Home / الرومانسية / على قيد الاستثناء / أمل جديد وهمسات فى الظل

Share

أمل جديد وهمسات فى الظل

last update publish date: 2026-08-06 06:42:08

أشرقت شمس الصباح على حديقة المصنع القديم لتضفي على المكان دفئاً خاصاً. في الشقة الملحقة، كانت سلمى تقف أمام المرآة البسيطة ترتب شعرها وهندامها بهدوء، وترتدي رداءً كحلياً مرتباً يعكس وقار حزنها وفي الوقت ذاته براءة شبابها. كان قلبها يخفق بدقات متسارعة، خليط من الحماس والخوف؛ فهذا هو يومها الأول للعودة إلى مقاعد الدراسة الجامعية بعد أشهر طويلة من الانقطاع بسبب المرض العضال الذي ألم بوالدها ثم وفاته المفاجأة.

خرجت إلى الصالة لتجد السيدة فاطمة قد أعدت لها وجبة إفطار دافئة، واستقبلتها بابتسامة حنونة وهي تقول: "صباح الخير يا بنيتي.. ما شاء الله، بالتوفيق والنجاح يا رب في أول يوم لكِ بالجامعة، أدعو الله أن ييسر لكِ كل صعيب".

ابتسمت سلمى بامتنان ونبل، وقالت بصوت ناعم: "شكراً لكِ يا دادة فاطمة.. لولا وقفة السيد عاصم وتيسيره للأوراق لما استطعت العودة في هذا التوقيت، أدعو الله أن أكون عند حسن الظن دائماً".

في تلك الأثناء، وعلى بعد خطوات قليلة داخل المبنى الإداري للمصنع، كان المشهد مختلفاً كلياً. كان المحاسب مدحت يقف بجوار آلة إعداد القهوة يتحدث بنبرة خفيضة مع أحد الموظفين القدامى، ممرراً كلماته المسمومة بدهاء: "ألم تسمع بالخبر؟ ابنة المهندس عبد الحميد عادت وصارت تقيم في الشقة الملحقة بالحديقة الخلفية.. السيد عاصم خصص لها الشقة بالكامل وحرص على متابعة أمورها المالية بنفسه. الأمر يبدو غريباً بعض الشيء، أليس كذلك؟".

هز الموظف رأسه بتردد وقال: "لكن المهندس عبد الحميد كان شريكاً للسيد عاصم والأقرب إليه، ومن الطبيعي أن يرعى ابنته".

رد مدحت بابتسامة خبيثة: "الرعاية شيء، ونقل فتاة بعمر العشرين إلى ملكية خاصة وتخصيص مصروف خيالي لها شيء آخر.. الناس تتكلم، وسمعة المكان قد تتأثر إن وصلت هذه الشائعات لأحد".

تسللت تلك الهمسات الخفيفة بين أروقة الإدارة كالنار تحت الرماد، تغذيها جشاعة سهام ورغبتها الدفينة في إيجاد ثغرة تشوه بها موقف عاصم وتضغط عليه.

في تمام الساعة العاشرة صباحاً، توقفت سيارة عاصم أمام المبنى الإداري. نزل بهيبته المعتادة وبذلته الرمادية الأنيقة، وترجل بخطوات واثقة نحو مكتبه في الدور الثاني. وقبل أن يدخل مكتبه، التفت نحو النافذة المطلة على الحديقة الخارجية، فوقعت عيناه بالصدفة على سلمى وهي تخرج من باب الشقة الملحقة تحمل كتبها الجامعية بين يديها.

وقف عاصم لثوانٍ يتأمل المشهد من خلف الزجاج المعتم؛ رأى في مشيتها وهدوئها إصراراً ونقاءً نادرين، واستشعر لأول مرة منذ سنوات طويلة أنه يساهم في بناء حياة إنسانة تستحق الأمل. ارتسمت على شفتيه حمرة ابتسامة راضية، متذكراً وصية صديقه الراحل ومدركاً أنه يوفي بحق الصداقة والوفاء.

