LOGIN
### الفصل الأول: التوقيع
❈ ────── ⋅💜⋅ ────── ❈
«قبل أن توقّعي هذا العقد، أريدك أن تعرفي أنني قد أكون الرجل الذي تتمنين قضاء ليلة معه، لكنني لن أكون الرجل الذي ستتمكنين من امتلاكه.»
كانت تلك أول جملة نطق بها سليم منذ جلوسها أمامه، وآخر شيء توقعت ليلى سماعه من رجل سيصبح زوجها بعد دقائق.
رفعت عينيها عن الأوراق الموضوعة أمامها، وتطلعت إليه بصمت، تحاول أن تقرر إن كان يتحدث بجدية أم يتعمد استفزازها قبل أن يمنحها فرصة التراجع.
لكنه لم يكن يبتسم.
كان جالسًا خلف المكتب العريض، مستندًا بظهره إلى المقعد الجلدي الأسود، وقد أرخى الزر العلوي من قميصه الأبيض وترك سترته السوداء معلقة على ظهر الكرسي المجاور. بدا مظهره أقل رسمية مما توقعت، لكنه لم يقلل من هيبته؛ بل منحه تلك الثقة المستفزة التي يمتلكها الرجال الذين اعتادوا أن تكون الكلمة الأخيرة لهم.
أما عيناه، فكانتا ثابتتين عليها ببرود يصعب تجاهله.
لم يكن ينظر إليها كما ينظر رجل إلى امرأة يستعد للزواج منها، ولا كما ينظر إلى شخص يحتاج إلى إقناعه بقرار مصيري. كان ينظر إليها كأنه يختبر قدرتها على احتمال ما ستختاره بنفسها.
وهذا تحديدًا ما أزعجها.
أغلقت ليلى أصابعها حول القلم الذي أحضرته معها، ثم رفعت ذقنها قليلًا.
«اطمئن، يا سيد سليم. لم آتِ إلى هنا بحثًا عن رجل أمتلكه، ولا عن قصة حب تنتهي بوعود لا يستطيع أصحابها الوفاء بها.»
تحرك أحد حاجبيه ببطء.
«إذن، نحن متفقان على الأقل في شيء واحد.»
«لم نتفق على شيء بعد.»
«رائع.» أشار إلى العقد أمامها. «هذا يعني أنك قرأتِ ما يكفي لتعرفي أنني لا أعد بشيء لا أنوي تقديمه.»
نظرت إلى الأوراق مجددًا.
كانت تعلم أن ما تفعله غير مألوف، وأن أي شخص يعرف التفاصيل كاملة سيعتبرها إما متهورة أو فاقدة للعقل. زواج بعقد خاص، وشروط محددة، وحياة مشتركة لا تتطلب من أي منهما أن يمنح الآخر أكثر مما اتفقا عليه.
لم يكن هذا زواجًا تحلم به فتاة منذ طفولتها.
لكنه لم يكن حلمًا من الأساس.
كان قرارًا اتخذته بعد أن ضاقت الخيارات أمامها، ووجدت نفسها مضطرة إلى اختيار الطريق الذي تستطيع تحمّل عواقبه، حتى لو لم يعجب أحدًا.
مدت يدها نحو العقد، وقلبت الصفحة الأولى.
«أريد أن أتأكد من نقطة.»
«تفضلي.»
«هل ستلتزم بكل بند مكتوب هنا، حتى لو لم يعجبك لاحقًا؟»
مال سليم إلى الأمام، ووضع ساعديه على المكتب.
«هل تسألين لأنك تخشين أن أتراجع، أم لأنك تتوقعين أن أحاول تغيير الشروط عندما أجدها لا تناسبني؟»
«أسأل لأنني لا أثق بالوعود الشفهية.»
«وأنا لا أثق بالأشخاص الذين يوافقون على شروط ثم يتصرفون لاحقًا وكأنهم لم يقرؤوها.»
التقت عيناهما.
