Home / الرومانسية / على قيد الاستثناء / ضحكات عفوية ومسافات هادئة

Share

ضحكات عفوية ومسافات هادئة

last update publish date: 2026-08-06 06:50:54

مرت ثمانية أشهر كاملة كأنها نسمة دافئة عبرت على الشقة الملحقة بالمصنع القديم. ثمانية أشهر كانت كفيلة بأن تلملم سلمى جراح روحها، وتلمس استقراراً لم تذقه منذ سنوات. لم تعد تلك الفتاة المنكسرة الشاحبة التي غادرت بيت والدها في ليلة قاسية، بل عادت إليها نضارتها ورحها الخفيفة العفوية التي غطتها ظروف الحزن طويلاً.

في صباح يوم ربيعي هادئ، كانت سلمى تقف في المطبخ تحاول إعداد طبق جديد تعلمته من أحد مقاطع الفيديو، بينما تقف السيدة فاطمة تتابعها بابتسامة حنونة وهزات رأس مشككة.

التفتت سلمى نحوها بملعقة خشبية وقالت بنبرة مرحة وخفيفة الدم: "دادة فاطمة.. رجاءً لا تنظري إليّ بنظرة التحكيم هذه! أنا أتبع الوصفة بالمليمتر، والمكونات تؤكد أن الناتج سيكون تحفة فنية تستحق الاقتناء".

ضحكت السيدة فاطمة وقالت: "يا بنيتي المكونات شيء والتطبيق شيء آخر.. الملح الذي وضعتِه يكفي لإطعام الحي بالكامل!".

شهقت سلمى بتمثيل درامي لطيف وهي تنظر للوعاء: "ملح؟ ظننته سكراً! يبدو أننا سنغير اسم الوصفة من طبق رئيسي إلى عقوبة متكاملة الأركان!".

ساد الدفء والضحك أرجاء الشقة البسيطة، تلك الخفة الفطرية في شخصية سلمى كانت تضفي حيوية خاصة على المكان وتجعل اليوم يمر بسلاسة وراحة.

في الجامعة، أصبحت سلمى لا تفارق صديقتها المقربة "ميار". ميار فتاة طيبة، مفعمة بالحيوية والاندفاع المحبوب، وجدتا في بعضهما البعض السند والصحبة الصادقة. كانت كليتهما تموج بالطلاب، لكن جلسة سلمى وميار في الحديقة الخلفية كانت دائماً مليئة بالحديث الممتع وتفاصيل الدراسة والضحكات البريئة التي تكسر جدية المناهج.

قالت ميار وهي تلتهم قطعة حلوى: "سلمى.. أنا أعتمد عليكِ كلياً في ملخصات المادة الأخيرة، عاطفتي لا تتحمل مصطلحات الدكتور الصارمة!".

ابتسمت سلمى بذكاء ولطافة: "أنا أكتب الملخصات بشرط واحد يا ميار.. أن تتوقفي عن التهام الحلوى أثناء المذاكرة، وإلا سنخرج من المادة بتقدير جيد ووزن إضافي غير مبرر!".

على الجانب الآخر، وفي منتصف اليوم، توقفت سيارة عاصم أمام المبنى الإداري للمصنع. كان عاصم قد اعتاد على الحفاظ على مسافة متباعدة ورسمية شديدة، لا يزور الشقة إلا كل بضعة أشهر لمراجعة كشوف الحسابات والتأكد من تحويل استحقاقاتها المالية بدقة.

قرع عاصم الباب بهدوء، ولبت السيدة فاطمة الدعوة مرحبة به. دخل بوقاره الأربعيني وبذلته الأنيقة، ليجد سلمى تجلس عند طاولة الصالة تجفف بعض الأوراق والكتب الجامعية.

وقفت سلمى باحترام ووقار، وقالت بنبرة هادئة أطلت منها روحها الخفيفة بعفوية: "أهلاً سيد عاصم.. تفضل. كنت أظن أن المحامي هو من سيحضر اليوم، يبدو أن الحظ حليفنا لنراك شخصياً".

توقف عاصم لثوانٍ؛ كانت هذه أول مرة يلمس فيها هذا التغير في نبرتها. لم يعد يرى نظرة الخوف أو الانكسار، بل رأى فتاة حية، متزنة، وتملك جُرأة خفيفة ولطيفة لا تخل بالاحترام.

