Masukأطلّت أيام الامتحانات الجامعية بحملها الثقيل وضغوطها النفسية المتلاحقة، لكن هذه المرة لم تكن سلمى تلك الفتاة المكسورة التي تخشى مواجهة العالم أو تنكفئ على أوضاعها المحزنة؛ بل كانت تتسلح بإصرار فولاذي لترفع رأس والدها الراحل في قبره، وتثبت لنفسها وللجميع أن الظروف القاسية لا تصنع إلا النفوس الشامخة.كانت الساعات تمضي في جناحها العاطر بالفيلا بين أوراق المذكرات وأكوام الكتب المتراكمة على المكتب الخشبي العتيق. كانت تعكف على الدراسة لليالٍ طويلة متأخرة، وعيناها العسليتان تنبضان بتركيز شديد وشغف متجدد، محاولةً غسل أوجاع الماضي بين سطور المحاضرات والتحصيل العلمي.ورغم مشاغله الجسام وإدارته لشركاته ومسؤولياته الكبرى، كان عاصم يتابع كل ذلك بحسه الثاقب واهتمامه الهادئ الموزون. لم يكن يفرض وجوده أو يربك عزلتها، بل كان يحيطها برعاية راقية تُشعرها بالأمان المطلق دون أن يمس كبرياءها أو يسبب لها أدنى حرج.في ليلة الامتحان الأول، كانت أجواء الفيلا تسودها سكينة مهيبة. دخلت الدادة فاطمة إلى غرفة سلمى وهي تحمل صينية أنيقة عليها كوب من المشروب الدافئ المهدئ وبعض التمر والفاكهة، وضعتها بابتسامة حنونة وقا
في المنزل القديم، كان الصمت يغيم على الحجرات كأنه سرادق عزاء مكتوم. جلسَت نورهان على طرف الأريكة، تُمسك بهاتفها بيدين ترتجفان من الصدمة، وعيناها مثبتتان على الشاشة في ذهولٍ مطلق لا تستوعبه أركان عقلها. دخلت سهام الغرفة بخطوات مضطربة، ورأت الشحوب الذي يعلو ملامح ابنتها، فسألتها بنبرة متوجسة: "ما بكِ يا نورهان؟ لمَ وجهكِ أصفر كالموتى؟ هل حدث جديد بشأن تلك الفتاة؟". رفعت نورهان عينيها المغرورقتين بدموع الغيظ والندم المسموم، وقال بصوت خفيض يرتجف من قاع القهر: "لقد انتشر الخبر يا أمي.. الأستاذ عماد أبلغ المعارف رسمياً.. سلمى لم تُطرد، ولم تتلوث سمعتها كما أردنا.. سلمى أصبحت الآن زوجة السيد عاصم عبد الغني! وانتقلت للعيش معه في فيلته الفارهة!". سقطت العلبة التي كانت في يد سهام على الأرض، واتسعت عيناها بذهول وجل. تراجعت خطوة إلى الخلف، وخرج صوتها كحيح مذعور: "ماذا تقولين؟! عاصم عبد الغني؟! يتزوجها هو؟!". وانفجرت نورهان ببكاء طافح بالحسرة والغل، وصاحت بوجه أمها بانهيار شديد: "نعم! عاصم عبد الغني بنفوذه وماله وجاهه! الرجل الذي تمناه الجميع، بوقاره ووسامته وكاريزمته الطاغية التي تهز الأرض! كن
صعدت الخطوات المتزنة على الدرج الرخامي لفيلا عاصم، يسودها سكون حذر. اقتاد عاصم سلمى والدادة فاطمة نحو الطابق العلوي، وتوقف أمام جناح واسع هادئ تفيض جنباته بالأناقة والراحة.التفت عاصم بثبات ورزانة، ووجه نظراته الجذابة والوقورة إلى سلمى القابعة في صمتها، وقال بصوت خفيض ودافئ: "هذا الجناح سيكون مكانكِ الخاص أنتِ والدادة فاطمة.. لكِ مطلق الحرية في الحركة، وفيلا عاصم عبد الغني هي بيتكِ وآمنكِ. إن احتجتِ أي شيء، فالأستاذ عماد والدادة معكِ، وأنا في المكتب السفلي دائماً".أومأت سلمى برأسها دون أن ترفع عينيها العسليتين الشاحبتين، ومرت بصوت خفيض: "شكراً لك يا سيد عاصم".انسحب عاصم بهيبته الشامخة، تاركاً إياهما للراحة. وفي داخل الجناح، ارتمت سلمى على الفراش الناعم، تضم ذراعيها إلى صدرها وتنظر إلى السقف المطرز بالنقوش الفاخرة. لم تكن تفكر في فخامة المكان بقدر ما كانت تصارع الشتات والذهول الذي خلفته الحادثة في روحها.مع إشراقة صباح اليوم التالي، تجلّت بذور الصمود في نفس سلمى. ورغم الشحوب الذي يكسو وجهها الصغير، نظرت إلى الدادة فاطمة وقالت بصوت خفيض ينبض بالكبرياء: "دادة.. أرجوكِ اتصلي بميار، أريُ