دخل عاصم مكتبه وجلس خلف المكتب الخشبي العريض يباشر التوقيع على المعاملات اليومية. وبعد دقائق، قرع الباب بهدوء ودخل الأستاذ عماد، مدير مكتبه المخلص وصديق رحلته العملية.

كانت ملامح عماد تحمل حرجاً وتردداً واضحين، وقف أمام المكتب دون أن يجلس، مما أثار انتباه عاصم الذي رفع رأسه وسأله بنبرة هادئة: "ما الأمر يا عماد؟ تبدو متوتراً اليوم على غير عادتك".

تردد عماد لحظة، ثم قال بصوت خفيض احتراماً له: "سيد عاصم.. هناك موضوع حساس أود إطلاعك عليه، ولا أعلم كيف أبدأ. هناك كلام وشرارات شائعات بدأت تدور بين بعض موظفي قسم الحسابات والإدارة بخصوص الشقة الملحقة وتواجد الآنسة سلمى فيها.. يبدو أن هناك من يسرب معلومات مغلوطة ويلمح بدوافع غير نبيلة لوقوفك بجانبها".

توقفت يد عاصم عن الكتابة، وتصلبت ملامحه الحادة فوراً. خيم صمت ثقيل على المكتب، قبل أن تنطلق من عينيه نظرة صرامة وغضب مكتوم، مدركاً أن بيئة النقاء التي حاول توفيرها لسلمى بدأت تحيط بها أشواك الحقد والهمسات الخبيثة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على قيد الاستثناء    أريج الصيف وظِلال الخديعة

    استقرت أجواء العطلة الصيفية في الشقة الملحقة بالحديقة الخلفية للمصنع القديم، وصارت الأيام تتوالى في هدوء ودفء يبعثان على السكينة. في صباح أحد الأيام المشمسة، كانت سلمى تقف في المطبخ البسيط تتشارك مع الدادة فاطمة إعداد إفطار خفيف يفوح منه عبق المخبوزات الطازجة.رفعت سلمى عينيها العسليتين ونظرت إلى الدادة فاطمة بدُعابة وخفة دمها العفوية وقالت: "دادة فاطمة.. أظن أن مهاراتي في إعداد الشاي قد تطورت كثيراً هذا الصيف! ألا تستحق هذه المحاولة شهادة تقدير منكِ، أم أن الحكّام الأكاديميين في المطبخ لا يعترفون إلا بالخبرة العريقة؟".ضحكت الدادة فاطمة بحنان أمومي وهي تعدل أطباق الحلوى وقالت: " شهادتى مجروحة يا بنيتي! الشاي من يدكِ له طعم آخر، لكن المخبوزات لا تزال تحت سيادتي وإشرافي التام!".وفي الظهيرة، وصلت ميار يحمل وجهها البهجة والاندفاع المعهود. دخلت الصالة البسيطة وعيناها تتأملان ترتيب المكان الدافئ، وقالت بدمها الخفيف: "سلمى! جئتُ محملة بخطة كاملة لقضاء هذا الأسبوع! لا مذاكرة ولا حسابات ختامية، فقط جولات في المدينة وأطباق حلوى من يد الدادة فاطمة!".انطلقت الضحكات الصافية بين الصديقتين في أجو

