطلة حقيقية يعتمد عليها في الأزمات والمواقف الصعبة".

نظرت ليلى إليه، وشعرت بنبضات قلبها تتسارع بعنف، لكن هذه المرة ليس من الخوف أو الرعب، بل من نظراته الصقرية التي تحولت فجأة إلى حنان دافئ لم تعهده منه من قبل، وقالت بصوت هادئ وخالٍ من المزاح تماماً: "أنا لا أندم أبداً يا مراد.. صراحة، طالما أنا بجوارك وفي ظل حمايتك، أشعر أنني في أمان تام، حتى لو كان العالم كله يركض خلفنا بالأسلحة".

تلاقت أعينهما في لحظة صمت طويلة ومليئة بالمشاعر الصادقة والعميقة، قطعها إحضار النادل لكوبين من الشاي الساخن الذي يتصاعد منه البخار. وقبل أن تلمس يد ليلى كوبها، اهتز هاتف مراد الشخصي الصارم والمشفر في جيبه بعنف متتالٍ.

أخرجه بسرعة وضغط على زر الرد ليأتيه صوت اللواء إبراهيم عبر الخط، ولم يكن الصوت هادئاً كالعادة، بل كان مرتجفاً بشدة ويحمل صدمة زلزلت كيان الرائد مراد تماماً: "مراد.. اسمعني جيداً ولا تقاطعني لثانية واحدة. لا تأتِ إلى المديرية مطلقاً تحت أي ظرف.. لقد تم اختراقنا من الداخل بالكامل، وهناك أمر قبض رسمي صدر الآن ضدك وضد ليلى بتهمة الخيانة العظمى وتسريب أسرار الدولة للعصابة!".

بقلم الكاتبة: بسنت محمد محي الدين

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الثاني والثلاثون: ظلال العودةكانت أضواء العاصمة الإدارية الجديدة تتلألأ تحت عباءة الليل الكحلي كأنها جوهر يتألق في قلب الصحراء. ساد الهدوء أرجاء بيت مراد وليلى، هدوء طالما انتظراه وصانا أركانه بالدم والجهد. لكن في عالم التكنولوجيا والسيادة الرقمية، لا يوجد شيء اسمه "سكون مطلق"؛ فالهدوء في هذا العالم ليس إلا الفاصل الزمني الخادع الذي يسبق هبوب العواصف الكبرى.في مكتبه الصغير الملحق بالمنزل، كان العميد مراد يطالع بعض التقارير الأكاديمية الهادئة تحت ضوء مصباح مكتبي خافت، بينما كانت ليلى تجلس في الغرفة المجاورة تطالع ملفات المنظومة الأمنية الجديدة التي أشرفت على تدشينها مؤخراً.فجأة، انقطع التيّار الكهربائي عن البيت بأسره لمدة ثلاث ثوانٍ فقط، ثم أضاءت المصابيح مجدداً بسرعة، لكن شاشة حاسوب ليلى المحمول أخرجت وميضاً أزرق داكناً غير مألوف، متبوعاً بصوت طنين خفيض صدر من وحدة المعالجة المركزية.تقطعت أنفاس ليلى لثانية واحدة. الأصابع التي صقلتها آلاف الساعات أمام الشاشات المعقدة تعرف هذا الصوت جيداً؛ إنه ليس خطأً في النظام، ولا عطلاً في شبكة الكهرباء.. إنه شفرة اختراق عالية المستوى تستخد

