Mag-log inالفصل 2
ناريا
----
تجمّدت ملامح وجه جاكسون للحظة، وزرعت في عينيه لمحة من التوتر، لكنه سرعان ما استعاد غروره وتظاهر بالإزعاج، قائلاً بصوت مرتفع: "ماذا تقصدين؟ كارلا متدربة مجتهدة في الشركة وتؤدي عملها بكل اجتهاد! هل بدأنا مجدداً بأسطورة الغيرة الفارغة والشكوك المرضية؟ أنتِ تحاولين اختلاق المشاكل لأنكِ تشعرين بالنقص تجاه نجاحي وترقيتي!"
ابتسمتُ مرارةً. لم تكن غيرتي هي ما يتحدث ، بل كرامتي التي دُفنت لسنوات تحت وطأة تقليله المستمر من شأني.
قلتُ له بثبات: "أنا لا أختلق المشاكل ، جاكسون. أنا فقط رأيتُ وسمعتُ كيف تتحدث معها، وكيف تعاملها بدلال وتثني على ثيابها وظهرها ، بينما لا تتوقف عن ذمي والسخرية من مظهري وجسدي كلما جلستُ معك."
وقف أمامي وهو يكتف ذراعيه، وسخر قائلاً: "وهل كذبتُ؟ انظري إلى الموظفات في الشركة وإلى كارلا.. يتأنقن ويعتنين بأجسادهن ويبدين حيوية في كل وقت ، أما أنتِ فماذا تفعلين؟ تعملين في محل مجوهرات وتعودين للمنزل لتجلسي في وجهي بنفس المظهر الكئيب! أنتِ تلتصقين بي وتعتمدين عليّ في كل شيء بطريقة خناقة وتسبب لي الاشمئزاز. لو كنتِ تهتمين بنفسكِ قليلاً لما احتجتُ لإبداء الإعجاب بأناقة غيركِ!"
كانت كل كلمة تخرج من فمه كالسهم، لكنها بدلاً من أن تكسرني هذه المرة، جعلت قلبي يتحجر. طوال سنوات زواجنا ، لم يدرك أنني كنتُ أختصر مصاريفي وأتخلى عن شراء الملابس الفاخرة والأدوات التجميلية فقط لأساعده في تسديد الأقساط والادخار من أجل أن يبني مسيرته المهنية حتى يصل إلى منصبه الحالي في شركة ويلسون العقارية. وعندما وصل إلى مبتغاه، أصبحتُ في نظره مجرد امرأة عادية ومملة لا تليق بمقامه الجديد.
استجمعتُ شتات نفسي، وقمتُ من مكاني بخطوات هادئة.
نظر إليّ باستخفاف وقال: "إلى أين تذهبين؟ هل ستذهبين للبكاء في الغرفة كالعادة؟"
التفتُ إليه ونظرتُ في عينيه مباشرة ، وقلتُ بصوت ناصع ونقي: "لا، جاكسون. لن أبكي بعد اليوم."
دخلتُ غرفة النوم وأغلقتُ الباب بالمفتاح. أخرجتُ هاتفي واتصلتُ فوراً بصديقتي المقربة رولا ماكسويل. رولا هي الشخص الوحيد الذي يعرف كل ما مررتُ به من معاناة وضغط نفسي خلال هذا الزواج.
بمجرد أن ردت رولا على المكالمة، سمعتُ صوتها القوي والمشجع: "ناريا؟ ماذا حدث ؟ هل تفوه جاكسون بأي شيء أحمق مجدداً؟"
أخذتُ نفساً عميقاً وقلتُ: "رولا.. لقد انتهى كل شيء. أريد الطلاق، ولن أتراجع هذه المرة."
صمتت رولا للحظة ثم قالت بحماس ودعم مطلق:
"أخيراً، ناريا! هذا أفضل قرار اتخذتِه في حياتك ! ذلك المغرور لا يستحق ظلكِ حتى. لكن استمعي إليّ جيداً.. يجب أن نكون ذكيات. جاكسون شخص أناني ومستغل، ولن يترككِ تخرجين بسهولة دون أن يحاول تجريدكِ من حقوقكِ أو إظهاركِ بمظهر المخطئة أمام عائلتكِ والجميع."
وافقتُها الرأي وقلتُ: "أعلم ذلك. هو يحاول دائماً استغلال وضعي وعائلتي ليضغط عليّ."
