Masukلاحظت رهف ضيقها، فمدّت يدها لتغطي بلطفٍ قبضتها المرتجفة: "افتح مكبّر الصوت."عبس جواد محدّقًا في رهف، وعضّ على أضراسه متنهدًا، ثم ضغط على زر تشغيل مكبّر الصوت.تناهى صوت رنا الناعم: "جواد، شكرًا لكَ لأنكَ أوصلتني إلى البيت البارحة، وشكرًا لكَ لأنكَ شربتَ عني، وأبعدتَ عني نوايا أولئك الشهوانيين السيئة، أنتَ لطيفٌ معي لدرجة لا أعرف كيف أردّ لكَ جميلكَ، تعال إلى بيتي الليلة لتناول العشاء، سأعدّ لكَ وجبةً شهيةً من أكلات بلدنا لأكرمكَ بها."بعد أن انتهت الرسالة، صمت جواد.خفضت غيداء رأسها، وابتسمت ابتسامةً مريرة، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وارتجف جسدها قليلًا من شدة الغضب، بينما كانت تصرّ على أسنانها وتكتم غضبها بصعوبة.حتى الوسيط لم يتمالك نفسه من العبوس.غرقت غرفة الوساطة بأكملها في صمتٍ عميق.بعد وقتٍ طويل، تحدّث جواد أخيرًا: "البارحة، كنت فقط أرافقها في مناسبة عمل، فهي امرأةٌ وحيدة أمام عددٍ كبيرٍ من العملاء الرجال، وهذا غير آمنٍ لها، لقد ثملت، فاستأجرت لها سائقًا ليوصلها، ولأنني لم أطمئن رافقتها، وحين رأيتها وصلت بأمانٍ غادرت، لم يحدث بيننا شيء، علاقتنا بريئةٌ تمامًا."لم تنبس غيداء ب
"سأسمع كلامكَ في كل شيء." اختبئت رهف أكثر بين ذراعيه، وشعرت بأمانٍ لا حدود له."من الآن فصاعدًا، إذا واجهتِ أي مشكلة أو انتكاسة، أو راودتكِ أي مشاعر سلبية، فأخبريني بها وشاركينني إياها، سنواجه كل شيء معًا.""حسنًا.""رهوفة، أنتِ في زمن الجامعة كنتِ واثقةً من نفسكِ، ومرحة، ومحبة للضحك، أتمنى أن تستعيدي ذاتكِ الحقيقية.""سأفعل ذلك.""ما هي أعمالكِ اليوم؟""في الصباح، هناك جلسة وساطة قبل التقاضي لقضية طلاق جواد وغيداء، وبعد الظهر، جلسة محاكمة لقضية التلوث البيئي المتعلقة بمجموعة المنصور.""هل تحتاجين إلى مساعدتي في شيء؟""استأجر مربية تعتني بالصغير، سأذهب مع غيداء إلى المحكمة لمقابلة جواد.""حسناً." قبّل خصلات شعرها، واحتضنها دون أن يريد النهوض، وأغمض عينيه بكسلٍ ليكمل نومه قليلًا....كانت الوساطة قبل الجلسة خطوةً لا بد منها.في المحكمة، داخل غرفة الوساطة.رافقت رهف غيداء إلى هناك، وكان جواد قد وصل مسبقًا.بعد غيابٍ دام نصف شهر، بدا أنحف بكثير، كما بدت عليه علامات الإنهاك والانطفاء.من نظرة الشفقة في عيني غيداء، كان واضحًا أنها ما زالت تحب جواد كثيرًا، وكان من المؤسف حقًا أن يصل الزوجان
