Mag-log in
الفصل 1
---
ناريا
كان المطر يقرع زجاج النافذة الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف في المكتب الرئيسي لشركة ويلسون العقارية، لكن البرودة التي شعرتُ بها في تلك اللحظة لم تكن بسبب الطقس الخارجي، بل بسبب المنظر الذي كان يتجلى أمامي خلف الباب الزجاجي المعتم جزئياً.
كنتُ أقف في الممر، أحمل في يدي صندوقاً صغيراً يحتوي على الغداء الدافيء الذي أعددته بنفسي لزوجي جاكسون. كان هذا عادتي منذ أن تزوجنا قبل ثلاث سنوات؛ أن أهتم بكل تفصيلة صغيرة تخصه، وأن أحرص على أن يتناول طعاماً صحياً وسط ضغوط عمله كمدير عقارات إقليمي تم ترقيته مؤخراً.
لكن ما رأيته في تلك اللحظة جعل يتوقف كل شيء داخلي.
كان جاكسون يجلس خلف مكتبه الفخم، وأمامه تقف كارلا، المتدربة الجديدة التي لم تتجاوز الثالثة والعشرين من عمرها.
كانت تحمل بضعة أوراق ومستندات هامة تخص أحد المشاريع، لكنها لم تكن تقف كأي موظفة تؤدي عملها. كانت تميل بجسدها نحو المكتب بأسلوب دلال واضح، ترتدي فستاناً قصيراً يبرز قوامها الشاب، وتضحك بصوت خفيض وناعم.
ولم يكن جاكسون يمانع ذلك على الإطلاق. بل على العكس تماماً.
رأيته يمد يده ليعدل طرف ياقة قميصها اللطيف، ثم يبتسم لها بتلك الابتسامة التي لم يبتسمها لي منذ سنوات.
قال لها بصوت دافئ ورقيق استطعتُ سماعه بوضوح لأن الباب لم يكن مغلقاً بالكامل: "هذا اللون الزهري يناسبكِ كثيراً، كارلا.. يبرز جمال بشرتكِ ونضارتكِ. يجب أن ترتدي مثل هذه الألوان المبهجة دائماً، فهي تضفي طاقة حيوية على المكان، بعكس الألوان القاتمة والمملة التي أراها كل يوم."
أمسكت كارلا بحافة الجدول الزمني للمشروع، وقالت بنبرة خجولة تصنعاً: "شكراً لك، سيد جاكسون.. أنا أحرس دائماً على أن أظهر بأسلوب يليق بشركة كبيرة مثل شركة ويلسون العقارية، وأحب أن أكون في أبهى صورة أمامك."
ضحك جاكسون بخفة، وقال وهو ينظر إليها بنظرات اعجاب صريحة لم يعد يتكلف حتى إخفاءها: "أنتِ تهتمين بكل التفاصيل الصغيرة، وهذا ما يعجبني فيكِ. المرأة الحقيقية هي التي تعرف كيف تحافظ على أناقتها وجسدها الممشوق وترتدي ما يبرز أنثويتها. بعض النساء ينسين أنفسهن بمجرد الزواج، فيتحولن إلى مجرد ظلال مملة تلتصق بك في المنزل دون أي تجديد أو جاذبية."
شعرتُ وكأن أحداً يسكب ماءً بارداً على رأسي. كانت كلماته تقصدني أنا بدون أدنى شك.
طوال السنوات الثلاث الماضية، لم أكن أريد سوى أن أكون الزوجة الداعمة. كنت أعمل طوال النهار كبائعة مجوهرات في المركز التجاري، وقضاء ساعات طويلة على قدمي لبيع القطع الثمينة للزبناء، ثم أعود إلى المنزل لأطبخ وأُنظف وأحرص على أن تكون حياة جاكسون هادئة ومريحة ليركز في مسيرته المهنية. وعندما ترقى إلى منصب مدير عام في شركة ويلسون العقارية، شعرتُ بالفخر لأجله ووقفتُ بجانبه بكل ما أوتيت من قوة.
لكن في نظره، كل هذا لم يكن له أي قيمة.
في الأشهر الأخيرة، بدأ جاكسون ينتقد كل شيء فيّ. كان ينظر إلى ملابسي البسيطة والمريحة بقلة احترام، ويقول لي بجفاف: "ناريا، انظري إلى نفسكِ.. لماذا لا ترتدين ملابس أكثر أنثوية؟ لماذا لا تعتنين بجسدكِ ومظهركِ مثل النساء العصريات؟ لقد أصبحتِ مملة للغاية، وتلتصقين بي بطريقة تخنقني."