جلس عاصم خلف الطاولة وفتح الملف وقال برزانه وحزم خفيف: "الأوراق المالية تتطلب توقيعكِ الشخصي هذه المرة يا سلمى، أرباح الأسهم ارتفعت هذا الربع، وأردت أن أتأكد أن كل شيء يسير وفق ما يرام".

وقعت سلمى الأوراق، ثم رفعت عينيها العسليتين وقالت بابتسامة دافئة وذكية: "كل شيء يسير فوق ما يرام والحمد لله.. فقط الدادة فاطمة تحاول إقناعي أنني طباخة فاشلة، وأنا أبحث عن حكم محايد يملك الشجاعة لتذوق طعامي!".

نزل هذا التعليق اللطيف كقطرة ماء على أرض جافة؛ لم يستطع عاصم المبتعد عن المزاح دائماً أن يمنع ابتسامة خفيفة ونادرة من الخروج على شفتيه، ابتسامة أضفت على ملامحه الصارمة دفئاً أربكه هو شخصياً.

سعل عاصم بهدوء ليعدل نبرته وقال بثبات ورسمية معتادة: "سأكتفي بمتابعة الأوراق المالية حالياً يا سلمى.. أما الطبخ فأظن أن رأي السيدة فاطمة يملك خبرة سنين لا يمكن التشكيك فيها".

قالت سلمى وهي تهز رأسها بقلة حيلة ومرح: "حتى أنت يا سيد عاصم؟ انحياز واضح للخبرة على حساب الموهبة الشابة!".

غادر عاصم الشقة بخطواته الثابتة، لكنه وهو يستقل سيارته، شعر برضا عميق وراحة لم يعتدها. كان يرى الشتلة الصغيرة التي تركه والده أمانة في يديه تنمو وتزهر بنقاء، دون أن يدري أن تلك اللحظات البسيطة والمستمرة ببطء شديد ترسم بداية لشيء أعمق في مستقبل لم يتهيأ له بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على قيد الاستثناء    بذور الخديعة وزغب الخوف

    كانت أضواء المصنع القديم تتلألأ في عتمة المساء الهادئ، بينما خيمت السكينة على الشقة الملحقة. كانت سلمى تجلس إلى مكتبها الصغير تُراجع أوراقها المدرسية والجامعية بشغف، وعيون الدادة فاطمة ترقبها بابتسامة أمومية دافئة. ساد المكان شعورٌ كاذب بالاستقرار، دون أن يدرك أحد أن ثمة أعينًا مسمومة كانت تترصد هذا الأمان من وراء الأسوار.في المقهى البعيد ذاته، كان سامح يجلس مع المحاسب الخبيث مدحت، وأمامهما الخرائط الميدانية لمحيط الشقة الملحقة ومواعيد نوبات الحراسة.قال سامح بنبرة حاقدة وهو يرتشف من كوبه: "البيانات القانونية والمقالات لم تنفع يا مدحت! عاصم عبد الغني يتصرف كالجبل، والقانون يقف في صفه.. إذا لم نكسر كبرياء هذه الفتاة ونجبرها على ترك المكان، فلن نرى قرشاً واحداً من حصة عمي!".ابتسم مدحت بمكر مسموم، ومال بجسده إلى الأمام قائلاً بصوت خفيض: "القانون والبيانات لا تُسقط الرجال يا سامح.. ما يُسقطهم ويجبرهم على التخلي هو الشرف والأمر الواقع! الفتاة تعيش في مكان معزول شبه فارغ في أوقات تبديل الحراسة، وإذا وُجدت في موقف يمس كرامتها وسمعتها داخل تلك الشقة، فلن يستطيع عاصم ولا غيره التستر عليها، و