تسللت أضواء الفجر الأولى عبر الستائر، فأضاءت الغرفة بأكملها بضوءٍ خافتٍ ضبابي.كانت درجة حرارة المكيف مريحةً للغاية، استيقظت رهف ببطء من حلمٍ دافئٍ حنون، وفتحت عينيها رويدًا.وقعت عيناها على ملامح سهيل الأنيقة، كانت عميقة وجميلة، كأنها نُحتت بيد نحَّاتٍ ماهر.كان مستلقيًا على جانبه، يواجهها وجهًا لوجه، وأنفاسه خفيفة ومنتظمة، وملامحه وهو نائم هادئة ووديعة.اضطربت مشاعر رهف في داخلها، فحبها له لا يمكن وصفه، حبٌ ممزوجٌ بالتردد والقلق، كانت تخشى أن يندم يومًا ما في المستقبل على اختياره الحالي.اختار أن يعيش حياةً بلا أطفال، وأن يقضي بقية عمره إلى جانبها، رغم كل ما فيها من نقائص.ولو وضعت نفسها مكانه، فهي نفسها لم تحبّ نفسها بهذا القدر يومًا، لذا لم تكن تملك الثقة الكافية لتظن أن سهيل سيظل يحبها هكذا إلى الأبد.وبمجرد أن فكرت في المستقبل، شعرت وكأن الضباب يلفّ قلبها، وكأن مطرٌ رطبٌ كئيب ينهمر فيه.لم تتمالك نفسها، فرفعت إصبعها لتمسّ برفقٍ حاجبيه الكثيفين الجميلين، وانزلقت أطراف أصابعها فوق قوس حاجبه، حتى وصلت إلى نهايته، شاعرةً بدفء بشرته.واصلت أطراف أصابعها الانزلاق نحو الأسفل، لامست خدّه
أومأت رهف برأسها."أما زلتِ تريدين العلاج؟""أريد ذلك.""انتقلي للعيش معي، سأراقبكِ، وأحرسكِ.""حين ينتابني ذلك الانفعال الجسدي، ستتألم كثيرًا، لا أريد..."قاطعها سهيل قائلًا: "نعم، سأتألم، لكنني اخترت أن أكون معكِ، أليس من المفترض أن أتحمل هذا؟""في الحقيقة أنا أتحسّن شيئًا فشيئًا، ما زلت أتناول الدواء بانتظام."احتضنها سهيل بإحكام، مسندًا ذقنه على أعلى رأسها، وقال بنبرةٍ ثقيلة: "لم أهملكِ سوى لبرهة، فبدأتِ تتوهمين الأمور، وسيطر عليكِ الاكتئاب بسهولة، أنتِ لم تتعافي بعد، ولو تعرضتِ لصدمةٍ ثقيلة قليلًا في المستقبل، ستنهارين على الفور."لم تستطع رهف كبح دموعها مجددًا، وقالت بصوتٍ يختنق: "أنا أيضًا لا أريد أن أكون هكذا، أخشى أن يعرف الناس ذلك، فيقولون إنني أتصنّع.""لا، أنتِ مريضة فعلًا." أسرع سهيل بإمساك وجهها، وقبّل شفتيها، محاولًا تهدئتها بصوتٍ رقيق: "لا تفكري كثيرًا، أنا هنا، وسأبقى معكِ دائمًا وأبدًا، سنعالج مرضكِ معًا، وستتحسنين.""حسنًا.""سأفتح ضوء الغرفة، حسنًا؟ أريد أن أراكِ.""لا، أنا قبيحة الآن."مرّر سهيل بلطف خصلات شعرها المتساقطة على خدّها: "إذًا سأغلق باب الغرفة، وسأنام ه
"أخبريني، أين تتألمين الآن؟ في قلبكِ؟ أم في جسدكِ؟ أي موضع يؤلمكِ؟" سألها سهيل بصوتٍ رقيقٍ خافت.ارتجف صوتها وهي تختنق بالعبرات: "لا أدري... حين ينتابني ذلك الانفعال الجسدي، يؤلمني جسدي كله، لكن أشد الألم في قلبي...""ولماذا يؤلمكِ قلبكِ؟""لأنك لا تريدني بعد الآن..." وبينما هي تقول ذلك، عادت تدفن وجهها في صدره وتبكي.احمرّت عيناه، وحجبت الدموع رؤيته، وتألم صدره من شدة الغيظ، وهمس في أذنها بنبرة عتاب: "أنا لا أريدكِ؟ أليس لديكِ ضمير؟ كيف تجرؤين على قول هذا الكلام؟""أنت لم تعد تثق بي، ولا تريد أن تسمع تبريري، لا يوجد شيء بيني وبين ساهر حقًا.""