Masukأسندت رهف رأسها إلى زجاج نافذة السيارة، ونفخت زفرة دافئة كونت بقعة ضبابية بيضاء صغيرة. وبأناملها المرتجفة، خطّت اسم "سهيل" بخفة على الزجاج. سرت برودة اللمسة من أطراف أصابعها لتستقر في أعماق قلبها كطعنة خفية، وقبل أن تكتمل الحروف، بدأت معالم الاسم تذوب، وتنزلق كدموع صامتة، حتى تلاشت تمامًا.راقبت ندف الثلج المتساقطة بهدوء ورقة خلف النافذة.لكن سهيل لم يعد يحبها.منذ أن أفاقت من عمليتها الجراحية وحتى هذه اللحظة، لم ينقضِ سوى شهر ونصف فقط.لم تدرِ كيف تملكها هذا الحب العارم تجاهه. فرغم أن ذكرياتها معه ما زالت محجوبة، إلا أن حبها له بدا وكأنه نُقش في أعمق زوايا قلبها، وتجذر في عظامها، وسرى في دمائها.حبٌ عصيٌّ على المحو والنسيان، يسلبها لُبّها ويجعلها متيمة به حد الجنون.وصلوا إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل.اصطحبتها أحلام ومريم إلى غرفتها.تشبثت مريم بذراعها وقالت: "سأنام بجوارك الليلة لأؤنس وحدتك."تظاهرت رهف بالتماسك، ورسمت ابتسامة متكلفة مهزوزة وهي تقول: "شكرًا يا مريم، لكنني أفضل النوم بمفردي الليلة، وغدًا سأكون بأفضل حال."قالت أحلام: "لا تحملي همًا يا رهف. إن أصرّ ذلك الشاب الأح
لقد أصبحت رهف جزءًا لا يتجزأ من عائلة الصالح منذ زمن.فما إن التقطت أذنا جاسم تلك الكلمات، حتى انتفض واقفًا والغضب يغلي في عروقه، ثم وقف أمام سهيل، وقبض على ياقة منامته بشراسة ليرفعه عن مقعده، قبل أن يرمقه بنظرة شزراء تخترق العظام، ويصرخ في وجهه كلمة بكلمة: "ماذا تعني بأنك لم تعد تحبها؟ رهف لم تطلب منك زواجًا ولا اعترافًا رسميًا، بل هجرت ديارها وقطعت آلاف الأميال لتعيش معك في مدينة السرايا! حملت طفلك، ثم فقدته، وغرقت في الاكتئاب، وخضعت لعملية جراحية. والآن، بعد أن فقدت ذاكرتها، ترميها بجملة 'لم أعد أحبها' وتتخلى عنها؟ اسحب كلامك هذا فورًا، وإلا قسمًا لن أرحمك!"ابتسم سهيل بمرارة وقال: "إن أردت ضربي فافعل يا أخي. أعدك أنني لن أرد لك الضربة."أحكم جاسم قبضته حتى تحجرت مفاصله، وبرزت الأوردة الزرقاء على ظهر يده. لكنه في تلك اللحظة، أبصر بوضوح تلك الدموع المحبوسة في عيني أخيه المحمرتين.دب الذعر في قلب أحلام، فنهضت مسرعةً وأمسكت بذراع جاسم لتترجاه: "لا تتهور يا جاسم! لا بد أن أخاك يمر بضائقة قاهرة، أو أن هناك سوء فهمٍ ما. لنهدأ جميعًا ونناقش الأمر بالعقل."خافت مريم من قبضة أخيها الأكبر أيض
