Partager

٣

last update Date de publication: 2026-03-29 05:16:01

الفصل الثالث

كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر.

انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟"

على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق.

كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة شغفها به أصبحتا تشعان بريقًا وصفاءً وكأنها ترغب حقاً بالانفصال عنه؟!

"أنا آسفة لأنني كنت عبئًا عليك خلال السنوات القليلة الماضية سيد نصران. حان الوقت لننفصل".

زم ظافر شفتيه فبدت كخطٍ مشدود وانقض لتستميت قبضته على ذراعها يعتصره يديه دون وعي:

"لقد سمعتِ ما قلتُه قبل قليل عبر الهاتف، أليس كذلك؟ ألهذا تتفوهين بالحماقات؟! اسمعيني جيداً مجموعة أبيكِ على وشك الإفلاس، ولا يهم من سيشتريها سواء كنت أنا أو أي شخص آخر، انظري بعينيَّ واخبريني ما الذي تحاولين تحقيقه بإثارة قضية الطلاق الآن؟ هل تسعين للحصول على المال؟ أم أنك تريدين الطفل؟ أم تريدين أن أترك مجموعة تهامي؟"

سألها ببرود، مضيفًا بنبرة حادة وأعين زائغة:

"لا تنسي أنني لا أحبك. تهديداتك لن تجدي نفعًا معي!"

في تلك اللحظة، بدا ظافر وكأنه شخص غريب عليها، ابتلعت لتزيل كتلة مريرة قد تشكلت بحلقها، وبدأت أذناها تنبضان بقوة وبالرغم من أنها كانت ترتدي سماعات الأذن ولكنها بالكاد استطاعت سماع كلماته المتناثرة، لم تسعفها الكلمات لتتمكن من التعبير عن مدى الخذلان الذي تسلل إلى قلبها عقب معاملته القاسية لها، ولم تتمكن من الرد سوى على سؤاله الأخير، فأردت تقول بإيجاز:

"لا أريد شيئاً."

وخوفًا من أن يلاحظ شيئًا خاطئًا بها، غادرت سيرين المكتب بسرعة وقلبها يعصف بنوب قهر لم تشعر بها من قبل، وعندما شاهدها ظافر وهي تبتعد تاركةً إياه خلفها دون أن تلتفت، أخس بإحباط غريب لم يعهده من قبل...

أخذ ظافر يدور حول نفسه متخصراً يزفر أنفاسه بتتابع كتنين ثائر غير قادر على كبت مشاعره، فانفجر غاضبًا، ليركل الطاولة بقدمه فانقلبت رأسًا على عقب، لينسكب وعاء الحساء الذي أحضرته سيرين على الأرض.

عادت سيرين إلى غرفتها، وأجبرت نفسها على ابتلاع حفنة من الحبوب، ثم مدت يدها لتلمس أذنها، وعندما سحبت أصابعها، رأت دمًا قرمزيًا عليها كأثر جانبي للدواء الذي تناولته تواً.

ومن ثم انسحبت تندس بسريرها متكومة على حالها متخذةً وضع الجنين تكتم شهقاتها بكلا راحتيها وهي تنعي قلباً مكلوماً عشق جاحداً لا يلين.

تعافى سمعها قليلاً بحلول الفجر، رمشت بأهدابها الكثيفة التي تزين عينين خضراوين زاهيتين مكحلتين بسواد رباني يخر له الناسك ساجداً ما عدا من ملك قلبها فهو لا يرى بها وجمالاً أو هكذا ظنت.

حدقت في أشعة الشمس الناعمة المتدفقة من النافذة بلا تعبير... تتمتم لنفسها بهدوء:

"لقد توقف المطر"

في ذلك اليوم، لم يغادر ظافر القصر... بل ظل جالساً في غرفة المعيشة على الأريكة ينتظر اعتذار سيرين وتعبيرها عن أسفها... لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تفقد فيها سيرين أعصابها معه... ومع ذلك بعد كل نوبة غضب، كانت تعتذر له بعد فترة وجيزة... فأعتقد ظافر أن الأمر سيكون نفسه هذه المرة.

بعد قليل، رأى سيرين تخرج من غرفتها وقد انتعشت تمامًا وكأن شيء لم يكن... كانت ترتدي ملابسها الداكنة المعتادة وتحمل حقيبة سفر بيدها، بينما تمسك بيدها الأخرى ورقة.

أعطته الورقة التي كانت عبارة عن اتفاقية طلاق تتنازل بها عن كافة حقوقها الشرعية بما في ذلك مؤخر صداقها المبالغ به، تقول ببرود مصطنع:

"اعلمني عندما يكون لديك الوقت، ظافر."

غادرت القصر تسحب حقيبتها خلفها... كان الجو في الخارج مشرقًا ومشمسًا بعد ليلة مطيرة غائمة، وكأن الطبيعة نفسها تبارك انطلاقتها نحو الحرية.

في هذه الأثناء، كان ظافر جالسًا كالصنم على الأريكة، يمسك باتفاقية الطلاق في يده... وشعور بارد تسلل إلى أوردته لبُعدها ولا يجد له تفسيراً.

ظلت صدمة رغبتها بالانفصال عنه تعصف بكيانه، وكأنها رياح عاتية تجرف ما تبقى من استقراره الداخلي.... مضى وقت طويل قبل أن يتمكن من استيعاب ما حدث، ليعود إلى وعيه المثقل بالألم والندم.

كان اليوم يوم السبت، وفي مثل هذا الوقت من العام، كان ظافر يأخذ سيرين إلى مسقط رأسه لتقديم واجب العزاء للأسلاف. كانت تلك الزيارة السنوية دائمًا تفرض عليهما مواجهة نظرات العائلة المتطفلة، وتحمل الأحاديث الجانبية والنقد المبطن. ولكن اليوم، كان وحده، يغمره شعور غريب لم يستوعبه بعد.

في قصر نصران، استقبلت شادية وبقية أفراد العائلة ظافر بدهشة إذ لم يتوقعوا رؤيته وحيدًا... في السابق، كانت سيرين دائمًا الحاضرة الأولى... والأخيرة التي تغادر، تسعى جاهدة لإرضاء الجميع... ولكن اليوم، غابت، وتركت خلفها فراغًا ملموسًا.

اقتربت شادية من ظافر، وعبست، تسأله بقلق:

"ظافر!! أين سيرين؟"

نظر إليها ظافر بتعبير وجه بارد جاهد في استحضاره، وقال بصوت خافت:

"أرادت الطلاق... وتركتني."

ساد الصمت المكان، وصُدمت العائلة من وقع كلماته... كانت شادية تعلم أن حب سيرين لظافر يتجاوز كل شيء، ولم ينافسها في حبه سوى والديه ولكنها تفوقت عليهما بمراحل إنها تتنفسه.

قبل سبع سنوات، قامت سيرين بحماية ظافر بجسدها عندما حاول أحدهم طعنه فوقفت أمام مهاجمه كالسد المنيع تتلقى عنه ضربة مميتة نقلت على إثرها إلى إحدى غرف العناية المركزة بعدما خضعت إلى جراحة خطرة استمرت لست ساعات متواصلة حتى أنقذتها العناية الإلهية أو ربما كان ذلك تكليل من المولى لإخلاصها في حبه.

ومنذ أربع سنوات، بعد خطوبتهما بقليل، تعرض ظافر لحادث خلال رحلة عمل في دبي، وكان الجميع يعتقد أنه مات، لكن سيرين رفضت التصديق، وتركت كل شيء وذهبت تبحث عنه في المدينة بأكملها.

