Beranda / الرومانسية / عقدة الوقوع في الحب / شرارة في عاصفة الزجاج

Share

شرارة في عاصفة الزجاج

last update Tanggal publikasi: 2026-07-23 03:53:29

الفصل الثالث: شرارة في عاصفة الزجاج

انسابت السيارة الفارهة عبر شوارع المدينة التي بدأت تتشح بظلال المساء الكحلي الممتد. كان الصمت داخل المقصورة ثقيلاً، كتمثالٍ من الرخام الصامت لا يقطعه سوى صوت أنفاس «ليلى» المتسارعة والمتقطعة، بينما كانت «داليدا» تجلس بجوار النافذة الزجاجية، تسند جبهتها الباردة على الزجاج المصقول وتتأمل أضواء الشوارع والسيارات المنعكسة على بشرتها الشاحبة.

كان الشارع الخارج يمر كشريط سينمائي باهت؛ بائعو الجرائد، زحام المارة، وقطرات ندى خفيفة بدأت تتجمع على الحافة السفلية للنافذة، كأن الطبيعة تشاركها ذلك الذهول المكتوم. لم تكن داليدا في حالة تسمح لها بالحديث أو حتى بالتفكير في تفاصيل الطريق؛ كان رأسها يموج بفكرة واحدة تتكرر كصدى حاد في أعماق عقلها: كيف تحولت تلك الأمسية الراقية، التي أُعدت لتكون عنواناً للأناقة والسيطرة، إلى مضمار مفتوح لسخرية الجميع؟

كانت تتأمل انعكاس وجهها في الزجاج الداخلي؛ ملامحها الحادة التي طالما كانت رمزاً للهيبة والمثالية، أصبحت الآن مؤطرة بقع داكنة من الشوكولاتة المنسكبة، وشعرها الذي أمضت ساعات في تصفيفه بات مبعثراً ومحاطاً برائحة الكريمة التي تخنق أنفاسها. كانت كل نغمة هادئة تنبعث من مذياع السيارة تجعلها تنكمش على نفسها، ليس خوفاً، بل من شدة القهر والكبرياء الجريح الذي يأكل أحشاءها من الداخل.

التفتت ليلى إليها بطرف عينها، وعيناها تتفحصان جمود داليدا المريب. تحركت ليلى في مقعدها الجلدي بتململ، وحاولت جاهدة كسر هذا الصمت المنقض الذي يكاد يطبق على أنفاسهما، فقالت بنبرة منفعلة وهي تلوح بيديها في الهواء بقلة صبر:

— "صدقيني يا داليدا.. كان نفسي أشد البت دي من شعرها وأمسح بيها أرضية المطعم قطعة قطعة! يعني فوق ما هي بقلة أدبها جاية تعمل نمرة ومسرحية رخيصة قدام الناس، الفستان الشيك اللي بتلفي بيه بقالك أسبوع وبتصممي فيه باظ تماماً! وأنا اللي كنت فاكرة إن الشاب اللي معاه ده محترم وشيك.. بصراحة أول ما شفته قلت في نفسي ده شكله يجنن وينفع عريس لُقطة، بس يلا.. بخسارة! الحلو ما يكملش، كلهم 

كذابين وخاينين زي بعض، والظواهر دائماً

خداعة!"

ظلت داليدا صامتة لثوانٍ طالت حتى ظنت ليلى أنها لن تجيب. كانت عيناها متثبتتين على الطريق المظلم، وأصابع يدها المطبقة على حافة حقيبتها الصغيرة ترتجف بغير إرادة منها. تنفست ببطء شديد، كأنها تسحب الهواء من قاع بئر سحيق، ثم أخرجت كلماتها هادئة، لكنها كانت حادة كشفرة سكين قاطعة:

— "أنا مش زعلانة على الفستان ولا على العبث الصغير اللي حصل.. الملابس تتبدل وتتغسل في ثواني. أنا زعلانة إن إدارة مطعم بالرقي والمستوى ده، ومحسوب على قائمة الأماكن الفاخرة، بتسمح للأشكال دي تدخل وتقلب المكان غابة وفوضى! شيء مزعج ومستفز لأقصى درجة.. كيف يغيب النظام بهذه السهولة؟"