آسف." أدرك سهيل حينها ما جرى، فسارع بالاعتذار: "رهوفة، لم يكن هذا ما يشغل بالي، أعلم أن ساهر معجب بكِ، لكنه رجل شريف نوعًا ما، لن يجرؤ على فعل شيءٍ بكِ، ما أغضبني هو أنكِ أخفيتِ عني مرضكِ، طوال الطريق لم توضّحي لي أمر تضرر مسارات قلبك. وحين لم تخبريني، آثرت ألا أسأل.""بعد أن عدنا إلى المنزل، انشغلتُ بالبحث عن حالتكِ المرضية، فلم أتحدث إليكِ لفترة قصيرة، أبسبب هذا ظننتِ أنني لم أعد أريدكِ؟"هدأت رهف شيئًا فشيئًا، لكن جسدها ظل يرتجف بخفة.تنهد سهي
في الغرفة الحالكة الظلام.سمعت رهف صوت طرقٍ خافتٍ على الباب، فسحبت الغطاء عنها، وتحسّست هاتفها بيدٍ مرتجفة، وألقت بعينيها المبللتين بالدموع نظرة على الوقت.كانت الساعة العاشرة مساءً.توقف صوت الطرق، وتناهى إلى مسامعها صوت سهيل الرقيق: "رهوفة، افتحي الباب."ارتجف جسدها بشدة، وتشنجت معدتها بألمٍ حاد، وشعرت ببرودةٍ وخدرٍ يسريان في كامل جسدها، وانهمرت دموعها دون أن تستطيع كبح جماحها... لم ترغب في أن يراها سهيل على هذه الحال البائسة.كتبت بأصابع مرتجفة ثلاث كلمات على الواتساب: "سأخلد إلى النوم."بعد أن أرسلتها، ساد الصمت خلف الباب فورًا.وضعت هاتفها جانبًا، واحتضنت رأسها المتألم وانكمشت نحو رأس السرير، عاضّةً على أسنانها، محاولةً أن تتغلب بقوة إرادتها على هذا العذاب الجسدي الموجع الذي يجتاحها في هذه اللحظة.وكلما حاولت كبت مشاعرها، ازداد اختناقها وضاق تنفسها.كرهت نفسها كرهًا شديدًا، كرهت هذا الحزن الذي يغمرها دون سبب، فهي لا تطيق التخلي عن سهيل، لكنها في الوقت ذاته تتألم لدرجة تجعلها تتمنى الموت في الحال...شعرت وكأنها إنسانة عديمة الفائدة.كان قلبها يخفق بشكلٍ غير طبيعي، وانتابها شعور وكأ
تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو
كانت السنوات الأربع التي قضتها رهف الحسيني إلى جانب سهيل الصالح أسعد وأجمل الأوقاتِ في حياتها. وبعد الانفصال...بكت خمس سنوات.لم تكن تبكي كل يوم، لكن ما إن يخطر سهيل ببالها حتى تشعر كأن مطرًا كئيبًا يهطل في قلبها، رطوبة خانقة، وضيق يلفّ صدرها، فتبتلّ عيناها بالدموع.لم يخطر لها يومًا أنها ستلتقيه م
في المستشفى.دفعت رهف الرسوم، وخرجت وهي تحمل الإيصال.لحق بها عز وأمسك بذراعها: "هل فكرتِ في الاقتراح الذي طرحته عليكِ سابقًا؟"نفضت رهف يده بغضب، واستدارت تحدّق فيه: "هل أنت مريض؟"اسودّ وجهه من الغضب، وشدّ فكه، ووضع يديه على خصره بتعالٍ، وكأنها تدين له بشيءٍ ما: "رهف، فقط تزوجيني، وسأتنازل عن تعوي
أمسك سهيل معصميها اللذين كانا يقاومان، وثبّتهما بقوة فوق رأسها على الحائط.راح يقبّلها بجنون، كوحشٍ فقد السيطرة.لم تعد رهف قادرة على التحمل، فانهمرت الدموع من عينيها المغمضتين تنساب ببطء.لم يكن ينوي التوقف إطلاقًا.لم تعد تتحمّل، فعضّت شفته بقوة."آه..." شعر بألم حاد، فابتعد عن شفتيها.سهيل الذي ك