  • على قيد الاستثناء    بذور الخديعة وزغب الخوف

    كانت أضواء المصنع القديم تتلألأ في عتمة المساء الهادئ، بينما خيمت السكينة على الشقة الملحقة. كانت سلمى تجلس إلى مكتبها الصغير تُراجع أوراقها المدرسية والجامعية بشغف، وعيون الدادة فاطمة ترقبها بابتسامة أمومية دافئة. ساد المكان شعورٌ كاذب بالاستقرار، دون أن يدرك أحد أن ثمة أعينًا مسمومة كانت تترصد هذا الأمان من وراء الأسوار.في المقهى البعيد ذاته، كان سامح يجلس مع المحاسب الخبيث مدحت، وأمامهما الخرائط الميدانية لمحيط الشقة الملحقة ومواعيد نوبات الحراسة.قال سامح بنبرة حاقدة وهو يرتشف من كوبه: "البيانات القانونية والمقالات لم تنفع يا مدحت! عاصم عبد الغني يتصرف كالجبل، والقانون يقف في صفه.. إذا لم نكسر كبرياء هذه الفتاة ونجبرها على ترك المكان، فلن نرى قرشاً واحداً من حصة عمي!".ابتسم مدحت بمكر مسموم، ومال بجسده إلى الأمام قائلاً بصوت خفيض: "القانون والبيانات لا تُسقط الرجال يا سامح.. ما يُسقطهم ويجبرهم على التخلي هو الشرف والأمر الواقع! الفتاة تعيش في مكان معزول شبه فارغ في أوقات تبديل الحراسة، وإذا وُجدت في موقف يمس كرامتها وسمعتها داخل تلك الشقة، فلن يستطيع عاصم ولا غيره التستر عليها، و

  • على قيد الاستثناء    بذور الخديعة وزغب الخوف

    كانت أضواء المصنع القديم تتلألأ في عتمة المساء الهادئ، بينما خيمت السكينة على الشقة الملحقة. كانت سلمى تجلس إلى مكتبها الصغير تُراجع أوراقها المدرسية والجامعية بشغف، وعيون الدادة فاطمة ترقبها بابتسامة أمومية دافئة. ساد المكان شعورٌ كاذب بالاستقرار، دون أن يدرك أحد أن ثمة أعينًا مسمومة كانت تترصد هذا الأمان من وراء الأسوار.في المقهى البعيد ذاته، كان سامح يجلس مع المحاسب الخبيث مدحت، وأمامهما الخرائط الميدانية لمحيط الشقة الملحقة ومواعيد نوبات الحراسة.قال سامح بنبرة حاقدة وهو يرتشف من كوبه: "البيانات القانونية والمقالات لم تنفع يا مدحت! عاصم عبد الغني يتصرف كالجبل، والقانون يقف في صفه.. إذا لم نكسر كبرياء هذه الفتاة ونجبرها على ترك المكان، فلن نرى قرشاً واحداً من حصة عمي!".ابتسم مدحت بمكر مسموم، ومال بجسده إلى الأمام قائلاً بصوت خفيض: "القانون والبيانات لا تُسقط الرجال يا سامح.. ما يُسقطهم ويجبرهم على التخلي هو الشرف والأمر الواقع! الفتاة تعيش في مكان معزول شبه فارغ في أوقات تبديل الحراسة، وإذا وُجدت في موقف يمس كرامتها وسمعتها داخل تلك الشقة، فلن يستطيع عاصم ولا غيره التستر عليها، و

  • على قيد الاستثناء    بذور الخديعة وزغب الخوف

    كانت أضواء المصنع القديم تتلألأ في عتمة المساء الهادئ، بينما خيمت السكينة على الشقة الملحقة. كانت سلمى تجلس إلى مكتبها الصغير تُراجع أوراقها المدرسية والجامعية بشغف، وعيون الدادة فاطمة ترقبها بابتسامة أمومية دافئة. ساد المكان شعورٌ كاذب بالاستقرار، دون أن يدرك أحد أن ثمة أعينًا مسمومة كانت تترصد هذا الأمان من وراء الأسوار.في المقهى البعيد ذاته، كان سامح يجلس مع المحاسب الخبيث مدحت، وأمامهما الخرائط الميدانية لمحيط الشقة الملحقة ومواعيد نوبات الحراسة.قال سامح بنبرة حاقدة وهو يرتشف من كوبه: "البيانات القانونية والمقالات لم تنفع يا مدحت! عاصم عبد الغني يتصرف كالجبل، والقانون يقف في صفه.. إذا لم نكسر كبرياء هذه الفتاة ونجبرها على ترك المكان، فلن نرى قرشاً واحداً من حصة عمي!".ابتسم مدحت بمكر مسموم، ومال بجسده إلى الأمام قائلاً بصوت خفيض: "القانون والبيانات لا تُسقط الرجال يا سامح.. ما يُسقطهم ويجبرهم على التخلي هو الشرف والأمر الواقع! الفتاة تعيش في مكان معزول شبه فارغ في أوقات تبديل الحراسة، وإذا وُجدت في موقف يمس كرامتها وسمعتها داخل تلك الشقة، فلن يستطيع عاصم ولا غيره التستر عليها، و