قالت رولا بثقة: "إذن، ابتداءً من الغد، سنبدأ بجمع الأدلة. عليكِ كشف حساباته المالية السرية ، والتحفظ على أي أدلة تشير إلى علاقته بكارلا في الشركة أو أي تجاوزات إدارية ومالية قد يكون ارتكبها للترقية. سأساعدكِ في التواصل مع محامٍ ممتاز لترتيب كل شيء بسرية تامة حتى نباغته بأوراق الطلاق."
أحسستُ برغبة قوية في البدء من جديد، لكن كان عليّ أولاً أن أجد مكاناً أعيش فيه بشكل مستقل بعيداً عن هذا المنزل الذي أصلح يخنقني.
قلتُ لرولا:. "قبل كل شيء، أحتاج إلى العثور على سكن جديد في أسرع وقت. لا أستطيع البقاء في هذا المنزل معه لدقيقة واحدة إضافية بعد إعداد القضايا والأوراق."
ردت رولا: "لا تقلقي، سأبحث معكِ غداً عن إعلانات التأجير في المناطق الهادئة. أهم شيء الآن هو أن تظلي متماسكة وألا تشعريه بأي شيء حتى نكتمل من تجهيز كل شيء."
بعد أن أنهيتُ المكالمة مع رولا، جلستُ على طرف السرير وأنا أنظر إلى انعكاس صورتي في المرآة.
كنتُ في الثامنة والعشرين من عمري، أملك وجهاً ناعماً وعينين زرقاوين ناصعتين، لكني كنتُ أرى آلام ثلاث سنوات من الإهمال والسخرية بادية في نظراتي. جاكسون جعلني أصدق لسنوات أنني لا أستحق الحب أو الاهتمام، وأنني مجرد عبء عليه.
لكن تلك الليلة كانت النهاية الحقيقية لضعفي.
---
في الصباح التالي، خرج جاكسون متأنقاً كعادته للذهاب إلى شركة ويلسون العقارية دون أن يلقي عليّ تحية الصباح.
وبمجرد خروجه، بدأتُ بالبحث في إعلانات العقارات عبر الإنترنت، وتواصلتُ مع رولا التي أرسلت لي رابطاً لمنزل صغير مستقل في أحد الأحياء الهادئة في الضواحي. كان المنزل يبدو بسيطاً وأنيقاً، ومحاطاً بأشجار خضراء، بسعر إيجار معقول جداً مقارنة بموقعه ونسبة لراتبي.
أخذتُ رقم صاحب العقار وقررتُ الاتصال به لتحديد موعد لمعاينة المكان.
عندما رن الهاتف، جاءني الصوت من الطرف الآخر.. كان صوتاً عميقاً، هادئاً وثقيلاً، ويحمل في نبرته نبل ورجولة مبهر.
" مرحباً، معكِ كاين ويلسون."
الفصل 8ناريا---شعرتُ بالعالم يدور بي، وبأن الأرض تتراقص تحت قدمي، لكن اللمسة التي غمرتني كانت ثابتة وصلبة لدرجة أنه كأنما خُلق لتكون لي ملجأً ومرفأ.بعد تلك اللحظة المندفعة التي وضعتُ فيها شفتي فوق شفتيه بلا تردد تحت تأثير الثمالة وسنوات الحرمان ، لم يكن رد فعله كما توقعت. فبدلاً من أن يدفعني أو يبتعد ببرود، تحرك بسرعة برق؛ إذ التفت بذراعيه القويتين وحاصرني فجأة، ساحبًا إياي من منتصف صخب البار المزدوج والموسيقى الصاخبة إلى ممر جانبي مظلم، بعيدًا عن أعيُن السهارى وفضول الفضوليين.اصطدم ظهري بجدار الممر الناعم، وكان كاين يقف أمامي مباشرة، محاصرًا إياي بجسده الطويل ، لدرجة أن رائحة عطره الرجالي الفاخر من خشب الصندل والعنبر ملأت جوّي وأفقدتني ما تبقى من قدرة على التفكير المنطقي.رفعتُ وجهي إليه، وكانت أنفاسه الحارة تتلاحق، وعيناه العميقتان تشتعلان بنظرة لم أعهدها فيه من قبل ، مزيج غريب من الرغبة الجارفة، والقلق الحارق، والسيطرة المكتومة.حاول إبعادي عنه برفق، ووضع أطراف أصابعه الدافئة على كتفي، وقال بصوته العميق المبحوح الذي هزّ أعماقي: "ناريا.. استوعبي ما تفعلينه. أنتِ لستِ في وعيكِ ا
