Se connecterالفصل الثاني
نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كان جليًّا للأعمى هو أن ظافر لم يكن تحت تأثير الخمر كما كان يظن الجميع. فجأة، أدركت سيرين أنها قد سقطت في فخ الخداع الذي نصبته لها دينا، وأن كل شيء كان مجرد تمويه لا أكثر. وفي اللحظة التي التقت فيها عيون سيرين بعيني ظافر، لاحظت انقباض حدقتيهما، وكأنما ارتجفت نياط قلبه عند رؤية ما لم يكن يتوقعه. إحساس غريب سيطر على الجميع، شعور بالحرج لا يمكن إخفاؤه، حتى طارق الذي كان أكثرهم إصرارًا على إقناع ظافر بقبول اعتراف دينا في وقتٍ سابق، بدا مشوشًا. وتساءلت سيرين في نفسها: كيف يمكن أن يكون الوضع بهذه الفوضى؟ كيف لم تكتشف خداع دينا في الوقت المناسب؟ ولماذا قررت التوجه إلى هنا؟ فجأة، كسرت دينا الصمت الذي غلف المكان بحديثها، محاولًة تفسير الموقف: "من فضلك، سيرين، لا تسيئي الفهم... طارق كان يمزح فقط... أنا وظافر مجرد أصدقاء" لكن قبل أن تتمكن سيرين من الرد، نهض ظافر بسرعة، واضعًا حدًا للكلمات الزائفة التي كانت تملأ الغرفة... مردفاً بصوت جاف، غير آبهٍ بكل ما قيل: "لا حاجة لشرح الأمر لها". ثم اتجه نحو سيرين مباشرة، وهو يحمل في عينيه نظرة من الاستفهام والريبة... يسألها بنبرة حادة: "ماذا تفعلين هنا؟" أجابته سيرين بصدق، رغم الارتباك الذي يملؤها: "اعتقدت أنك كنت في حالة سكر، فقررت أن أتي لأخذك إلى المنزل". سخر ظافر في تهكم، ثم أضاف وهو يكاد يخفي غضبه: "أنتِ حقًا لم تفهمي شيئًا مما قلته لك، أليس كذلك؟" ثم خفض صوته، وأصبح أكثر هدوءًا، لكن كلماته كانت كالسياط على قلبها: "هل جئتِ هنا لتذكري الجميع بأنني خُدعت للزواج منكِ قبل ثلاث سنوات؟ هل ظننتِ أنهم نسوا ذلك؟" سقطت كلمات ظافر كالصاعقة على رأس سيرين، وكأن قلبها قد توقف عن الخفقان للحظة، إذ بدت مذهولة تمامًا. ألقى ظافر على سيرين نظرة باردة، كان فيها قسوةٌ لا تخطئها العين، قبل أن ينطق بكلماتٍ مثل السم: "توقفي عن البحث عن الاهتمام. أنتِ فقط تزيدين من كراهيتي لكِ." ثم استدار مبتعدًا، تاركًا إياها تقف هناك وحيدة في خضم صدمتها التي تجمعت في قلبها مثل حجرٍ ثقيل. لم يكن هناك من يرمقها بنظرة تعاطف في تلك الغرفة، ولا حتى من الشباب الذين شاهدوا الموقف باستهزاءٍ بارد. حتى طارق، الذي كان يتظاهر ببعض الشفقة، لم يجد حرجًا في أن يقول لدينا بصوتٍ مليء باللامبالاة: "أنتِ حقًا لطيفة، دينا. لم يكن عليكِ تبرير أي شيء." ثم أضاف، وكأن قلبه خالي من أي ملامح الرحمة: "لو لم تقم سيرين بخداع ظافر، لكان قد تزوجكِ منذ البداية، ولما كنتِ بحاجة للمعاناة في الخارج." رغم الرنين الذي يدوي في أذني سيرين، إلا أنها كانت قادرة على سماع كل كلمة بوضوح وكأنها رُسمت على شفاههم. سيرين تعلم جيداً أنها حتى لو لم تتزوج من ظافر، فهو لم ولن يقدم على الزواج من دينا؛ إنها حقاً لم تكن لتستحق مكانةً كهذه، امرأة مثل دينا لا تستحق أن تكون زوجة نبيل مثل ظافر نصران. دينا، التي لم يكن لها من خلفية وأصل ونسب سوى كونها لا شيء، دينا بذاتها كانت تدرك هذه الحقيقة كما تدركها سيرين؛ لهذا اختارت دينا أن تبتعد عن ظافر، مغادرةً البلاد بحثًا عن حياة أخرى. كيف تحوّلت الأمور إلى كون كل شيءٍ خطأ كانت سيرين هي المتسببة به؟ كيف أصبحت هي الملامة؟ خرجت سيرين مسرعة من النادي وهي تحمل مظلتها. وفجأة، ظهرت بجانبها شخصية رشيقة، تتحرك بخفة كالظل... كانت دينا التي ترتدي ملابس أنيقة، وحذاءً بكعبٍ عالٍ، تعكس ثقة زائفة تتناثر منها. قالت دينا، بلهجة متغطرسة، وكأنها تجيد استعراض انتصاراتها الصغيرة: "إنها ليلة باردة، أليس كذلك؟ كيف تشعرين الآن بعد أن سخِر منكِ ظافر بعدما جئتِ إلى هنا في هذا الوقت المتأخر لتبحثي عنه؟" لم تجب سيرين، لكن دينا لم تكترث لصمتها، بل استمرت في حديثها بلغةٍ مليئة بالازدراء: "أشفق عليكِ كما يفعل الجميع... لا بد وأنكِ لم تعرفي الحب الحقيقي قط، أليس كذلك؟" ثم تابعت، متلذذةً بما تراه انتصارًا: "هل تعلمين أن ظافر كان يطهو لي الطعام بنفسه؟ وعندما كنت مريضة، كان يترك كل شيء من أجل البقاء بجانبي؟" وتنهدت بمرارة، وكأنها تعيد فتح جرح قديم: "هل أخبركِ ظافر من قبل أنه يحبكِ؟ انتظري.. لا أعتقد أنه يشعر بكِ من الأساس.. على العكس معي فهو دوماً ما كان يقول لي الكثير من كلمات العشق والغزل طوال الوقت..." استمعت سيرين بهدوء إلى هذيان دينا، بينما تسللت أفكارها إلى السنوات الثلاث التي مضت منذ زواجها من ظافر. طوال تلك المدة، لم يدخل المطبخ ولو لمرة، كأن تلك المساحة المقدسة لم تكن تخصه، وعندما أصابها المرض، لم تجد فيه عزاءً، ولم تَرَ في عينيه تلك النظرة التي تخبرها أنه يحبها، أو حتى تلك الكلمات التي تمنح القلب الطمأنينة. في هذه الليلة، التي كانت ثقيلة كأنها آلاف السنين، لم تستطع سيرين أن تغفو، فقد اكتشفت للتو أن الرجل الذي منحته قلبها طيلة اثني عشر عامًا كان يعشق امرأة أخرى بكل جوارحه كما يعشق الشاب البكر حُبَّه الأول بكامل نضجه واندفاعه. في تلك اللحظة القاسية، سقطت على قلبها الحقيقة الثقيلة كالصخر: لقد حان وقت الفراق. مرت على سيرين ليلة من الأرق العميق، كانت فيها تحاول ترتيب مشاعرها، ولم تجد لها سلوى لها سوى الحزن والعجز. في صباح اليوم التالي، عاد ظافر إلى المنزل، وكانت نظرة عينيه إليها باردة كما العادة، جبل من جليد خالٍ من أي مشاعر أو اهتمامات. "ما مدى ارتباطك بأموال عائلة نصران تلك الآلة التي تدرُّ عليك المال؟" سألها بنبرة لا تُخفي احتقارًا. انصدمت سيرين، فقد كان السؤال مفاجئًا، لم تفهم ما الذي دفعه لطرح هذا السؤال في هذا الصباح الباكر.. لكنّ رد فعلها جاء عفويًا، كما لو أن غرائزها قد نطقت قبل أن تدرك. قالت، وهي تحاول أن تحافظ على رباطة جأشها: "لم أكن يومًا طامعة في أموالك". لقد أرادت ظافر فقط، بكل ما في الكلمة من معنى... ولكن هل لفاقد الحس أن يشعر. ظافر بابتسامة ساخرة مشوبة بالازدراء، رد قائلاً: "إذاً، لماذا جاءت والدتك إلى مكتبي وتوسلت إلي أن أمنحك طفلاً؟" كانت سيرين متصلبة من وقع صدمتها بأمها التي حطت من كبريائها أمامه، وأخذت تحدق في عيني ظافر بذهول، إذ لم تتوقع أنه لم يكن غاضبًا مما حدث في الليلة الماضية، فعلى ما يبدو أن ظافر لم يرغب في إضاعة وقته