เข้าสู่ระบบالفصل 782"هل تكرهينني حقًا إلى هذا الحد يا زوي؟ هل تتمنين موتي فعلًا؟"همست سارة من تحت الأغطية، متعمدة خفض صوتها خشية أن تسمعها المرأة الراقدة في السرير المجاور.خرج صوتها أجشًّا متحشرجًا، كما لو أن الكلمات تثقل على حلقها قبل أن تتمكن من نطقها.استعادت سارة في تلك اللحظة كل ما مضى، فلم تجد في ذاكرتها سوى سنوات من الحب والتضحيات. ابنتها التي طالما افتخرت بها، وأحبتها بلا حدود، بل وتخلت من أجلها عن مبادئها وقناعاتها، كانت قبل لحظات تخبر والدتها بالتبني كم تكرهها، وكم تشمئز من مجرد مناداتها بـ«أمي»، حتى إنها تمنت لها الموت في أقرب وقت!شعرت سارة بأن شيئًا ما يتحطم داخل صدرها.وربما لم تفهم يومًا الكلمات القاسية التي وجهتها إلى سيرين كما فهمتها الآن. للمرة الأولى، أدركت تمامًا مقدار الألم الذي يمكن أن تسببه كلمات الابن لمن منحته أمه كل شيء.قالت زوي بسرعة، محاولة تدارك الموقف وإخفاء ما انكشف منها:"أمي، لقد أسأتِ فهمي! كانت جيما معي منذ قليل، وأنت تعلمين كم تكرهك. اضطررت إلى مجاملتها والكذب عليها حتى لا تشك في شيء. لا تأخذي كلامي على محمل الجد، أرجوك. أنت أمي الحقيقية، وأهم بكثير من جيم
الفصل 781عادت جيما مؤخرًا إلى مدينة توديلا لعقد مفاوضات بشأن بعض الصفقات التجارية.وفي ذلك اليوم، كانت زوي تتناول الغداء معها، وقد تولّت بنفسها تقديم الطعام والماء لها، ثم دفعت طبقًا نحوها قائلة بابتسامة:"أمي، تفضلي، تناولي المزيد."أصدرت جيما همهمة رضا، ثم أجابت براحة:"مم."كانت الأجواء هادئة ودافئة، إلى أن اخترقها فجأة رنين هاتف زوي.التقطت زوي هاتفها، وما إن رأت اسم المتصلة حتى انقبض حاجباها بضيق. كانت سارة.ضغطت على الشاشة لتُنهي المكالمة، ثم أعادت الهاتف إلى حقيبتها دون أن تلقي عليه نظرة أخرى، غير مدركة أنها لم ترفض الاتصال كما ظنت، بل أجابت عنه بالخطأ.وبمجرد أن استقر الهاتف داخل الحقيبة، لم تعد تسمع صوت سارة على الطرف الآخر، كما لم تنتبه إلى أن المكالمة ظلت مفتوحة.سألتها جيما:"من المتصل؟ لماذا لم تجيبي؟"أجابت زوي باستخفاف:"لا شيء، مجرد مكالمة مزعجة."في الجهة الأخرى، لم تسمع سارة أي رد من ابنتها، وكانت على وشك إنهاء الاتصال وإعادة المحاولة، حين وصل إلى أذنها صوت جيما وهي تتحدث مع زوي.مكالمة مزعجة؟توقفت سارة في مكانها، وسرعان ما أدركت أن زوي أجابت عن المكالمة دون قصد.
الفصل 780لم تكن سيرين تتوقع أن تكون لدى جيسيكا دوافع خفية، لكن الأخيرة لم تكن تتمتع بقدر كبير من الذكاء، وهذا في حد ذاته جعل التعامل معها أكثر سهولة. فلم تكن سيرين بحاجة إلى بذل جهد يُذكر لفهم تصرفاتها أو التعامل معها.قالت بهدوء:"سأذهب لأستريح الآن."أجابتها جيسيكا بابتسامة:"حسنًا، لن أزعجك إذًا."كانت قد خططت في البداية لتذكير سيرين بألا تقضي وقتًا طويلًا في النوم، لكنها حين رأت مدى لطفها، قررت التراجع وعدم التدخل في شؤونها.خرجت سيرين في نزهة قصيرة داخل الحديقة، ثم اختارت مكانًا هادئًا وجلست لتستريح.ومن بعيد، وقعت عيناها على جيسيكا وهي تعود حاملة حقيبة كبيرة مكتظة بالهدايا، ثم راحت توزع محتوياتها واحدة تلو الأخرى على الخادمات وحراس الأمن في القصر.تابعت سيرين المشهد بصمت، تراقب محاولات جيسيكا الواضحة لكسب ودّ العاملين، دون أن تبدي أي رغبة في التدخل.إذا كان من السهل التأثير في الناس ببعض الهدايا، فهذا يعني أن تغيير مواقفهم لن يحتاج إلا إلى هدايا أخرى.لم تشغل سيرين نفسها بتصرفاتها، وأعادت تركيزها إلى كتابها، مواصلة دراسة النوتات الموسيقية.ومع مرور الوقت، لاحظت جيسيكا أن سيرين
الفصل 779في الماضي، لم يكن نوح قريبًا من جاسر بما يكفي ليلحظ أي شيء غير مألوف حوله. وحتى في المرات التي اقترب منه فيها أكثر من المعتاد، لم يشعر بشيء مريب. لكن اليوم كان مختلفًا؛ فقد تمكن أخيرًا من رؤية تلك الهالة المظلمة التي تحيط به بوضوح، وأدرك أن الأمر لم يكن مجرد إحساس عابر.جاءه صوت زكريا عبر الهاتف، قاطعًا أفكاره:"ابقَ في المنزل ولا تعرض نفسك لأي خطر. أنا على وشك الصعود إلى الطائرة والعودة. سنتحدث لاحقًا."أجاب نوح على مضض:"حسنًا إذن."ثم أنهى المكالمة، لكنه لم يبتعد عن النافذة.ظل يراقب ما يحدث في الحديقة من خلف الزجاج، حيث كان جاسر لا يزال يتحدث مع والدته وشادية. ورغم المسافة الفاصلة بينهما، استطاع نوح رؤية الهالة السوداء التي تحيط بالرجل بوضوح.انقبض صدره، وشعر بعدم ارتياح متزايد.لماذا كان ذلك الرجل مختلفًا إلى هذا الحد؟في الحديقة، وبينما كانت شادية تتبادل الحديث مع جاسر، تذكرت فجأة أمرًا أثار استياءها منذ فترة؛ يوم كان نوح يقدم بثًا مباشرًا عبر الإنترنت لكسب المال.كيف تسمح سيرين لطفل صغير مثل نوح بالانشغال بأمور كهذه من أجل المال؟انتقلت أفكارها إلى سيرين، وسرعان ما وج
الفصل 778"لقد مر وقت طويل."أجبرت جيسيكا شفتيها على رسم ابتسامة متكلفة، ثم تراجعت بضع خطوات إلى الخلف، وكأنها لم تكن قبل لحظات تندفع نحوه بكل حماس، وانتظرت اقتراب شادية والبقية.حتى سيرين لم تستطع إخفاء دهشتها من تصرفات جيسيكا هذه المرة.ففي العادة، ما إن تلتقي جيسيكا بأي رجل حتى تسارع إلى الاقتراب منه، متظاهرة بالخجل والدلال، ولا تتردد في استخدام مرحها وابتسامتها لكسب اهتمامه.فلماذا بدت باردة ومتحفظة إلى هذا الحد أمام جاسر؟قطعت سيرين سلسلة أفكارها، بينما تقدمت شادية نحو الرجل وسألته باستغراب:"جاسر، ما الذي جاء بك إلى هنا؟"أجابها بهدوء:"سمعت أن ظافر تعرض لإصابة، فجئت للاطمئنان عليه."أومأت شادية برأسها، ثم أوضحت:"آه، ظافر ليس هنا. إنه يقيم حاليًا في فيلا سي باي."بعد ذلك، التفتت إلى الصغير الواقف بجوارها، وقالت:"نوح، هذا عمك جاسر."كان نوح طفلًا مهذبًا بطبعه، وقد التقى جاسر عدة مرات من قبل، لكنه لم يشعر يومًا بالارتياح في وجوده. ظل يحدق فيه للحظة، كمن يحاول استيعاب شيء لا يستطيع تفسيره، قبل أن ينتبه إلى أنه لم يلقِ التحية بعد."العم جاسر."أومأ جاسر برأسه برفق، ثم انحنى والتقط
الفصل 777انطلقت السيارة في طريقها، وبعد نحو ساعة من القيادة، توقفت أخيرًا أمام القصر.ترجّل جاسر، وما إن رفع عينيه نحو الحديقة حتى وقعتا على سيرين المستلقية فوق كرسي الاسترخاء، مستمتعة بأشعة الشمس الدافئة. كانت يدها المكشوفة تستقر بجوار الكتاب، وقد انعكست عليها أشعة الشمس لتضفي عليها بريقًا أبيض لافتًا."السيد ظافر."استقبله حارس الأمن على الفور، ثم فتح البوابة دون تردد.لم يكن التمييز بين جاسر وظافر أمرًا سهلًا بالنسبة إلى معظم الناس؛ فالتشابه بين الرجلين كان مذهلًا إلى حد يكاد يجعلهما صورتين متطابقتين.لم يتوقف جاسر لتبادل الحديث مع أحد، بل اجتاز البوابة بخطوات واثقة، واتجه مباشرة نحو سيرين.كانت غارقة في نوم عميق، ولم تشعر باقترابه. وحين وصل إليها، توقف أمام كرسيها وظل واقفًا في صمت، يتأملها دون أن يصدر عنه صوت.ربما حجبت قامته أشعة الشمس عنها، فشعرت سيرين بأن الدفء الذي كان يغمر وجهها قد تلاشى. تحركت بتكاسل، واستدارت على ظهرها، ثم أزاحت الكتاب الذي كان يغطي وجهها بحركة عفوية.لكن الضوء لم يعد إليها.عقدت حاجبيها قليلًا، وفتحت عينيها المثقلتين بالنعاس، ثم رفعت رأسها ببطء.وما إن ا
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين







