Home / النظام / على سياج سبتة / الجزء الرابع: جحيم تحت سماء ملغومة

Share

الجزء الرابع: جحيم تحت سماء ملغومة

Author: Sam
last update publish date: 2026-08-02 22:18:11

الجزء الرابع: جحيم تحت سماء ملغومة

تزلزلت جدران المستودع الصفيحي تحت تأثير الانفجار الأول. لم يكن قنبلةً عادية، بل قنبلة صوتية شديدة التأثير أطلقتها قوات التدخل السريع التابعة للشرطة الوطنية الإسبانية (Policía Nacional) لتفريق مجموعات الشباب التي أغلقت منافذ الحي بالإطارات المشتعلة.

​ارتمت "شمس" على الأرض محميةً جسد الصغير "عمر"، بينما انطلقت صيحات الرعب بلغاجات متعددة داخل المستودع المظلم. تحول المكان خلال ثوانٍ معدودة إلى خلية نملٍ مذعورة؛ أجساد تتصادم في الظلام، صرخات استغاثة، وحقائب بلاستيكية تُدهس تحت الأقدام المهرولة نحو المخرج الخلفي الضيق.

​"أخمدوا الفانوس! أطفئوا النار يا أغبياء!" صرخ سانتياغو بصوتٍ مبحوح وهو يرتمى خلف الصنادق الخشبية، ويده تقبض بشراسة على السكين الطوائي بينما أخرج بيده الأخرى مسدساً أسود صغيراً من طراز "برشلونة" قديم إسباني الصنع.

​لكن الأوان كان قد فات.

​خارج الباب الحديدي المتهالك، امتلأ الشارع العشوائي الضيق بأصوات جزمات دبابات وعربات مصفحة تخترق أزقة "إل برنسيبي". أضواء الدوارات الزرقاء والحمراء كانت تومض عبر الفجوات في السقف الصفيحي كأنها أشباح برق تتراقص على وجوه الخائفين. ثم جاء الصوت العالي عبر مكبر الصوت باللغة الإسبانية، حاداً وقطعاً:

"¡Atención! ¡Policía Nacional! Salgan todos con las manos en la cabeza. El perímetro está rodeado."

(تنبيه! الشرطة الوطنية! اخرجو جميعاً وأيديكم فوق رؤوسكم. المحيط محاصر بالكامل).

​تصبب العرق بارداً على جبهة أمين. نسي ألم قدمه المصابة، واندفع نحو شمس التي كانت ترتجف في الزاوية، يده امتدت تلقائياً ليساعدها على النهوض: "هيا يا أختي! قومي! إن ألقوا القبض علينا هنا فسينتهي كل شيء قبل أن يبدأ!"

​في تلك اللحظة الحرجة، برز عثمان دياكيتي كالطود الأشم وسط الفوضى. تقدم نحو جدار جانبي تغطيه صفائح حديدية صدئة وخيوط كهربائية متصلكة. بضغطة قوية من كتفه الضخم، دفع إحدى الصفائح لتفتح على ثغرة مظلمة تؤدي إلى مجرى تصريف مياه قديم ينحدر نحو أسفل التلة.

​"من هنا!" صرخ عثمان وهو يشير بذراعه الطويلة نحو الممر الضيق. "هذا المجرى يخرج خلف أحواض الأسماك القريبة من الميناء! أسرعوا قبل أن يقتحموا الباب!"

​قذف سانتياغو بفرط غضبه سجيرته على الأرض وسَبّ بكلمات نابية باللغة الإسبانية، ثم كان أول من اندفع نحو الثغرة السرية، حاملاً حقيبته الجلدية التي تضم أموال التهريب. تبعه بضعة شبان أفارقة، بينما وقفت شمس مترددة وهي تحمل الطفل وتنظر برعب إلى الممر المظلم والزلق.

​"امسكي بيدي يا شمس!" قال أمين وهو يتجاهل النبض الحاد في قدمه الخيطة، وأخذ منها الطفل عمر ليفسح لها المجال للعبور.

​فجأة، تهشم الباب الحديدي الرئيسي للمستودع تحت ضربات العتلة الفولاذية لرجال الشرطة!

​اقتحمت القوة المكان وسط غيمة كثيفة من الغاز المسيل للدموع وميض القنابل الضوئية. كان رجال الشرطة يرتدون الخوذات الزجاجية والدروع الثقيلة، ويحملون المهارش والهراوات المطاطية.