كان يتهرب من لمسي، ويتحجج دائماً بالتعب والإرهاق من ضغط العمل في شركة ويلسون. يرفض الخروج معي، ويقضي أغلب وقته وهو يتصفح هاتفه بابتسامة غامضة، معتبراً أن ترقيته وحصوله على هذا المنصب يجعله أعلى مني درجة، وأن زواجه من فتاة من عائلة عادية مثلي كان مجرد تساهل منه.
والآن، أكتشف أن التعب والإرهاق اللذين كان يتحجج بهما كانا يُصرفان هنا.. في هذا المكتب، مع متدربة شابة يغدق عليها بالمديح والدلال وتجمل الثياب!
تراجعتُ خطوات إلى الخلف بهدوء شديد. لم أصرخ، ولم أقتحم المكتب لأصنع مشهداً درامياً أمام الموظفين. كانت كبريائي تمنعني من إهانة نفسي أكثر من ذلك.
وضعتُ صندوق الغداء على طاولة الاستقبال القريبة، وكتبتُ ورقة صغيرة وضعتها فوقه: "غداؤك هنا." ثم غادرتُ المبنى بخطوات ثقيلة تحت زخات المطر.
في ذلك المساء، عندما عاد جاكسون إلى المنزل، كان يتعطر بفرط ويحمل حاسوبه المحمول، ويبدو في غاية النشاط. نزل إلى الصالة ورمى مفاتيحه على الطاولة، ثم نظر إليّ بعينين باردتين وأنا أقوم بجمع بعض الصحون.
قال بصوت جاف خالٍ من أي عاطفة: "ناريا ، رأيتُ الغداء الذي تركتِه في الشركة اليوم. كم مرة أخبرتكِ ألا تأتي إلى مقر عملي فجأة؟ شركة ويلسون العقارية شركة كبرى ولها سمعتها، ولا أريد من الموظفين أن يروا زوجتي وهي تتجول هناك وكأنه منزلها، وتجلب لي علب الطعام وكأننا في قرية. هذا يقلل من هيئتي أمام الجميع."
جلستُ على أريكة الصالة، ونظرتُ إليه بسبات عميق لم يعتده مني. لم أعد تلك الزوجة التي تحاول الاعتذار وإرضاءه بأي طريقة.
قلتُ بصوت هادئ ومباشر: "هل كان يقلل من هيئتك أمام كارلا أيضاً؟"
الفصل 8ناريا---شعرتُ بالعالم يدور بي، وبأن الأرض تتراقص تحت قدمي، لكن اللمسة التي غمرتني كانت ثابتة وصلبة لدرجة أنه كأنما خُلق لتكون لي ملجأً ومرفأ.بعد تلك اللحظة المندفعة التي وضعتُ فيها شفتي فوق شفتيه بلا تردد تحت تأثير الثمالة وسنوات الحرمان ، لم يكن رد فعله كما توقعت. فبدلاً من أن يدفعني أو يبتعد ببرود، تحرك بسرعة برق؛ إذ التفت بذراعيه القويتين وحاصرني فجأة، ساحبًا إياي من منتصف صخب البار المزدوج والموسيقى الصاخبة إلى ممر جانبي مظلم، بعيدًا عن أعيُن السهارى وفضول الفضوليين.اصطدم ظهري بجدار الممر الناعم، وكان كاين يقف أمامي مباشرة، محاصرًا إياي بجسده الطويل ، لدرجة أن رائحة عطره الرجالي الفاخر من خشب الصندل والعنبر ملأت جوّي وأفقدتني ما تبقى من قدرة على التفكير المنطقي.رفعتُ وجهي إليه، وكانت أنفاسه الحارة تتلاحق، وعيناه العميقتان تشتعلان بنظرة لم أعهدها فيه من قبل ، مزيج غريب من الرغبة الجارفة، والقلق الحارق، والسيطرة المكتومة.حاول إبعادي عنه برفق، ووضع أطراف أصابعه الدافئة على كتفي، وقال بصوته العميق المبحوح الذي هزّ أعماقي: "ناريا.. استوعبي ما تفعلينه. أنتِ لستِ في وعيكِ ا
