LOGINالفصل الرابع
حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة. كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادرت بتنظيف الفوضى وابتكرت عذرًا لتوديع فاطمة دون إثارة الريبة... وقبل أن تغادر، وضعت جزءًا من مدخراتها على طاولة السرير بهدوء دون أن تخبر فاطمة بما فعلت. رافقتها فاطمة إلى محطة الحافلات، ولوحت لها مودعة إياها بحزنٍ واضح. بعد رحيل سيرين، لم تستطع فاطمة التوقف عن التفكير في مدى نحافة سيرين وتزايد قلقها عليها... ولكنها لم تكن قادرة على البقاء مكتوفة الأيدي، فاتصلت بمكتب مجموعة نصران. عندما علمت السكرتيرة بأن المتصلة هي فاطمة مربية سيرين، وأنها ترغب في التحدث مع سيدها، حوّلت المكالمة على الفور إلى خطه المباشر. بينما كان ظافر جالساً بعنجهية خلف مكتبه الفخم يدير أعماله بحنكة، ولكنه ما بين الحين والآخر يجتسه من بين أفكاره شيء يذكره بها، ها هو ملف قدمته إليه مديرة مكتبه بلون سيرين المفضل... وتلك الرائحة المنبعثة من فنجانه تشبه رائحة القهوة التي كانت تعدها له سيرين... و... و... طرق ظافر بقلمه أعلى سطح مكتبه، يحصي أيام فراقها... ذلك اليوم هو الثالث منذ رحيلها وتلك هي المكالمة الأولى التي يتلقاها بشأنها. كان ظافر جالسًا خلف مكتبه عندما تم تحويل المكالمة إليه، يشعر بارتياح غريب... فكما توقع، لم تتمكن سيرين من البقاء بعيدًا عنه لأكثر من ثلاثة أيام - أو هكذا اعتقد. جاءه صوت فاطمة عبر الخط، محملًا بملامح الزمن والتجارب: "السيد نصران، أنا مربية سيرين، وقد كنت أعتني بها منذ كانت طفلة... أرجوك، بل أستحلفك أن تعاملها بلطف ولا تؤذها أكثر مما فعلت... إنها ليست قوية كما تبدو... فعندما وُلِدت تركتها السيدة تهامي تحت رعايتي لأنها لم تحتمل ضعف سمعها... ولم تعد سيرين إلى المنزل إلا عندما بدأت المدرسة... لم يعاملها آل تهامي قط كواحدة من أفراد العائلة... وباستثناء السيد تهامي، كان الجميع يعاملونها كخادمة... أنت والسيد تهامي الشخصان الأهم في حياتها... أرجوك، من فضلك، كن لطيفًا معها." تبدل مزاج ظافر عندما سمع ما قالته فاطمة، يجيبها ببرود شديد: "هل طلبت منكِ أن تخبريني بهذه القصة الحزينة لأنها لا تريد مواجهتي؟ لماذا يجب أن أهتم بحياتها؟ إذا سألتِني، فهي تستحق ما حدث لها!" كان يشعر بوخزة في قلبه جراء ما حدث مع تلك المسكينة ومع ذلك، أنهى المكالمة دون انتظار ردها. سمعت فاطمة سيرين وهي تتفاخر بلطف ظافر معها، لذا أدركت الحقيقة حينها فقط: ظافر لم يكن رجلاً صالحًا على الإطلاق، ولم يكن زوجًا صالحًا لسيرين. جلست سيرين في الحافلة متجهة إلى المنزل، وفي تلك اللحظة اهتز هاتفها. كانت رسالة من ظافر. "قلتِ أنكِ تريدين الطلاق، أليس كذلك؟ سأراكِ في الساعة العاشرة صباحًا غدًا." حدقت سيرين في النص بلا تعبير لفترة من الوقت قبل الرد بكلمة واحدة فقط: "حسنًا". لقد أثار ذلك غضب ظافر وأفسد مزاجه تمامًا... ولم يعد قادرًا على العمل، فاتصل بأصدقائه ودعاهم لتناول المشروبات. كانت دينا أيضًا في النادي عندما وصل... أعلنت: "لن أعود إلى المنزل حتى أسكر!" جلس طارق بجانب ظافر ولم يستطع أن يمنع نفسه من السؤال بفضول: "كيف حال سيرين الصماء؟" رفع ظافر حاجبه وقال له: "ليس هناك حاجة للحديث عنها مرة أخرى... سنرفع دعوى الطلاق غدًا". لقد أصيب طارق بالذهول ولم يستطع أن يصدق ما سمعه... قال مستفسرًا: "حقًا؟" بجانبهم، أشرق وجه دينا... وصبت له كأسًا وقالت: "تهانينا على استعادة حريتك، ظافر!" شرب ظافر الكثير في تلك الليلة... فعرضت دينا عليه أن ترسله إلى منزله، لكنه رفض قائلاً: "لا داعي لذلك، هذا غير مناسب". فكر ظافر قليلاً فلو كان هو وسيرين سينفصلان غدًا، فقد تعود إلى المنزل في تلك الليلة. لم تكن دينا سعيدة بهذا الرفض... قالت بغضب: "لماذا؟ فأنت ستطلقها على أي حال... لماذا لا يكون ذلك مناسبًا؟ هل ما زلت خائفًا من أن تكتشف علاقتنا؟" علاقتهم؟! ضيق ظافر عينيه وقال: "أنت تفكرين في هذا الأمر أكثر من اللازم". ركب سيارته الخاصة... ومن باب مراعاة مشاعر دينا، اتصل بسيارة أجرة لإرسالها إلى المنزل. وفي طريق عودته إلى المنزل، واصل فتح هاتفه ليتحقق مما إذا كانت سيرين قد أرسلت له أي رسائل.. ولكنها لم تفعل ذلك. عندما وصل إلى قصره، كان الظلام دامسًا... وبتعبير عاصف، فتح ظافر الباب وأشعل الضوء، على أمل أن يجدها بالداخل كما كانت دوماً ولكن لم يكن هناك أثر لها... لم تكن قد جاءت إلى المنزل... لقد تُرِك القصر بالضبط كما كان عليه عندما غادرت. فرك ظافر جبينه بيده يحاول تخفيف شعوره بالألم الذي يضج به رأسه إذ لا يزال يشعر بتأثير المشروب، ومن ثم ألقى بثقل جسده على الأريكة وسرعان ما غلبه النعاس. لم تتركه سيرين يهنئ بنومه إذ فرضت حضورها في كوابيسه، لقد رآها مغطاة بالدماء، لكن كانت هناك ابتسامة رضا على وجهها... وتردد صوتها بأذنه وهي تقول: "لم أعد أحبك يا ظافر". عندما استيقظ ظافر، كانت الشمس قد بدأت تُلقي بأشعتها الأولى على الأفق مشيرة إلى بزوغ نهار جديد... جلس في فراشه، يفرك جبينه بأصابع متعبة، ثم توجه إلى الحمام الذي أعده بنفسه بعناية... وبعد ذلك، ارتدى بذلته الأنيقة واتجه صوب المحكمة. عند مدخل المحكمة، لمح سيرين واقفة تحت شجرة قريبة، تكسوها ملابس داكنة تزيد من ضعفها... فمن بعيد، بدت وكأنها شبح نحيل وسط الرذاذ، وكأن نسمة هواء خفيفة قد تطيح بها أرضاً. ظل ظافر يتذكرها في أولى أيام زواجها به، تلك الأيام التي كانت فيها سيرين مليئة بالحيوية والنشاط، إنها أبداً لم تكن بهذا الهزال والكآبة. توجه نحوها حاملاً مظلته وعلى ما يبدو أنها لم تلاحظ وجوده إلا بعد بضع لحظات. تأملته بنظرات وداعاً وهي تقر بأن ظافر لم يتغير كثيراً خلال السنوات الثلاث الماضية؛ إذ لا زال يحتفظ بوسامته وثقته بنفسه، وقد زادته السنوات نضجاً وجاذبية. أما سيرين، فقد كانت مشوشة... السنوات الثلاث الماضية بدت وكأنها لحظة عابرة، لكنها استنزفتها بكل ما تملكه من قوة لذا ترغب في خلاصها من عذاب قرب ظالم گ ظافر. اقترب ظافر من سيرين، ناظرًا إليها ببرود، كان ينتظر منها اعتذارًا... لكن سيرين قالت بصوت هادئ: "أنا آسفة لإبعادك عن عملك. دعنا ندخل." تجمد ظافر بأرضه وكأنه غير مستوعبٍ لما أردفت به تواً بل كان يمني نفسه بأنها ستخر راكعة على ركبتيها ترجوه ألا يتركها، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه... وقال بنبرة جافة: "لا داعي للاعتذار." ثم استدار وتوجه إلى قاعة المحكمة. نظرت إليه سيرين بحزن، تتساءل في أعماقها إذا ما كانت ستندم على هذا القرار؟ في المحكمة، سألهم القاضي عما إذا كانا متأكدين من المضي قدماً في الطلاق... فجاءت إجابة سيرين حاسمة وواضحة: "نعم." كانت تلك الكلمة تحمل في طياتها الحزم والقوة مما أحبط ظافر وجعله يدرك أن الأمور بينهما قد وصلت إلى نهايتها. بعد تقديم دعوى الطلاق، كان لِزاماً عليهما العودة إلى المحكمة خلال شهر لحضور جلسة الاستماع... وإذا تخلفا عن الحضور، فإن الدعوى ستُعتبر ملغاة. حين خرجا من قاعة المحكمة، نظرت سيرين إلى ظافر بوجه هادئ على نحو غير معتاد، وقالت: "سأراك الشهر المقبل... اعتنِ بنفسك." ألقت كلماتها وهي تتهرب بنظراتها عنه ثم استقلت سيارة أجرة تلاشت بين غيمات المطر وغادرت. بقي ظافر واقفًا في مكانه، يتابع سيارتها وهي تبتعد، دون أن يعي تفسيراً لإحساسه الآن ربما شعر بالارتياح. شعر بالارتياح لأنه لن يضطر لتحملها أكثر أو تحمل سخرية الآخرين لوجود زوجة معاقة لديه. في سيارة الأجرة، استندت سيرين إلى النافذة، وحدقت في قطرات المطر المتساقطة على الزجاج بلا تعبير. فجأة، لاحظ السائق في المرآة الخلفية سائل أحمر يسيل من أذنها، فصدمه المشهد. وقال: "آنسة؟ آنسة!" هيهات لمن يتحدث؟! إنها بعالمٍ آخر وعندما لم يأته رداً أوقف السائق السيارة بعجالة. انتبهت سيرين عندما خفت اهتزاز المحرك فجأة وهي في حيرة من أمرها؛ إنهم لم يصلوا بعد... إذاً لماذا توقف؟ نظرت إلى السائق ورأته يتكلم بصمت... حينها أدركت أنها فقدت السمع مرة أخرى: "آسفة، لا أستطيع سماعك. ماذا تقول؟" أخيرًا نطقت، تنفس السائق الصعداء وإذا به يضطر إلى كتابة ما يريد قوله على هاتفه ليخبرها عن حالة أذنها التي لاحظها. مدت سيرين يدها متأخرة بفتور، وهي تشعر بالإحساس الدافئ على أذنها... إذ اعتادت على ذلك الآن، تتمتم وهي تحبس شفتها السفلى بين قواطعها تتمتم بحرجٍ: "لا بأس... هذا يحدث معي دائماً... أنا بخير." رغم معاناتها من فقدان السمع، لم يحدث لها نز يف بهذه الطريقة من قبل، الأمر الذي جعلها تشعر بالخزي كلما رآها أحدهم وهي على تلك الحالة. عاودتها الذكريات قبل عامين، خلال تجمع بقصر آل نصران حيث دفعها طارق إلى حمام السباحة... لم تكن سيرين تجيد السباحة، وكادت أن تغرق... وفي الوقت نفسه، تمز قت طبلة أذنها بسبب ضغط المياه... وعلى الفور نُقِلت إلى المشفى، ولكن الضرر كان قد حدث بالفعل. حين ذاك، وعندما خضعت للفحص قيل لها أن كل شيء على ما يرام. فلماذا يحدث هذا الآن؟ ظل السائق قلقًا، فأوصلها إلى أقرب مشفى كما طلبت... وبعد أن شكرته، دخلت سيرين من بوابة الطوارئ بمفردها وللصدفة كانت على علم بجميع مداخل ومخارج هذا الصرح الذي ترتاده دوماً. هذه المرة، التقت بطبيبها المعتاد، تقول: "دكتور ياسين، ذاكرتي أصبحت سيئة جدًا في الآونة الأخيرة... أنسى دائمًا ما أفعله"، قالتها وقد استرجعت أحداث قريبة عندما استيقظت في الفندق هذا الصباح، إذ استغرقت وقتاً طويلاً لتتذكر أنها يجب عليها أن تتقدم بطلب الطلاق من ظافر. نظر ياسين إلى تقريرها الأخير بقلق: "السيدة تهامي، أعتقد أنه يجب عليكِ التفكير في إجراء اختبار لأشياء أخرى... على وجه التحديد، مشاكل الصحة العقلية." الصحة العقلية!! أو كان ينقصها؟! ابتسمت سيرين بكسرة تومأ برأسها وهي تحاول كبح دمعاتها من الانحدار أمام ذاك الذي يرمقها بولهٍ وأعينه تفيض بعشقٍ محكومٌ عليه بالوئد. وبناءً على توصية ياسين، ذهبت سيرين للحصول على تشخيص نفسي... وتبين أنها تعاني من اكتئاب حاد... واكتشفت أن المرضى الذين يعانون من الاكتئاب الشديد غالبًا ما يشتكون من فقدان الذاكرة. قبل أن تعود سيرين إلى الفندق، توقفت واشترت دفترًا وقلمًا، وبدأت تكتب كل ما حدث مؤخرًا... ووضعت الدفتر بجانب سريرها ليكون أول ما تراه عند استيقاظها في الصباح. انتشر خبر طلاقها من ظافر بسرعة البرق... وفي تلك الليلة، اتصلت بها سارة مرارًا وتكرارًا، لكنها لم ترد على اتصالاتها... وعندما استيقظت في الصباح التالي، وجدت مجموعة من الرسائل النصية من سارة. "أين أنت؟" "من تظنين نفسك؟ حتى لو كنتِ ستحصلين على الطلاق، كان ينبغي أن يكون ظافر هو من يطلب ذلك!" "أنت حقًا مصدر نحس! عندما تزوجتِ، تعرض والدك لحادث سيارة وتوفي... ماذا سيحدث الآن بعد طلاقك؟ هل تريدين أن تعلن مجموعة تهامي إفلاسها؟ هل هذا كل شيء؟" حدقت سيرين في الرسائل، فقد اعتادت الآن على الإساءة اللفظية... وكتبت ردًا مختصراً: "أمي، لقد حان الوقت لنعيش وفقًا لمزايانا الخاصة... لا ينبغي لنا أن نعتمد على الآخرين كثيرًا". كان رد سارة سريعًا: "أنت حقًا جاحدة للنعمة! لم يكن ينبغي لي أن أنجبك في المقام الأول!" لم تهتم سيرين بالرد على هذا الكلام، بل وضعت هاتفها جانبًا... فقد كانت تعلم أن عليها الانتظار فقط لمدة شهر... وبمجرد انتهاء إجراءات الطلاق، ستتمكن من مغادرة المدينة وبدء حياة جديدة، حياة اختارتها هي بنفسها، بعيدة عن الظلال الثقيلة التي خيمت على ماضيها. تدهورت صحة سيرين خلال الأيام القليلة التالية، فأصبحت تجد نفسها في كثير من الأحيان صماء تمامًا... وفي بعض الأحيان، كانت قدرتها على السمع تستغرق وقتًا طويلاً حتى تعود إلى طبيعتها... لم يكن الأمر مقتصرًا على حاسة السمع فحسب، بل كانت ذاكرتها أيضًا تتدهور بشكل مقلق. ولكن على الجانب المشرق، وعلى الرغم من أن فقدان السمع كان غير قابل للشفاء، إلا أنها استطاعت على الأقل أن تفعل شيئًا حيال الاكتئاب الذي كان يثقل كاهلها... إذ جاهدت سيرين بكل ما أوتيت من قوة لإبقاء نفسها سعيدة، فقررت الانشغال بالتطوع عبر الإنترنت... وقضت معظم أوقاتها في رعاية المسنين والأيتام المهجورين، وكان هذا العمل يمنحها شعورًا بأن حياتها لا تزال ذات قيمة ومعنى. مرت الأيام وسيرين مستمرة في نمط حياتها الجديد... وذات صباح، استيقظت كعادتها وراجعت دفتر ملاحظاتها... إذ كانت تستعد للخروج إلى دار الأيتام وذلك عندما لاحظت وجود العديد من الرسائل غير المقروءة على هاتفها... فتحت الرسائل واحدة تلو الأخرى لتكتشف محتواها. أول رسالة كانت من سارة: "كما أردتِ تماماً أيتها الحمقاء، مجموعة تهامي لم تعد موجودة." ثم جاءت رسالة من أخيها تامر : "استمري في الاختباء... أنت حقاً الشخص الأكثر جبنًا وقسوة الذي رأيته في حياتي." وأخيرًا، كانت هناك رسالتان من دينا: "أتقدم بخالص التعازي، سيرين... في الواقع، أعتقد أن مجموعة تهامي ستزدهر بشكل أفضل تحت قيادة حبيبي ظافر... ولكن نظرًا لأن عائلتك ساعدتني كثيرًا في الماضي، فأخبريني إذا كنت بحاجة إلى أي شيء كي أساعدك إذا استطعت." وختمت رسالتها بصورة متحركة لمُهرج يخرج لها طرف لسانه. كانت سيرين مذهولة وغير مدركة لما يحدث... وسرعان ما أغلقت تطبيق المراسلة وهي تشعر بالارتباك، إذ تلقت إشعارًا بأحدث الأخبار، مما زاد من حيرتها وقلقها. ترى ما فحوى هذا الإشعار؟الفصل 729انحنى ظافر نحو سيرين أكثر حتى حاصرها تمامًا بين ذراعيه والحائط ولم يترك لها مجالًا للتراجع… كان صوته أجشّ على نحو غريب، تتخلله نبرة من الاضطراب. أما سيرين، فوجدت نفسها عاجزة عن فهم ما يجري. حاولت أن تستشف ملامح وجهه في الظلام لكنها لم تستطع رؤية شيء ولم يبقَ أمامها سوى صوته وقربه المفاجئ.«ماذا تقصد؟»لم يجبها ظافر بل رفع يده الكبيرة ببطء حتى استقرت على وجهها وأخذ يتحسس ملامحها بأصابعه كما لو كان يخشى أن تختفي إن ابتعد عنها للحظة.توقفت أنفاسه للحظة عندما شعر بدفء بشرتها تحت كفه.كان ملمسها حقيقيًا إلى درجة أربكته.هل هذا حقيقي حقًا؟خرج صوته خافتًا، لكنه حمل رجفة لم يستطع إخفاءها:«أليس من المفترض أن تكوني ميتة؟»تصلبت سيرين بين ذراعيه واتسعت عيناها في الظلام.ماذا قال للتو؟!لم تستوعب كلماته في البداية ثم عقدت حاجبيها وقالت بامتعاض ممزوج بالذهول:«أعلم أنك تكرهني، لكن هل من الضروري أن تلعنني بالموت أيضًا؟»لكن ظافر لم يبدُ وكأنه سمع اعتراضها… ظل يلامس وجهها بيديه متشبثًا بها كما لو أنه عثر أخيرًا على شيء ظل يبحث عنه طويلًا ثم اندفع صوته من أعماقه مثقلًا بألم بدا كأنه ظل ح
الفصل 727على الرغم من تذمّر كوثر مما فعله زكريا قبل قليل، فإن ذلك لم ينتقص من شعورها بالرضا عن نفسها. فقد وجدت أخيرًا مسارًا مهنيًا جديدًا يمنحها إحساسًا بالإنجاز والاستقلالية، ولم تكن تنوي التفريط فيه بسهولة.صحيح أنها لم تكن تعاني من أي ضائقة مالية، وأن ثروة عائلتها كانت كفيلة بتوفير حياة مريحة لها، لكن امتلاك مصدر دخل خاص بها منحها شعورًا مختلفًا بالأمان. لم تعد مضطرة إلى الاتكال على أحد، ولم يعد بوسع أي شخص أن يستخدم المال وسيلة للتقليل من شأنها.وفجأة، قفز إلى ذاكرتها وجه حبيبها السابق، ليوناردو، وتلك الكلمات التي سخر بها منها ذات يوم، وكأنها لا تزال ترن في أذنيها:«لو لم تولدي في عائلة ثرية، فماذا كنتِ ستفعلين؟»انقبضت شفتاها في ابتسامة ساخرة.لو علم ليوناردو بمقدار ما تجنيه الآن، فربما أصابه الذهول. فدخلها الحالي قد يفوق راتبه كمحامٍ بعشرات المرات!يا لها من مفارقة تستحق الضحك!وبينما كانت كوثر غارقة في أفكارها، قطعت سيرين الصمت وسألتها باهتمام:«بالمناسبة يا كوثر، كيف تسير الأمور مع عائلة أرشيبالد؟ وهل حاول ليوناردو الاتصال بك مجددًا؟»لم يكن سؤالها بدافع الفضول وحده. ففي الم
الفصل 727تجمّدت كوثر في مكانها للحظة، ثم أدارت رأسها ببطء نحو الرجل الراقد على السرير، ظافر، الذي بدا وسيمًا على نحو لافت حتى وهو غارق في النوم. كان قد توقف عن الكلام أخيرًا، وكأن عقله قرر أن يمنحه استراحة مؤقتة من ذلك الاضطراب الغريب الذي أصاب ذاكرته.أخذت كوثر نفسًا عميقًا، ثم تمتمت بنبرة امتزج فيها الاستغراب بالحيرة:«هل يعمل عقل الرئيس التنفيذي بطريقة مختلفة عن عقولنا نحن البشر العاديين؟»لم تكن سيرين أقل دهشة منها. فمنذ أن بدأت تلاحظ الطريقة التي يفكر بها ظافر، لم تتوقف عن التساؤل بشأن ما يدور داخل رأسه.قالت وهي تلقي نظرة عابرة نحو السرير:«ربما يكون هذا هو السبب. عندما كان في حالته الطبيعية، كان يمتلك ذاكرة فوتوغرافية. من كان ليتخيل أن رجلًا مثله قد يعاني يومًا من فقدان الذاكرة؟»كانت تقف إلى جوار كوثر، على مسافة قريبة جدًا من ظافر، وتتحدثان عنه بصراحة تامة، منتقدتين تصرفاته الغريبة دون أن تشعرا بأدنى حرج، وكأن الرجل الذي تتناولان أمره بالنقاش لا يرقد أمامهما على بُعد خطوات!ومع حلول موعد الطعام، ظل ظافر غارقًا في النوم، دون أن يبدو عليه أي استعداد للاستيقاظ. ولأن ماهر أراد أن
الفصل 726توقفت شاحنة تجارية ضخمة فضية مائلة إلى الرمادي عند المدخل الخلفي للمشفى، حاجبةً الرؤية عن المتطفلين، بينما توقفت سيارة ظافر لتوّها في المكان في ظل الشاحنة وبعد لحظات، لمح طارق سيرين وهي تساعد ظافر على النزول من السيارة، فيما كان ماهر يتبعهما عن كثب.اقترب طارق منهما، وعقد حاجبيه في حيرة."ظافر، سيرين، ما الذي يحدث؟"كان الصوت مألوفًا للغاية، لكن الطريقة التي خاطب بها طارق سيرين بدت غريبة على مسامع ظافر. ألم يكن طارق نفسه هو من اعتاد تلقيبها بالصماء؟ لم يكن أحد يضمر لسيرين كراهية أكبر من كراهية طارق، ومع ذلك، بدا الآن ودودًا معها على نحو يثير الريبة.أما سيرين، فلم تُبدِ أي اكتراث لتصرفه، واكتفت بقولها ببرود:"القصة طويلة. دع السيد ماهر يشرح لك كل شيء."لم يعترض طارق، بل أفسح لهما الطريق ودعهما يدلفان إلى الداخل أولًا، ثم استدار نحو ماهر، مطالبًا إياه بتوضيح ما حدث.أخذ ماهر يسرد عليه الأحداث منذ بدايتها، ومع كل تفصيل جديد، ازدادت ملامح طارق صرامة، حتى انطبقت أسنانه على بعضها، واشتدت نبرته حين قال:"أكان يامن يغامر بحياته حقًا؟!"انقبض فكّه، وارتسمت في صوته حدة واضحة وهو يتاب
الفصل 325لم يرخِ قبضته عنها حتى وصلت إليه رائحتها الناعمة، واستقرت حوله كدفء مألوف تسلل إلى أعماقه دون استئذان. ظل ممسكًا بكتفها، فيما تجمد جسده للحظة، وأخذت حواسه تلتقط قربها بطريقة أربكته أكثر مما أراد الاعتراف به.كان عقله عالقًا في زمن قديم، زمن لم تكن تربطه فيه بسيرين تلك العلاقة التي يتحدث عنها ماهر، ولم يكن يتذكر فيه سببًا واحدًا يدفعه إلى ضمها إلى صدره.ومع ذلك، كان جسده يتصرف وكأنه يعرفها أكثر مما يعرف نفسه.شد ظافر أصابعه قليلًا على كتفها، ثم عقد حاجبيه، عاجزًا عن تفسير التناقض الذي يمزق أفكاره.لماذا لم يرد إبعادها؟ولماذا، رغم كل ما يعتقده عنها، بدا قربها مألوفًا إلى هذا الحد؟لقد نسي ظافر السنوات التي جمعته بسيرين، لكن هل نسي قلبه أيضًا ما حدث خلال تلك السنوات؟كان ظافر مهووسًا بالنظافة إلى حدٍّ لا يُستهان به، ولم يكن يستثني أحدًا من قواعده الصارمة حتى دينا. لم يكن يسمح لأي شخص بلمسه، وكأن مجرد اقتراب الآخرين منه تجاوز لحدوده الشخصية.لكن في تلك اللحظة، حين انحنت سيرين نحوه وهي بين ذراعيه، لم يجد في نفسه أدنى رغبة في مقاومتها. بل ظل ساكنًا، عاجزًا عن تفسير ذلك الشعور الغ
الفصل 724انطبقت شفتا ظافر في خط رفيع، واشتد التوتر عند زاويتي فمه، كأنه بلغ الحد الذي لم يعد مستعدًا بعده لتحمل كلمة واحدة أخرى من سيرين.لم يشأ مواصلة الجدال معها. دفع الغطاء جانبًا، ونهض من السرير مجددًا، عازمًا على مغادرة الغرفة مهما كلفه الأمر.راقبته سيرين للحظة، ثم نهضت بدورها، وقالت بنبرة حاسمة:«هل اتخذت قرارك أخيرًا؟ هيا، لنذهب إلى المستشفى».لم يجبها ظافر، ولم يكلف نفسه عناء الالتفات إليها. واصل السير بخطوات مترددة، فاصطدم بطرف أحد المفروشات، ثم ارتطم بقطعة أثاث أخرى، حتى بدا واضحًا أنه لا يستطيع تحديد الطريق أمامه.تجمدت سيرين في مكانها للحظة، تراقب إصراره العنيد على المضي قدمًا رغم اصطداماته المتكررة، ثم أسرعت خلفه.كان على وشك الاصطدام بالجدار حين دوّى صوتها في الغرفة:«توقف! هناك جدار أمامك!»توقف ظافر في اللحظة الأخيرة، وشد فكه بضيق. مد يده أمامه، يتحسس الفراغ بحثًا عن الباب، لكن عجزه عن تحديد موضعه زاد من توتره.اقتربت سيرين منه، ثم أمسكت بيده بقوة.لو كان ظافر الذي عرفته في الماضي، لانتزع يده من يدها باشمئزاز، ولما سمح لها بلمسه بهذه السهولة. لكن الغريب أنه لم يشعر ب
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا







