Share

٣

last update Tanggal publikasi: 2026-03-29 05:16:01

الفصل الثالث

كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر.

انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟"

على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق.

كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة شغفها به أصبحتا تشعان بريقًا وصفاءً وكأنها ترغب حقاً بالانفصال عنه؟!

"أنا آسفة لأنني كنت عبئًا عليك خلال السنوات القليلة الماضية سيد نصران. حان الوقت لننفصل".

زم ظافر شفتيه فبدت كخطٍ مشدود وانقض لتستميت قبضته على ذراعها يعتصره يديه دون وعي:

"لقد سمعتِ ما قلتُه قبل قليل عبر الهاتف، أليس كذلك؟ ألهذا تتفوهين بالحماقات؟! اسمعيني جيداً مجموعة أبيكِ على وشك الإفلاس، ولا يهم من سيشتريها سواء كنت أنا أو أي شخص آخر، انظري بعينيَّ واخبريني ما الذي تحاولين تحقيقه بإثارة قضية الطلاق الآن؟ هل تسعين للحصول على المال؟ أم أنك تريدين الطفل؟ أم تريدين أن أترك مجموعة تهامي؟"

سألها ببرود، مضيفًا بنبرة حادة وأعين زائغة:

"لا تنسي أنني لا أحبك. تهديداتك لن تجدي نفعًا معي!"

في تلك اللحظة، بدا ظافر وكأنه شخص غريب عليها، ابتلعت لتزيل كتلة مريرة قد تشكلت بحلقها، وبدأت أذناها تنبضان بقوة وبالرغم من أنها كانت ترتدي سماعات الأذن ولكنها بالكاد استطاعت سماع كلماته المتناثرة، لم تسعفها الكلمات لتتمكن من التعبير عن مدى الخذلان الذي تسلل إلى قلبها عقب معاملته القاسية لها، ولم تتمكن من الرد سوى على سؤاله الأخير، فأردت تقول بإيجاز:

"لا أريد شيئاً."

وخوفًا من أن يلاحظ شيئًا خاطئًا بها، غادرت سيرين المكتب بسرعة وقلبها يعصف بنوب قهر لم تشعر بها من قبل، وعندما شاهدها ظافر وهي تبتعد تاركةً إياه خلفها دون أن تلتفت، أخس بإحباط غريب لم يعهده من قبل...

أخذ ظافر يدور حول نفسه متخصراً يزفر أنفاسه بتتابع كتنين ثائر غير قادر على كبت مشاعره، فانفجر غاضبًا، ليركل الطاولة بقدمه فانقلبت رأسًا على عقب، لينسكب وعاء الحساء الذي أحضرته سيرين على الأرض.

عادت سيرين إلى غرفتها، وأجبرت نفسها على ابتلاع حفنة من الحبوب، ثم مدت يدها لتلمس أذنها، وعندما سحبت أصابعها، رأت دمًا قرمزيًا عليها كأثر جانبي للدواء الذي تناولته تواً.

ومن ثم انسحبت تندس بسريرها متكومة على حالها متخذةً وضع الجنين تكتم شهقاتها بكلا راحتيها وهي تنعي قلباً مكلوماً عشق جاحداً لا يلين.

تعافى سمعها قليلاً بحلول الفجر، رمشت بأهدابها الكثيفة التي تزين عينين خضراوين زاهيتين مكحلتين بسواد رباني يخر له الناسك ساجداً ما عدا من ملك قلبها فهو لا يرى بها وجمالاً أو هكذا ظنت.

حدقت في أشعة الشمس الناعمة المتدفقة من النافذة بلا تعبير... تتمتم لنفسها بهدوء:

"لقد توقف المطر"

في ذلك اليوم، لم يغادر ظافر القصر... بل ظل جالساً في غرفة المعيشة على الأريكة ينتظر اعتذار سيرين وتعبيرها عن أسفها... لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تفقد فيها سيرين أعصابها معه... ومع ذلك بعد كل نوبة غضب، كانت تعتذر له بعد فترة وجيزة... فأعتقد ظافر أن الأمر سيكون نفسه هذه المرة.