لثانية واحدة، شعرت ليلى برغبة في الابتسام، لكنها قاومتها. لم يكن هذا الرجل سهلًا، وكان واضحًا أنه لن يسمح لها بتمرير كلمة دون أن يعيدها إليها في صورة سؤال أكثر إزعاجًا.
قالت وهي تخفض عينيها إلى الورقة:
«إذن، لن يكون لدينا سبب للخلاف ما دمنا نعرف ما لنا وما علينا.»
«هذا يعتمد على قدرتك على الالتزام.»
«وقدرتك أنت أيضًا.»
ظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة، لم تستمر أكثر من لحظة.
«أعجبني أنك لا تتعاملين معي باعتباري الطرف الذي يملك كل شيء.»
«هل اعتدت أن يفعل الناس ذلك؟»
«أكثر مما تتخيلين.»
«إذن، اعتبرني استثناءً.»
لم يرد.
اكتفى بمراقبتها وهي تنتقل إلى الصفحة التالية، بينما ساد الغرفة صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت تقليب الأوراق واهتزاز خافت صادر عن جهاز التكييف.
كانت شقته تقع في طابق مرتفع من أحد الأبراج المطلة على النيل. واجهتها الزجاجية تسمح للضوء المسائي بالتسلل إلى الداخل، فتنعكس ألوان المدينة على الأثاث الداكن والأسطح اللامعة. كل شيء بدا مرتبًا إلى حد مبالغ فيه؛ لا صور عائلية، ولا أغراض شخصية متناثرة، ولا شيء يكشف عن الرجل الذي يعيش هنا بعيدًا عن عيون الآخرين.
حتى المكان نفسه بدا شبيهًا بصاحبه: أنيقًا، باردًا، ولا يسمح لأحد بالاقتراب أكثر مما ينبغي.
قلبت ليلى الصفحة الأخيرة، ثم عادت إلى بند لفت انتباهها منذ اللحظة الأولى.
«المادة الرابعة.»
رفع سليم نظره إليها.
«ماذا عنها؟»
«أريدك أن توضحها لي.»
أدار العقد ناحيتها قليلًا، ثم أشار إلى الفقرة التي وضعت تحتها خطًا بقلمها.
«اقرئيها بصوت مرتفع.»
ترددت ليلى للحظة.
لم يكن في الأمر ما يستدعي الارتباك؛ لقد قرأت البند أكثر من مرة قبل حضورها، وكانت تعرف كلماته جيدًا. ومع ذلك، فإن قراءته أمام الرجل الجالس قبالتها جعلت الكلمات تبدو أكثر مباشرة مما كانت عليه على الورق.
أخذت نفسًا هادئًا، ثم بدأت:
«المادة الرابعة: لا يترتب على الزواج أي التزام بالعلاقة الخاصة، ولا تتم إلا برغبة صريحة ومتبادلة من الطرفين، ويحق لأي منهما الرفض أو التراجع في أي وقت، دون أن يُعد ذلك إخلالًا بالعقد.»
أنهت القراءة، ثم رفعت عينيها إليه.
لم يبدُ على سليم أي حرج، ولم يحاول تخفيف حدة الكلمات بمزحة عابرة. بل شبك أصابعه فوق المكتب، وظل ينظر إليها بجدية كاملة.
«هل تفهمين معنى ذلك؟»
«أعتقد أنني أفهم اللغة العربية.»
«لم أسألك عن لغتك.»
مال برأسه قليلًا، ثم تابع بصوت أكثر انخفاضًا:
«أريدك أن تفهمي أن وجودنا في بيت واحد، أو نومنا في غرفة واحدة، أو حتى اضطرارنا إلى مشاركة السرير نفسه، لا يمنح أيًّا منا حقًا في جسد الآخر. لن أفترض أنك تريدين شيئًا لمجرد أنك لم ترفضي، ولن أعتبر صمتك موافقة.»
توقفت أصابعها عن العبث بحافة الورقة.