معها، فصاح بنبرة حادة، "إذا كنتِ ترغبين في الاستمرار معي وضمان بقاء عائلتكِ على قيد الحياة، فعليكِ أن تخبري والدتكِ بأن تتصرف بشكل لائق!" في نهاية المطاف، لم يكن لسيرين حاجة في البحث عن سارة، فقد جاءت سارة إليها بنفسها، وقد تبدل أسلوب أمها من البرود والجفاء إلى التفهم واللطف، وهذا أمراً لم ينطلِ على سيرين، إذ لم تعهد والدتها على هذا النحو قط، فهي اعتادت معاملتها بقسوة كما جميع من حولها. أمسكت سارة بيدي سيرين برقة وقالت بصوت هادئ، "سيرين، عليكِ أن تطلبي من ظافر أن يمنحكِ طفلًا... ليس بالضرورة أن يكون الأمر بيولوجيًا؛ يمكنه اللجوء إلى الإجراءات العلمية." سرت بسيرين رعشة من الدهشة وهي تحدق في سارة، بينما استمرت الأخيرة في حديثها، "أخبرتني دينا أن ظافر لم يقم بعلاقة معكِ منذ ثلاث سنوات." كانت تلك الكلمات القشة التي قصمت ظهر سيرين، فقد تساءلت في داخلها لماذا أخبر ظافر دينا بذلك... ربما كان يحبها بصدق شديد... مع هذا التفكير، شعرت بالإحباط، فقالت، "اتركي الأمر يا أمي، لا فائدة من ذلك." توقفت سارة وعقدت حاجبيها بتعجب وقالت، "ماذا؟" أجابت سيرين بنبرة متعبة أثر معانتها مع قلب جاحد لا يلين، "أنا متعبة، أريد الحصول على الطلاق." وقبل أن تتمكن من إنهاء عبارتها، صفعتها سارة بقوة على وجهها. اختفت تلك الواجهة الأمومية اللطيفة في لحظة... وأشارت بإصبعها إلى سيرين وقالت بحدة: "ليس لك الحق في طلب الطلاق! ماذا تعتقدين أنك ستفعلين بدون عائلة نصران؟ من سيتزوج مرة أخرى مطلقة معاقة مثلك؟" شعرت سيرين بخدر يجتاح جسدها بسبب ما تفوهت به أمها... كلمات كانت كالسهم المسموم الذي غادر مشد القوس لينغرز بصدرها. لم تكن سارة تحب سيرين أبدًا، حتى عندما كانت طفلة... كانت سارة راقصة مشهورة، وإنجابها لطفلة تعاني من مشاكل في السمع كان أحد أكبر أسباب ندمها... لذلك أرسلت سيرين إلى مربية لتعتني بها، ولم تسمح لها بالعودة إلى المنزل إلا عند التحاقها بالمدرسة. كان الناس يقولون لسيرين إن كل أم تحب طفلها إذا كان مميزاً، لذا بذلت كل ما في وسعها لتتفوق في كل شيء على أمل إسعاد سارة. وعلى الرغم من مشاكل السمع التي تعاني منها، كانت سيرين من أوائل طلاب صفها في دروس الرقص والموسيقى والفن. ومع ذلك فرغم كل الجهود التي بذلتها، لم تعتبرها سارة ابنة جيدة، بل ظلت سيرين من وجهة نظر سارة ابنة غير محبوبة، طفلة غير كاملة، ليس فقط جسديًا، بل أيضًا في الحب والعلاقات الأسرية. بعد أن غادرت سارة، استخدمت سيرين بعض الماكياج لتغطية البصمة الحمراء على وجهها فقد كان كل إصبع من يد سارة تاركاً علامة ظاهرة على وجهها الطفولي البريء، ثم بدأت بحزم حقائبها بهدوء. ابتسمت سيرين بخيبة فحتى بعد مرور ثلاث سنوات على زواجها، كانت جميع أغراضها الشخصية لا تتعدى حقيبة واحدة. بعد أن انتهت من حزم أمتعتها، جمعت شجاعتها وأرسلت رسالة إلى ظافر: "هل أنت متاح الليلة؟ أريد التحدث إليك." لم يرد عليها ظافر... فأظلمت عينا سيرين، فقد كانت تعلم أنه لا يريد الرد على رسائلها، ولكن ما الجديد أنه لا يهتم لأمرها أبداً. كل ما كان بوسعها فعله هو انتظار عودته إلى المنزل في الصباح... لقد ظنت أنه لن يعود إلى المنزل في تلك الليلة، لكنه عاد عند منتصف الليل. لم تكن سيرين نائمة في تلك اللحظة... فتوجهت نحوه بخطوات واثقة، وأخذت معطفه وحقيبته بحركة عفوية تحمل الود والألفة وكأنهما زوجان عاديان. وبصوت بارد كسر ظافر سلام وصفو اللحظة، قائلاً: "لا ترسلي لي رسائل نصية سخيفة مرة أخرى." بينما كانت سيرين تمسك بمعطفه، ارتجفت يدها قليلاً وتمتمت: "لن أفعل ذلك مرة أخرى." لم يلاحظ ظافر أي تردد في نبرتها، فتوجه مباشرة إلى مكتبه كعادته عند عودته إلى المنزل... ربما كان يعتقد أن من يعاني من ضعف السمع يعيش في عالم صامت، أو ربما ببساطة لم يهتم بأمر سيرين. هذا ما يفسر توجهه الفوري لمناقشة استحواذه على مجموعة تهامي في مكتبه، وكأن شيئًا لم يحدث. عندما أحضرت له سيرين بعض الحساء، سمعت صوت ظافر يناقش العمل بحيوية مع موظفيه، يتحدث عن الاستحواذ على شركة تهامي جروب، شركة والدها جمال تهامي... لم تكن تعرف كيف تشعر حيال ذلك... إذ كانت تعلم أن شقيقها تامر تهامي عديم الفائدة في إدارة الأعمال، وفي هذه الحالة فإن الأمر مجرد مسألة وقت قبل سقوط مجموعة تهامي. لكنها لم تتخيل أبدًا أن يكون زوجها هو المتسبب الأول في هذا السقوط. "كفى"، قاطعته. أُصيب ظافر بالصدمة، وبسبب شعوره بالذنب أو ربما بسبب عاطفة أخرى، أغلق الهاتف بسرعة وأغلق الكمبيوتر المحمول متظاهراً بالجهل، فتقدمت سيرين إلى غرفة مكتبه ووضعت الوعاء أمامه. "تناول بعض الحساء، ثم اذهب إلى الفراش قريبًا... صحتك أهم من العمل."، قالتها سيرين بحب حقيقي رغم خنجر خيانته وجفاءه الذي شق به ضلوعها بعدما سمعت مخططه الدنيء. لسبب ما، شعر ظافر بالاسترخاء عندما سمع صوتها الناعم ظناً منه أنها ربما لم تسمع شيئًا. وبصوتٍ مرتبك، أوقف ظافر سيرين قبل أن تتمكن من المغادرة، يسألها مراقباً تعبيرات وجهها بتمعن: "لقد قلتِ أنك تريدين التحدث معي... ما الأمر؟" عندما سمعت سيرين هذا، التفتت إليه وقالت بهدوء: "أردت فقط أن أسألك إذا كنت متفرغًا في الصباح حتى نتمكن من الذهاب وتقديم طلب الطلاق."الفصل 743لم تتوقع سارة قط أن تأتي سيرين إلى المستشفى لمجرد أن تمنحها مائة ألف. ففي الماضي، لم يكن هذا المبلغ كافيًا حتى لخوض جولة واحدة من المقامرة، فضلًا عن أنه لا يعادل ثمن إحدى حقائب اليد التي اعتادت سارة اقتناءها.حدقت في البطاقة بين أصابعها، ثم رفعت رأسها نحو سيرين، وقد اشتعل الغضب في عينيها.«هل تسخرين مني؟ ماذا يمكن للمرء أن يفعل بمائة ألف فقط؟!»لم يتغير تعبير سيرين. نظرت إليها بهدوء بارد، وكأنها تستمع إلى شكوى لا تستحق عناء الرد.«لأسرة متوسطة، يمكن أن يغطي هذا المبلغ الدفعة الأولى لشراء منزل. فكيف لا يكفيكِ للإنفاق على نفسكِ شهرًا واحدًا؟» توقفت لحظة، ثم أضافت بحسم: «ليس لديّ أكثر من هذا لأقدمه لكِ.»استدارت لتغادر، لكنها توقفت عند الباب، وألقت كلماتها الأخيرة دون أن تلتفت.«ولا تضيعي طاقتكِ في مقاضاتي. لقد استشرت محاميًا بالفعل. سأدفع لكِ مائة ألف شهريًا، وأؤدي واجبي تجاه والديّ. ارفعي أي دعوى تريدينها، فلن يتغير شيء.»«يا لكِ من حمقاء!»اندفعت الكلمات من فم سارة كالصراخ، وحاولت النهوض من سرير المستشفى لتلحق بسيرين وتصفعها، لكن الألم باغتها، فاختل توازنها وكادت تسقط.أسرعت
الفصل 742التقطت سارة هاتفها، وظلت تحدق في اسم سيرين على الشاشة للحظات قبل أن تضغط زر الاتصال.كانت قد اتخذت قرارها بالفعل، ولم تعد تنوي التراجع عنه. إذا لم تحصل على المال بالطريقة التي تريدها، فستجبر سيرين على دفعه، حتى لو اضطرت إلى جرّها إلى المحكمة.بعد العشاء، كانت سيرين تستعيد في ذهنها ما آلت إليه أحوال سارة، متسائلة عما إذا كانت الأخيرة قد بدأت تدرك حجم التغيير الذي طرأ على حياتها، حين رن هاتفها فجأة.ألقت نظرة على الشاشة، وما إن قرأت اسم المتصلة حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة يصعب تفسيرها.سارة.يا للمفاجأة!أجابت بهدوء، ورفعت الهاتف إلى أذنها.«ما الأمر؟»جاءها صوت سارة متوترًا، لكنه لم يخلُ من نبرة الأمر التي اعتادت استخدامها معها، وكأن شيئًا لم يتغير بينهما.«أرسلي إليّ بعض المال. لم أعد قادرة على تحمّل تكاليف علاجي.»توقفت لحظة قصيرة، ثم أضافت بلهجة تهديد مبطّن:«أنتِ ابنتي، وفي النهاية لن ترغبي في أن أقاضيكِ، أليس كذلك؟»كانت قد أعدّت نفسها لكل الاحتمالات. فإذا رفضت سيرين مساعدتها، فلن تتردد في مقاضاتها.أليست سيرين مولعة برفع الدعاوى القضائية؟حسنًا، فلتجرّب إذن شعور
الفصل 741ما إن سمعت المرأة كلمات سارة المتعالية حتى فهمت أخيرًا سبب سخرية مقدمة الرعاية منها قبل قليل. لم تكن المشكلة في سوء حظ سارة أو الظروف التي وجدت نفسها فيها، بل في الطريقة التي تعامل بها كل من حولها، وكأنهم خُلقوا لخدمتها وتحمل إهاناتها.قطبت المرأة حاجبيها، ثم قالت بنبرة هادئة، لكنها حازمة:«سيدتي، عليكِ أن تنتبهي إلى كلامكِ. ليس من حقكِ إهانة الآخرين لمجرد أنكِ ترين نفسكِ أفضل منهم.»لم تكلّف سارة نفسها عناء الرد. اكتفت بإطلاق ضحكة ساخرة، ثم أشاحت بوجهها عنها بلامبالاة، وكأن الكلمات لم تصل إلى مسامعها أصلًا.في نظرها، لم يكن الأشخاص الذين تعتبرهم أدنى منها مكانةً يستحقون حتى أن تدخل معهم في نقاش. وما دامت لا ترى فيهم ندًّا لها، فلماذا تهدر وقتها في الاستماع إلى آرائهم؟راقبتها المرأة للحظات، ثم تنهدت بملل، وأعادت انتباهها إلى هاتفها. لقد أدركت أن محاولة إقناع امرأة مثل سارة لن تؤدي إلا إلى إضاعة وقتها، فآثرت الصمت على جدال لا طائل منه.حلّ وقت الغداء، وعادت مقدمة الرعاية إلى الغرفة حاملةً الطعام.لم تكن لتواصل خدمة امرأة بهذه الطباع لولا الظروف المالية الصعبة التي تمر بها أس
الفصل 740«سيرين، لقد جمّدت المحكمة بالفعل جميع أصول سارة، لكن وفقًا للتقارير التي وصلتنا، لم يتبقَّ في حسابها سوى أقل من عشرة ملايين.»بعد الإفطار، تلقت سيرين اتصالًا هاتفيًا من ماثيو، الذي بادر بإطلاعها على آخر المستجدات.في الواقع، لم يكن الخبر مفاجئًا لها؛ فقد عرفته منذ فترة، بفضل الأشخاص الذين جنّدتهم سرًّا للتجسس على سارة ومراقبة تحركاتها. كانت تعلم أن الأخيرة قد حوّلت أموالها إلى زوي، تاركةً وراءها حسابًا شبه فارغ.لكن ما أثار دهشة ماثيو حقًا كان أمرًا آخر.«المفاجأة الحقيقية أن الحسابات التابعة لعائلة يانديل لا تحتوي هي الأخرى على الكثير من السيولة. ما تبقّى فيها لا يتجاوز مئتي مليون تقريبًا.»عقدت سيرين حاجبيها قليلًا.لم يكن من السهل استيعاب أن مجموعة يانديل، بكل ما تملكه من نفوذ وحجم اقتصادي ضخم، تعاني من هذا النقص الحاد في الأموال السائلة.سألته بنبرة هادئة، وإن لم تخلُ من الحذر:«هل نقلوا أموالهم مسبقًا؟»«لا أعتقد ذلك. لقد وضعنا موظفين لمراقبة الوضع طوال هذه الفترة، ولدينا أيضًا مصادرنا الخاصة داخل مجموعة يانديل. لو حدث شيء كهذا، لكان من المفترض أن نعرف.»ساد صمت قصير، ف
الفصل 739عقد ظافر حاجبيه بدهشة، ثم سأل نوح:«ألم ألتقِ بمعلمتك من قبل؟»تبدلت ملامح الصبي، وارتسم الاستياء بوضوح على وجهه الصغير.«لا! في ذلك الوقت، كنت أنت وأمي مشغولين بالعمل طوال الوقت. كان السيد رامي هو من يأخذني إلى المدرسة دائمًا.»السيد رامي؟توقف الاسم في ذهن ظافر، وأثار داخله تساؤلات لم يجد لها إجابة فورية. صحيح أن ماهر أخبره بالكثير عن السنوات التي فقد ذكرياتها، لكن استعادة الماضي لم تكن بهذه البساطة. فحتى لو سمع الحكاية كاملة، ستظل هناك فجوات لا يمكن للكلمات وحدها أن تملأها، وأشخاص لم يستطع عقله بعد أن يضعهم في أماكنهم الصحيحة.وكان رامي أحد هؤلاء.انخفض صوته، واكتسبت نبرته صرامة مفاجئة:«ولماذا يتولى السيد رامي توصيلك إلى المدرسة؟»لم يُبدِ نوح أي خوف من نبرة والده، بل أجاب بعفوية، وكأنه يتحدث عن أمر لا يستحق كل هذا الاهتمام:«لأن السيد رامي رائع! أمي تقول إنه الوحيد القادر على حمايتي. وهو محبوب جدًا بين أصدقائي ومعلماتي أيضًا.»ثم توقف قليلًا، قبل أن يضيف بنبرة متعمدة البراءة:«لذلك، لا تغضب إذا بدا عليهم الانزعاج قليلًا عندما يعرفون أنك أنت من سيأخذني إلى المدرسة اليوم،
الفصل 738أين يمكن أن يكون ظافر قد ذهب، وهو الذي لا يستطيع الرؤية؟تسلل القلق إلى صدر سيرين، لكنها لم تسمح له بالسيطرة عليها. أصدرت أوامرها لجميع موظفي القصر بالبحث عنه في كل مكان، مع التركيز على المناطق المحيطة بالبحيرة والحدائق.مرت دقائق ثقيلة قبل أن يرن هاتفها أخيرًا.«سيدتي، وجدنا السيد نصران. إنه عند التل الاصطناعي بالقرب من البحيرة.»«حسنًا، أنا قادمة.»أنهت سيرين المكالمة، ثم أسرعت نحو البحيرة، وقلبها يخفق باضطراب. وحين وصلت، وجدته واقفًا بالفعل تحت الشجرة الكبيرة، بالقرب من الماء، مستندًا إلى هدوء المكان وكأنه لم يغادر القصر إلا ليختلي بأفكاره.توقفت للحظة، تراقب هيئته من بعيد. لم يكن في وقفته ما يوحي بأنه يعاني مشكلة، لكن ذلك لم يكن كافيًا لطمأنتها. فمنذ أن فقد أجزاءً من ذاكرته، لم تعد تعرف متى يكون ظافر الذي اعتادت عليه، ومتى تستيقظ في ذهنه ذكريات مشوشة تقلب كل شيء رأسًا على عقب.تنفست بارتياح، ثم تقدمت بحذر ونادته:«ظافر!»التفت نحو مصدر صوتها، وبقيت هي على مسافة محسوبة منه. لم تكن تريد أن تفاجئه، ولا أن تكتشف بطريقة مؤلمة أنه نسيها مرة أخرى.سألها بهدوء: «ما الأمر؟»ترددت
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با