جلست سمر على الأريكة المقابلة لرهف.تبِعها جاسم ليجلس بجوارها، فانتفض جسد سمر توترًا، وانزاحت قليلًا لتبتعد عنه.أظلمت عينا جاسم، ورمقها بنظرة تحمل مزيجًا من العجز وقلة الحيلة، ثم وجه حديثه لوالدته: "أمي، أيعقل أن يكون سهيل قد أُصيب بمرض عضال، ولهذا بادر بطلب الانفصال كي لا يصبح عبئًا على رهف؟"شحب وجه فهد وأحلام في آن واحد، واجتاحهما الذعر. تبادلا النظرات بقلق، وبدا لهما هذا الاحتمال أقرب للمنطق."أيُعقل أن يكون هذا صحيحًا؟" تساءلت أحلام بصوت يرتجف ووجه شاحب كالموتى.دبّ التوتر في قلب رهف هي الأخرى.ولكن لِمَ يفضل الجميع افتراض إصابته بمرض قاتل على تصديق فكرة أنه يريد الانفصال حقًا؟تنحنح فهد محاولًا إخفاء توتره، وقال: "كفانا تكهنات. لننتظر خروج سهيل أولًا."وما هي إلا لحظات، حتى ظهر سهيل يجر خطاه من الممر، تقوده مريم من ذراعه نحو غرفة المعيشة.وما إن وقعت عيناه على العائلة بأكملها مجتمعة، حتى وقف مذهولًا، والدهشة تعقد لسانه.كانت الأجواء مشحونة بصمت خانق، وملامح الجميع تفيض بالجدية والتوتر. وتعلقت كل الأبصار به، باستثناء رهف.أجلسته مريم عنوةً على الأريكة المقابلة لرهف، بجوار شقيقه ج
ركضت رهف عائدة إلى غرفتها، بينما تمسح دموعها وتخلع معطفها في آن واحد. اتجهت نحو السرير، وأزاحت الغطاء لتندس تحته.تقوقعت في الفراش، وسحبت اللحاف الثقيل لتغطي رأسها بالكامل، محكمة تغطيتها من كل جانب.ومع ذلك، لم يفلح اللحاف في كتم صوت نحيبها المكتوم الذي راح يتسرب إلى أرجاء الغرفة، بينما كان الغطاء يرتجف مع كل انتفاضة من جسدها المنهار.عجز عقلها عن الاستيعاب، فلطالما أخبروها أن سهيل متيم بها حد الجنون.وحتى بعد فقدانها لذاكرتها، لم يتوقف عن غمرها بحبه ورعايته، وكانا يعيشان معًا في سعادة غامرة، فكيف نبتت فكرة الانفصال في رأسه فجأةً؟يريد الانفصال، بل ويريدها هي أن تكون من يطالب به! كيف لها أن تتقبل أمرًا كهذا في لحظتها؟لا أمان لقلوب الرجال حقًا؛ فالحب في نهايته لا يحكمه سوى ما تبقى من ضمير.بكت رهف بصوت مكتوم في خلوتها، حتى شعرت بقلبها يتمزق بألمٍ لا يُحتمل. غاصت في دوامة من التشتت والضياع، وكلما أوغلت في التفكير، ازداد شعورها بالمرارة.اعتدلت في جلستها داخل الفراش، بشعر أشعث وعينين متورمتين ومحمرتين. تناولت هاتفها بحثًا عن شخص تبثه شكواها وتخفف به عن وطأة ما يعتمل في صدرها من مشاعر.لك
اقتحم صقيع الفناء أروقة المنزل الطويلة، ليلفح جسدها ببرودة قاسية اخترقت طبقات ثيابها الشتوية السميكة.كانت غرفة سهيل مجاورة لغرفتها.وقفت أمام بابه ورفعت يدها لتطرق، لكن ومضة من الذاكرة باغتتها؛ تذكرت فجأة رمز الدخول الخاص بالباب، وتذكرت أيضًا أن قفله الإلكتروني مبرمج على بصمة إصبعها.ترددت لبرهة، ثم وضعت إصبعها على القارئ ليُفتح الباب، وأدارت المقبض لتدلف إلى الداخل.كانت الغرفة دافئة، يغمرها ضوء أصفر خافت، بينما وقف سهيل أمام النافذة الزجاجية الواسعة، يراقب تساقط الثلج في الخارج.وحين سمع صوت الباب، التفت نحوها.تلاقت أعينهما، فتسمّرت رهف في مكانها، بينما اجتاح صدرها ضيق خانق.ألم يقل إن الوقت تأخر وإنه سيخلد للنوم؟