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الحادي والثلاثون: غراس الأملانسكبت أضواء الصباح الدافئة فوق حديقة المنزل، لتغمر الورود والتلال الصغيرة الممتدة خلف البيت ببريق ذهبي صافٍ. كان الهواء يحمل أريج الزهور ونسمات النيل العليلة، معلناً بداية يوم جديد يفيض بالهدوء والسكينة. لم يعد في البيت مكان للخوف أو الترقب؛ فالأيام التي كانت تتسم بالمطاردات والأنباء العاجلة أصبحت جزءاً من طيات الماضي، وحلّ محلها إيقاع حياة هادئ ومستقر ناضل مراد وليلى طويلاً من أجل الوصول إليه.كانت ليلى تقف في شرفة الطبقة الثانية، ترتدي ثوباً قطنياً أنيقاً باللون الأبيض الناصع، وتتأمل طفلها الصغير "إبراهيم" وهو يركض في الحديقة ويمسك بلعبته الصغيرة بضحكات صافية تملأ الأرجاء بهجة. كانت ملامح وجهها تعكس رضا عميقاً ورخاءً نفسياً؛ فالعينان اللتان طالما سهرتا أمام الشاشات المظلمة لفك الشفرات وتتبع الخيوط المعقدة، تنظران اليوم إلى ثمار الاستقرار والعدالة بكل فخر وامتنان.من خلفها، اقترب مراد بخطوات هادئة يحمل كوبين من الشاي الساخن مع النعناع الأخضر. وضع الكوبين على الطاولة الخشبية الصغيرة، ثم وقف بجوارها وأسند ذراعيه على سور الشرفة، متأملاً المنظر ذاته با

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الثلاثون: حارس الذاكرةتعاقبت الأيام والسنوات وتعمّق جذر الاستقرار في بيت مراد وليلى، وتحوّلت الأوقات العصيبة التي عاشاها في ما مضى إلى حكاياتٍ منسوجة بمداد الفخر والامتنان. لم يعد الماضي طيفاً يطارد المضاجع أو يبعث على الريبة، بل صار درساً راسخاً يُستلهم منه معنى الصمود وواجب الحماية.كان البيت في هذا الصباح يفيض بالحيوية؛ نسمات دافئة تهب عبر النوافذ المفتوحة حاملة معها أريج الأشجار وأصوات العصافير. في الصالون المتسع المزين بلوحات طبيعية دافئة، كان الصغير "إبراهيم" يلعب على السجادة الملونة، بينما كانت ليلى تجلس عند مكتبتها الصغيرة تنظم بعض الأوراق والمجلدات التوثيقية التي قررت كتابتها لتسجيل تاريخ تطوير المنظومات السيبرانية الوطنية.خرج مراد من غرفته يرتدي زيه العسكري الأنيق، استعداداً للذهاب إلى مقر عمله بالأكاديمية. وقف أمام المرآة يضبط هيئته، قبل أن تتقدم ليلى نحو بخطوات هادئة، وبابتسامة تعلو وجهها المشرق، لتساعده في ترتيب الياقة بلمسات مفعمة بالحنان والدفء."صباح الخير يا سيادة العميد"، قالت ليلى بصوت عذب يفيض بالحب، وهي تتأمل ترقيته الجديدة التي جاءت تتويجاً لسنوات من الجه

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل التاسع والعشرين: أفق جديدمرت سنوات عدة على تلك الأحداث العصيبة التي اختبرت معدن مراد وليلى، وتحولت الجراح القديمة إلى أوسمة شرف تذكرهما دائماً بأن الحق مهما اعتراه الظلام، فإن فجره لا بد أن يشرق. أصبحت الحياة في منزلهما الهادئ بأطراف العاصمة نموذجاً للسكينة والوئام؛ حديقة غناء تفوح منها رائحة الياسمين والورد البلدي، وصوت ضحكات طفل صغير يملأ المكان بالحيوية والبهجة.كان ينبغي لهذه العائلة الصغيرة أن تبدأ مرحلة جديدة من الحياة، مرحلة لم تعد فيها الأسماء مشفرة، ولا الكلمات محاطة بالحذر والترقب. صبيا يبلغ من العمر الآن أربع سنوات، أطلقا عليه اسم "إبراهيم" تخليداً لذكرى اللواء الراحل الذي كان له الفضل الأول في حماية الحق وتوجيه سفينتهما نحو بر الأمان.في صباح يوم ربيعي مشرق، كانت الشمس تسكب أشعتها الذهبية على الشرفة العلوية حيث يجلس مراد مرتداءً ملابسه المنزلية المريحة، وأمامه طاولة صغيرة عليها بعض الملفات التابعة لأكاديمية الشرطة، وإلى جواره يجلس الصغير "إبراهيم" وهو يحاول رسم سيارة إطفاء على كراسته الصغيرة بألوانه الشمعية.خرجت ليلى من الداخل تحمل صينية الفطور، يكلل وجهها بريق داف