الفصل 7ناريا--- لم يكن هناك وقت للحزن أو الندب؛ فالمرأة التي قررت الاسترداد لكبريائها لا تملك رفاهية الانتظار.قبل أن ألتقي برولا لتحديد خطوتنا القادمة، كان عليّ إنهاء أهم ملف يتعلق بحريتي المالية والقانونية. توجهتُ إلى مكتب المحامي الخاص الذي نسقت معي رولا لمقابلته. كان المحامي رجلاً حازماً وذا خبرة واسعة في قضايا الأحوال الشخصية والعقارات.جلسنا في مكاتبه العالية بوسط المدينة، وقدمتُ له كل ما أملك من وثائق. "سيدي، أريد البدء في إجراءات الطلاق فوراً، وبطريقة تضمن عدم قدرة جاكسون فيلر على الاستيلاء على أي فلس من حقوقي."ابتسم المحامي بمهنية وهو يتصفح الأوراق: "سيدة ناريا، بناءً على الأدلة التي أعدِدْتِها، وبناءً على ثغرات المعاملات المالية التي كان يمارسها، موقعكِ القتالي ممتاز. لكن الخطوة الأولى والأهم الآن هي التحفظ على أموالكِ الخاصة."توجهتُ فوراً بعد المكتب إلى البنك المركزي. كانت هناك وديعة مالية كبيرة ادخرتُها طوال سنوات عملي في محل المجوهرات، وبسبب ثقتي الكوراء بجاكسون وسعيي المتواصل لرفع إسكاننا وتسهيل شروطه الائتمانية، كنتُ قد أدرجتُ اسمه كشريك ومستفيد ثانٍ في تلك الوديع
الفصل 6ناريا---سقطت الكلمات من فم جاكسون متقطعة ومرتجفة، وكأن الهواء قد انقطع عن رئتيه فجأة.أمسك بالهاتف بكلتا يديه، وقال بصوت مشوه بالكاد استطعنا التقاطه، وهو يلتفت إلينا بعينين زائغتين: "ال.. الرئيس التنفيذي.. ؟ وصل.. وصل اليوم إلى المقر الرئيسي للشركة ويطلب حضور جميع المديرين فوراً... "تغير الجو في الغرفة في جزء من ثانية. تحول غرور جاكسون المعهود وتكبره إلى حالة من الفزع والرعب الحقيقيين. نسى كل المشهد المسرحي الذي كان يؤديه قبل قليل لإثارة إعجاب والديّ، ونسى تماماً خطبته الاستعراضية. ركض نحو خزانة الملابس بجنون، وأخذ يرتدي سترته الرسمية بعشوائية وهو يرتجف، بينما كانت قطرات العرق تتساقط من جبينه رغم برودة الجو.صاح والدي بصوت مرتبك وهو يحاول فهم ما يجري: "جاكسون يا بني.. ما الأمر؟ هل هي ترقية مفاجئة؟ هل سيتم تكريمك أمام الرئيس التنفيذي بنفسه؟"لم يرد عليه جاكسون؛ بل دفع الباب واندفع خارج الشقة كالمجنون دون حتى أن يودعنا أو ينظر خلفه، تاركاً إيانا في حالة من الذهول والارتباك التام.لكن غياب جاكسون لم يخفف شيئاً من وطأة الجحيم الذي كنت أعيش فيه داخل الشقة. فبمجرد أن أغلق الباب،
الفصل 5ناريا ---شهقت والدتي بصوت عالٍ، ونظرت إليّ بنظرات ملؤها اللوم والعتاب الجارح، وقالت: "أنت سبب مرضي واللعنة ، خسارة ، ناريا.. خسارة كبيرة! هل هذا ما علمناكِ إياه ؟ رجل مثل جاكسون، شاب، وسيّم، ومدير ناجح في أكبر شركة عقارات في المدينة ، يحاول رفع مستواكم الاجتماعي ، وأنتِ تُعاملينه بهذه القسوة والإنكار ؟ انظري إلى نفسكِ أولاً قبل أن تتهميه! كيف تريدين من رجل في منصبه ألا ينظر للخارج وأنتِ مهملة لنفسكِ ولجسدكِ ولثيابكِ بهذه الطريقة المعينة ؟"نزلت كلماتها عليّ كالصاعقة. كان جاكسون ينظر إليّ من خلف ظهر أمي بابتسامة نصر خفية وسخرية لئيمة، مستمتعاً برؤية والديّ يمارسان عليه القسوة والجلد نيابة عنه!