​"هناك! هناك من يهرب من الخلف!" صرخ أحد العناصر بالإسبانية وهو يسلط كشافه الضوئي المباشر على عين أمين.

​"اذهبوا! أنا سأعطلهم!" صرخ عثمان بالفرنسية وهو يقف بجسده العملاق أمام الثغرة، ويسحب صندوقاً خشبياً ضخماً ليقلبه في وجه عناصر الشرطة المتقدمين، حاجباً رؤيتهم لثوانٍ معدودة.

​دفع أمين شمس أمامه داخل المجرى الضيق، وتبعها فوراً وهو يحمل الطفل على صدره بكل ما بقي له من قوة. كان المجرى ضيقاً، تفوح منه رائحة الأعشاب البحرية والمياه الراكدة، وأرضيته الحجرية ملطخة بالطحالب الزلقة. كان أمين يعرج ويزحف بشبه انحناء، والغاز المسيل للدموع يلاحقهم في الممر الخفي ليحرق حنجرته وأعينهما.

​كانت أصوات العراك، الشتم، وضربه الهراوات على الأجساد ترن خلفهم في المستودع. سمع أمين صوت عثمان يصرخ بقوة كأنه أسد جريح، ثم تلاه صوت ارتطام ثقيل وسكوت داب في الأفق... مما أدرك معه أمين أن عثمان قد أُلقي القبض عليه ليمنحهم ثواني النجاة الغالية.

​انسابت الدموع حارقة على خد أمين، ليس فقط من أثر الغاز، بل من مرارة العجز. "عثمان..." همس في سره وهو يواصل الركض الأعرج خلف شمس في ظلام المجرى.

​بعد عشر دقائق من المسير الشاق والمجهد تحت الأرض، بدأت نسمات رطبة باردة محملة برائحة الديزل وزيت السفن تطرق وجوههم. انتشر ضوء القمر الباهت من نهاية المجرى.

​خرجوا أخيراً خلف كومة من مستوعبات البضائع الصدئة وقوارب الصيد القديمة الملقاة على حافة ميناء سبتة السفلي. كان المكان هادئاً بشكل مرعب مقارنة بالجحيم الذي تركوه في حي "إل برنسيبي".

​سقطت شمس على ركبتيها على الأسفلت المبتل، تتنفس بصعوبة وتسعل بشدة، بينما كان الطفل عمر يبكي بصوت خفيض مكتوم. وضع أمين الطفل بجانبها وسقط هو الآخر مسنداً ظهره إلى القارب الخشبي المتهالك، وهو يشعر بقدمه المصابة تنبض بحرارة مروعة؛ لقد انفتحت بعض الغرز الجراحية تحت تأثير المجهود البشري الخرافي، وبدأ الدم يبلل الضمادة من جديد.

​"أين... أين ذهب عثمان والسيد سانتياغو؟" سألت شمس بإنهاك، وعيناها الواسعتان تفيضان بالخوف.

​"عثمان سقط في أيديهم كي ننقذ نحن..." أجاب أمين بصوتٍ مبحوح وهو يربط قطعة قماش خشنة فوق ضمادته المدماة ليعصر الجرح ويوقف النزيف. "أما سانتياغو... فلا أعرف أين اختفى هذا الثعلب."

​فجأة، خرج خيالٌ قزم من بين قوارب الصيد المجاورة، أخرج سيجارة وولعها بقدحة معدنية أضاءت وجهه النحيل وندبته العريضة لثانية واحدة.

​كان سانتياغو!

​"لم أختفِ يا فتى،" قال سانتياغو بصوتٍ جاف يسخر من الموقف وهو ينفث الدخان في الهواء البارد. "أنا أعرف هذا المجرى منذ أن كنت تهرب الحفاضات والسجائر في التسعينات. لكن صليبك الأسود (عثمان) أصبح الآن في حوزة الحرس المدني... وهو ما يعني أن الشرطة ستعرف أمري قريباً جداً."

​وقف سانتياغو أمامهما، ونظر إلى شمس والطفل، ثم إلى أمين المدمى.