الفصل 7ناريا--- لم يكن هناك وقت للحزن أو الندب؛ فالمرأة التي قررت الاسترداد لكبريائها لا تملك رفاهية الانتظار.قبل أن ألتقي برولا لتحديد خطوتنا القادمة، كان عليّ إنهاء أهم ملف يتعلق بحريتي المالية والقانونية. توجهتُ إلى مكتب المحامي الخاص الذي نسقت معي رولا لمقابلته. كان المحامي رجلاً حازماً وذا خبرة واسعة في قضايا الأحوال الشخصية والعقارات.جلسنا في مكاتبه العالية بوسط المدينة، وقدمتُ له كل ما أملك من وثائق. "سيدي، أريد البدء في إجراءات الطلاق فوراً، وبطريقة تضمن عدم قدرة جاكسون فيلر على الاستيلاء على أي فلس من حقوقي."ابتسم المحامي بمهنية وهو يتصفح الأوراق: "سيدة ناريا، بناءً على الأدلة التي أعدِدْتِها، وبناءً على ثغرات المعاملات المالية التي كان يمارسها، موقعكِ القتالي ممتاز. لكن الخطوة الأولى والأهم الآن هي التحفظ على أموالكِ الخاصة."توجهتُ فوراً بعد المكتب إلى البنك المركزي. كانت هناك وديعة مالية كبيرة ادخرتُها طوال سنوات عملي في محل المجوهرات، وبسبب ثقتي الكوراء بجاكسون وسعيي المتواصل لرفع إسكاننا وتسهيل شروطه الائتمانية، كنتُ قد أدرجتُ اسمه كشريك ومستفيد ثانٍ في تلك الوديع
الفصل 6ناريا---سقطت الكلمات من فم جاكسون متقطعة ومرتجفة، وكأن الهواء قد انقطع عن رئتيه فجأة.أمسك بالهاتف بكلتا يديه، وقال بصوت مشوه بالكاد استطعنا التقاطه، وهو يلتفت إلينا بعينين زائغتين: "ال.. الرئيس التنفيذي.. ؟ وصل.. وصل اليوم إلى المقر الرئيسي للشركة ويطلب حضور جميع المديرين فوراً... "تغير الجو في الغرفة في جزء من ثانية. تحول غرور جاكسون المعهود وتكبره إلى حالة من الفزع والرعب الحقيقيين. نسى كل المشهد المسرحي الذي كان يؤديه قبل قليل لإثارة إعجاب والديّ، ونسى تماماً خطبته الاستعراضية. ركض نحو خزانة الملابس بجنون، وأخذ يرتدي سترته الرسمية بعشوائية وهو يرتجف، بينما كانت قطرات العرق تتساقط من جبينه رغم برودة الجو.صاح والدي بصوت مرتبك وهو يحاول فهم ما يجري: "جاكسون يا بني.. ما الأمر؟ هل هي ترقية مفاجئة؟ هل سيتم تكريمك أمام الرئيس التنفيذي بنفسه؟"لم يرد عليه جاكسون؛ بل دفع الباب واندفع خارج الشقة كالمجنون دون حتى أن يودعنا أو ينظر خلفه، تاركاً إيانا في حالة من الذهول والارتباك التام.لكن غياب جاكسون لم يخفف شيئاً من وطأة الجحيم الذي كنت أعيش فيه داخل الشقة. فبمجرد أن أغلق الباب،
الفصل 5ناريا ---شهقت والدتي بصوت عالٍ، ونظرت إليّ بنظرات ملؤها اللوم والعتاب الجارح، وقالت: "أنت سبب مرضي واللعنة ، خسارة ، ناريا.. خسارة كبيرة! هل هذا ما علمناكِ إياه ؟ رجل مثل جاكسون، شاب، وسيّم، ومدير ناجح في أكبر شركة عقارات في المدينة ، يحاول رفع مستواكم الاجتماعي ، وأنتِ تُعاملينه بهذه القسوة والإنكار ؟ انظري إلى نفسكِ أولاً قبل أن تتهميه! كيف تريدين من رجل في منصبه ألا ينظر للخارج وأنتِ مهملة لنفسكِ ولجسدكِ ولثيابكِ بهذه الطريقة المعينة ؟"