  • على قيد الاستثناء    براءة اللقاء وظلال الحقد

    حلّت العطلة الصيفية لتضفي هدوءاً ولطافة على أيام سلمى. وفي صبيحة يوم مشمس، خرجت سلمى مع صديقتها ميار في جولة بسيطة بالمدينة، بعيداً عن ضغوط الدراسة وأجواء الامتحانات. كانتا تجلسان في مقهى هادئ يطل على نيل القاهرة، وتتناولان العصائر الطازجة وتبادلان الأحاديث الخفيفة.قالت ميار وهي تنظر لسلمى بابتسامة دافئة: "سلمى.. لا تتصوري مدى سعادتي برؤيتكِ هكذا! ابتسامتكِ وروحكِ الخفيفة عادتَا كأنكِ لم تصلي يوماً لتلك الأيام القاسية التي حكيتِ لي عنها".ابتسمت سلمى بصفاء ورقة، وعدلت حجابها وقالت بذكاء ولطافة: "الحمد لله يا ميار.. الحياة تعطينا دائما فرصة جديدة لنسترد أنفسنا، والرفقة الطيبة مثلكِ ومثل الدادة فاطمة تجعل كل صعب يمر بسلام بفضل الله".ضحكت ميار وقالت بخفة: "طب الحمد لله أنني صرتُ ضمن قائمة الرفقة الطيبة! لكن بشرط.. ألا يحرمنا هذا الصفاء من جولة تسوق لطيفة قبل أن نعود للشقة!".وانطلقت الضحكات العفوية بينهما في تجسيد لعمق هذه الصداقة النقية والبسيطة.وعلى الجانب الآخر من المدينة، وفي أحد الكافيهات البعيدة عن الأنظار، كانت فريدة تجلس وبيدها حقيبتها الأنيقة، وعيناها تشعان بمرارة وغضب مكتوم

  • على قيد الاستثناء    وقار المواجهة وثبات العهد

    كانت شمس الصباح تشرق دافئة على الحديقة الملحقة بالمصنع القديم، تنعكس أوعية زهرها على نوافذ الشقة البسيطة. في الداخل، كانت ألحان الفرح الخفيف تعم المكان؛ سلمى والدادة فاطمة تجلسان حول طاولة الطعام يتناولون الشاي مع الكعك، بينما أصوات زغاريد الدادة فاطمة الخفيضة ومباركاتها تملأ الصالة احتفاءً بتفوق سلمى وحصولها على تقدير ممتاز في امتحانات الكلية.رن هاتف سلمى بتموجات مرحة، لتظهر صورة "ميار" على الشاشة. رفعت سلمى الخط وقالت بنبرة ملؤها الدعابة وخفة الدم العفوية: "أهلاً بالمتفوقة العظيمة! هل استوعب عقلكِ المصدوم حتى الآن أننا عبرنا هذا الفصل بتقدير ممتاز، أم أنكِ ما زلتِ تشكين في الموقع الإلكتروني للجامعة؟".جاء صوت ميار عبر الهاتف ضاحكاً ومرتفعاً ببهجة: "سلمى! أقسم لكِ أنني أعدت تنشيط الصفحة عشر مرات متتالية للتأكد من أن الاسم هو اسمى حقاً! لولا شرحكِ وتعبكِ معي لكنتُ الآن ألملم أوراق إعادة المادة! أنتِ صديقة لا تُقدّر بمال يا سلمى".ردت سلمى بابتسامة دافئة ووداعة: "الله هو الموفق يا ميار.. المهم الآن أن نفي بعهدنا ونعدّ خطة لإجازة هادئة وممتعة، وأنتِ معزومة عندنا على طبق إضافي من صنع ال

  • على قيد الاستثناء    وقار المواجهة وثبات العهد

    كانت شمس الصباح تشرق دافئة على الحديقة الملحقة بالمصنع القديم، تنعكس أوعية زهرها على نوافذ الشقة البسيطة. في الداخل، كانت ألحان الفرح الخفيف تعم المكان؛ سلمى والدادة فاطمة تجلسان حول طاولة الطعام يتناولون الشاي مع الكعك، بينما أصوات زغاريد الدادة فاطمة الخفيضة ومباركاتها تملأ الصالة احتفاءً بتفوق سلمى وحصولها على تقدير ممتاز في امتحانات الكلية.رن هاتف سلمى بتموجات مرحة، لتظهر صورة "ميار" على الشاشة. رفعت سلمى الخط وقالت بنبرة ملؤها الدعابة وخفة الدم العفوية: "أهلاً بالمتفوقة العظيمة! هل استوعب عقلكِ المصدوم حتى الآن أننا عبرنا هذا الفصل بتقدير ممتاز، أم أنكِ ما زلتِ تشكين في الموقع الإلكتروني للجامعة؟".جاء صوت ميار عبر الهاتف ضاحكاً ومرتفعاً ببهجة: "سلمى! أقسم لكِ أنني أعدت تنشيط الصفحة عشر مرات متتالية للتأكد من أن الاسم هو اسمى حقاً! لولا شرحكِ وتعبكِ معي لكنتُ الآن ألملم أوراق إعادة المادة! أنتِ صديقة لا تُقدّر بمال يا سلمى".ردت سلمى بابتسامة دافئة ووداعة: "الله هو الموفق يا ميار.. المهم الآن أن نفي بعهدنا ونعدّ خطة لإجازة هادئة وممتعة، وأنتِ معزومة عندنا على طبق إضافي من صنع ال