بعد زواجهما، اعتنت سيرين بكل تفاصيل حياته، تعاملت بأدب مع كل من حوله، حتى سكرتيراته، خوفًا من أن تتسبب في إحراجهم. كان واضحًا أن سيرين لا تستطيع العيش بدون ظافر. إذن، لماذا اقترحت الطلاق؟

لم يكن لدى شادية أي فكرة، لكنها كانت سعيدة لأن سيرين قررت أخيرًا السماح لظافر بالطلاق بل سعت بنفسها لذلك وحررته من قيود إجراءاته المكلفة من وجهة نظر امرأة مادية كشادية وهذا على الرغم من الثراء الفاحش لعائلة نصران، فهللت بفرحة:

"إنها لا تستحق أن تكون زوجتك على أية حال. من الجيد أنك ستطلقها. إنها لا تستحقك"، قالتها، وتدخل الآخرون على الفور.

"نعم، أنت شاب ووسيم، ظافر... أنت في أفضل سنوات عمرك الآن... كانت سيرين تجرك إلى الأسفل طوال هذا الوقت!"

وفجأة تحول التجمع إلى مهرجان للتشهير، وتحدثوا عن سيرين كما لو كانت مجرمة لا تُغفر ذنوبها.

كان ينبغي أن يشعر ظافر بالسعادة لأنهم كانوا يدافعون عنه، ولكن لسبب ما، وجد كلماتهم حادة ووقحة للغاية.

غادر ظافر قصر نصران في وقت أبكر من المعتاد واتجه عائداً إلى قصره.

السماء بدأت للتو في إسدال ستائر غيومه عندما وصل إلى المنزل... فتح الباب ودخل القصر... وعندما لم ير شيئًا سوى الظلام، تذكر فجأة أن سيرين قد غادرت... غير ملابسه إلى ثوب منزلي مريح وألقى معطفه في الغسالة.. ولسبب ما شعر بإرهاق غير عادي اليوم.

ذهب إلى قبو النبيذ ليحصل على زجاجة حتى يتمكن من الاحتفال الزائف برحيل سيرين ... ولكن عندما وصل إلى قبو النبيذ ورأى الباب مغلقا، أدرك بعد فوات الأوان أنه لا يملك المفتاح.

لم يكن ظافر يحب الغرباء في منزله، لذا لم تكن هناك خادمات أو مساعدات في قصره... ومنذ أن تزوج سيرين ، كانت هي من تعتني بشؤون المنزل.

لم يكن بوسعه سوى العودة إلى غرفته... والتقط هاتفه ليتصفح رسائله فقط ليجد نصوصًا متعلقة بالعمل... ألقاه بنزق عندما لم يجد اتصالاً من سيرين، كما أنها لم ترسل له رسالة نصية للاعتذار على الإطلاق.

تأفف بضيق وتوجه إلى المطبخ وعندما فتح باب الثلاجة أصيب بالذهول، إنها امرأة كاملة لقد تركت له بالإضافة إلى الطعام الكثير من المكملات الغذائية.

وفجأة تحولت معالم وجهه من الحنين إلى السخرية وذلك عندماعالتقط أحد الأكياس وقرأ التعليمات الموجودة عليها:

"يجب عليا تناوله مرتين يوميًا لعلاج العقم".

العقم؟!

استنشق رائحة المكمل الغذائي، وكانت رائحته مقززة... لقد تذكر للتو كيف كانت سيرين ذات رائحة غريبة، لذا كان هذا هو السبب... سخر منها بصمت. لم يسبق لهما ممارسة علاقة زوجية من قبل، لذا مهما تناولت من أدوية، فلن تحمل أبدًا... إنها حتماً مجنونة... هذا ما تفوه به ظافر وهو يهز رأسه بيأس من تصرفاتها الخراء.

في فندق مظلم وصغير، فتحت سيرين عينيها بصعوبة... رأسها ينبض بقوة، كان العالم من حولها صامتًا. أدركت حينها أن حالتها ساءت مرة أخرى.

قبل ذلك، كانت لا تزال قادرة على سماع بعض الأصوات، حتى من دون أجهزة السمع الخاصة بها.