بعد قليل، رأى سيرين تخرج من غرفتها وقد انتعشت تمامًا وكأن شيء لم يكن... كانت ترتدي ملابسها الداكنة المعتادة وتحمل حقيبة سفر بيدها، بينما تمسك بيدها الأخرى ورقة.

أعطته الورقة التي كانت عبارة عن اتفاقية طلاق تتنازل بها عن كافة حقوقها الشرعية بما في ذلك مؤخر صداقها المبالغ به، تقول ببرود مصطنع:

"اعلمني عندما يكون لديك الوقت، ظافر."

غادرت القصر تسحب حقيبتها خلفها... كان الجو في الخارج مشرقًا ومشمسًا بعد ليلة مطيرة غائمة، وكأن الطبيعة نفسها تبارك انطلاقتها نحو الحرية.

في هذه الأثناء، كان ظافر جالسًا كالصنم على الأريكة، يمسك باتفاقية الطلاق في يده... وشعور بارد تسلل إلى أوردته لبُعدها ولا يجد له تفسيراً.

ظلت صدمة رغبتها بالانفصال عنه تعصف بكيانه، وكأنها رياح عاتية تجرف ما تبقى من استقراره الداخلي.... مضى وقت طويل قبل أن يتمكن من استيعاب ما حدث، ليعود إلى وعيه المثقل بالألم والندم.

كان اليوم يوم السبت، وفي مثل هذا الوقت من العام، كان ظافر يأخذ سيرين إلى مسقط رأسه لتقديم واجب العزاء للأسلاف. كانت تلك الزيارة السنوية دائمًا تفرض عليهما مواجهة نظرات العائلة المتطفلة، وتحمل الأحاديث الجانبية والنقد المبطن. ولكن اليوم، كان وحده، يغمره شعور غريب لم يستوعبه بعد.

في قصر نصران، استقبلت شادية وبقية أفراد العائلة ظافر بدهشة إذ لم يتوقعوا رؤيته وحيدًا... في السابق، كانت سيرين دائمًا الحاضرة الأولى... والأخيرة التي تغادر، تسعى جاهدة لإرضاء الجميع... ولكن اليوم، غابت، وتركت خلفها فراغًا ملموسًا.

اقتربت شادية من ظافر، وعبست، تسأله بقلق:

"ظافر!! أين سيرين؟"

نظر إليها ظافر بتعبير وجه بارد جاهد في استحضاره، وقال بصوت خافت:

"أرادت الطلاق... وتركتني."

ساد الصمت المكان، وصُدمت العائلة من وقع كلماته... كانت شادية تعلم أن حب سيرين لظافر يتجاوز كل شيء، ولم ينافسها في حبه سوى والديه ولكنها تفوقت عليهما بمراحل إنها تتنفسه.

قبل سبع سنوات، قامت سيرين بحماية ظافر بجسدها عندما حاول أحدهم طعنه فوقفت أمام مهاجمه كالسد المنيع تتلقى عنه ضربة مميتة نقلت على إثرها إلى إحدى غرف العناية المركزة بعدما خضعت إلى جراحة خطرة استمرت لست ساعات متواصلة حتى أنقذتها العناية الإلهية أو ربما كان ذلك تكليل من المولى لإخلاصها في حبه.

ومنذ أربع سنوات، بعد خطوبتهما بقليل، تعرض ظافر لحادث خلال رحلة عمل في دبي، وكان الجميع يعتقد أنه مات، لكن سيرين رفضت التصديق، وتركت كل شيء وذهبت تبحث عنه في المدينة بأكملها.