نظرت ليلى إلى الفستان الملطخ ببقايا الكعكة والشوكولاتة الملتصقة بالطيات الحريرية. تفحصت تلك البقعة الضخمة التي استقرت في منتصف الصدر وحاشية الثوب، ولم تستطع منع نفسها من الابتسام، ثم سرعان ما انهارت دفاعاتها وانفجرت في ضحكة مكتومة، غطت فمها بكفها وهي تقول بنبرة ممزوجة بالدعابة:

— "بصراحة.. رغم الإحراج اللي حصل والموقف البايخ قدام مجتمع المعازيم، بس شكلك وأنتِ واقفة مصدومة والتورتة نازلة على الفستان يضحك جداً! الهيبة اتعجنت يا داليدا.. اتعجنت رسمياً وبقت كيكة بالشوكولاتة!"

التقت أعين الصديقتين لثوانٍ عبر مرآة السيارة؛ كانت داليدا تحاول قطب حاجبيها وتصنع الغضب والصرامة العائلية، لكن نظرة ليلى الضاحكة وشكل البقعة المثيرة للضحك هدمت كل حصونها. سقطت كبرياؤها المفتعل لثوانٍ معدودة، وانفجرت هي الأخرى في ضحكة دافئة وساخرة من حجم المصادفة، ليلتقي صوت ضحكاتهما الصافية داخل السيارة المقفلة، متموجاً مع نسيم التكييف ومتمصاً حالة التوتر والتعب النفسي الشديد الذي عاشتاه في الساعات الأخيرة.

لكن الضحك سرعان ما تلاشى كالضباب، واستبدل بوجوم سريعة عندما انحرفت السيارة فجأة لتدخل الساحة الأمامية المضاءة بأعمدة الفانوس الرخامية لواحد من أفخم وأرقى فنادق المدينة على الشاطئ. قطعت داليدا ضحكتها فوراً، وجلست بظهر مستقيم ونظرت حولها باستغراب وريبة:

— "ليلى.. هو السواق جابنا هنا ليه؟ إحنا مفروض نرجع البيت نغير المهزلة دي ونستحمى ونسترجع وعينا، مش نيجي مكان عام ثاني!"

ابتسمت ليلى بذكاء، وعدلت وضع حجابها وقالت بفضول:

— "نسيت أقولك في زحمة الأحداث! تيتة «نور هانم المحار» مجهزة لينا مفاجأة صغيرة هناك على البحر.. وقالت لازم نتعشى سوا ونحتفل بعد ما نخلص مشوار المطعم."

ضربت داليدا جبهتها بكفها وهي تجيب بدهشة واستنكار حقيقي:

— "مفاجأة إيه بس يا ليلى في نصف الليل ده؟! أنتِ مش شايفه شكلنا؟ ندخل فندق فاخر بالمنظر ده وهدومنا كلها تورتة ورائحتنا شوكولاتة والناس تتفرج علينا في البهو؟ اتصلي فوراً بتيتة تنزل حد من المساعدين يجيبلي أي حاجة من شنطة العربية أو يشتريلي حاجة سريعة من محلات الفندق ندخل بيها مستورين!"

فتحت داليدا حقيبة يدها الجلدية الصغيرة لتبحث عن هاتفها الذكي لتجري الاتصال بنفسها وتنقذ الموقف،

لكن أصابعها اصطدمت بالفراغ. فتشت بسرعة أكبر، قلبت محتويات الحقيبة الصغيرة رأساً على عقب؛ مفاتيح السيارة، مرطب الشفاه، محفظة البطاقات.. لكن الهاتف لم يكن له أثر. تحولت نظراتها في ثوانٍ من الضيق إلى الذعر المباشر والهلع الساطع:

— "موبايلي.. فين موبايلي؟!"

قفزت ليلى من مقعدها والتفتت للخلف:

— "يكون وقع في أرضية العربية وأحنا بنضحك؟"

دبست داليدا يديها أسفل المقاعد الرخوة، وفتشت تحت السجاد الفاخر للسيارة بلهفة وشحوب يزدادان مع كل ثانية.

— "لا! بحثت في كل مكان.. الموبايل مش موجود هنا كلياً!" صرخت داليدا وقدمها تطرق الأرضية بجنون، بينما بدأ التوتر الحارق يلتهم كل ذرة هدوء في جسدها. "ليلى.. الموبايل ده عليه كل تصاميم المجموعة الجديدة اللي شغالين عليها بقالنا شهور، شغل الشراكة بين العيلتين، وعقود وسرية شغلي كلها! لو ضاع أو وقع في إيد حد غريب.. أنا هضيع ومستقبل المجموعة هيتدمر!"

شعر الجلد والدم في عروق ليلى بالبرودة فوراً وسارعت بإخراج هاتفها الشخصي وقالت بحسم وتحركات سريعة:

— "اهدي يا داليدا أرجوكِ.. بلاش هلع! هعمل تتبع لموقع الموبايل فوراً عن طريق برامج الحماية المشتركة والمزامنة المربوطة بين أجهزتنا."

فتحت ليلى تطبيق الخريطة التفاعلي، وأصابعها ترتجف وهي تدخل رمز الأمان الخاص برقم داليدا. مرت ثوانٍ معدودة كأنها دهور وسنوات طويلة، وداليدا تتنفس بكتمة وتترقب الشاشة المضيئة بعينين متسعتين معلقتين بالنقطة البيضاء التي تبحث في السيرفرات.

وفجأة.. ظهرت النقطة الحمراء النابضة على الخريطة المكانية. سكنت الحركة تماماً داخل السيارة، وتوقفت ليلى عن التنفس وهي تنظر إلى الشاشة بذهول مطلق وعدم تصديق:

— "مش ممكن.. الموبايل هنا!"

— "هنا فين؟ أنطقي يا ليلى!" سألت داليدا بلهفة وتوسل.

— "في نفس الفندق اللي واقفين قدامه! الموبايل إجه الفندق قبلنا وشغال جوة واحدة من الغرف العلوية حالياً!"

لم تنتظر داليدا ثانية واحدة؛ فتحت باب السيارة بقوة ونزلت منها كالشرارة المشتعلة التي لا تبقي ولا تذر. تجاهلت تماماً مظهرها المتردي وفستانها الملطخ ببقع الشوكولاتة والكريمة الصفراء، وتجاهلت صرخات السائق المتفاجئ. انطلقت نحو بوابة الفندق الرئيسية بخطوات واسعة، حادة، ومصممة، كأنها قائد عسكري يتجه لنشوب معركة فاصلة، وتبعتها ليلى تلهث وهي تحاول اللحاق بثرتها.

دلفت داليدا من الأبواب الزجاجية الدوارة. مرت بين موظفي الاستقبال الفخمين ورجال الأمن الذين ارتكبوا ونظروا إليها باستغراب شديد وصدمة من مظهر هذه الفتاة التي ترتدي ثوباً راقياً ولكنه ملوث بالكامل ووجهها يقطر غضباً، لكن هيبتها الفطرية وعينيها اللتين تشتعلان بالتهديد والشرر المنبعث منها منعا أي شخص من الجرأة على اعتراض طريقها أو سؤالها.

توجهت فوراً بخطى متسارعة نحو منصة الاستقبال الرئيسية، وضربت بكفها الرخام الأسود الداكن بقوة جعلت أجهزة الحاسوب تهتز، وقالت بصوت هادئ، منخفض، ولكنه يحمل تهديداً صريحاً يقطع الأنفاس:

— "الخدمة الموقرة.. الرقم والتتبع ده ناطق جوة الفندق حالياً. الغرفة دي تبع مين فوراً ودون تأخير؟"

ارتبك موظف الاستقبال الشاب، وتنقل بنظره بين وجه داليدا الحاد وشاشة هاتف ليلى المرفوعة أمامه. أسرع بالضغط على لوحة المفاتيح ونظر إلى البيانات السريّة الموضحة، ثم أجاب بتردد وتلعثم وهو يبلل شفتيه:

— "يا.. يا فندم دي أجنحة خاصة ومحجوزة بالكامل لشركة مجوهرات عالمية كبرى.. الأجنحة محجوزة بالكامل لمدة أسبوع لتنظيم المعرض وتصوير حملة إعلان المجموعة الجديدة، بالتنسيق والتعاون مع مجموعات «على ناصف المحار».."

ضيّقت داليدا عينيها كالنعامة التي تلمح فريستها، وقاطعت كلامه بنبرة حادة كالسيف:

— "اسم الشركة إيه؟! ناطقاً فوراً!"

رد الموظف بسرعة وخوف من لهجتها:

— "شركة «فريد النورس» للمجوهرات يا فندم.."

سكن الوجود بالنسبة لداليدا لكسر من الثانية. استقرت الكلمات في أذنيها كطرقات حديدية متتالية. "فريد النورس".. هذا الاسم بالذات! هذا الشخص الذي أصبح يطاردها كعاصفة سوداء، ويبدو أنه المسبب الأول والأخير لكل النحس والكوارث التي ألمّت بها منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدمها هذه المدينة!

اشتعلت الدماء الحارة في عروقها، واستحال الخوف على البيانات إلى رغبة عارمة في الفتك والسيطرة. لم تعد تسمع نداءات موظف الاستقبال المذعور، ولا تحذيرات ليلى المتكررة خلفها. التفتت بجسدها كالموجة الهادرة، وانطلقت صاعدة السلالم الرخامية الفاخرة نحو الطابق المخصص للأجنحة الخاصة دون أن تجد الصبر لانتظار المصعد الكهربائي.

ركضت ليلى خلفها وهي تصيح بصوت خفيض ومبحوح من التعب:

— "استني يا داليدا! استني أرجوكِ بلاش اندفاع.. الأمن جاي ورايا وموظفي الاستقبال اتصلوا بتيتة نور تلحق المهزلة دي قبل ما تكبر!"

لكن داليدا كانت قد أغلقت عقلها وحواسها تماماً عن كل صوت أو تحذير في العالم، باستثناء شيء واحد: الانتقام لكرامتها المهدورة واستعادة حقها وسريّة شغلها المسروق. جابت الممرات العلوية الفاخرة ذات السجاد الأحمر الثقيل كاللبؤة الثائرة، تتفحص أرقام الأبواب المذهبة بقسوة وتركيز، حتى وقفت بثباتٍ أمام جناح المعرض الرئيسي.

رفعت يدها المطبقة بقوة، وضربت الباب الخشبي الفاخر المطعّم بالنحاس ضربات متتالية، حادة ومجددة هزت أرجاء الممر الهادئ وأحدثت صدى مدوياً.

وبعد ثوانٍ معدودة حبست فيها الأنفاس، تحرك المقبض الذهبي الداخلي ببطء، وفتح الباب لينبعث منه ضوء دافئ ورائحة عطر رجالي فاخر يجمع بين الخشب والمسك.

كان يقف على العتبة شاب أجنبي الطراز، بملامح أوروبية هادئة وشعر أشقر مصفف بعناية، يرتدي قميصاً أبيض أنيقاً. نظر إليهما بصدمة وذهول كاملين، وهو يرى فتاتين ترتديان ملابس فاخرة ولكنها ملطخة بالكامل بآثار كعكة وشوكولاتة، وشعرهما متبهدل وشرر الغضب الشديد يتطاير من أعينهما:

— "عفواً؟ من أنتما؟ وما هذا الإزعاج الفوضوي في في منتصف الليل؟"

تقدمت داليدا خطوة جازمة إلى الداخل ودفعته بكتفها الصلب دون أدنى تردد أو استئذان، وصرخت بصوت هز أركان الغرفة الفسيحة:

— "فين موبايلي؟!"

بينما صاحت ليلى من خلفها وهي تتجاوز الباب وتدفع أختها بذراعها، مشيرة بأصبعها بتهديد صريح نحو الشاب:

— "فين الحرامي اللي هنا؟! نادوا عليه فوراً بدل ما نقلب الفندق على رأسكم!"

وقف «أندرو» – شريك فريد الألماني والمسؤول اللوجستي للمعرض – يتنقل بعينيه المتسعتين بينهما في حالة صدمة وذهول متكاملين، يحاول استيعاب ما يجري أمامه:

— "حرامي؟! هاتف؟! من أنتما وكيف تجرؤان على اقتحام الجناح بهذه الطريقة و..."

لكن صوته انقطع فجأة وتلاشى في الهواء..

خرج من الغرفة الداخلية للجناح رجل طويل القامة،يرتدي قميصاً أسود فاخراً مفتوح الأزرار الأولى، طاوياً أكمامه حتى الساعدين بهدوء شديد. كان يمسك في يده اليمنى هاتفاً ذهبي اللون ينبض بشاشته المضيئة التي تحوي إشعارات داليدا الخاصة.

التقت الأعين في الهواء. كانت عينا «فريد النورس» الباردتان والمتشبعتان بالذكاء تنظران إلى داليدا الملطخة بفستانها، بابتسامة ثقة متغطرسة ومستفزة، رفعت خطوط شفتيه بكبرياء وهو يقلب الهاتف الذهبي بين أصابعه الطويلة

بمهارة، ثم قال بنبرة هادئة، واثقة، وممتلئة بالتحدي:

— "تأخرتِ يا داليدا.. كنت بانتظاركِ!"

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • عقدة الوقوع في الحب    الفصل الثالث العشرون جنر تحت الرماد

    الفصل الثالث والعشرون: جمر تحت الرمادساد الصمت لكسرٍ من الثانية عقب دويّ الرصاصة القاتلة.. صمتٌ مروع انشقت معه أرجاء المقصورة الخشبيّة في السفينة المتهالكة كأنما زُلزلت الأرض من تحت أقدام الجميع. لم تكن تلك الرصاصة الغادرة مجرد طلقة طائشة اخترقت الهواء في عتمة الليل الساحلي البارد، بل كانت سهماً مسموماً وجهه يد خفية تستهدف الجسد الذي نذر "فريد" روحه وحياته لحمايته!تهاوت "داليدا" بين يديه كالزهرة الرقيقة التي قطفتها العاصفة قبل أوانها. انزلقت وجنتها الباردة الشاحبة على صدره الداكن، وقطرات دمائها الصافية بدأت تتسرب ببطء وتدفق مرعب لتبقع قميصه الأسود الشامخ.في تلك اللحظة الحرجة من الزمن، انهار فريد كلياً! تحطمت كبرياؤه الذكورية الصلبة، وتلاشت صورته المستقرة الحازمة التي طالما واجه بها أعتى الأزمات. جثا على ركبتيه فوق الأرضية الخشبية التهتزة، وطوّق جسدها الناعم بين ذراعيه بقوة وجنون، يضغط بيده المرتجفة على موضع الجرح الغائر في خاصرتها وهو يصرخ بصوت مبحوح، مدمدم، يمزق سكون الميناء ويخترق عتمة البحر:— «داليدا! افتحي عينيكِ يا داليدا! لا تغمضي جفنيكِ الآن.. أرجوكِ، لا تتركيني في هذا الجح

  • عقدة الوقوع في الحب    الفصل الثاني والعشرون: ظلال على سطح الماء

    الفصل الثاني والعشرون: ظلال على سطح الماءكان حوض السباحة في باحة قصر "آل المحار" ينساب بصفاءٍ أزرق داكن، يعكس أضواء النهار المتراجعة على سطحه كالمرآة الصافية.جلست الجدة "نور المحار" على كرسيها الخيزراني الفاخر، تتلفع برداء دافئ يقي جسدها المنهك من برودة النسيم العابر. كانت تحرك بين أصابعها الذهبية الحافلة بالخواتم العتيقة كوباً من الشاي المُر، وعيناها الغائرتان خلف النظارة الزجاجية تتأملان حركات الماء الهادئة، بينما كان عقلها يسبح في بئرٍ عميق من الذكريات والأحداث المتلاحقة التي عصفت بعرش عائلتها في أيامٍ معدودة.تذكرت خيبة أملها القاسية في "شريف"، ذلك الشاب الذي ائتمنته على حفيدتها الكبرى "داليدا" وأدخلته بيتها كابن، ليتبين أنه لم يكن سوى خائنٍ يرتدي قناع العفاف، وسارقٍ يتلاعب بالحسابات والديون. وتذكرت رحيل "فريد" المفاجئ؛ ذلك الرجل الذي ملأ المكان بهيبته وجاذبيته، ثم ترك خلفه علامة استفهام حارقة وشراكة مالية تهتز على شفا الانفجار بعد كشف أمر زواجه السابق من "عليا"، مما أطاح بكبرياء داليدا وعصف بفرص نجاتهم الاقتصادية.ولم تكن المرارة تقف عند هذا الحد؛ فغياب ابنها وزوجته الطويل في ر

  • عقدة الوقوع في الحب    الفصل الحادي والعشرون انكسار علي جدران الزجاج

    الفصل الحادي والعشرون: انكسار على جدران الزجاجسقطت الكلمة كصاعقةٍ حارقة جردت المكان من كل هدوء: "زوجتك الأولى!"تصلبت الدماء في عروق "داليدا"، وانطفأ ذلك البريق الدافئ الذي كان يلمع في عينيها قبل لحظات. سحبت يدها فوراً من قبضة "فريد"، وكأن كفه أصبحت قطعة من النار المشتعلة. تراجعت إلى الخلف بخطوات متسارعة ومرتبكة، ووجهها الشاحب يعكس صدمة كبرياءٍ أُنثوي يُطحن للمرة الثانية على التوالي وفي نفس الليلة!نظر إليها فريد بملامح حادة ومضطربة، وحاول الخطو نحوها مَادّاً يده بنبرة رجاء دافئة ورزينة يملؤها الشغف والحصار المغناطيسي:— «داليدا.. استمعي إليّ أولاً! لا تحكمي على الأمور من قشور رسالة مجهولة.. الأمر ليس كما تظنين إطلاقاً!»لكن داليدا لم تمنحه فرصة للترقيع أو الحديث؛ كانت أنفاسها تلاحق بانهيار مكتوم، ودموعها المحتبسة تحرق مقلتيها بمرارة. رفعت كفها في وجهه بصلابة متكلفة وقالت بصوت يرتجف قسوة وجرحاً:— «إياك أن تقترب مني يا فريد! إياك!»استدارت برداء أسود يرتجف على كتفيها، وانطلقت تركض في أروقة المستشفى البيضاء الباردة، متجاهلة نداءات فريد المتوسلة وذهول الجدة "نور" الواقفة بعصاها العاجية.

  • عقدة الوقوع في الحب    الفصل العشرون تراكم الجحيم وشرارة الاشتعال

    الفصل العشرون: تراكم الجحيم وشرارة الاشتعالكان الإبهام المتردد لـ "عليا" يستقر فوق الزر الأحمر المضيء على شاشة هاتفها، والشرر يتطاير من عينيها كوحشٍ جريح محاصر. في تلك اللحظة الحرجة التي كان ينقبض فيها صدر "داليدا" برعب صامت، خطى "فريد" خطوة ثابتة إلى الأمام، متقدماً ببدنه الرياضي الصلب ليشكل درعاً حامياً وملاذاً كاملاً لداليدا خلفه.تلاقت أعينهما لكسرٍ من الثانية؛ أرسل إليها فريد بنظرة دافئة تفيض بطاقة ذكورية احتوائية حاسمة، نظرة تهمس في أذنيها بغير صوت: «ما دمتُ أنا هنا، فلن تطالكِ النار.» استمدت داليدا من عينيه سكوناً عجيباً وانسابت طاقة أنوثتها الرقيقة لتستكين لثباته، ممسكة بأطراف جاكيته بكتفين يرتجفان وشغف مكتوم يشتعل وسط الموت.وفجأة! وقبل أن تطبق عليا بإبهامها على الزر..دوى صوت ارتطامٍ حديدي هائل هز جنبات المستودع! اندفع "أندرو"—أخو عليا—كالصقر المندفع من نافذة التهوية المرتفعة، ساهماً بحبل متين، وشاهراً مسدسه الأسود في الهواء وهو يصرخ بصرامة تهز الجدران:— «عليا! ارفعي يدكِ فوراً! لا تفعلي هذا بنفسكِ وبنا!»فزعت عليا واهتزت يدها بذهول، وفي تلك اللحظة الخاطفة، انطلقت الشرارة

  • عقدة الوقوع في الحب    الفصل التاسع عشر اشباح الميناء القديم

    الفصل التاسع عشر: أشباح الميناء القديمساد الجناح الملكي صمتٌ ثقيل ومُحتدم، كأن المسافة الفاصلة بين شاشة الهاتف وناظِرَي "داليدا" و"فريد" قد استحالت برزخاً من الذعر الشفاف. كانت الحروف المضيئة على الشاشة تنبض بالوعيد: "شريف لم يمت.. الجثة التي أُخرجت من الحطام ليست جثته!"تشابكت النظرات بينهما في عتمة الصالون؛ نظرةُ داليدا المترعة بالذهول والشكوك الحارقة، ونظرةُ فريد الثابتة التي احتزمت بصرامة مفاجئة كالصلب. كانت أصابع داليدا الممسكة بالهاتف ترتجف برفق، بينما انسحبت يد فريد ببطء ليقف بشامخ قامته، ملقياً بنظرة ثاقبة نحو النافذة الزجاجية المطلة على البحر المغلق.قالت داليدا بصوتٍ خفيض، مبحوح، تهتز فيه بقايا كبريائها المنهك: — «فريد.. هل هذا يعقل؟ من كان في تلك السيارة المحترقة إذاً؟ وكيف أُخرج شريف منها قبل السقوط دون أن تلمحه عيناي عند الجرف؟!»التفت إليها فريد، وجاكسه الداكن ينمّ عن حسمٍ قاطع. خطى نحوها بثبات، وضغط بكفه الدافئة على ذراعها ليردها إلى هدوئها، ثم قال بنبرة هادئة ورزينة تحمل دفئاً ساحراً وسط هذه العاصفة: — «الخوف هو أول أسلحة العدو يا داليدا.. من أرسل هذه الرسالة يدرك تما

  • عقدة الوقوع في الحب    الفصل الثامن عشر رماد علي قمة الجرف

    الفصل الثامن عشر: رماد على قمة الجرفساد سكونٌ مروع عقب انقضاء صوت الاصطدام المدوي. كان الفجر يفرش ظلاله الرمادية الباردة فوق أفق البحر، ورذاذ الماء المالح يتطاير مع نسيم الصباح ليلامس وجه "داليدا" الشاحب كالموت. وقفت عند أطراف الجرف الصخري المنهار، ويداها المرتجفتان تضغطان على شالها الأسود، وعيناها المتسعتان بذهول تتأملان حطام السيارة الرياضية المقلوبة أسفل المنحدر.كان الدخان الأسود يتصاعد بكثافة من المحرك المنفجر، يمازجه صوت هدر الموج الذي يرتطم بحديد السيارة الملتوي على الصخور الحادة. لم تكن الصدمة في منظر الدماء والحطام فحسب، بل في تلك الدوامة المرعبة التي سُحبت إليها في لحظات خاطفة: خيانةٌ عارية أطاحت بكبرياء أنثوي، ورسالةٌ مريبة تدسُّ الشك في الأوصال، ثم حادثُ سقوطٍ مفزع يعلن نهايةً دموية لرجلٍ كان حتى البارحة سنداً لعائلتها!تصلبت داليدا في مكانها، عاجزة عن الخطو أو الصراخ، وأنفسها المتقطعة تخنق صوتها في حنجرتها.وفي تلك اللحظة بالذات، شق سكون الطريق الساحلي صوتُ احتكاك إطارات حاد وقوي! توقفت سيارة سوداء ثقيلة خلف سيارتها مباشرة، ونزل منها "فريد" كالبرق. كان جاكيت بدلته مخلوعا

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status