  • على قيد الاستثناء    أبقية العهد ورونق الشغف

    انسابت الأيام في الشقة الملحقة بهدوءٍ محبب يرمم بقايا الخوف والاضطراب التي خلفتها العواصف السابقة. عادت السكينة لتظلل الجدران البسيطة، وغدت سلمى تقضي ساعات طويلة أمام مكتبها الصغير، تغوص في المراجع الأكاديمية النادرة التي أهداها لها عاصم، تدون الملاحظات بذكائها المعهود وشغفها الشديد بالتفوق.وفي إحدى الظهيرات الدافئة، كانت الصالة تشهد جلسة عفوية تفيض بالود؛ سلمى تجلس بين أوراقها ومقاطع الأبحاث، والدادة فاطمة تطرز قطعة قماش بيديها الحنونين، بينما تجلس ميار على الطرف الآخر تطالع جدول المحاضرات.رفعت سلمى رأسها بابتسامة صفية، وقالت بنبرة ناعمة تملؤها البهجة: "دادة فاطمة.. هذه المراجع التي جمعها السيد عاصم تختصر عليّ سنوات من البحث المجهد! في كل صفحة أجد تعليقات بخط والدي رحمة الله عليه، وكأنني أقرأ أفكاره وأستشعر وجوده بجانبي".ربتت الدادة فاطمة على يدها بحنان وقالت بصوت دافئ: "رحمه الله يا بنيتي.. لقد قيّض الله لكِ رجلاً أصيلاً كالسيد عاصم، يصون العهد ويحفظ الأمانة بكرامة ونبل لا نراهما كثيراً في هذه الأيام".عقّبت ميار بابتسامة لطيفة: "بالفعل يا سلمى، وجود هذا السند يجعل المرء ينطلق في

  • على قيد الاستثناء    أبقية العهد ورونق الشغف

    انسابت الأيام في الشقة الملحقة بهدوءٍ محبب يرمم بقايا الخوف والاضطراب التي خلفتها العواصف السابقة. عادت السكينة لتظلل الجدران البسيطة، وغدت سلمى تقضي ساعات طويلة أمام مكتبها الصغير، تغوص في المراجع الأكاديمية النادرة التي أهداها لها عاصم، تدون الملاحظات بذكائها المعهود وشغفها الشديد بالتفوق.وفي إحدى الظهيرات الدافئة، كانت الصالة تشهد جلسة عفوية تفيض بالود؛ سلمى تجلس بين أوراقها ومقاطع الأبحاث، والدادة فاطمة تطرز قطعة قماش بيديها الحنونين، بينما تجلس ميار على الطرف الآخر تطالع جدول المحاضرات.رفعت سلمى رأسها بابتسامة صفية، وقالت بنبرة ناعمة تملؤها البهجة: "دادة فاطمة.. هذه المراجع التي جمعها السيد عاصم تختصر عليّ سنوات من البحث المجهد! في كل صفحة أجد تعليقات بخط والدي رحمة الله عليه، وكأنني أقرأ أفكاره وأستشعر وجوده بجانبي".ربتت الدادة فاطمة على يدها بحنان وقالت بصوت دافئ: "رحمه الله يا بنيتي.. لقد قيّض الله لكِ رجلاً أصيلاً كالسيد عاصم، يصون العهد ويحفظ الأمانة بكرامة ونبل لا نراهما كثيراً في هذه الأيام".عقّبت ميار بابتسامة لطيفة: "بالفعل يا سلمى، وجود هذا السند يجعل المرء ينطلق في

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status