بعد زواجهما، اعتنت سيرين بكل تفاصيل حياته، تعاملت بأدب مع كل من حوله، حتى سكرتيراته، خوفًا من أن تتسبب في إحراجهم. كان واضحًا أن سيرين لا تستطيع العيش بدون ظافر. إذن، لماذا اقترحت الطلاق؟

لم يكن لدى شادية أي فكرة، لكنها كانت سعيدة لأن سيرين قررت أخيرًا السماح لظافر بالطلاق بل سعت بنفسها لذلك وحررته من قيود إجراءاته المكلفة من وجهة نظر امرأة مادية كشادية وهذا على الرغم من الثراء الفاحش لعائلة نصران، فهللت بفرحة:

"إنها لا تستحق أن تكون زوجتك على أية حال. من الجيد أنك ستطلقها. إنها لا تستحقك"، قالتها، وتدخل الآخرون على الفور.

"نعم، أنت شاب ووسيم، ظافر... أنت في أفضل سنوات عمرك الآن... كانت سيرين تجرك إلى الأسفل طوال هذا الوقت!"

وفجأة تحول التجمع إلى مهرجان للتشهير، وتحدثوا عن سيرين كما لو كانت مجرمة لا تُغفر ذنوبها.

كان ينبغي أن يشعر ظافر بالسعادة لأنهم كانوا يدافعون عنه، ولكن لسبب ما، وجد كلماتهم حادة ووقحة للغاية.

غادر ظافر قصر نصران في وقت أبكر من المعتاد واتجه عائداً إلى قصره.

السماء بدأت للتو في إسدال ستائر غيومه عندما وصل إلى المنزل... فتح الباب ودخل القصر... وعندما لم ير شيئًا سوى الظلام، تذكر فجأة أن سيرين قد غادرت... غير ملابسه إلى ثوب منزلي مريح وألقى معطفه في الغسالة.. ولسبب ما شعر بإرهاق غير عادي اليوم.

ذهب إلى قبو النبيذ ليحصل على زجاجة حتى يتمكن من الاحتفال الزائف برحيل سيرين ... ولكن عندما وصل إلى قبو النبيذ ورأى الباب مغلقا، أدرك بعد فوات الأوان أنه لا يملك المفتاح.

لم يكن ظافر يحب الغرباء في منزله، لذا لم تكن هناك خادمات أو مساعدات في قصره... ومنذ أن تزوج سيرين ، كانت هي من تعتني بشؤون المنزل.

لم يكن بوسعه سوى العودة إلى غرفته... والتقط هاتفه ليتصفح رسائله فقط ليجد نصوصًا متعلقة بالعمل... ألقاه بنزق عندما لم يجد اتصالاً من سيرين، كما أنها لم ترسل له رسالة نصية للاعتذار على الإطلاق.

تأفف بضيق وتوجه إلى المطبخ وعندما فتح باب الثلاجة أصيب بالذهول، إنها امرأة كاملة لقد تركت له بالإضافة إلى الطعام الكثير من المكملات الغذائية.

وفجأة تحولت معالم وجهه من الحنين إلى السخرية وذلك عندماعالتقط أحد الأكياس وقرأ التعليمات الموجودة عليها:

"يجب عليا تناوله مرتين يوميًا لعلاج العقم".

العقم؟!

استنشق رائحة المكمل الغذائي، وكانت رائحته مقززة... لقد تذكر للتو كيف كانت سيرين ذات رائحة غريبة، لذا كان هذا هو السبب... سخر منها بصمت. لم يسبق لهما ممارسة علاقة زوجية من قبل، لذا مهما تناولت من أدوية، فلن تحمل أبدًا... إنها حتماً مجنونة... هذا ما تفوه به ظافر وهو يهز رأسه بيأس من تصرفاتها الخراء.

في فندق مظلم وصغير، فتحت سيرين عينيها بصعوبة... رأسها ينبض بقوة، كان العالم من حولها صامتًا. أدركت حينها أن حالتها ساءت مرة أخرى.

قبل ذلك، كانت لا تزال قادرة على سماع بعض الأصوات، حتى من دون أجهزة السمع الخاصة بها.

دفعت نفسها إلى أعلى وتحسست الطاولة بجوار السرير حتى وجدت الدواء الذي تحتاجه... وضعت الحبوب في فمها، وتذوقت مرارته أو ربما مرارة قلبٍ مكسور.

في اليوم السابق، غادرت قصره، الذي كان منزلها طيلة السنوات الثلاث الماضية. في البداية، ذهبت إلى منزل والديها، منزل تهامي.

عند الباب وقبل أن ترفع قبضتها الرقيقة لتطرقه، استمعت إلى والدتها سارة وأخوها تامر يناقشان كيف سيقومان بتزويجها لرجل يبلغ من العمر 78 عامًا إذا طردها آل نصران، في هذه الأثناء فقدت سيرين صوابها عندما سمعت ذلك... وحينها أدركت أخيرًا أنها لم تعد تمتلك مكانًا لتسميه موطنًا.

نهضت بضعف وعلى الرغم من أنها لم تأكل أي شيء لمدة يومين، إلا أنها لم تشعر بالجوع... كان المكان هادئًا جدًا، وصمته المطبق بعث الخوف بقلبها المنقبض... لقد زاد هطول الأمطار في المدينة هذا العام بشكل متكرر أكثر مما كانت عليه في السنوات السابقة من هدر نابضها.

حدقت سيرين بالمشاة عبر نافذة الغرفة الذين كان معظمهم يتنزهون أزواج أو في مجموعات... ابتسمت بحزن فهي الوحيدة المنبوذة التي ظلت تعيش حياتها داخل قوقعة بمفردها.

ارتدت ملابسها وغادرت الفندق قاصدة محطة القطار لتشتري تذكرة حافلة لتغادر المدينة وقررت الذهاب إلى منزل مربيتها في الريف.... كانت مربيتها فاطمة تعتني بها عندما كانت طفلة.

كانت الساعة التاسعة مساءً عندما وصلت سيرين... وحالما رأتها فاطمة بدت مندهشة بشكل سار.

انهمرت دموع سيرين عندما رأت ابتسامة فاطمة الدافئة. مدت يدها إليها وعانقتها... تقول بنشيج: "أمي".

بسبب مشاكل صحية، لم تتزوج فاطمة قط ولم تنجب أطفالاً... لذا كانت فاطمة أقرب إلى سيرين من والدتها.

في تلك الليلة، احتضنت سيرين مربيتها.. تمامًا كما كانت تفعل وهي طفلة صغيرة بائسة تبحث عن الحنان والعطف... لفت فاطمة ذراعيها حول سيرين، لتدرك أن الأخيرة كانت نحيفة للغاية وذلك عندما ضغطت بيدها على ظهر سيرين التي ترتجف بشكل لا يمكن السيطرة عليه.

أجبرت فاطمة نفسها على الهدوء تحاول تجاهل الحالة التي عليها صغيرتها، وسألت بحذر،

"هل كان ظافر يعاملك جيدًا، سيرين ؟"

شعرت سيرين بألم حاد في حلقها عندما سمعت اسم ظافر... وأرادت أن تكذب على فاطمة وتخبرها أن ظافر كان يعاملها بشكل جيد، لكنها كانت تعلم أن فاطمة ليست غبية.

وبما أنها قد قررت بالفعل تركه، لم تعد هناك حاجة للكذب على نفسها أو على الأشخاص الذين يحبونها.

"لقد انتهت أيامه وعاد الشخص الذي يحبه... لقد قررت أن أتركه وطلبت الطلاق."

أصيبت فاطمة بالذهول، ولم تستطع أن تصدق ما سمعته... فقد أخبرتها سيرين عدة مرات من قبل أنها تريد أن تقضي بقية حياتها مع ظافر.