دفعت نفسها إلى أعلى وتحسست الطاولة بجوار السرير حتى وجدت الدواء الذي تحتاجه... وضعت الحبوب في فمها، وتذوقت مرارته أو ربما مرارة قلبٍ مكسور.

في اليوم السابق، غادرت قصره، الذي كان منزلها طيلة السنوات الثلاث الماضية. في البداية، ذهبت إلى منزل والديها، منزل تهامي.

عند الباب وقبل أن ترفع قبضتها الرقيقة لتطرقه، استمعت إلى والدتها سارة وأخوها تامر يناقشان كيف سيقومان بتزويجها لرجل يبلغ من العمر 78 عامًا إذا طردها آل نصران، في هذه الأثناء فقدت سيرين صوابها عندما سمعت ذلك... وحينها أدركت أخيرًا أنها لم تعد تمتلك مكانًا لتسميه موطنًا.

نهضت بضعف وعلى الرغم من أنها لم تأكل أي شيء لمدة يومين، إلا أنها لم تشعر بالجوع... كان المكان هادئًا جدًا، وصمته المطبق بعث الخوف بقلبها المنقبض... لقد زاد هطول الأمطار في المدينة هذا العام بشكل متكرر أكثر مما كانت عليه في السنوات السابقة من هدر نابضها.

حدقت سيرين بالمشاة عبر نافذة الغرفة الذين كان معظمهم يتنزهون أزواج أو في مجموعات... ابتسمت بحزن فهي الوحيدة المنبوذة التي ظلت تعيش حياتها داخل قوقعة بمفردها.

ارتدت ملابسها وغادرت الفندق قاصدة محطة القطار لتشتري تذكرة حافلة لتغادر المدينة وقررت الذهاب إلى منزل مربيتها في الريف.... كانت مربيتها فاطمة تعتني بها عندما كانت طفلة.

كانت الساعة التاسعة مساءً عندما وصلت سيرين... وحالما رأتها فاطمة بدت مندهشة بشكل سار.

انهمرت دموع سيرين عندما رأت ابتسامة فاطمة الدافئة. مدت يدها إليها وعانقتها... تقول بنشيج: "أمي".

بسبب مشاكل صحية، لم تتزوج فاطمة قط ولم تنجب أطفالاً... لذا كانت فاطمة أقرب إلى سيرين من والدتها.

في تلك الليلة، احتضنت سيرين مربيتها.. تمامًا كما كانت تفعل وهي طفلة صغيرة بائسة تبحث عن الحنان والعطف... لفت فاطمة ذراعيها حول سيرين، لتدرك أن الأخيرة كانت نحيفة للغاية وذلك عندما ضغطت بيدها على ظهر سيرين التي ترتجف بشكل لا يمكن السيطرة عليه.

أجبرت فاطمة نفسها على الهدوء تحاول تجاهل الحالة التي عليها صغيرتها، وسألت بحذر،

"هل كان ظافر يعاملك جيدًا، سيرين ؟"

شعرت سيرين بألم حاد في حلقها عندما سمعت اسم ظافر... وأرادت أن تكذب على فاطمة وتخبرها أن ظافر كان يعاملها بشكل جيد، لكنها كانت تعلم أن فاطمة ليست غبية.

وبما أنها قد قررت بالفعل تركه، لم تعد هناك حاجة للكذب على نفسها أو على الأشخاص الذين يحبونها.

"لقد انتهت أيامه وعاد الشخص الذي يحبه... لقد قررت أن أتركه وطلبت الطلاق."

أصيبت فاطمة بالذهول، ولم تستطع أن تصدق ما سمعته... فقد أخبرتها سيرين عدة مرات من قبل أنها تريد أن تقضي بقية حياتها مع ظافر.

ولأن فاطمة لم تكن تعرف ماذا تقول لتعزية سيرين، أردفت قائلة لها:

" إن هناك الكثير من الأسماك الأخرى في البحر، ولا بد أن يكون هناك سمكة واحدة ستحبك كما أنت سيرين لا تبتأسي صغيرتي إنه أحمق لا يعرف قيمتك.

أومأت سيرين برأسها بصمت... إذ كان الطنين في أذنيها يحجب صوت فاطمة المريح... في تلك الليلة، تمكنت سيرين من الحصول على قسط من النوم الجيد، وهو أمر نادر الحدوث.

ولكن عندما استيقظت، استقبلها مشهد مخيف للدماء تلطخ المكان الذي كان رأسها مستلقياً عليه بما فيه السرير والوسادة.

لمست سيرين أذنها اليمنى، وشعرت بأصابعها لزجة... وأخذت تنظر إلى يدها الملطخة بالدماء.... و

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application
Commentaires (1)
goodnovel comment avatar
Rosal Hadi
ًًًًًًًًًًًًًً ًًً ًًًًًًًَ ً ًًًًًًًًًًًًًً ًًًًً ً ًً ًًًًً ًً ًًًً
VOIR TOUS LES COMMENTAIRES

Dernier chapitre

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    766

    الفصل 766كانت سيرين تتناول بعض الفاكهة، بينما تشارك نوح قراءة كتاب، حين التقطت أذنها صوت جيسيكا وهي تذكر اسمها. انعقد حاجباها في استغراب. متى اشتكت لظافر منها؟ لقد مضت سنوات على تلك الحادثة، ولم تنقل إليه يومًا كلمة واحدة مما قالته جيسيكا لها على انفراد. كانت تعرف جيدًا أنه لن يدافع عنها، بل سيعتبر الأمر مجرد إزعاج لا يستحق الالتفات إليه.«ماذا قلتِ؟» سألت سيرين بهدوء متظاهرة بالحيرة.ارتبكت جيسيكا في وجود ظافر، ولم تجرؤ على تكرار الكلمات التي تفوهت بها قبل قليل.تثاءبت سيرين بفتور، ثم قالت: «أنتِ غريبة الأطوار حقًا. لا تتذكرين حتى ما قلتِه في الماضي، ثم تسألينني إن كنت قد أخبرت ظافر بذلك؟ كان بإمكانك على الأقل أن تذكّريني بما قلتِه أولًا. كيف لي أن أعرف إن كنت قد أخبرتُه بشيء من الأساس؟»انقطع كلام جيسيكا، وانغرست أظافرها في راحتيها حتى كادت تؤلمها. لكنها سرعان ما استعادت نبرة التوسل.«سيرين، أرجوكِ، اسمحي لي بالبقاء. أعدكِ بأن أعتني بكِ وبظافر جيدًا، وكذلك بنوح. سأهتم به كما ينبغي، بل سأكون أفضل من مدبرات المنزل جميعًا».لم يسبق لسيرين أن صادفت شخصًا يتلهف إلى العمل مدبرةً للمنزل ب

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٧٦٥

    الفصل 765احمرّ وجه جيسيكا، لكن لم يكن الخجل وحده ما أشعل وجنتيها؛ فقد اختلط به غضب مكتوم وحقد حقيقي تجاه الصغير الذي نجح في إحراجها أمام الجميع.قالت وهي تحاول التماسك:"نوح، كفّ عن اختلاق الأعذار. لقد استحممت بالفعل، وأصبحت نظيفة الآن."لكن نوح لم يبدُ مقتنعًا بكلامها، بل رفع رأسه وأوضح بجدية شديدة أتقنها:"قال زاك إنه بعد لمس البراز، قد تظل بعض آثاره عالقة بيديكِ. لذلك تحتاجين إلى تعقيمهما بدرجة حرارة مرتفعة."رمشت جيسيكا بدهشة، ثم سألته:"وكيف يمكنني فعل ذلك؟"هزّ نوح كتفيه كمن يفكر بجدية في الأمر، قبل أن يجيب:"لست متأكدًا تمامًا... ربما عليكِ تجربة غمس يديكِ في الزيت المغلي."تجمدت جيسيكا في مكانها، وحدقت فيه بذهول، عاجزة عن استيعاب ما إذا كان يسخر منها حقًا أم يتحدث بجدية.أما سيرين، التي لطالما رأت جيسيكا امرأة وقحة لا تعرف الحرج، فقد فوجئت برؤية وجنتيها تحمران للمرة الأولى. كان المشهد مثيرًا للدهشة إلى حد أنها التفتت نحو ابنها وسألته بفضول:"نوح، ما الذي حدث؟"لم يتردد الصغير في شرح ما جرى باختصار، وأخبرها كيف اضطرت جيسيكا إلى تنظيف المرحاض في وقت سابق.فهمت سيرين الأمر على ا