لم تكن تتوقع أن يتحدث عن الأمر بهذه الصراحة، رغم أن البند نفسه كان واضحًا. توقعت مساومة، أو شروطًا مخفية، أو محاولة منه لإظهار أن موافقته على العقد تمنحه امتيازات إضافية لم تكتبها.
لكن كلماته لم تترك مجالًا للتأويل.
أكمل سليم:
«وإذا أردتِ شيئًا، فعليكِ أن تقولي ذلك بوضوح. وإذا لم تريدي، فستكون كلمة لا كافية. لن أطالبك بتفسير، ولن أستخدم العقد للضغط عليكِ. وأتوقع منكِ المعاملة نفسها.»
ابتلعت ليلى ريقها، ثم سألت:
«حتى لو كنا متزوجين؟»
«خصوصًا لأننا متزوجان.»
كانت إجابته سريعة، حاسمة، خالية من أي محاولة لاستعراض الفضيلة.
ولسبب لم تفهمه تمامًا، شعرت بأن ذلك جعل التعامل معه أكثر تعقيدًا، لا أقل.
فهي تستطيع مواجهة رجل يحاول فرض نفسه عليها. تستطيع أن ترفع صوتها في وجهه، وأن تغضب، وأن ترفض.
أما رجل يضع الحدود بوضوح، ثم يجلس أمامها بتلك الثقة الهادئة، تاركًا لها مسؤولية الاختيار كاملة، فلم تكن قد استعدت للتعامل معه بعد.
حاولت استعادة نبرتها الثابتة.
«وماذا لو طلب أحدنا شيئًا ورفض الآخر؟»
«ينتهي الأمر عند الرفض.»
«بهذه البساطة؟»
«بهذه البساطة.»
تأملته قليلًا، وكأنها تبحث عن ثغرة في إجابته.
«أنت تتحدث وكأن الأمر لا يعني لك شيئًا.»
تغيرت نظراته بدرجة طفيفة.
«لا تخلطي بين عدم فرض رغبتي عليكِ وبين عدم امتلاكي لرغباتي الخاصة، يا ليلى.»
سكنت ملامحها.
للمرة الأولى منذ جلوسها، شعرت أن الحديث انتقل من مساحة الشروط المكتوبة إلى مساحة أكثر شخصية، رغم أنه لم يقل شيئًا يتجاوز حدود الاتفاق.
لم يبتسم، ولم يشرح أكثر.
ترك الجملة بينهما، ثم عاد إلى مقعده، كأنه لم يقل شيئًا يستحق الوقوف عنده.
أخفضت ليلى عينيها إلى العقد.
«مفهوم.»
«هل لديكِ أسئلة أخرى؟»
«نعم.»
«تفضلي.»
«إذا اكتشفت بعد الزواج أنني لا أستطيع الاستمرار، هل يمكنني إنهاء هذا الاتفاق؟»
لم يجبها فورًا.
نظر إليها طويلًا، ثم سحب نسخة أخرى من الأوراق الموضوعة بجواره، وفتحها عند الصفحة الأخيرة.
«هناك بند واضح بشأن إنهاء الاتفاق، والإجراءات التي تترتب عليه. يمكنكِ الانسحاب وفقًا للشروط المكتوبة، كما يمكنني أنا أيضًا. لن أحبس أحدًا في علاقة لا يريدها.»
«حتى لو ترتب على ذلك أن تخسر شيئًا؟»
«كل قرار له ثمن.»
ثم أضاف، وهو يغلق النسخة أمامه:
«لكنني لا أعتقد أن إجبار شخص على البقاء في مكان لا يريده سيجعل ما أخسره أقل.»
تأملت ليلى وجهه.
كانت إجابته منطقية، وربما أكثر مما ينبغي. ومع ذلك، لم تشعر بالاطمئنان الكامل؛ فالناس لا يُعرفون من خلال الكلمات التي يقولونها قبل الاتفاق، بل من خلال الطريقة التي يتصرفون بها عندما تصبح الكلمات عبئًا عليهم.
ولهذا، لم تكن تنوي منحه ثقتها لمجرد أنه أحسن اختيار عباراته.