ولأن فاطمة لم تكن تعرف ماذا تقول لتعزية سيرين، أردفت قائلة لها:

" إن هناك الكثير من الأسماك الأخرى في البحر، ولا بد أن يكون هناك سمكة واحدة ستحبك كما أنت سيرين لا تبتأسي صغيرتي إنه أحمق لا يعرف قيمتك.

أومأت سيرين برأسها بصمت... إذ كان الطنين في أذنيها يحجب صوت فاطمة المريح... في تلك الليلة، تمكنت سيرين من الحصول على قسط من النوم الجيد، وهو أمر نادر الحدوث.

ولكن عندما استيقظت، استقبلها مشهد مخيف للدماء تلطخ المكان الذي كان رأسها مستلقياً عليه بما فيه السرير والوسادة.

لمست سيرين أذنها اليمنى، وشعرت بأصابعها لزجة... وأخذت تنظر إلى يدها الملطخة بالدماء.... و

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi
Komen (1)
goodnovel comment avatar
Rosal Hadi
ًًًًًًًًًًًًًً ًًً ًًًًًًًَ ً ًًًًًًًًًًًًًً ًًًًً ً ًً ًًًًً ًً ًًًً
LIHAT SEMUA KOMENTAR

Bab terbaru

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٦٠٦

    الفصل 606كان المطعم محجوزًا بالكامل لذلك الاجتماع، وقد اجتمعت مجموعة من الأمهات حول طاولة طويلة تتوسط القاعة. كانت الأحاديث قد بدأت بالفعل، وتحديدًا حول الرحلة الخارجية المقبلة التي ستنظمها المدرسة للأطفال.ما إن دخلت سيرين حتى انقطع الحديث فجأة.توجهت إليها جميع الرؤوس، واستقرت عليها عشرات النظرات الفضولية.كانت سيرين ترتدي ملابس بسيطة وأنيقة، من دون أي مبالغة في مظهرها. لم تضع سوى مكياج خفيف أبرز ملامح وجهها بهدوء، ومع ذلك بدت لافتة للنظر بصورة يصعب تجاهلها.أما الندبة الممتدة على الجانب الأيمن من وجهها، فلم تستطع أن تخفي جمالها الطبيعي.راقبتها بعض الأمهات في صمت.كانت أغلبهن قد أنفقن مبالغ طائلة على مستحضرات العناية بالبشرة والجلسات التجميلية، ومع ذلك لم تستطع أي منهن منع شعور خافت بالغيرة عندما رأين بشرة سيرين الصافية وقوامها الرشيق.*كيف يمكن لبشرتها أن تكون بهذه النضارة؟*لكن بعضهن وجدن عزاءً صغيرًا في الندبة التي تشق جانب وجهها.*على الأقل... لديها عيب واضح.*أما سيرين، فلم تهتم بنظراتهن.ألقت نظرة سريعة على ساعة معصمها، وحين تأكدت أنها وصلت في الموعد المحدد، ابتسمت ابتسامة م

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٦٠٥

    الفصل 605كأب، كان ظافر يشعر بقلق حقيقي على سلامة ابنه. وبالرغم من عجزه عن رؤية العالم بعينيه، فإن ذلك لم يمنعه قط من أن يكون شديد الانتباه لكل ما يتعلق بطفليه. كان يعتمد على السمع واللمس والتفاصيل الصغيرة من حوله، ولذلك كان يرى أن ذهاب نوح إلى الروضة لا يختلف كثيرًا عن بقائه في المنزل، ما دام قد اتخذ جميع الاحتياطات اللازمة.وبمجرد أن تذكرت سيرين نظرة الأمل التي لمعت في عيني نوح، أدركت أنها لن تستطيع الاستمرار في الرفض.تنهدت، ثم قالت باستسلام:«حسنًا.»لكنها قبضت يديها بقوة، تحاول كبح خوفها، ثم أضافت بلهجة جادة:«لكن أرجوك يا ظافر... لا تدع أي شيء يحدث له.»ضم ظافر شفتيه، ثم قال بثبات:«إنهما ابناي يا سيرين. هل تظنين أنني سأسمح لأي مكروه أن يصيبهما؟»كان صوته هادئًا لكن نبرته حملت وعدًا لا يقبل النقاش.في تلك الليلة، لم يأكل ظافر سوى القليل على مائدة العشاء.وبمجرد أن عاد إلى غرفته جلس بتجهمٍ ثم أشعل سيجارة.انتهى منها فأشعل أخرى.ثم ثالثة.كان هناك شيء يزعجه بشدة منذ أيام، شيء لم يستطع تجاهله مهما حاول.من المفترض أن يكون سعيدًا… فقد اكتشف أن زكريا ونوح ابناه، لكن كلما فكر في السنو

