로그인الفصل العاشر
انطلقت سيارات الدفع الرباعي الثلاث خلف سيارة الجيب بسرعة جنونية، وأضواؤها العالية تكاد تعمي عين مراد في مرآة الرؤية الخلفية. كان الموقف يوحي بمعركة طاحنة بالأسلحة في وسط هذا الطريق الصحراوي المظلم، لكن الرائد مراد لم يمد يده إلى مسدسه هذه المرة. كان يعلم تماماً أن دخول مواجهة نارية مباشرة ضد ثلاث سيارات مجهزة في طريق مفتوح هو انتحار محتم، وأن الحفاظ على حياته وحياة ليلى يتطلب دهاءً عسكرياً خالصاً وليس مجرد إطلاق رصاص عشوائي.
"مراد! هؤلاء يقتربون منا جداً! سأغمض عيني وأتشهد فوراً، لو حدث لي أي شيء أخبر أمي أنني كنت أحبها للغاية، وأن طبق الكشري كان طموحي الأخير في هذه الدنيا الفانية!"، هتفت ليلى وهي تضع يديها فوق رأسها وتنكمش في مقعدها برعب شديد امتزج بعفويتها الكوميدية المعهودة.
"أحكمي ربط حزام الأمان وتشبثي جيداً بالمقعد يا ليلى، لن يموت أحد الليلة ما دمتِ معي"، قالها مراد بنبرة هادئة وثابتة بشكل عجيب زلزل خوفها، بينما كانت عيناه اللامعتان تلمحان لافتة ضخمة على بعد كيلومتر واحد تشير إلى منطقة ملاحات كبرى وممرات جبلية وعرة تستخدمها الشاحنات العملاقة فقط.
بدلاً من الاستمرار في الركض بالطريق المستقيم، انحرف مراد بعجلة القيادة فجأة وبقوة هائلة نحو اليمين، لتنحرف السيارة برعونة محسوبة وتدخل في ممر ترابي ضيق ومظلم للغاية بين تلال الملح الشاهقة ذات اللون الأبيض الناصع كالثلج. تلاحقت خلفه السيارات الثلاث بسرعة هائلة، لكن ضيق الممر الجبلي أجبرهم على السير في خط مستقيم واحد خلف بعضهم البعض، مما أفقد الكثرة العددية ميزتها التكتيكية تماماً.
لمح مراد أمامه شاحنة نقل عملاقة متوقفة على جانب الممر الضيق لإصلاح أحد إطاراتها الثقيلة، وكانت تملأ المسار بالكامل تقريباً. هنا ظهرت العبقرية العسكرية؛ أطفأ مراد مصابيح سيارته بالكامل ليتحول إلى شبح يندمج مع عتمة الليل، وزاد من سرعة المحرك، وقبل الشاحنة بأمتار قليلة انحرف بالسيارة في دخلة صخرية جانبية شديدة الضيق لا تتسع إلا لسيارة واحدة بحجم سيارتهم، مستغلاً حفظه التام لتضاريس المنطقة.
السيارة الأولى للمهاجمين، وبسبب سرعتها الجنونية وظلام الممر المفاجئ بعد إطفاء مراد لأنواره، لم تلمح الشاحنة الضخمة المتوقفة إلا في اللحظة الأخيرة. حاول السائق الانحراف تفادياً للاصطدام، لكن عجلة القيادة اختلت في يده ليصطدم بقوة وعنف بزاوية الشاحنة، مما أدى إلى توقف المسار فجأة واصطدام السيارات الأخرى التي كانت تلاحقه خلفه مباشرة، صانعين حائطاً سداً من الركام حجزهم بالداخل بنجاح باهر وبدون إطلاق رصاصة واحدة.
تنفس مراد الصعداء وهو يخرج بالسيارة بهدوء من الجانب الآخر للممر الجبلي المطل على منطقة سكنية شعبية قديمة ونابضة بالحياة في أطراف القاهرة. نظر إلى ليلى التي فتحت عيناً واحدة ببطء شديد، وقالت بنبرة غير مصدقة من فرط الدهشة: "هل نجونا فعلاً؟ وبهذه البساطة؟ بدون أن يدخل في جسدنا أي رصاص؟ يا سيادة الرائد، أنت لست ضابطاً عادياً بالمرة، أنت ساحر محترف يرتدي بدلة ميري بالتأكيد!".
ابتسم مراد ابتسامته الدافئة الخفيفة التي تظهر في الأوقات الصعبة فقط، وقال وهو يهدئ من سرعة السيارة تماماً لتندمج وسط زحام الحافلات وسيارات الأجرة الشعبية: "القتال ليس دائماً بالرصاص يا ليلى، أحياناً يكون العقل هو السلاح الأكثر فتكاً وتدميراً. الآن، نحن وسط الزحام السكاني، ولن يجرؤ أحد من أفراد العصابة على تتبعنا أو إثارة الشبهات هنا وسط الناس. سنأخذ قسطاً من الراحة لنفكر في الخطوة القادمة بحكمة".
أوقف مراد السيارة في زقاق جانبي آمن تماماً، وترجلا معاً ليدخلا إلى مقهى شعبي صغير وبسيط يقع تحت ظلال شجرة جميز قديمة وعريقة. كان المكان يعج بصوت ضحكات كبار السن ورائحة الشاي بالنعناع المميزة، مما أضفى على الأجواء شعوراً فورياً بالأمان والدفء المفقود منذ ساعات طويلة.
جلسا على طاولة خشبية صغيرة في زاوية معزولة، ونظرت ليلى إلى مراد الذي بدت ملامحه مسترخية لأول مرة منذ لقائهما، وقالت بمرحها المعتاد: "بما أننا في أمان مؤقت يا سيادة الرائد، ، هل يمكن أن نطلب شاي بالنعناع؟ صراحة، المشاعر المشحونة والأكشن جعلت ريقي جافاً تماماً!".
ضحك مراد بصوت منخفض، وهو ينظر إلى عينيها الواسعتين اللتين عاد إليهما البريق والشقاوة فوراً، وقال بنبرة شديدة العذوبة والاهتمام: "لكِ ما تشائين يا ليلى. أنا فعلاً مدين لكِ باعتذار كبير، لقد أقحمتكِ الظروف في عالمي المليء بالمخاطر والبارود، ورغم ذلك أثبتِ للجميع أنكِ بطلة حقيقية يعتمد عليها في الأزمات والمواقف الصعبة".
نظرت ليلى إليه، وشعرت بنبضات قلبها تتسارع بعنف، لكن هذه المرة ليس من الخوف أو الرعب، بل من نظراته الصقرية التي تحولت فجأة إلى حنان دافئ لم تعهده منه من قبل، وقالت بصوت هادئ وخالٍ من المزاح تماماً: "أنا لا أندم أبداً يا مراد.. صراحة، طالما أنا بجوارك وفي ظل حمايتك، أشعر أنني في أمان تام، حتى لو كان العالم كله يركض خلفنا بالأسلحة".
تلاقت أعينهما في لحظة صمت طويلة ومليئة بالمشاعر الصادقة والعميقة، قطعها إحضار النادل لكوبين من الشاي الساخن الذي يتصاعد منه البخار. وقبل أن تلمس يد ليلى كوبها، اهتز هاتف مراد الشخصي الصارم والمشفر في جيبه بعنف متتالٍ.
أخرجه بسرعة وضغط على زر الرد ليأتيه صوت اللواء إبراهيم عبر الخط، ولم يكن الصوت هادئاً كالعادة، بل كان مرتجفاً بشدة ويحمل صدمة زلزلت كيان الرائد مراد تماماً: "مراد.. اسمعني جيداً ولا تقاطعني لثانية واحدة. لا تأتِ إلى المديرية مطلقاً تحت أي ظرف.. لقد تم اختراقنا من الداخل بالكامل، وهناك أمر قبض رسمي صدر الآن ضدك وضد ليلى بتهمة الخيانة العظمى وتسريب أسرار الدولة للعصابة!".
بقلم الكاتبة: بسنت محمد محي الدين
الفصل الثالث عشر: لُعبة المراياسقط الهاتف من يد ليلى ليرتطم بالفراش، بينما تراجعت خطوة للخلف وجسدها ينتفض بالكامل. الكلمات التي سمعتها من المذيع كانت بمثابة حكم إعدام معنوي؛ (تصفية اللواء إبراهيم على يد الرائد الهارب مراد ومساعدته). التفتت نحو مراد وعيناها تفيضان بالدموع: "مراد.. هم قتلوه.. الرجل الوحيد الذي كان يعرف الحقيقة مات، والآن العالم كله يظن أننا قتلة!".لم يتحرك مراد من مكانه، لكن ملامحه تحولت إلى قسوة مرعبة، وضغط على قبضتيه حتى ابيضّت مفاصِله. اللواء إبراهيم لم يكن مجرد رئيسه في العمل، كان بمثابة الأب والقدوة، واغتياله بهذه الطريقة البشعة يعني أن اختراق العصابة وصل لأعلى المستويات في المديرية.خطا مراد خطوات واسعة نحو ليلى، وأمسك كتفيها بثبات شديد، وتحدث بصوت منخفض وعميق يحمل نبرة فولاذية: "امسحي دموعكِ يا ليلى. البكاء لن يعيد اللواء إبراهيم، ولن يثبت براءتنا. اللعبة الآن أصبحت شخصية، ومن خطط لقتل الرجل الذي حماني، سأدفعه الثمن غالياً.. لكن أولاً، يجب أن نتحرك بحذر أكبر"."تحرّك؟ إلى أين؟ صورتنا في كل شاشة تلفاز وعلى كل موقع تواصل! لو خرجنا من هذا البيت الريفي سيقبض علينا
الفصل الثاني عشر: الهروب من عنق الزجاجةتغلغل صوت مكبر الصوت الصارم عبر زجاج النافذة ليزلزل أركان الغرفة الضيقة: (الرائد مراد.. المكان محاصر بالكامل.. سَلِّم نفسك فوراً وإلا سنقتحم!). انقبضت ملامح مراد، وتحولت عيناه الصقريتان إلى جمرتين من الغضب؛ لم يكن خائفاً على نفسه، بل كان يشعر بمسؤولية مرعبة تجاه الفتاة التي تقف بجواره وترتجف كالعصفور."مراد.. هؤلاء شرطة، يعني من المفترض أنهم الأخيار صح؟ لماذا أشعر أننا في فيلم أكشن هوليوودي وأنا لست البطلة المستعدة للموت؟"، همست ليلى بصوت لاهث وعينيها تتسعان ذعراً وهي تتشبث بطرف قميصه."اهدئي تماماً يا ليلى، ولا تصدري أي صوت"، قالها مراد بنبرة منخفضة للغاية وفي غاية الحسم والتصميم. لم يضع وقتاً في التفكير؛ تحرك كالشبح نحو حقيبة جلدية سوداء مخبأة أسفل الفراش، فتحها بسرعة ليخرج منها قنبلتين صغيرتين من قنابل الدخان العسكري الكثيف، وجهازاً إلكترونياً صغيراً للتشويش على الترددات اللاسلكية.ضغط مراد على زر تشغيل جهاز التشويش، وفي ثانية واحدة انقطعت الاتصالات بين أفراد القوة المحاصرة بالأسفل، وساد الهرج والمرج في أجهزة اللاسلكي الخاصة بهم. وقبل أن يستو
الفصل الحادي عشر: ما وراء القانونتصلبت ملامح الرائد مراد كأنه تمثال من الجرانيت، وتحجرت عيناه الصقريتان فوق زجاج السيارة الأمامي وهو يستمع لكلمات اللواء إبراهيم المرتجفة عبر الخط المشفر. الكلمات كانت ثقيلة كالقنابل: (خيانة عظمى.. أمر قبض رسمي.. اختراق من الداخل). شعر بدمه يغلي في عروقه؛ هو الذي قضى عمره كله يضحي بحياته في العمليات الخاصة ويحمي تراب هذا الوطن، يُتهم الآن بالخيانة في ليلة وضحاها بسبب لُعبة قذرة حركتها رؤوس العصابة من خلف الستار."فندم! هذا مستحيل! أنا وليلى كشفنا لتوّنا سيرفراتهم وحمينا الملفات السريّة بالكامل ونقلناها لوزارة الداخلية! هناك مكيدة تُدبر في المديرية لإغلاق القضية وتصفيتنا!"، قال مراد بصوت جهوري حاد يحمل نبرة غضب مكتوم، بينما كان يضغط على عجلة القيادة بقوة كادت تهشمها بين يديه.وجاء صوت اللواء إبراهيم هامساً وبسرعة شديدة: "أنا أعلم ذلك يا مراد، وأثق بنزاهتكَ أكثر من نفسي، لكن الأوراق والمستندات التي زُرعت في مكتبك وفي حسابات ليلى البنكية تثبت التهمة بشكل قانوني لا ثغرة فيه. التوجيهات صدرت من جهات سيادية عليا والتحرك ضدكم بدأ بالفعل. اختفِ تماماً يا بني..
الفصل العاشرانطلقت سيارات الدفع الرباعي الثلاث خلف سيارة الجيب بسرعة جنونية، وأضواؤها العالية تكاد تعمي عين مراد في مرآة الرؤية الخلفية. كان الموقف يوحي بمعركة طاحنة بالأسلحة في وسط هذا الطريق الصحراوي المظلم، لكن الرائد مراد لم يمد يده إلى مسدسه هذه المرة. كان يعلم تماماً أن دخول مواجهة نارية مباشرة ضد ثلاث سيارات مجهزة في طريق مفتوح هو انتحار محتم، وأن الحفاظ على حياته وحياة ليلى يتطلب دهاءً عسكرياً خالصاً وليس مجرد إطلاق رصاص عشوائي."مراد! هؤلاء يقتربون منا جداً! سأغمض عيني وأتشهد فوراً، لو حدث لي أي شيء أخبر أمي أنني كنت أحبها للغاية، وأن طبق الكشري كان طموحي الأخير في هذه الدنيا الفانية!"، هتفت ليلى وهي تضع يديها فوق رأسها وتنكمش في مقعدها برعب شديد امتزج بعفويتها الكوميدية المعهودة."أحكمي ربط حزام الأمان وتشبثي جيداً بالمقعد يا ليلى، لن يموت أحد الليلة ما دمتِ معي"، قالها مراد بنبرة هادئة وثابتة بشكل عجيب زلزل خوفها، بينما كانت عيناه اللامعتان تلمحان لافتة ضخمة على بعد كيلومتر واحد تشير إلى منطقة ملاحات كبرى وممرات جبلية وعرة تستخدمها الشاحنات العملاقة فقط.بدلاً من الاستمرار
الفصل التاسع: مواجهة في عتمة الليلاستحالت الفيلا السرية في ثانية واحدة إلى مقبرة من الظلام الدامس بعد انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ. لم يكن هذا الانقطاع طبيعياً بأي حال من الأحوال، بل كان فصلاً جديداً من فصول الهجوم المنظم والمدروس بعناية فائقة. ومع الرنين الحاد لتهشم زجاج الصالون، وتسلل أصوات الخطوات العسكرية الثقيلة بالداخل، شعرت ليلى بقلبها يقفز إلى حلقها. تلاشت فرحة النصر الإلكتروني تماماً، وحل مكانها رعب حقيقي جعلها تتجمد في مكانها خلف المكتب، عاجزة حتى عن التقاط أنفاسها أو الصراخ.بلمح البصر، وبتحرك تكتيكي أملته عليه سنوات الخبرة الطويلة في قطاع العمليات الخاصة، انقض الرائد مراد على ليلى في الظلام الدامس. وضع يده العريضة فوق فمها بلطف لكن بقوة كافية لمنع صدور أي صوت منها، وجذبها خفية خلف جدار خرساني عازل في زاوية الغرفة البعيدة عن الممر الرئيسي. همس في أذنها بأنفاس لاهثة وصوت منخفض للغاية كالفحيح: "لا تتحركي.. ولا تتنفسي يا ليلى. إنهم بالداخل، والمواجهة الآن صامتة تماماً. ثقي بي ولا تخافي".أومأت ليلى برأسها بضعف وسط العتمة الشديدة، وجسدها ينتفض كالعصفور المبلل تحت سترته العس
الفصل الثامن: معركة الثواني الأخيرةلم تكد العبارة المكتوبة باللون الأحمر القاني تستقر في وعي ليلى حتى شعرت ببرودة تجتاح أطرافها، وتلاشت ابتسامتها العفوية تماماً ليحل محلها وجوم مباغت. العداد الرقمي في زاوية الشاشة بدأ في العد التنازلي بقسوة لا ترحم: (04:59.. 04:58). الخطر هذه المرة لم يكن رصاصة ملموسة يمكن لمراد أن يتفاداها بجسده العريض، بل كان هجوماً برمجياً خفياً يتحرك عبر موجات أثيرية ليمحو الدليل الوحيد الذي يملكونه لإدانة تلك الشبكة الدولية."مراد! الحقني! السيرفرات تفعل تدميراً ذاتياً للملفات! التشفير بينهار والشفرة المفتاحية تتأكل قدام عيني! قدامنا خمس دقائق بالظبط والوزارة مش هتعرف طريق الناس دي تاني أبداً!"، صرخت ليلى وهي تقفز فوق المقعد الخشبي وتجذب جهازها المحمول لتبدأ أصابعها في النقر العنيف والمتسارع على لوحة المفاتيح، متحولة في ثانية واحدة من الفتاة المازحة إلى المحققة الإلكترونية الشرسة.تحرك مراد بسرعة مذهلة، وأصبح بجوارها تماماً يفصل بينهما إنشات قليلة. انحنى فوق كتفها وعيناه الصقريتان تلتهمان السطور البرمجية المتلاحقة على الشاشة بغضب عارم. "هل يمكنكِ إيقاف هذا البرو