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٧٦٤

    الفصل 764قبل نحو سبع سنوات، وفي الفترة نفسها التي تزوجت فيها سيرين من ظافر حديثاً، أحضرت شادية جيسيكا إلى فيلا ظافر. يومها، بدت الفتاة شابة مشرقة، ودودة، لا تفارق الابتسامة وجهها، حتى إنها أوحت لمن يراها بأنها بريئة لا تعرف المكر.لكن ما إن ابتعدت شادية عنهما وتركت المكان، حتى اقتربت جيسيكا من سيرين، التي كانت لا تزال في بداية تأقلمها مع حياتها الزوجية الجديدة، وفتحت معها حديثًا بدا عفويًا في ظاهره، لكنه ترك في نفسها جرحًا لم يندمل حتى الآن.كانت سيرين تتذكر كلماتها بوضوح مؤلم، وكأنها تسمعها من جديد.كانتا وحدهما حينها، فمالت جيسيكا نحوها وقالت بنبرة بدت بريئة، كمن تخبرها بحقيقة عابرة لا أكثر:"سيرين، أنتِ لستِ بجمال المرأة التي كان ظافر يواعدها. لقد كان يعشق حبيبته السابقة ويدللها كثيرًا. من المؤسف أنها تنتمي إلى عائلة أقل حظًا من عائلتك، وإلا لكانت هي من تزوجت ظافر. حتى إنهما التقطا صورة معًا باعتبارهما حبيبين..."ألقت جيسيكا كلماتها ببراءة طفولية مصطنعة، دون أن يبدو عليها أنها تدرك قسوتها.أما سيرين، التي كانت تحب ظافر آنذاك حبًا لم تكن تعرف كيف تفصح عنه، فقد تجمدت في مكانها. لم ت

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    763

    الفصل 763في تلك الأثناء، كانت سيرين في طريقها إلى فيلا سي باي، وقد استبد بها القلق. لم يكن يشغل تفكيرها سوى احتمال واحد: أن ينتزع ظافر نوح منها، ويمنعها من اصطحابه إلى المنزل.ولم يكن نوح أقل قلقًا منها.وقف إلى جوار والده، يرمقه بين الحين والآخر، بينما راحت الأفكار تتزاحم في رأسه. يا له من أب وغد! أنا أقف هنا أمامه، ومع ذلك يفكر في فعل ذلك!رفع رأسه وسأله بجدية أثارت الاستغراب:"أبي، هل تخطط للنوم مع العمة جيسيكا بعد أن تستحم؟"تصلبت ملامح ظافر في الحال، وانعقد حاجباه بامتعاض واضح. تجاهل السؤال للحظة، ثم سأله بنبرة صارمة:"من علّمك كل هذه الأمور؟"كيف لطفل في مثل عمره أن يعرف مثل هذه الأشياء؟في الحقيقة، لم يكن مفهوم «النوم معًا» لدى نوح يتجاوز ما شاهده في التلفاز؛ فكل ما يعرفه أن الشاشة تتحول إلى اللون الأسود في تلك اللحظات، ولم تكن لديه أدنى فكرة عما يحدث بعد ذلك.أجاب نوح بثقة:"لست بحاجة إلى أحد ليعلّمني. زكريا قال إننا في هذا العمر يجب أن نفهم كل شيء."ازداد وجه ظافر عبوسًا، واشتدت قبضته قليلًا. كيف استطاعت سيرين أن تسمح للأطفال بتداول مثل هذه الأحاديث؟كان قد علم من ماهر أن زك