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٦٠٤

    الفصل 604«أبي... أمي... هل يمكنكما أن تتوقفا عن الشجار؟»خرج صوت نوح مرتجفًا، وفي اللحظة نفسها ارتسمت على وجهه ملامح طفل مكسور القلب. لم يحتج إلى كثير من الجهد؛ فقد أتقن صغيرًا لعب دور المسكين الذي لا يحتمل رؤية والديه غاضبين من بعضهما. سرعان ما اغرورقت عيناه بالدموع، حتى بدا وكأنه على وشك الانهيار.توقفت سيرين وظافر عن الكلام في الحال.ساد الصمت المكان، وكأن كلمات نوح البسيطة قد أطفأت نار الجدال بينهما.رفع نوح رأسه نحو أمه، وقال بصوت حزين يحمل شيئًا من الرجاء:«أمي... أنا لا أريد الذهاب إلى الروضة بعد الآن. أرجوكِ، لا تلومي أبي. هو وافق فقط لأنه لم يستطع تحمل رؤيتي حزينًا.»شعرت سيرين بوخزة مؤلمة في صدرها.لم تكن كلمات نوح هي ما أحزنها فحسب، بل الطريقة التي بدت بها وكأنها الأم القاسية التي لا تكترث لحزن طفلها، في حين ظهر ظافر في صورة الأب الذي لا يستطيع احتمال رؤيته متألمًا.اشتعلت في داخلها غيرة مكتومة ومرارة لم تستطع منعها.*وكأنني أنا لا أتألم عندما أراه حزينًا!*لقد كانت إلى جوار نوح طوال سنواته، تحملت مرضه، واعتنت به، وراقبت كل تفصيل صغير في حياته. فكيف يمكن لطفلها أن يقارنها

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٦٠٣

    الفصل 603لم يكن نوح بحاجة إلى التفكير طويلًا في الاختيار. فمنذ أن سمع كلمة «الروضة»، حسم أمره فورًا. كان يريد الذهاب إليها، تمامًا مثل أخيه زكريا، وكان واضحًا أن فكرة البقاء في المنزل بينما يذهب أخوه إلى المدرسة لم تعجبه على الإطلاق.وقبل أن تتمكن سيرين من الاعتراض أو حتى شرح مخاوفها، اندفع نوح نحو ظافر، وأحاط عنقه بذراعيه بحماس، ثم أخذ يتملقه بصوته الطفولي اللطيف:— أريد الذهاب إلى الروضة! أبي، أنت أفضل أب في العالم! هل يمكنك أن تسمح لي بالذهاب إلى الروضة نفسها التي يدرس فيها زاك؟تصلبت ملامح زكريا فور سماع ذلك.كان يحدق في أخيه بانزعاج واضح. لم يستطع أن يفهم كيف يستطيع نوح أن يكون وقحًا إلى هذا الحد، ثم يتصرف بعدها وكأنه طفل بريء لا يريد سوى تحقيق أمنيته.والأسوأ من ذلك كله...أنه لا يريد نوح في مدرسته!قال زكريا بصرامة ودون أدنى تردد:— مستحيل.التفت نوح إليه مصدومًا.كان الشقيقان متشابهين إلى حد كبير في ملامحهما، لكن شخصيتيهما كانتا مختلفتين تمامًا. فبينما كان زكريا هادئًا، حاد الطبع، ويميل إلى إخفاء مشاعره خلف وجه جامد، امتلك نوح موهبة فطرية غريبة في كسب قلوب الآخرين.كان يعرف ك