أعادت ترتيب الأوراق، ثم وضعت كفها فوق العقد.
«حسنًا. أظن أنني فهمت الشروط.»
«هل أنتِ مستعدة للتوقيع؟»
نظرت إلى القلم بين أصابعها.
كان بإمكانها أن تنهض الآن، وتغادر الشقة، وتعود إلى حياتها السابقة، مهما كانت صعبة. لم يكن سليم يمسك بيدها، ولم يكن يهددها، ولم يحاول أن ينتزع منها موافقة لم تمنحها بإرادتها.
كان القرار قرارها.
وهذا ما جعل اللحظة أثقل مما توقعت.
فحين لا يستطيع المرء إلقاء اللوم على أحد، يصبح مضطرًا إلى مواجهة اختياره بكل ما يحمله من خوف واحتمالات.
رفعت رأسها.
«قبل أن أوقّع، أريد منك إجابة أخيرة.»
أشار إليها أن تتحدث.
«هل تزوجتني لأنك تريد زوجة فعلًا، أم لأنك تحتاج إلى شخص يؤدي هذا الدور أمام الآخرين؟»
لمعت في عينيه نظرة يصعب تفسيرها، ثم أسند ظهره إلى المقعد.
«أريد زوجة تستطيع الوقوف إلى جواري عندما نكون أمام الناس، وتحترم اتفاقنا عندما نكون وحدنا. لن أطلب منكِ أن تحبيني، ولن أعدك بأنني سأحبكِ. لا أريد أن نمثل على بعضنا خارج الأوقات التي يتطلب فيها الأمر أن نمثل أمام الآخرين.»
«إذن، نحن غريبان اتفقا على الزواج.»
«غريبان يعرف كل منهما ما ينتظره من الآخر.»
«وهل تعتقد أن ذلك كافٍ؟»
«بالنسبة إليّ، نعم.»
تسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتيها، هذه المرة دون أن تحاول إخفاءها.
«أنت رجل متفائل جدًا.»
«وأنتِ كثيرة الأسئلة جدًا.»
«هذه طريقتي في التأكد من أنني لا أرتكب حماقة.»
«وهل وصلتِ إلى نتيجة؟»
نظرت إلى العقد، ثم إليه.
«لم أقرر بعد.»
أطلق سليم زفيرًا هادئًا، وأمال رأسه قليلًا، لكن ملامحه لم تفقد جديتها.
«إذن، خذي وقتك. لن أطلب منكِ التوقيع قبل أن تكوني مقتنعة بقرارك.»
لم تكن تتوقع منه أن يقول ذلك.
أبعدت القلم عن الورقة، وحدقت فيه لثوانٍ، ثم عادت تمسكه من جديد.
«أنا مقتنعة بالقرار، لكنني لا أعرف إن كنت مقتنعة بك.»
«ليس مطلوبًا منكِ أن تقتنعي بي.»
«ألا يزعجك ذلك؟»
«لا.»
«ولا حتى قليلًا؟»
توقفت عيناه عند وجهها، ثم قال بهدوء:
«ليلى، إذا كنتِ تبحثين عن رجل سيحاول إقناعك بأنه أفضل رجل قابلتِه في حياتك، فأنتِ في المكان الخطأ. أنا لا أحتاج إلى أن تعجبكِ شخصيتي كي ننجح في تنفيذ اتفاق واضح. كل ما أحتاج إليه هو أن تكوني صادقة بشأن ما تريدينه، وأن تخبريني إذا تغير رأيك.»
نظرت إليه طويلًا.
ثم، أخيرًا، أنزلت القلم إلى الورقة.
وقّعت اسمها كاملًا.
ليلى.
بدت الحروف واضحة تحت ضوء المصباح، لكنها لم تبدُ لها كأي اسم كتبته من قبل. كان التوقيع صغيرًا، عاديًا، لا يحمل أي أثر للاضطراب الذي شعرت به في داخلها.
دفعت العقد إلى جانبه.
«انتهى الأمر.»
أخذ سليم الأوراق، وراجع توقيعها سريعًا، ثم وقّع في المكان المخصص له.
«من هذه اللحظة، أصبح الاتفاق نافذًا وفقًا لما اتفقنا عليه.»
وضع القلم جانبًا، ثم نهض من مقعده.
نهضت ليلى بدورها، وسوّت طرف سترتها بحركة تلقائية. كانت تتوقع أن يمد يده إليها، أو يقول شيئًا تقليديًا عن بداية حياتهما الجديدة، لكنه اكتفى بالتقاط هاتفه ومفاتيحه من فوق المكتب.
«سأوصلكِ إلى الشقة.»
توقفت وهي تنظر إليه.
«شقتنا؟»
التفت إليها، وكأن الكلمة لم تستحق كل ذلك الانتباه.
«نعم، شقتنا. أم أنكِ وقّعتِ عقد الزواج ونسيتِ أن هناك مكانًا سنعيش فيه؟»
ضيقت عينيها.
«أنا لا أنسى بهذه السهولة.»
«سنرى.»
مر بجوارها متجهًا إلى الباب، ثم توقف عندما لاحظ أنها لم تتحرك. استدار إليها، فوجدها تنظر إلى يده التي تحمل المفاتيح، ثم إلى وجهه.
«ماذا الآن؟»
ترددت للحظة، قبل أن تسأله:
«هل ستعاملني بهذه الطريقة طوال الوقت؟»
«أي طريقة؟»
«كأنك تعرف كل شيء، وكأنك تستمتع بإغاظتي.»
تأملها سليم لثانية، ثم ظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة، أكثر وضوحًا من سابقاتها.
«لم أكن أعرف أنني أزعجكِ بهذه السرعة.»
«أنت لا تعرف شيئًا عني أصلًا.»
«صحيح.»
فتح الباب، ثم أفسح لها الطريق.
«وهذا، يا ليلى، هو السبب الذي يجعلني أفضّل أن نبدأ بالتعارف بدلًا من إضاعة الوقت في الجدال.»
مرّت من جواره، رافعة رأسها بعناد.
«لا تتوقع أن يكون التعارف سهلًا.»
أغلق الباب خلفهما، ثم قال وهو يتجه نحو المصعد:
«لم أتوقع يومًا أن تكون الأشياء المهمة سهلة.»
سارت إلى جواره في صمت.
لم يلمسها، ولم يحاول الاقتراب منها، ولم يقل شيئًا آخر عن العقد أو الزواج. ومع ذلك، كانت تشعر بوجوده إلى جوارها أكثر مما أرادت الاعتراف به؛ ربما بسبب حضوره الواضح، أو نبرة صوته الهادئة، أو تلك الثقة التي جعلتها عاجزة عن معرفة ما إذا كان رجلًا يمكن الاعتماد عليه أم رجلًا يصعب فهمه.
عندما وصلا إلى المصعد، ضغط سليم الزر، ثم وقف بجوارها، تاركًا بينهما مسافة مريحة.
راقبت الأرقام المضيئة وهي تتغير فوق الباب المعدني.
ثم قالت فجأة:
«سليم؟»
التفت إليها.
«نعم؟»
«أريد أن أتأكد من شيء أخير.»
رفع حاجبه.
«ظننت أننا انتهينا من الأسئلة.»
«هذا سؤال مهم.»
«تفضلي.»
أخذت نفسًا عميقًا، ثم نظرت إليه مباشرة.
«هل ستندم على توقيع هذا العقد؟»
انفتح باب المصعد قبل أن يجيب.
نظر سليم إلى الداخل، ثم عاد بعينيه إليها.
«هذا يعتمد عليكِ.»
تجمدت ملامحها قليلًا.
وقبل أن تسأله عما يقصده، دخل المصعد، ثم استدار إليها، منتظرًا أن تلحق به.
«لكن هناك شيئًا واحدًا أستطيع أن أعدكِ به.»
دخلت ليلى، والتفتت نحوه.
«ما هو؟»
ضغط زر الطابق الأرضي، ثم ثبت عينيه عليها، وقال بنبرة هادئة لم تخلُ من التحذير:
«لن تكون حياتكِ معي كما تتخيلينها.»
انغلق باب المصعد بينهما وبين المكتب الذي شهد توقيعهما.
وفي اللحظة التي بدأت فيها الأرقام تتناقص، أدركت ليلى أنها لم توقع عقدًا يحدد فقط ما يحق لكل منهما أن يطلبه من الآخر.
لقد وقّعت على بداية حياة مع رجل لا تعرف عنه شيئًا تقريبًا.
رجل لم يعدها بالحب، ولم يطلب منها أن تحبه، ولم يمنحها حتى وهم أن الأيام القادمة ستكون سهلة.
ومع ذلك، كان هناك شيء واحد لم تستطع تجاهله.
حين وقّعت ليلى اسمها، كانت تظن أنها تعرف حدود هذه العلاقة. لكنها لم تكن تعرف بعد أن أصعب الحدود هي تلك التي يرسمها الإنسان لنفسه، ثم يكتشف أنه أول من يرغب في تجاوزها.
❈ ────── نهاية الفصل الأول ────── ❈
### الفصل الرابع: قميصه«لم تكن ليلى تعرف أن قطعة قماش بيضاء قد تضعها في مواجهة مع زوجها أكثر مما فعل عقد الزواج كله.»❈ ────── 💜 ────── ❈كانت الساعة تقترب من السادسة مساءً حين اكتشفت ليلى أن يومها يسير عكس ما خططت له تمامًا.بدأ الأمر بغسالة الملابس التي قررت التوقف عن العمل في منتصف دورتها، ثم اتضح أن معظم ملابسها لا تزال مبللة، وأن تجفيفها سيستغرق وقتًا أطول مما توقعت. أما الملابس التي وضعتها جانبًا لتتمكن من ارتدائها، فقد اكتشفت أنها لا تناسبها للخروج من غرفتها؛ إحداها تحتاج إلى الكي، والأخرى لم تعد تتذكر لماذا وضعتها في الحقيبة أصلًا.وقفت أمام الخزانة المفتوحة، تنظر إلى محتوياتها بامتعاض.«رائع. ممتاز. بداية مثالية لحياتي الزوجية.»سحبت قطعة ملابس من أحد الأدراج، ثم أعادتها بعصبية، قبل أن تتجه إلى حقيبتها وتفتش فيها للمرة الثالثة.لم تجد شيئًا جديدًا.ألقت نظرة على هاتفها. السادسة إلا عشر دقائق.كان سليم قد أخبرها بأنه سيعود في السادسة تقريبًا، ولم تكن ترغب في أن تقضي المساء محبوسة في غرفتها بسبب غسالة قررت إعلان تمردها.لم يكن لديها سوى خيار واحد.أن ترتدي شيئًا من ملابسه.ال
### الفصل الثالث: الحمّام الزجاجي«لم تكن ليلى تعرف أن أخطر ما في السكن مع رجل غريب ليس أن يراها، بل أن تكتشف أنها أصبحت تفكر في نظراته أكثر مما ينبغي.»❈ ────── 💜 ────── ❈استيقظت ليلى على صوت طرقات متتالية على الباب.لم تكن طرقات قوية، لكنها كانت منتظمة بما يكفي لتنتزعها من نومها وتدفعها إلى فتح عينيها بتثاقل. مدت يدها نحو الطاولة المجاورة للسرير بحثًا عن هاتفها، ثم حدقت في الشاشة قبل أن تطلق تأوهًا مكتومًا.السابعة وعشر دقائق صباحًا.من الذي يملك الجرأة على إفساد نومها في هذا الوقت؟أغمضت عينيها مجددًا، متجاهلة الطرقات، لكنها لم تكد تستعيد وضعها المريح حتى جاءها صوت سليم من خلف الباب:«ليلى، هل استيقظتِ؟»دفنت وجهها في الوسادة.«لا.»ساد صمت قصير.ثم قال ببرود:«إجابة مقنعة للغاية. سأعود بعد نصف ساعة، وآمل أن تكوني قد استيقظتِ حينها.»سمعت خطواته تبتعد، فرفعت رأسها عن الوسادة وحدقت في الباب بامتعاض.أي رجل طبيعي يطرق باب غرفة نوم زوجته في السابعة صباحًا، ثم يتوقع منها أن تستيقظ لمجرد أنه قرر ذلك؟تذكرت فجأة أنها لم تكن في غرفتها أصلًا.كانت في منزله، أو منزلهما وفقًا للعقد الذي وق
### الفصل الثاني: أول ليلة«لم يخبرني أحد أن الزواج من رجل غريب يعني أن أتعلم كيف أتنفس بهدوء بينما أستمع إلى خطواته خلف باب الحمام.»كانت ليلى تحدق في انعكاس وجهها على المرآة، بينما تتساقط قطرات الماء من أطراف شعرها المبلل إلى كتفيها. لم تكن تخشى سليم، أو هكذا حاولت إقناع نفسها منذ دخولهما الشقة قبل نحو نصف ساعة، لكنها لم تستطع إنكار أن وجود رجل غريب في المساحة التي ستنام فيها الليلة جعل أبسط الأشياء تبدو مختلفة.حتى صوت الماء الذي يتدفق من الصنبور بدا أعلى من المعتاد، وكأن الشقة بأكملها تتعمد تذكيرها بأنها لم تعد وحدها.أغلقت الصنبور، ثم تناولت المنشفة المعلقة بجوارها وجففت شعرها ببطء. كانت قد أحضرت حقيبة متوسطة الحجم، ظنت أنها ستكفيها لبضعة أيام، لكنها أدركت الآن أن عليها ترتيب حياتها من جديد، ولو مؤقتًا، في مكان لا تعرف عنه شيئًا سوى أنه أصبح منزلها بموجب عقد وقّعته بإرادتها.منزلها.توقفت يدها عن الحركة، ثم حدقت في الكلمة التي ظهرت في ذهنها.لم تكن معتادة على مشاركة مساحتها مع أحد، ولم تكن فكرة الزواج نفسها هي ما يزعجها بقدر ما يزعجها اضطرارها إلى التكيف مع شخص لم تتعرف إليه إلا
### الفصل الأول: التوقيع❈ ────── ⋅💜⋅ ────── ❈«قبل أن توقّعي هذا العقد، أريدك أن تعرفي أنني قد أكون الرجل الذي تتمنين قضاء ليلة معه، لكنني لن أكون الرجل الذي ستتمكنين من امتلاكه.»كانت تلك أول جملة نطق بها سليم منذ جلوسها أمامه، وآخر شيء توقعت ليلى سماعه من رجل سيصبح زوجها بعد دقائق.رفعت عينيها عن الأوراق الموضوعة أمامها، وتطلعت إليه بصمت، تحاول أن تقرر إن كان يتحدث بجدية أم يتعمد استفزازها قبل أن يمنحها فرصة التراجع.لكنه لم يكن يبتسم.كان جالسًا خلف المكتب العريض، مستندًا بظهره إلى المقعد الجلدي الأسود، وقد أرخى الزر العلوي من قميصه الأبيض وترك سترته السوداء معلقة على ظهر الكرسي المجاور. بدا مظهره أقل رسمية مما توقعت، لكنه لم يقلل من هيبته؛ بل منحه تلك الثقة المستفزة التي يمتلكها الرجال الذين اعتادوا أن تكون الكلمة الأخيرة لهم.أما عيناه، فكانتا ثابتتين عليها ببرود يصعب تجاهله.لم يكن ينظر إليها كما ينظر رجل إلى امرأة يستعد للزواج منها، ولا كما ينظر إلى شخص يحتاج إلى إقناعه بقرار مصيري. كان ينظر إليها كأنه يختبر قدرتها على احتمال ما ستختاره بنفسها.وهذا تحديدًا ما أزعجها.أغلقت ل