​"القارب سيتحرك خلال ساعة واحدة من رصيف 'الفنار القريب' قبل أن تنتشر أجهزة المسح الحراري جديدة،" قال سانتياغو بنبرة حازمة خالية من أي مشاعر إنسانية. "أنا لا أعمل مجاناً. عثمان كان يضمنكما... والآن عثمان في القفص. أين المال؟"

​وقف أمين متحيراً، مدّ يده إلى جيبه وأخرج بضعة أوراق نقدية مغربية مبتلة، وصورته القديمة مع أمه، وسكينته الصغيرة.

​نظر سانتياغو إلى الدريهمات المبتلة بصلف وازدرار: "هل تمزح معي يا هذا؟ هذه لا تشري لك شطيرة طماطم في ميناء سبتة! العبور إلى 'خثيراس' ثمنه يورو صلب، وليس ورقاً مبتلاً!"

​استدار سانتياغو ليغادر، متجهاً نحو ظلام الرصيف البحرية.

​"انتظر!" صرخت شمس فجأة.

​مدت يدها المرتجفة إلى سحّاب بطانة معطفها الداخلي، وسحبت كيساً بلاستيكياً صغيراً ملفوفاً بعناية فائقة. فتحته بأصابع المذعورة لتخرج منه قطعة ذهبية صغيرة؛ كانت سِواراً ذهبياً أندلسياً القديم الطراز، يلمع تحت ضوء البهيت للقمر.

​"هذا سوار أمي... هذا كل ما أملكه في هذه الدنيا،" قالت شمس ونبرة صوتها تمزق القلوب. "خذه... وخذنا إلى الضفة الأخرى."

​التقط سانتياغو السوار بيده القذرة، وزنه بيده وخمّن قيمته ببرود، ثم ابتسم ابتسامة صفراء أظهرت أسنانه المتأكلة.

​"هذا يغطي التذكرة للفتيات والصغير فقط..." قال سانتياغو وهو ينظر إلى أمين بخبث. "أما أنت يا صاحب القدم المدماة... فماذا تملك لتدفع ثمن روحك؟"

​نظر أمين إلى السوار الذهبي الذي ضحّت به شمس، ثم نظر إلى البحر الذي يتلاطم أفقاً مجهولاً أمامهم... وشعر أن الليلة لم تنتهِ بعد، وأن الثمن المطلوب منه قد يكون أغلى بكثير من الذهب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على سياج سبتة   ​الجزء الثاني والعشرون: نبرةٌ من صلب وشبكةٌ تتقاطع

    ​الجزء الثاني والعشرون: نبرةٌ من صلب وشبكةٌ تتقاطعساد الصمت الغرفة الصغيرة في الطابق الرابع من مجمع "سان دوني". لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاس مريم المتسارعة وهي تترقب رد المهرب عبر الهاتف، وحشرجة المطر الخفيف وهو يضرب الإفريز الخارجي للنافذة.​على الطرف الآخر من الخط، ساد وجومٌ مفاجئ. لم يكن "المالكي" يتوقع أن يسمع هذا الاسم تحديداً؛ اسم "أمين الفنيدقي" الذي صار في أوساط شبكات التهريب بين المغرب وإسبانيا رمزاً للكابوس الذي هدم إمبراطورية "البارون" الممتدة وسرّب وثائقها الحساسة لقوات الأمن الوطني في مدريد.​تلا هذا الصمت زفيرٌ حاد ونبرة تهكمية ممتلئة بالغل والتهديد: "أمين؟ الشاب الأعرج الذي نجا من السلك المشوك في سبتة؟ هل تظن أن أوراق إقامتك الإسبانية الجديدة تمنحك أجنحة تطير بها في ضواحي باريس؟ أنت هنا في أرضي يا فتى... في 'سان دوني'، القانون لا يحميك، والشرطة الفرنسية لا تجرؤ على دخول أنفاقنا بعد الغروب!"​لم ترف عين أمين، ولم تهتز بنية صوته الصلبة التي اكتسبت نبرة العزم من صخور المضيق: "المالكي... وفر كبرياءك الفارغ لنفسك. البارون قال الكلام نفسه قبلك في سرقسطة، وهو الآن يمسح أرضية زن