كانت أجواء الشقة الملحقة في ذلك المساء طافحة بسكونٍ أليم يشبه سكون ما بعد العواصف الكبرى. لم تكن هناك مظاهر فرح أو أهازيج، بل حالة من الخشوع والتراجيديا الوارفة التي تليق بعقد زواج أُقيم على أرضية من التضحية والستر وحماية الشرف.وقبل وصول المأذون والشهود بساعة، طلب عاصم الوقوف مع سلمى والدادة فاطمة في صالة الشقة لدقائق معدودة.وقف عاصم بقامته الرياضية الممشوقة وهيئته الجذابة، ووسامته الشابة التي تنبض بالكاريزما والحضور القيادي الصارم. نظر إلى سلمى التي كانت تجلس متلفعة بمعطفه، مطرقة الرأس بعينين عسليتين ذابلتين، وقد أضنى الحزن براءتها.قال عاصم بنبرة عميقة، هادئة، يملؤها الصدق والنبل الإنساني الأصيل: "سلمى.. أريدكِ أن تسمعيني جيداً وتفهمي قصدي قبل أن يوضع القلم على الورق. هذا الزواج ليس استغلالاً لظرف، ولا فرضاً لواقع، بل هو مجرد درع أحميكِ به وأقطع به ألسنة الناس، وأمنحكِ به اسمي وحمايتي ورعايتي أمام القانون والشرع".رفعت سلمى بصرها ببطء، ونظرت إليه بنظرة مكسورة تنبض بالحرج والخجل.وتابع عاصم بنبرة متينة تشع نبلاً وكبرياء: "هذا العقد لن يفرض عليكِ أي التزام كزوجة، ولن يمس استقلاليتكِ
كانت حجرة عاصم المكتبية تسودها صمتٌ مهيب. يقف بقامته الرياضية الممشوقة وكتفيه العريضين أمام النافذة الزجاجية المطلة على الساحة، ينظر إلى المدى بملامح حادة جذابة تزينها هيبة هادئة وكاريزما نادرة تجعل سماته الشابة في سن السابعة والثلاثين تبدو أكثر سحراً ورشاقة ورزانة. لم تكن سنين عمره تظهر عليه بقدر ما يظهر عليه نضج رجولي جاذب يفرض احترامه على الجميع.استدعى عاصم كلاً من الأستاذ عماد والدادة فاطمة، والتفت إليهما بوقار هادئ ونبرة واثقة لا تحتمل التردد: "لقد اتخذتُ قراري، ولا يوجد خيار آخر يصون كرامة هذه الفتاة ويقطع ألسنة الناس إلى الأبد سوى أن ترتبط بي زواجاً رسمياً وشرعياً. ستكون سلمى زوجتي أمام العالم والقانون".شهقت الدادة فاطمة بذهول أمتزج بالفرح والأمل، بينما أومأ الأستاذ عماد بتقدير وإجلال لهذه الشهامة النبيلة.وتابع عاصم بنبرته الصارمة الحنونة: "لكن ليعلم الجميع، هذا الزواج سيبقى على الورق لحمايتها وسترها فقط.. لن أفرض عليها أي قيود أو حقوق زوجية، بل أعدها بأنني في اليوم الذي تجد فيه قلبها ورغبتها في الحياة، سأخلصها من قيود هذا العقد فوراً. وبعد كتب الكتاب، لن تبقى هنا لحظة واحدة
خَيَّمَ على الشقة الملحقة حزنٌ أسود ثقيل، كأنما طُعنت الركائز التي تُقيم هذا البيت في صلبها. مضت ثلاثة أيام على تلك الليلة الشنعاء، وسُحب سامح إلى غياهب التحقيق مكبلاً بالحديد، لكن الجرح الذي أحدثه في روح سلمى النقية كان أغور من أن تداويه المحاضر الرسمية أو زنازين الاحتجاز. كانت سلمى تجلس على طرف الفراش في غرفتها المظلمة، تعانق ركبتيها إلى صدرها، وقد أُطفئت في عينيها العسليتين كل جذوة للحياة. لم تكن تبكي ببلل الدموع الجارية، بل بشرودٍ جاف وشخاصٍ أليم في الفراغ، وانعقاد تام للسانهـا؛ لقد أخرست الصدمة حنجرتها، وحرمتها القدرة على نطق كلمة واحدة. كانت ترتجف هلعاً مع كل هبة يدفع بها الهواء ستائر النافذة، وتغلق عينيها بشدة كلما سمعت وقع قدم بالخارج، وكأن مشهد الخسة والغدر يعاد تشغيله خلف جفنيها في شريط لا يتوقف من العذاب. حاولت الدادة فاطمة، التي كانت تضم رأسها بضمادة بيضاء أثر سقطتها الأليمة، أن تقرب منها كنزاً من الطعام الدافئ، وقالت بنبرة أمومية تقطر بالبكاء واللوعة: "كلِي شيئاً يا بنيتي.. لأجلي يا سلمى.. الله يمهل ولا يهمل، وأنتِ طاهرة نقية لم يمسكِ سوء بفضل الله.. لا تقتلي نفسكِ بالح