لِمَ يقف وحيدًا يراقب الثلج، ويرفض أن يشاركها هذه اللحظة؟هل هو مجرد نفور من البقاء معها؟وإن قيل إنه يجافيها، فالأمر ليس كذلك تمامًا؛ فنظراته لم تخلُ يومًا من الحب، بل إنه حين رآها تقتحم غرفته، استقبلها بابتسامة حانية، وسألها بصوت رقيق: "ألم تنامي بعد؟"لم تجبه رهف، بل أغلقت الباب خلفها ومشت نحوه.أشاح سهيل ببصره عنها، وعاد ليتأمل مشهد الليل الثلجي خارج النافذة.وقفت رهف
أثناء تناول العشاء، لاحظت رهف أن سهيل غارق في كآبة واضحة ومزاج شديد التعكر.لكن حين سألته، أصرّ على أن كل شيء على ما يرام.بعد أن فرغت من استحمامها، استلقت على الفراش، وأمسكت هاتفها لتراجع الرسائل التي تبادلاها.كانت محادثة عادية تمامًا، خالية من أي تجاوزات لفظية. باستثناء رسالتها الأخيرة "لن أعود"، التي حملت شيئًا من الغضب، إلا أنها لا تستدعي أن تتركه في هذه الحالة من الانكسار، أليس كذلك؟قلّبت الأمر في رأسها مرارًا، ولم تجد مبررًا لتحميل نفسها مسؤولية حزنه. لعل ضغوط العمل قد نالت منه، أو ربما واجه معضلة استعصت عليه.طردت رهف هذه الأفكار من رأسها، وضبطت هاتفها على وضع "عدم الإزعاج"، ثم أطفأت النور وخلدت إلى النوم.في صباح اليوم التالي، عاد سهيل إلى عمله.وانتهت إجازة مدبرة المنزل لتعود وتستلم زمام المطبخ، متكفلة بإعداد وجبات اليوم الثلاث.في الأيام التي تلت ذلك، زادت أعباء عمل سهيل، وغرقت هي الأخرى في دوامة قضاياها، فباتا بالكاد يتصادفان على مائدة الإفطار صباحًا، ولم يعد يجمعهما سوى طعام العشاء، ليعود كل منهما بعدها إلى غرفته للراحة.أدركت رهف فجأة أن سهيل بات يتعمد تجاهلها، ويتجنب ال
شعرت رهف بالخوف حقًا.في المرة الماضية، وفي فندق يعجّ بالناس، استطاع أن يتصرف معها بقسوة.والآن... في الساعة الثانية فجرًا، في ممرّ شقة هادئ خالٍ، لم تكن تعلم كيف سيتصرف معها.قالت بصوت مرتجف، وهي تلتصق بالباب كأنها مستعدة لطلب النجدة في أي لحظة: "أنا... لم أكن أعلم أنك ستأتي أيضًا... لم أقصد الظهور
في المستشفى.دفعت رهف الرسوم، وخرجت وهي تحمل الإيصال.لحق بها عز وأمسك بذراعها: "هل فكرتِ في الاقتراح الذي طرحته عليكِ سابقًا؟"نفضت رهف يده بغضب، واستدارت تحدّق فيه: "هل أنت مريض؟"اسودّ وجهه من الغضب، وشدّ فكه، ووضع يديه على خصره بتعالٍ، وكأنها تدين له بشيءٍ ما: "رهف، فقط تزوجيني، وسأتنازل عن تعوي
أمسك سهيل معصميها اللذين كانا يقاومان، وثبّتهما بقوة فوق رأسها على الحائط.راح يقبّلها بجنون، كوحشٍ فقد السيطرة.لم تعد رهف قادرة على التحمل، فانهمرت الدموع من عينيها المغمضتين تنساب ببطء.لم يكن ينوي التوقف إطلاقًا.لم تعد تتحمّل، فعضّت شفته بقوة."آه..." شعر بألم حاد، فابتعد عن شفتيها.سهيل الذي ك
تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو