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الثامن والعشرين: عهد الأمانتنعّم بيت مراد وليلى بسكينة لا توصف مع حلول المساء، وانبعثت من الشرفة زغاريد الهناء ونشيج الريح الخفيفة وهي تحرك أغصان الأشجار المتراصفة في الحديقة. كانت الحياة تسير بهدوء ودون عجل، وكأن الزمان قرر أن يعوضهما عن كل لحظة ذعر وركض عانياها في سنوات الخوف والمطاردات.كانت ليلى تجلس في الصالون الداخلي المصمم بطراز دافئ يجمع بين الأصالة والعصرية، وتتصفح عبر حاسوبها المحمول التقارير الخاصة بالمبادرة الوطنية للأمن الرقمي. أصبحت المبادرة تتسع يوماً بعد يوم، وتستقطب عقولاً شابة من مختلف الجامعات المصرية لبناء نظام حماية سيبراني متكامل، يضمن عدم تكرار ما حدث مع "مجموعة الظل" أو غيرها من الشبكات الإجرامية.على الجانب الآخر من الغرفة، كان مراد يرتدي ثياباً مريحة، ويجلس أمام مكتبته الخشبية العتيقة، يطالع بعض التقارير الأمنية والتنظيمية الخاصة بمهامه الجديدة في إدارة التدريب والتطوير بوزارة الداخلية. لم يعد مراد يدخل في مطاردات ميدانية محمومة، بل أصبح عقلاً مدبراً ومربياً لأجيال جديدة من الضباط، ينقل إليهم خبرته العميقة في التكتيك، والحرص على حماية روح القانون قبل

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل السابع والعشرين: نبض جديدمرت الأشهر تلتها أشهر، وتحول الخريف ببرودته الخفيفة إلى ربيع دافئ نشر ألوانه الزاهية على جنبات حديقة المنزل الجديد الذي شيده مراد وليلى في زاوية هادئة من أطراف القاهرة. كان المنزل يستقر بين أحضان الطبيعة، بأحجاره الناعمة ونوافذه الزجاجية العريضة التي تسمح لضوء الشمس بالتسلل إلى كل أركانه، مطعماً إياه برائحة الزهور الشذية ونسيم الصباح العليل.في الشرفة العلوية المطلة على الحديقة، كانت ليلى تجلس عند طاولة خشبية صغيرة، وأمامها جهاز كمبيوتر محمول حديث يعمل بتطبيقات الأمان السيبراني المتقدمة التي طورتها مع فريق عملها. كان شعرها الأسود الحريري ينسدل بجمال على كتفيها، وتكسو وجهها الصافي حمرة خفيفة تفيض بالصحة والراحة النفسية التي غابت عنها سنوات طوال.كانت أصابعها تتحرك على لوحة المفاتيح بمهارة وسلاسة، ليس لتفكيك شفرات خيانة أو تتبع مجرمين كما في السابق، بل لإشرافها على إطلاق نظام حماية رقمي جديد ومبتكر خُصص لحماية بيانات المستشفيات الحكومية والمؤسسات الخيرية مجاناً."صباح الخير يا دكتورة.. ألم نتفق على أن العمل داخل المنزل له أوقات محددة لا ننتزع منها ساعات ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status