  • على قيد الاستثناء    زيارة دافئة وظلال الشك

    حلّ صباح يوم جديد يحمل معه نسائم الإجازة والتنفس بعد عناء الاختبارات. وفي الشقة الملحقة بالحديقة الخلفية، كانت سلمى تقف في الصالة البسيطة تعيد ترتيب المزهرية الصغيرة على الطاولة، بينما كانت الدادة فاطمة تتابعها بابتسامة حنونة وتضع أطباق الحلوى والفاكهة استعداداً واستقبالاً للضيفة المنتظرة.قرع الباب بنقرات خفيفة وسريعة توحي بالحيوية والاندفاع، لتهرع سلمى وتفتحه بابتسامة واسعة. كانت ميار تقف عند العتبة تحمل بيديها حقيبة أنيقة مملوءة بالحلويات، وعيناها تتجولان باستكشاف وانبهار في أرجاء المكان.دلتها سلمى للدخول وهي تقول بخفة دمها العفوية: "أهلاً وسهلاً بضيفتنا العزيزة! لكن أرجو ألا تكوني قد أفرغتِ المخبز بالكامل يا ميار، فالدادة فاطمة لم تترك صنفاً من الحلوى إلا وأعدته احتفالاً بقدومكِ!".دخلت ميار وضاحكتها تملأ المكان، وقالت ببهجة: "ما شاء الله يا سلمى! المكان هنا أشبه ببيت ريفي دافئ بعيد عن ضوضاء المدينة وسرعتها! لو كنت أعلم أن شقتكِ بهذا الهدوء والجمال لكنتُ انتقلتُ للإقامة معكِ منذ البداية!".استقبلتها الدادة فاطمة بترحاب أمومي دافئ، وسرعان ما ذابت الحواجز بينهن. جلست الصديقتان تتبا

  • على قيد الاستثناء    خيوط غير مرئية ووقار متين

    مرت أيام الامتحانات بسلاسة على سلمى وميار، وتكلل الجهد والتعب براحة مستحقة مع انتهاء آخر الموعد الاختبارات. وفي صبيحة يوم مشمس يفيض بالدفء، كانت الصديقتان تجلسان في الكافتيريا الخارجية للكلية، تحتفيان بهذا الخلاص المؤقت. كانت طاولة المذاكرة الدائمة، التي طالما ازدحمت بالكتب والملاحظات، مكسوة هذه المرة بكؤوس العصائر الطازجة والضحكات المتواصلة التي كسرت رهبة الأسابيع الماضية.استندت ميار بظهرها إلى المقعد الخشبي وتنهدت براحة درامية وهي تقول: "أخيراً يا سلمى! أقسم لكِ أن عقلي كان يستغيث في السؤال الأخير من المادة.. لولا إصراركِ العجيب على مراجعة ذلك الفصل المعقد الليلة الماضية، لكنتُ الآن أعدّ خطة بديلة لإعادة المادة في الفصل الصيفي!".ضحكت سلمى برقة وخفة دمها العفوية، وعدلت أوراقها المنظمة في حقيبتها وهي تجيب بذكاء: "الحمد لله أن الأمر مرّ على خير يا ميار.. لكن لا تفرحي كثيراً وتستبقين الأحداث؛ فالنتيجة هي الحاكم الفعلي والنهائي بيننا. وإن لم تحصلي على تقدير ممتاز يرفع الرأس، سأطالب بتعويض معنوي ومادي عن كل ساعات الشرح الشاقة تلك!".بادلتها ميار الضحك بصفاء ومرح قائلاً: "لكِ ما تشائين س

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status