เข้าสู่ระบบالفصل الثاني
نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كان جليًّا للأعمى هو أن ظافر لم يكن تحت تأثير الخمر كما كان يظن الجميع. فجأة، أدركت سيرين أنها قد سقطت في فخ الخداع الذي نصبته لها دينا، وأن كل شيء كان مجرد تمويه لا أكثر. وفي اللحظة التي التقت فيها عيون سيرين بعيني ظافر، لاحظت انقباض حدقتيهما، وكأنما ارتجفت نياط قلبه عند رؤية ما لم يكن يتوقعه. إحساس غريب سيطر على الجميع، شعور بالحرج لا يمكن إخفاؤه، حتى طارق الذي كان أكثرهم إصرارًا على إقناع ظافر بقبول اعتراف دينا في وقتٍ سابق، بدا مشوشًا. وتساءلت سيرين في نفسها: كيف يمكن أن يكون الوضع بهذه الفوضى؟ كيف لم تكتشف خداع دينا في الوقت المناسب؟ ولماذا قررت التوجه إلى هنا؟ فجأة، كسرت دينا الصمت الذي غلف المكان بحديثها، محاولًة تفسير الموقف: "من فضلك، سيرين، لا تسيئي الفهم... طارق كان يمزح فقط... أنا وظافر مجرد أصدقاء" لكن قبل أن تتمكن سيرين من الرد، نهض ظافر بسرعة، واضعًا حدًا للكلمات الزائفة التي كانت تملأ الغرفة... مردفاً بصوت جاف، غير آبهٍ بكل ما قيل: "لا حاجة لشرح الأمر لها". ثم اتجه نحو سيرين مباشرة، وهو يحمل في عينيه نظرة من الاستفهام والريبة... يسألها بنبرة حادة: "ماذا تفعلين هنا؟" أجابته سيرين بصدق، رغم الارتباك الذي يملؤها: "اعتقدت أنك كنت في حالة سكر، فقررت أن أتي لأخذك إلى المنزل". سخر ظافر في تهكم، ثم أضاف وهو يكاد يخفي غضبه: "أنتِ حقًا لم تفهمي شيئًا مما قلته لك، أليس كذلك؟" ثم خفض صوته، وأصبح أكثر هدوءًا، لكن كلماته كانت كالسياط على قلبها: "هل جئتِ هنا لتذكري الجميع بأنني خُدعت للزواج منكِ قبل ثلاث سنوات؟ هل ظننتِ أنهم نسوا ذلك؟" سقطت كلمات ظافر كالصاعقة على رأس سيرين، وكأن قلبها قد توقف عن الخفقان للحظة، إذ بدت مذهولة تمامًا. ألقى ظافر على سيرين نظرة باردة، كان فيها قسوةٌ لا تخطئها العين، قبل أن ينطق بكلماتٍ مثل السم: "توقفي عن البحث عن الاهتمام. أنتِ فقط تزيدين من كراهيتي لكِ." ثم استدار مبتعدًا، تاركًا إياها تقف هناك وحيدة في خضم صدمتها التي تجمعت في قلبها مثل حجرٍ ثقيل. لم يكن هناك من يرمقها بنظرة تعاطف في تلك الغرفة، ولا حتى من الشباب الذين شاهدوا الموقف باستهزاءٍ بارد. حتى طارق، الذي كان يتظاهر ببعض الشفقة، لم يجد حرجًا في أن يقول لدينا بصوتٍ مليء باللامبالاة: "أنتِ حقًا لطيفة، دينا. لم يكن عليكِ تبرير أي شيء." ثم أضاف، وكأن قلبه خالي من أي ملامح الرحمة: "لو لم تقم سيرين بخداع ظافر، لكان قد تزوجكِ منذ البداية، ولما كنتِ بحاجة للمعاناة في الخارج." رغم الرنين الذي يدوي في أذني سيرين، إلا أنها كانت قادرة على سماع كل كلمة بوضوح وكأنها رُسمت على شفاههم. سيرين تعلم جيداً أنها حتى لو لم تتزوج من ظافر، فهو لم ولن يقدم على الزواج من دينا؛ إنها حقاً لم تكن لتستحق مكانةً كهذه، امرأة مثل دينا لا تستحق أن تكون زوجة نبيل مثل ظافر نصران. دينا، التي لم يكن لها من خلفية وأصل ونسب سوى كونها لا شيء، دينا بذاتها كانت تدرك هذه الحقيقة كما تدركها سيرين؛ لهذا اختارت دينا أن تبتعد عن ظافر، مغادرةً البلاد بحثًا عن حياة أخرى. كيف تحوّلت الأمور إلى كون كل شيءٍ خطأ كانت سيرين هي المتسببة به؟ كيف أصبحت هي الملامة؟ خرجت سيرين مسرعة من النادي وهي تحمل مظلتها. وفجأة، ظهرت بجانبها شخصية رشيقة، تتحرك بخفة كالظل... كانت دينا التي ترتدي ملابس أنيقة، وحذاءً بكعبٍ عالٍ، تعكس ثقة زائفة تتناثر منها. قالت دينا، بلهجة متغطرسة، وكأنها تجيد استعراض انتصاراتها الصغيرة: "إنها ليلة باردة، أليس كذلك؟ كيف تشعرين الآن بعد أن سخِر منكِ ظافر بعدما جئتِ إلى هنا في هذا الوقت المتأخر لتبحثي عنه؟" لم تجب سيرين، لكن دينا لم تكترث لصمتها، بل استمرت في حديثها بلغةٍ مليئة بالازدراء: "أشفق عليكِ كما يفعل الجميع... لا بد وأنكِ لم تعرفي الحب الحقيقي قط، أليس كذلك؟" ثم تابعت، متلذذةً بما تراه انتصارًا: "هل تعلمين أن ظافر كان يطهو لي الطعام بنفسه؟ وعندما كنت مريضة، كان يترك كل شيء من أجل البقاء بجانبي؟" وتنهدت بمرارة، وكأنها تعيد فتح جرح قديم: "هل أخبركِ ظافر من قبل أنه يحبكِ؟ انتظري.. لا أعتقد أنه يشعر بكِ من الأساس.. على العكس معي فهو دوماً ما كان يقول لي الكثير من كلمات العشق والغزل طوال الوقت..." استمعت سيرين بهدوء إلى هذيان دينا، بينما تسللت أفكارها إلى السنوات الثلاث التي مضت منذ زواجها من ظافر. طوال تلك المدة، لم يدخل المطبخ ولو لمرة، كأن تلك المساحة المقدسة لم تكن تخصه، وعندما أصابها المرض، لم تجد فيه عزاءً، ولم تَرَ في عينيه تلك النظرة التي تخبرها أنه يحبها، أو حتى تلك الكلمات التي تمنح القلب الطمأنينة. في هذه الليلة، التي كانت ثقيلة كأنها آلاف السنين، لم تستطع سيرين أن تغفو، فقد اكتشفت للتو أن الرجل الذي منحته قلبها طيلة اثني عشر عامًا كان يعشق امرأة أخرى بكل جوارحه كما يعشق الشاب البكر حُبَّه الأول بكامل نضجه واندفاعه. في تلك اللحظة القاسية، سقطت على قلبها الحقيقة الثقيلة كالصخر: لقد حان وقت الفراق. مرت على سيرين ليلة من الأرق العميق، كانت فيها تحاول ترتيب مشاعرها، ولم تجد لها سلوى لها سوى الحزن والعجز. في صباح اليوم التالي، عاد ظافر إلى المنزل، وكانت نظرة عينيه إليها باردة كما العادة، جبل من جليد خالٍ من أي مشاعر أو اهتمامات. "ما مدى ارتباطك بأموال عائلة نصران تلك الآلة التي تدرُّ عليك المال؟" سألها بنبرة لا تُخفي احتقارًا. انصدمت سيرين، فقد كان السؤال مفاجئًا، لم تفهم ما الذي دفعه لطرح هذا السؤال في هذا الصباح الباكر.. لكنّ رد فعلها جاء عفويًا، كما لو أن غرائزها قد نطقت قبل أن تدرك. قالت، وهي تحاول أن تحافظ على رباطة جأشها: "لم أكن يومًا طامعة في أموالك". لقد أرادت ظافر فقط، بكل ما في الكلمة من معنى... ولكن هل لفاقد الحس أن يشعر. ظافر بابتسامة ساخرة مشوبة بالازدراء، رد قائلاً: "إذاً، لماذا جاءت والدتك إلى مكتبي وتوسلت إلي أن أمنحك طفلاً؟" كانت سيرين متصلبة من وقع صدمتها بأمها التي حطت من كبريائها أمامه، وأخذت تحدق في عيني ظافر بذهول، إذ لم تتوقع أنه لم يكن غاضبًا مما حدث في الليلة الماضية، فعلى ما يبدو أن ظافر لم يرغب في إضاعة وقته