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٧٦٢

    الفصل 762في فيلا سي باي، وبعد معركة طويلة مع الفوضى التي خلّفها نوح وراءه، تمكنت جيسيكا أخيرًا من إنهاء التنظيف. وما إن خرجت من الحمام حتى راحت ترش جسدها بكمية كبيرة من العطر، محاولةً التخلص من الرائحة الكريهة التي علقت بها.لكن، ولسبب لم تفهمه، اجتاحتها قشعريرة مفاجئة فسرت في جسدها من رأسها حتى أخمص قدميها.مجرد التفكير في أنها قد تصبح يومًا زوجة أب لذلك الطفل المشاغب كان كفيلًا بإشعال الغضب في صدرها. وفي أعماقها، أقسمت أنها ستجد طريقة لترويض نوح وتلقينه درسًا قاسيًا على الإهانة التي ألحقها بها اليوم.لكنها لم تكن غبية إلى حد السماح لغضبها بإفساد خطتها الأساسية. فالأهم الآن هو أن تجد وسيلة للبقاء إلى جانب ظافر مهما كلفها الأمر.توجهت إليه بابتسامة مهذبة، وقالت بنبرة لطيفة:«ظافر، لقد انتهيت من التنظيف. لم تتناول الطعام بعد، أليس كذلك؟ سأذهب لإعداد شيء لذيذ لك.»كانت قد أمضت وقتًا طويلًا في تنظيف الحمام، ولم تتح لها الفرصة بعد لاستعراض المهارة التي اجتهدت في صقلها خصيصًا من أجله. فقد تعلمت الطهي بعناية، على أمل أن تتمكن يومًا من كسب قلبه من خلال الأطباق التي تعدها بيديها.لكن قبل أن

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    761

    الفصل 761كانت دورة المياه أشبه بساحة كارثة؛ فوضى عارمة في كل زاوية، وبقع صفراء ذات رائحة كريهة تلطخ المكان، حتى إن مجرد النظر إليها كان كافيًا لإثارة الغثيان.وضعت جيسيكا يدها على فمها، وكادت تتقيأ من شدة الاشمئزاز. لم تتخيل يومًا أن تجد نفسها في موقف كهذا، فضلًا عن أن تضطر إلى تنظيف شيء بهذه القذارة بيديها!لكنها، من أجل الزواج من ظافر، ابتلعت اشمئزازها بصعوبة، وشغّلت الدش، ثم شرعت في تنظيف دورة المياه قبل أن تبدأ بغسل سروال نوح.عند الباب، وقف نوح يراقب المشهد في صمت، وعيناه تتابعان كل حركة منها. كان يرى كيف يتجهم وجهها كلما لمحت بقعة جديدة، وكيف تقاوم رغبتها في التراجع، عاجزة عن التعبير عن استيائها خشية أن تفقد فرصتها في التقرب من ظافر.كان المشهد مرضيًا إلى حد بعيد بالنسبة إليه، حتى كاد يضحك بصوت مرتفع.رفع صوته بمرح متعمد، كما لو كان يقدم لها مخرجًا كريمًا من ورطتها:«عمتي جيسيكا، إذا كان الأمر يزعجك إلى هذا الحد، فلماذا لا تخرجين؟ أبي يستطيع غسل السروال لي!»في الجهة الأخرى، كان ظافر يجلس بعيدًا، وما إن سمع كلمات ابنه حتى انعقد حاجباه بانزعاج.عليه أن يحمد الله أنني لم أعاقبه ب

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٤

    الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٢

    الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ١

    الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٥

    الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status