صحتُ بذهول، وصوتي يرتجف من الغضب والحسرة: "أمي! هل تلومينني أنا؟ هل تطلبين مني أن أتقبل إهانتي ؟ جاكسون يدين لي بكل ما وصل إليه! نسيتما كم سنة اختصرتُ فيها مصاريفي وأكلتُ أرخص الطعام ووقفتُ على قدمي في محل المجوهرات بالساعات لأدفع معه أقساطه ودراسته ليحصل على هذه الترقية؟ والآن، عندما أصبح مديراً في شركة ويلسون العقارية، أصبحتُ في نظره مجرد امرأة عابسة، كئيبة ومملة لا تليق به!"تقدم وال
الفصل 4ناريا ---لاحظ كاين التغير المفاجئ في ملامحي وانحباس أنفاسي. خطى خطوة واحدة هادئة نحو الطاولة الساكنة بجانبه، ودون أن يتدخل في خصوصيتي أو يسأل عن هوية المتصل ، قال بنبرة رصينة ودافئة تُعيد التوازن إلى الروح: "هل أنتِ بخير، ناريا؟"نظرتُ إليه، وكان كبرياء نفسي يصارع الارتباك الذي غمرني. بلعتُ غصتي وقلتُ بصوت متقطع: "أنا.. أنا أعتذر جداً، سيد كاين. طرأ أمر عائلي طارئ للغاية ويجب عليّ المغادرة فوراً إلى مانهاتن."لم تظهر على وجهه أي علامات استياء أو انزعاج، بل انهمرت من عينيه هالة شفقة واحترام شديدين. أومأ رأسه بوقار، وسحب من على الطاولة ورقة عقد الإيجار المستعدة ومحبرة أنيقة، ثم وضعها أمامي بنعومة.قال بأسلوب يحمل كل النبل والاحتواء: "لا داعي للقلق أو الاعتذار أبداً. العقد جاهز كما اتفقنا، الشروط مبسطة للغاية، ويمكنكِ توقيعه الآن إن كنتِ ما زلتِ ترغبين في المنزل، ثم المغادرة فوراً لتدارك أمركِ العائلي. المفاتيح ستكون معكِ ابتداءً من هذه اللحظة."نظرتُ إلى العقد بسرعة؛ كان ميسراً للغاية، وقيمة الإيجار تقل بكثير عن القيمة السوقية لمثل هذا المنزل الأنيق في الضواحي، وكأنه كُتب خصيص
الفصل 3ناريا---أخذتُ نفساً عميقاً قبل أن أجيبه بصوت هادئ ومستقر: "مرحباً، سيد كاين، أنا أتصل بخصوص إعلان إيجار المنزل الخاص بك في منطقة الضواحي الهادئة بميدل فيليچ ، نيويورك. هل لا يزال متاحاً للمعاينة اليوم؟"جاء رده سريعاً ومريحاً، وكأن صوته يحمل طمأنينة فورية لم تشوبها أي تعقيدات: "نعم ، آنستي ، المنزل متاح. هل يناسبكِ أن نلتقي هناك بعد ساعتين من الآن؟ سأكون بانتظاركِ أمام البوابة الرئيسية."وافقتُ فوراً، وبعد أن انتهيتُ من ترتيب بعض الأغراض البسيطة في حقيبتي ونظرت إلى شقة مانهاتن التي شاركتها مع جاكسون لسنوات ، انطلقتُ باتجاه الضواحي.كانت الغيوم الخفيفة تغطي السماء، ورائحة الأرض المبللة بمطر الأمس تملأ المكان، مما منحني شعوراً بالانتعاش وكأنني أتنفس لأول مرة منذ سنوات طويلة من الاختناق داخل زواج باهت.بعد رحلة قصيرة بالحافلة تلتها سير قصير على الأقدام، وصلتُ إلى العنوان المحدد.كان المنزل يقع في زاوية هادئة تحيط بها الأشجار الخضراء العالية، ويبدو من الخارج بسيطاً، أنيقاً، وذو طراز كلاسيكي دافئ يبعث على الراحة النفسية. لم يكن قصراً فخماً يصرخ بالثراء، بل مساحة صغيرة محاطة بسياج