معها، فصاح بنبرة حادة، "إذا كنتِ ترغبين في الاستمرار معي وضمان بقاء عائلتكِ على قيد الحياة، فعليكِ أن تخبري والدتكِ بأن تتصرف بشكل لائق!" في نهاية المطاف، لم يكن لسيرين حاجة في البحث عن سارة، فقد جاءت سارة إليها بنفسها، وقد تبدل أسلوب أمها من البرود والجفاء إلى التفهم واللطف، وهذا أمراً لم ينطلِ على سيرين، إذ لم تعهد والدتها على هذا النحو قط، فهي اعتادت معاملتها بقسوة كما جميع من حولها. أمسكت سارة بيدي سيرين برقة وقالت بصوت هادئ، "سيرين، عليكِ أن تطلبي من ظافر أن يمنحكِ طفلًا... ليس بالضرورة أن يكون الأمر بيولوجيًا؛ يمكنه اللجوء إلى الإجراءات العلمية." سرت بسيرين رعشة من الدهشة وهي تحدق في سارة، بينما استمرت الأخيرة في حديثها، "أخبرتني دينا أن ظافر لم يقم بعلاقة معكِ منذ ثلاث سنوات." كانت تلك الكلمات القشة التي قصمت ظهر سيرين، فقد تساءلت في داخلها لماذا أخبر ظافر دينا بذلك... ربما كان يحبها بصدق شديد... مع هذا التفكير، شعرت بالإحباط، فقالت، "اتركي الأمر يا أمي، لا فائدة من ذلك." توقفت سارة وعقدت حاجبيها بتعجب وقالت، "ماذا؟" أجابت سيرين بنبرة متعبة أثر معانتها مع قلب جاحد لا يلين، "أنا متعبة، أريد الحصول على الطلاق." وقبل أن تتمكن من إنهاء عبارتها، صفعتها سارة بقوة على وجهها. اختفت تلك الواجهة الأمومية اللطيفة في لحظة... وأشارت بإصبعها إلى سيرين وقالت بحدة: "ليس لك الحق في طلب الطلاق! ماذا تعتقدين أنك ستفعلين بدون عائلة نصران؟ من سيتزوج مرة أخرى مطلقة معاقة مثلك؟" شعرت سيرين بخدر يجتاح جسدها بسبب ما تفوهت به أمها... كلمات كانت كالسهم المسموم الذي غادر مشد القوس لينغرز بصدرها. لم تكن سارة تحب سيرين أبدًا، حتى عندما كانت طفلة... كانت سارة راقصة مشهورة، وإنجابها لطفلة تعاني من مشاكل في السمع كان أحد أكبر أسباب ندمها... لذلك أرسلت سيرين إلى مربية لتعتني بها، ولم تسمح لها بالعودة إلى المنزل إلا عند التحاقها بالمدرسة. كان الناس يقولون لسيرين إن كل أم تحب طفلها إذا كان مميزاً، لذا بذلت كل ما في وسعها لتتفوق في كل شيء على أمل إسعاد سارة. وعلى الرغم من مشاكل السمع التي تعاني منها، كانت سيرين من أوائل طلاب صفها في دروس الرقص والموسيقى والفن. ومع ذلك فرغم كل الجهود التي بذلتها، لم تعتبرها سارة ابنة جيدة، بل ظلت سيرين من وجهة نظر سارة ابنة غير محبوبة، طفلة غير كاملة، ليس فقط جسديًا، بل أيضًا في الحب والعلاقات الأسرية. بعد أن غادرت سارة، استخدمت سيرين بعض الماكياج لتغطية البصمة الحمراء على وجهها فقد كان كل إصبع من يد سارة تاركاً علامة ظاهرة على وجهها الطفولي البريء، ثم بدأت بحزم حقائبها بهدوء. ابتسمت سيرين بخيبة فحتى بعد مرور ثلاث سنوات على زواجها، كانت جميع أغراضها الشخصية لا تتعدى حقيبة واحدة. بعد أن انتهت من حزم أمتعتها، جمعت شجاعتها وأرسلت رسالة إلى ظافر: "هل أنت متاح الليلة؟ أريد التحدث إليك." لم يرد عليها ظافر... فأظلمت عينا سيرين، فقد كانت تعلم أنه لا يريد الرد على رسائلها، ولكن ما الجديد أنه لا يهتم لأمرها أبداً. كل ما كان بوسعها فعله هو انتظار عودته إلى المنزل في الصباح... لقد ظنت أنه لن يعود إلى المنزل في تلك الليلة، لكنه عاد عند منتصف الليل. لم تكن سيرين نائمة في تلك اللحظة... فتوجهت نحوه بخطوات واثقة، وأخذت معطفه وحقيبته بحركة عفوية تحمل الود والألفة وكأنهما زوجان عاديان. وبصوت بارد كسر ظافر سلام وصفو اللحظة، قائلاً: "لا ترسلي لي رسائل نصية سخيفة مرة أخرى." بينما كانت سيرين تمسك بمعطفه، ارتجفت يدها قليلاً وتمتمت: "لن أفعل ذلك مرة أخرى." لم يلاحظ ظافر أي تردد في نبرتها، فتوجه مباشرة إلى مكتبه كعادته عند عودته إلى المنزل... ربما كان يعتقد أن من يعاني من ضعف السمع يعيش في عالم صامت، أو ربما ببساطة لم يهتم بأمر سيرين. هذا ما يفسر توجهه الفوري لمناقشة استحواذه على مجموعة تهامي في مكتبه، وكأن شيئًا لم يحدث. عندما أحضرت له سيرين بعض الحساء، سمعت صوت ظافر يناقش العمل بحيوية مع موظفيه، يتحدث عن الاستحواذ على شركة تهامي جروب، شركة والدها جمال تهامي... لم تكن تعرف كيف تشعر حيال ذلك... إذ كانت تعلم أن شقيقها تامر تهامي عديم الفائدة في إدارة الأعمال، وفي هذه الحالة فإن الأمر مجرد مسألة وقت قبل سقوط مجموعة تهامي. لكنها لم تتخيل أبدًا أن يكون زوجها هو المتسبب الأول في هذا السقوط. "كفى"، قاطعته. أُصيب ظافر بالصدمة، وبسبب شعوره بالذنب أو ربما بسبب عاطفة أخرى، أغلق الهاتف بسرعة وأغلق الكمبيوتر المحمول متظاهراً بالجهل، فتقدمت سيرين إلى غرفة مكتبه ووضعت الوعاء أمامه. "تناول بعض الحساء، ثم اذهب إلى الفراش قريبًا... صحتك أهم من العمل."، قالتها سيرين بحب حقيقي رغم خنجر خيانته وجفاءه الذي شق به ضلوعها بعدما سمعت مخططه الدنيء. لسبب ما، شعر ظافر بالاسترخاء عندما سمع صوتها الناعم ظناً منه أنها ربما لم تسمع شيئًا. وبصوتٍ مرتبك، أوقف ظافر سيرين قبل أن تتمكن من المغادرة، يسألها مراقباً تعبيرات وجهها بتمعن: "لقد قلتِ أنك تريدين التحدث معي... ما الأمر؟" عندما سمعت سيرين هذا، التفتت إليه وقالت بهدوء: "أردت فقط أن أسألك إذا كنت متفرغًا في الصباح حتى نتمكن من الذهاب وتقديم طلب الطلاق."الفصل 595ما إن قلب آرون الصفحة الأولى من الملف حتى تجمدت ملامحه.قرأ السطر مرة.ثم أعاد قراءته.وفي المرة الثالثة، لم يعد قادرًا على تصديق ما أمامه.كان العرض الذي قدمته له شركة آي إم إنتربرايز واضحًا تمامًا:**سيكون آرون ميلر، المغني الشهير، الوجه الإعلاني لدواء مخصص للرجال الذين يعانون من ضعف الأداء الجنسي.**ولم يكن الأمر مجرد الظهور في إعلان للمنتج.كان عليه أن يؤدي دور رجل يعاني من هذه المشكلة، وأن يتحدث أمام الكاميرا عن معاناته، بل وأن يعترف ضمنيًا بأنه يعاني شخصيًا من الضعف الجنسي، قبل أن يعلن عن فعالية المنتج.اشتعل الغضب في عينيه، وانقبض فكه بقوة.رفع رأسه نحو ماهر وقال:"ألم تقل إنني سأصبح سفيرًا للعلامة التجارية للشركة؟"كان صوته منخفضًا في البداية، لكنه كان يرتجف من شدة الغضب.أخذ جويل العقد من يده، وما إن قرأ تفاصيل الحملة حتى شهق من الصدمة."لحظة... لا بد أن هناك خطأ."رفع جويل رأسه هو الآخر نحو ماهر باستنكار."آرون مغنٍ عالمي! كيف يمكنكم أن تجعلوه يقدم إعلانًا كهذا؟ أنتم لا تبنون صورته، بل تدمرونها!"كان جويل يعلم أن سمعة آرون أصبحت هشة للغاية بعد فضيحة الليلة الماضية،