  • على سياج سبتة   الجزء الحادي والعشرون: ضباب "سان دوني" والخطوة الأولى

    الجزء الحادي والعشرون: ضباب "سان دوني" والخطوة الأولىكانت النوافذُ المزدوجة لقطار "TGV" السريع تعكسُ وجهاً جاداً لأمين، تداخلت فيه ملامح الشاب الأعرج الهارب من قهر الفنيدق مع صلابة رجلٍ استعاد كرامته وأوراقه في أزقة سرقسطة.​كان القطار ينهبُ الأرض نهباً عبر السهول الفرنسية الخضراء الممتدة، ينطلق بسرعة تجاوزت ثلاثمائة كيلومتر في الساعة متجهاً نحو محطة "غار دي نور" (Gare du Nord) في قلب العاصمة باريس. كان أمين يتحسس جيب معطفه الداخلي كل بضع دقائق؛ حيث ترابض بطاقة إقامته الإسبانية القانونية، وبجوارها المفتاح القديم لصندوق مدريد الذي تحتفظ الشرطة بناسخة منه، والورقة التي كُتب عليها العنوان الدقيق لـ "مريم دياكيتي" في حي "سان دوني" (Saint-Denis).​لم تكن باريس في مخيلة أمين مدينة الأنوار أو بطاقات البريد السياحية؛ بل كانت في ذهن أي مهاجر خبر الدروب الخفية عبارة عن غابة خرسانية تضم أضخم المجمعات السكنية المكتظة، والضواحي الهامشية التي تتدفق فيها أعتى عصابات التهريب وتبييض الأموال العابرة للقارات.​وصل القطار عند الساعة الرابعة عصراً. ساد المحطة صخبٌ مروع؛ آلاف المسافرين يركضون نحو خطوط الم

  • على سياج سبتة   الجزء العشرون: نداءٌ عبر المحيط

    الجزء العشرون: نداءٌ عبر المحيطكانت ليالي سرقسطة في خريف عام 2026 قد بدأت تستعيد برودتها الجافة، متوشحة بغطاء خفيف من الضباب الذي ينتشر فوق جسور نهر "إبرو". لكن الدفء الذي كان ينبعث من ورشة "أمين" الصغيرة لم يكن مجرد حرارة موقد كهربائي؛ بل كان شعوراً بالنصر والاستقرار الثمين الذي خُلق من رحم أهوال المضيق ودموع الرحيل.​كان أمين يجلس عند طاولته الخشبية، يفكك مسننات ساعة ميكانيكية ذات طراز كلاسيكي. كانت حركاته دقيقة، وأصابعه تثبت التروس ببراعة اكتسبها من الصبر الطويل على نوائب الدهر. إلى جواره، كانت "شمس" تستعد لمغادرة الورشة متجهة نحو مقر مكتب الإغاثة، حيث تنتظرها مجموعة جديدة من اللاجئين والمهاجرين الجدد الذين يحتاجون إلى الترجمة والتوجيه القانوني.​"أمين..." قالت شمس وهي تلف وشاحها الصوفي حول عنقها، وتنظر إليه بحنان، "لا تتأخر الليلة. عمر يتطلع لقصة المساء، وقد وعدته أن تحكي له عن بوابات طنجة القديمة."​ابتسم أمين ورفع عينيه عن العدسة المكبرة: "لن أتأخر يا شمس. سأغلق الورشة بعد أن أنهي تركيب هذه الساعة... اصحبي معك المفاتيح الإضافية."​خرجت شمس، وخلّفت وراءها صمت الورشة الهادئ الذي

  • على سياج سبتة   الجزء التاسع عشر: شمسٌ تُشرق فوق "إبرو" والمرسى

    الجزء التاسع عشر: شمسٌ تُشرق فوق "إبرو" والمرسىمرّت ستةُ أشهرٍ على تلك الليلة المطيرة التي تحطمت فيها ظلالُ "البارون" تحت أضواء الشرطة الوطنية في أزقة "دليسياس" الصناعية. ستة أشهرٍ كانت كفيلةً بأن تُعيد ترتيب إيقاع الحياة، وتغسل مرارة الملح والأسلاك الشائكة التي ظلت عالقةً بأرواحٍ عاشت سنواتها الخوالي في رعبٍ مكتوم.​في صبيحة يوم صيفي دافئ من أغسطس 2026، كانت شوارع مدينة "سرقسطة" تتلألأ تحت أشعة الشمس الذهبية. انقشع ضباب نهر "إبرو" القديم ليحل محله هواءٌ جافٌ يُنعش الأنفاس، ومياهه تتدفق بهدوءٍ تحت الجسر الحجري، حاملةً حكاية العابرين نحو ضفاف الأمان.​داخل ورشة صيانة الساعات في حي "أكتور"، لم يعد المظهر هو ذلك المكان المكتظ بالمجهول والخوف. أصبحت الورشة متسعاً أنيقاً يرتاده أهالي الحي من الإسبان والمهاجرين؛ جدرانها المكسوة بالخشب الفاتح تتزين بساعات جدارية قديمة تعمل بإيقاعٍ منتظم، وعلى الطاولة الرئيسية كانت ترابيزات العمل الدقيقة مصفوفةً بعناية.​كان "أمين" يقف خلف طاولته، يرتدي قميصاً أزرق ناصعاً، ويعلو وجهه ارتياحٌ لم يَعرفه منذ أيام الفنيدق. كانت قدمه قد تعافت تماماً بعد مرحلة الت

  • على سياج سبتة   الجزء الثامن عشر: كمين تحت أضواء "دليسياس"

    الجزء الثامن عشر: كمين تحت أضواء "دليسياس"كان الليلُ يخيمُ وثيقاً على مدينة سرقسطة، وتتساقطُ قطرات المطر الشتوي الخفيف متألقةً تحت أضواء مصابيح الشوارع الصفراء في حي "دليسياس" الشعبي.​في الشقة الصغيرة المتاخمة لنهر "إبرو"، لم يكن هناك مكانٌ للنوم. كانت الطاولة الخشبية مستغلة بالكامل؛ خرائط تفصيلية لمدينة سبتة المحتلة، صور قديمة لأزقة حي "إل برنسيبي" المظلمة، وأوراق رسمية صادرة عن الشرطة الوطنية الإسبانية ومكتب اللجوء والهجرة.​كان "أمين" يجلس قبالة المحامي الإسباني "ألبرتو غوميز"—المتطوع الدائم لدى منظمة الإنسان والحريات—وبصحبتهما المشرفة الاجتماعية "فاطمة" والضابط "كارلوس مورا" من وحدة مكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر بمدريد، والذي حضر خصيصاً إلى سرقسطة بعد البلاغ العاجل الذي قدمته "شمس".​"استمع إليّ جيداً يا أمين،" قال الضابط كارلوس بفرنسية متقنة وهو ينشر تقريراً أمنياً على الطاولة. "اتصلنا بالسلطات الأمنية في المحافظة السامية بمدينة سبتة، وقاموا بمراجعة أرشيف المقتنيات الشخصية للضحايا والمحتجزين في ليلة الأحداث التراجيدية التي قُتل فيها الشاب السنغالي 'عثمان دياكيتي'."​حب

  • على سياج سبتة   الجزء السابع عشر: سرّ "البارون" وظلال الفنيدق

    الجزء السابع عشر: سرّ "البارون" وظلال الفنيدقكان صمتُ "يونس" عبر الهاتف أثقل من مياه المضيق في ليلة يغيب فيها القمر. كان أمين يسمع حشرجة تنفس صديقه الممزوجة بصوت هدير أمواج مرسى الفنيدق، وكأن تلك اللقطات القديمة من الغرق والمطاردة تعاد صياغتها على مسرح أوربي جديد.​"تكلم يا يونس!" قال أمين وهو يضغط الهاتف على أذنه بيدٍ ترتجف غضباً وخوفاً. "أقسَمْتَ لي أن كل شيء انتهى، وأن الدفتر الذي سلّمتُه للشرطة في مدريد هو السجل الأخير! من هذا الرجل الذي يطلق على نفسه 'البارون'؟ وما هي هذه الشريحة الثانية التي يهددني بها وبحياة شمس وعمر؟"​تنفس يونس ببطء، وتصاعد من سماعة الهاتف صوت قدحة ولاعة خشبية، تلاها زفير سيجارة طويلة.​"البارون ليس مجرد مهرب عادي يا أمين..." قال يونس بصوت خفيض يقطر بالمرارة. "البارون هو الشريك الخفي لـ 'الريّس المكي' في فرنسا. هو العقل المالي الذي كان يدير أموال شبكة العبور بين طنجة، ومدريد، وباريس. الدفتر الذي سلّمته أنت كان يحتوي على الأسماء والمسارات العملية، لكن المحفظة الرقمية المعقدة التي تحوي ملايين اليوروات المهربة كانت مؤمنة بتشفير ثنائي... نصفه كان في شريحة مدريد،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status