نزلت كلماتها عليّ كالصاعقة. كان جاكسون ينظر إليّ من خلف ظهر أمي بابتسامة نصر خفية وسخرية لئيمة، مستمتعاً برؤية والديّ يمارسان عليه القسوة والجلد نيابة عنه!صحتُ بذهول، وصوتي يرتجف من الغضب والحسرة: "أمي! هل تلومينني أنا؟ هل تطلبين مني أن أتقبل إهانتي ؟ جاكسون يدين لي بكل ما وصل إليه! نسيتما كم سنة اختصرتُ فيها مصاريفي وأكلتُ أرخص الطعام ووقفتُ على قدمي في محل المجوهرات بالساعات لأدفع معه أقساطه ودراسته ليحصل على هذه الترقية؟ والآن، عندما أصبح مديراً في شركة ويلسون العقارية، أصبحتُ في نظره مجرد امرأة عابسة، كئيبة ومملة لا تليق به!"تقدم وال
الفصل 4ناريا ---لاحظ كاين التغير المفاجئ في ملامحي وانحباس أنفاسي. خطى خطوة واحدة هادئة نحو الطاولة الساكنة بجانبه، ودون أن يتدخل في خصوصيتي أو يسأل عن هوية المتصل ، قال بنبرة رصينة ودافئة تُعيد التوازن إلى الروح: "هل أنتِ بخير، ناريا؟"نظرتُ إليه، وكان كبرياء نفسي يصارع الارتباك الذي غمرني. بلعتُ غصتي وقلتُ بصوت متقطع: "أنا.. أنا أعتذر جداً، سيد كاين. طرأ أمر عائلي طارئ للغاية ويجب عليّ المغادرة فوراً إلى مانهاتن."لم تظهر على وجهه أي علامات استياء أو انزعاج، بل انهمرت من عينيه هالة شفقة واحترام شديدين. أومأ رأسه بوقار، وسحب من على الطاولة ورقة عقد الإيجار المستعدة ومحبرة أنيقة، ثم وضعها أمامي بنعومة.قال بأسلوب يحمل كل النبل والاحتواء: "لا داعي للقلق أو الاعتذار أبداً. العقد جاهز كما اتفقنا، الشروط مبسطة للغاية، ويمكنكِ توقيعه الآن إن كنتِ ما زلتِ ترغبين في المنزل، ثم المغادرة فوراً لتدارك أمركِ العائلي. المفاتيح ستكون معكِ ابتداءً من هذه اللحظة."نظرتُ إلى العقد بسرعة؛ كان ميسراً للغاية، وقيمة الإيجار تقل بكثير عن القيمة السوقية لمثل هذا المنزل الأنيق في الضواحي، وكأنه كُتب خصيص
الفصل 3ناريا---أخذتُ نفساً عميقاً قبل أن أجيبه بصوت هادئ ومستقر: "مرحباً، سيد كاين، أنا أتصل بخصوص إعلان إيجار المنزل الخاص بك في منطقة الضواحي الهادئة بميدل فيليچ ، نيويورك. هل لا يزال متاحاً للمعاينة اليوم؟"جاء رده سريعاً ومريحاً، وكأن صوته يحمل طمأنينة فورية لم تشوبها أي تعقيدات: "نعم ، آنستي ، المنزل متاح. هل يناسبكِ أن نلتقي هناك بعد ساعتين من الآن؟ سأكون بانتظاركِ أمام البوابة الرئيسية."وافقتُ فوراً، وبعد أن انتهيتُ من ترتيب بعض الأغراض البسيطة في حقيبتي ونظرت إلى شقة مانهاتن التي شاركتها مع جاكسون لسنوات ، انطلقتُ باتجاه الضواحي.كانت الغيوم الخفيفة تغطي السماء، ورائحة الأرض المبللة بمطر الأمس تملأ المكان، مما منحني شعوراً بالانتعاش وكأنني أتنفس لأول مرة منذ سنوات طويلة من الاختناق داخل زواج باهت.بعد رحلة قصيرة بالحافلة تلتها سير قصير على الأقدام، وصلتُ إلى العنوان المحدد.كان المنزل يقع في زاوية هادئة تحيط بها الأشجار الخضراء العالية، ويبدو من الخارج بسيطاً، أنيقاً، وذو طراز كلاسيكي دافئ يبعث على الراحة النفسية. لم يكن قصراً فخماً يصرخ بالثراء، بل مساحة صغيرة محاطة بسياج