الفصل 594سئم ظافر إضاعة المزيد من وقته مع أشخاص لا يريدون رؤية الحقيقة، فقال بلهجة حاسمة:"سيرين، هيا بنا."لم تحتج سيرين إلى مزيد من التوضيح. أومأت برأسها وقالت:"حسنًا."ثم أمسكت بيد نوح وغادرت معه، بينما تبعها ظافر بخطوات ثابتة.وبمجرد أن ابتعدوا، ارتسمت على وجه زايدن ابتسامة ساخرة، ثم تمتم لنفسه، غير مدرك أن الكلمات التي ينطق بها الآن ستبدو له لاحقًا كآخر لحظات الغرور قبل سقوطه:"ما هذا التظاهر؟ هل ما زال يظن نفسه الرئيس التنفيذي لمجموعة لين؟ يا له من أمر مثير للسخرية!"لم يكن لديه أدنى فكرة عما ينتظره.لم يكن يعلم أن ظافر لم يغادر غاضبًا فحسب، بل كان يحمل في ذهنه حسابات أخرى تمامًا.وكانت العاصفة التي ستضربهم أقرب مما يتخيلون.---في طريق العودة، ظل الصمت مسيطرًا على السيارة.كانت سيرين تجلس إلى جوار نوح، بينما كان ظافر في الجهة الأخرى. ومنذ مغادرتهم، لم يتحدث كثيرًا.راقبته سيرين للحظات، ثم قالت بصدق:"شكرًا لك على حماية نوح."لم يجبها ظافر فورًا.وبعد لحظات، قال ببرود هادئ:"إنه ابني. ومن الطبيعي أن أحميه. لا داعي لأن تشكريني على أمر كهذا."توقفت سيرين عن الكلام.كان في نبرة ص
الفصل 593ثم انطلق صوت نوح من التسجيل، هادئًا على نحو لافت، خاليًا من الارتباك الذي يتوقعه الجميع من طفل في مثل سنه:"هل تتحدث معي؟ ولماذا عليّ أن أستمع إليك؟"لم تمضِ سوى لحظات حتى دوّى صوت مالك من التسجيل، مشحونًا بالغضب والعدائية:"كيف تجرؤ على التحديق بي، أيها الصبي المتوحش؟!"ثم جاء صوت نوح من جديد، أكثر وقارًا وثباتًا:"بما أنك تريد مواجهتي، فهل تجرؤ على الدخول إلى المتاهة بمفردك يا مالك؟"أجاب مالك دون تردد:"ولماذا لا أجرؤ؟"انتهى التسجيل.لكن الصمت الذي أعقبه كان أثقل من أي كلمة.لم يكن التسجيل طويلًا، لكنه كان كافيًا ليفضح ما حدث في ذلك اليوم بوضوح. لم يكن نوح هو من بدأ الشجار، ولم يكن مالك ضحية هجوم مفاجئ كما حاولت عائلته تصوير الأمر.لقد كان مالك هو من جاء متحديًا.وهو من استفز نوح أولًا.وهو من اختار الدخول إلى المتاهة بنفسه.تجمدت ملامح مارلين، بينما تبادل والداها نظرات مرتبكة. أما مالك، فقد بدا وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.لم يخطر بباله قط أن نوح قد يسجل حديثهما.والأسوأ من ذلك أن مارلين وعائلتها لم يتوقعوا وجود دليل يمكن أن يهدم روايتهم بهذه السهولة.هز مالك رأسه بع
الفصل 592ما إن وقعت عينا مارلين على نوح حتى مالت نحو فيونا وهمست لها بسرعة، وفي نبرتها شيء من التحذير الممزوج بالسخرية:"أمي، هذا هو الطفل. لا تستهيني به لمجرد أنه صغير. إنه ماكر جدًا، وليس بالسهولة التي يبدو عليها."رفعت فيونا عينيها إلى نوح، وتأملته للحظات قبل أن تقول بلهجة باردة تحمل اتهامًا واضحًا:"إذن، أنت الطفل الذي آذى مالك العزيز، أليس كذلك؟"كان مالك يجلس إلى جوارها، وقد بدا عليه الارتياح وهو يشعر بحجم الحماية التي تحيط به. كانت نظراته تتجه إلى نوح بين الحين والآخر، وفي داخله شعور خفي بالاطمئنان.