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٦٠٢

    الفصل 602أصيب مالك بالذهول، وكأن الكلمات التي سمعها للتو لم تستوعبها رأسه.حدّق في زكريا للحظات، ثم قال بصدمة واضحة:— إذن... أنت أيضًا ابن عمي ظافر؟توقف زكريا عن الحركة.لم يجب.لكن صمته وحده كان كافيًا ليجعل مالك يتيقن من صحة ما استنتجه.اشتعل الغضب في عينيه، وقال بانفعال:— كيف استطعت أن تخدعني طوال هذا الوقت؟التفت زكريا إليه بهدوء، وسأله ببرود:— وبماذا خدعتك؟ازداد احمرار وجه مالك، وانقبضت قبضتاه بقوة.— ألم تقل إن طارق هو والدك؟لم يتغير تعبير زكريا، بل بدا هادئًا على نحو أثار غضب مالك أكثر.قال ببساطة:— لم أقل ذلك. أنتم من قلتم.ثم حمل حقيبته ووضعها على كتفه، قبل أن يضيف بنبرة باردة:— هل هذا كل ما أردت قوله؟تراجع مالك خطوة دون إرادة منه.لم يكن يتوقع أن يكون رد زكريا بهذه البرودة. كان ينتظر تبريرًا أو اعتذارًا أو حتى خوفًا، لكنه لم يحصل على شيء من ذلك.قال بتلعثم:— نعم... هذا كل شيء.لم ينتظر زكريا المزيد.استدار وغادر المكان، تاركًا مالك خلفه يغلي من الغضب.صرخ مالك من بين أسنانه:— تبًا لك! كيف تجرؤ على الكذب عليّ؟ كنت أعتبرك صديقي!لكن زكريا لم يلتفت.ظل مالك واقفًا م

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٦٠١

    الفصل 601قبل أن يتوجه ظافر إلى المكتب في ذلك الصباح، أوقفه نوح للحظات، ثم أخبره بأن زكريا يريد رؤيته، وطلب منه أن يأتي إلى الروضة بعد انتهاء الدوام.ساد الصمت لحظة، كما لو أن كلمات نوح حرّكت في داخله شيئًا كان ينتظره منذ وقت طويل إذ أدرك ظافر أن الوقت قد حان أخيرًا للقاء زكريا.قال بهدوء:— حسنًا، سأأتي.وبالفعل، عندما حلّ موعد الظهيرة، طلب من سائقه أن يتوجه به إلى المنزل.وما إن وصل حتى شعر بوجود سيرين ونوح في انتظاره. لم يحتج إلى أن يراهما ليعرف ذلك؛ فقد التقط أذناه أصوات خطواتهما وحركة المكان من حوله.ناداه نوح بحماس:— بابا!أجاب ظافر بهمهمة خافتة، ثم رفع رأسه قليلًا باتجاه مصدر صوت ابنه.اقتربت سيرين منه وقالت:— هيا بنا، لقد حان الوقت.كانت قد اتصلت بكوثر مسبقًا، وأخبرتها بأن سائق عائلة أرشيبالد ليس عليه أن يأتي اليوم لاصطحاب زكريا من الروضة، لأنهم سيذهبون بأنفسهم.استقل الثلاثة السيارة.لكن ما إن أُغلق الباب حتى خيّم على المكان صمت غريب.جلس نوح في المنتصف بين والديه، وأخذ يتنقل بنظراته بينهما. كان يشعر بالتوتر الواضح بينهما رغم أن أياً منهما لم يتحدث عنه.نظر نوح من النافذة إ

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٢

    الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ١

    الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٥

    الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با

  • عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا)    ٤

    الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status