ففي نظره، مهما كان نوح ذكيًا، فإنه لا يزال مجرد طفل صغير. ومن المستحيل أن يستطيع انتزاع مكانته كوريث من بين يديه كما كانت كلمات مارلين التي أخبرته بها في الليلة الماضية لا تزال عالقة في ذهنه؛ سيرين لا تملك أحدًا يقف إلى جانبها، وعائلة نصران وممتلكاتها لا تزال تحت سيطرته.أما سيرين، فلم تهتم بكل تلك النظرات. أمسكت بيد نوح بقوة، تمنحه من ثباتها ما يكفي ليقف في وجه الجميع، ثم رفعت رأسها نحو عدنان وقالت:"ألم أوضح لك ما حدث بالتفصيل قبل بضع ليالٍ يا جدي؟ أم أنك تريدني أن أرويه أمام الج
الفصل 591شعرت سيرين بحرج شديد عندما أدركت أن صوت كوثر ما زال مسموعًا داخل السيارة، فسارعت إلى خفض صوت الهاتف.لكن في اللحظة نفسها، انزلق الهاتف من يدها وسقط تحت المقعد.اتسعت عيناها، وانحنت بسرعة محاولةً الوصول إليه، إلا أن الهاتف كان قد استقر في مكان ضيق يصعب إدخال يدها إليه.وقبل أن تتمكن من إخراجه، وصل تسجيل صوتي جديد من كوثر، وبدأ التشغيل تلقائيًا.«عليكِ أن تخبريني فورًا إذا قررتِ الارتباط به. أريد أن أقابله بنفسي أيضًا! لقد سمعتُ أنه لم يسبق له الارتباط بأحد. شاب بريء مثله أفضل من ظافر بمئة مرة على الأقل...»تجمدت سيرين في مكانها.شعرت بحرارة شديدة تصعد إلى وجهها، وأصبحت محاولاتها لإخراج الهاتف أكثر ارتباكًا. وكلما عجزت عن الوصول إليه، ازداد إحراجها.«تبًا... لماذا علق في هذا المكان بالذات؟!»أما السائق، فلم يكن يعرف ما يحدث في المقعد الخلفي. وحين لمح من المرآة سيرين وهي تنحني وتحاول الوصول إلى شيء أسفل المقعد، أساء فهم الموقف تمامًا.اتسعت عيناه للحظة، ثم أشاح بوجهه بسرعة وكأنه لم ير شيئًا، ورفع الحاجز الفاصل بين المقعدين دون أن يجرؤ على السؤال.وبعد محاولات مضنية، تمكنت سيرين
الفصل 590«هل هذا هو المبلغ الذي يتعين علينا دفعه؟»حدّق آرون في جويل بذهول، فالرقم الذي سمعه للتو يفوق قدرته على الاستيعاب.تنهد جويل بمرارة، ثم قال:«وماذا توقعت؟ لقد كنت تنفق أموالك بسخاء، تارةً في التبرعات وتارةً في الترفيه… والآن وصلنا إلى مرحلة نعجز فيها حتى عن دفع رواتب الموظفين.»صمت آرون لحظات، ثم طلب منه أن يحسب بدقة المبلغ الذي يحتاجون إليه لسداد جميع المستحقات… وبعد مراجعة الحسابات، اتضح أن الحل الوحيد المتاح أمامهما هو بيع المنزل الذي يعيشان فيه حاليًا.لم يتردد آرون طويلًا، وقال ببرود:«إذن بِع المنزل.»رفع جويل رأسه إليه غير مصدق:«هل تتحدث بجدية؟!»لم يكن آرون يرى في الممتلكات سواء كانت منازل أو سيارات شيئًا يستحق التمسك به إذا كان ذلك سيساعده على تجاوز أزمته… بالنسبة إليه، كان المال وسيلة وليس غاية.تجاهله جويل وبدأ على الفور في البحث عن شركات يمكنها التعاون معهم وإنقاذ الوضع المتدهور لكنه سرعان ما اصطدم بجدار من الرفض؛ فقد كانت الفضيحة قد انتشرت في كل مكان، وأصبحت الشركات تنظر إلى آرون باعتباره نجمًا يوشك على السقوط… لم يرغب أحد في المخاطرة بسمعته أو أمواله من أجل شر
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين







