Share

رجل من الماضي

last update publish date: 2026-07-21 13:12:28

الفصل الخامس

رجل من الماضي

لم تتحرك لجين.

كانت تقف أمام باب المقهى، بينما انعكست أضواء الشارع على وجهها الذي فقد هدوءه المعتاد.

لاحظ آدم ذلك فورًا.

منذ أن عرفها، لم يرَ الخوف في عينيها، ولا التردد في ملامحها.

أما الآن…

فقد بدا وكأن الزمن أعاد إليها ذكرى كانت تتمنى ألا تعود.

الرجل الذي نزل من السيارة أغلق الباب بهدوء، وعدّل ياقة معطفه، ثم أخذ يقترب بخطوات ثابتة.

كان طويل القامة، أنيقًا، تتخلل شعره خصلات رمادية عند الصدغين، وفي ملامحه وقار رجل اعتاد أن يفرض حضوره أينما ذهب.

لكن أكثر ما لفت انتباه آدم لم يكن هيئته…

بل الطريقة التي كان ينظر بها إلى لجين.

لم تكن نظرة غريب.

ولا نظرة صديق.

كانت نظرة شخص يحمل سؤالًا ظل يبحث عن إجابته سنوات طويلة.

توقف أمامها على بعد خطوات قليلة.

وقال بصوت هادئ:

“مساء الخير… يا لجين.”

لم تجبه مباشرة.

اكتفت بإيماءة خفيفة، ثم قالت بعد لحظة:

“مساء الخير.”

ساد صمت ثقيل.

كان المارة يعبرون الرصيف من حولهم، والسيارات تواصل سيرها، لكن آدم شعر وكأن كل الأصوات ابتعدت فجأة.

لم يبقَ سوى هذا الصمت.

قال الرجل مبتسمًا ابتسامة متحفظة:

“لم أتوقع أن أراك هنا.”

أجابت بهدوء حاولت أن تخفي خلفه ارتباكها:

“وأنا أيضًا.”

نظر إليها للحظة، ثم قال:

“مرّت سنوات.”

“نعم.”

“أكثر مما توقعت.”

كانت كلمات قصيرة، لكنها تحمل تاريخًا كاملًا.

شعر آدم أنه يقف أمام صفحة من حياة لجين لم تُفتح بعد.

التفت الرجل إلى آدم.

مد يده بأدب.

“أعتذر… لم أعرّف نفسي.”

صافحه آدم.

“اسمي فارس.”

“آدم.”

ابتسم فارس.

“تشرفت.”

ثم عاد ينظر إلى لجين.

“لن أُطيل عليكما.”

تردد قليلًا قبل أن يكمل:

“لكنني كنت أود أن أتحدث معك… إذا سمحتِ.”

تنفست لجين بعمق.

ثم قالت بهدوء:

“ليس الآن.”

أومأ برأسه.

ولم يحاول الإلحاح.

أخرج بطاقة صغيرة من جيب سترته، ووضعها على الطاولة القريبة من باب المقهى.

“إذا غيّرتِ رأيك… ستجدينني.”

استدار بهدوء، وعاد إلى سيارته.

وبعد لحظات، اختفت السيارة في زحام الطريق.

ظل آدم صامتًا.

لم يكن من طبعه التدخل في خصوصيات الآخرين.

لكن ملامح لجين كانت تقول إنها تحتاج إلى لحظة تستعيد فيها هدوءها.

قال بلطف:

“هل أنت بخير؟”

أغلقت عينيها لثانية.

ثم ابتسمت، لكنها كانت ابتسامة متعبة.

“نعم… فقط فوجئت.”

لم يصدق أنها بخير.

لكنه احترم رغبتها في عدم الحديث.

سارا ببطء على الرصيف.

كان الليل قد ازداد هدوءًا، والنسيم يحمل رائحة الياسمين المزروع على امتداد الشارع.

قال آدم بعد دقائق:

“لن أسألك من يكون.”

نظرت إليه باستغراب.

ابتسم.

“عندما ترغبين في إخباري… سأستمع.”

توقفت عن السير.

نظرت إليه طويلًا.

ثم قالت:

“شكرًا.”

“على ماذا؟”

“لأنك لم تطرح السؤال الذي كان الجميع سيطرحه.”

ابتسم.

“لكل إنسان باب مغلق… وليس من حقي أن أفتحه.”

شعرت لجين براحة لم تتوقعها.

كانت تخشى أن يلحّ عليها بالأسئلة، أو أن يسيء فهم الموقف.

لكنه فعل العكس.

ومنحها مساحة للتنفس.

وصلت سيارة أجرة.

فتحت الباب.

وقبل أن تركب، التفتت إليه.

“هل لديك وقت مساء الجمعة القادم؟”

ابتسم دون تردد.

“أعتقد أن لدي.”

“أود أن أدعوك إلى مكان أحبه.”

رفع حاجبيه.

“المقهى الجديد؟”

ضحكت لأول مرة منذ ظهور فارس.

“لا… مكان آخر.”

“إذن سأعتبرها دعوة رسمية.”

أومأت برأسها.

“إلى اللقاء يا آدم.”

“إلى اللقاء يا لجين.”

تحركت السيارة مبتعدة.

وظل واقفًا يراقبها حتى اختفت.

ثم وقعت عيناه على البطاقة التي تركها فارس فوق الطاولة.

كانت الريح قد أسقطتها على الأرض.

تردد للحظة.

ثم انحنى والتقطها.

لم يكن ينوي قراءتها.

كان يريد فقط ألا تبقى ملقاة في الشارع.

لكن ما إن رفعها، حتى وقعت عيناه، دون قصد، على الاسم المطبوع أسفلها:

الدكتور فارس السالم

استشاري جراحة القلب

توقف قليلًا.

ثم وضع البطاقة في جيبه.

قال في نفسه:

“طبيب قلب…”

وابتسم بسخرية خفيفة.

“غريب… وكأن القدر يهوى اللعب بالكلمات.”

في تلك الليلة، عادت لجين إلى شقتها وهي تحمل شعورًا مختلطًا.

وضعت حقيبتها على الأريكة، ثم جلست أمام النافذة.

كانت أضواء المدينة تتلألأ في البعيد، لكنها لم تكن تراها.

كانت ترى وجه فارس.

آخر مرة رأته فيها كانت قبل ثماني سنوات.

يوم غادر المدينة دون وداع.

ويوم أقسمت بينها وبين نفسها ألا تبحث عنه مرة أخرى.

لكن الحياة…

لم تسألها إن كانت مستعدة لهذا اللقاء.

فتحت درج مكتبها.

وأخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

بقيت تحدق فيه طويلًا.

ثم فتحته ببطء.

كان بداخله عدد من الرسائل القديمة، وشريط حريري أزرق، وصورة تجمعها بوالدها… ورجل يقف إلى جوارهما، يبتسم للكاميرا.

كان ذلك الرجل…

فارس.

أغلقت الصندوق بسرعة، وكأنها أغلقت بابًا على ذكريات حاولت دفنها طويلًا.

وفي الجهة الأخرى من المدينة، كان آدم يجلس في مكتبه، يخرج بطاقة فارس من جيبه مرة أخرى.

ظل ينظر إليها للحظات.

لم يكن يشعر بالغيرة.

ليس بعد.

لكنه شعر لأول مرة أن هناك فصلًا كاملًا من حياة لجين يجهله.

وفصلًا كهذا…

قد يغيّر كل ما بدأ ينمو بينهما.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عندما التقت العيون    الليلة التي تغير فيها كل شي

    الفصل الرابع عشرالليلة التي تغيّر فيها كل شيءكانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساءً عندما توقفت سيارة آدم أمام البناية التي تسكن فيها لجين.لم تكن الأضواء الكثيرة تملأ الشارع كما في ساعات النهار، بل اقتصرت على مصابيح صفراء متباعدة، تُلقي ظلالًا طويلة فوق الأرصفة. كان الهواء لطيفًا، يحمل شيئًا من برودة الليل، بينما خلت الطرقات إلا من عدد قليل من السيارات العابرة.أطفأ آدم محرك السيارة، لكنه لم يمد يده إلى مقبض الباب.نظر إلى لجين، التي كانت لا تزال تمسك المفتاح النحاسي بين أصابعها، تقلبه ببطء وكأنها تحاول أن تستخرج منه سرًا لا يريد أن يُقال.قال مبتسمًا:“أعتقد أن هذا المفتاح أصبح يشغل بالك أكثر مني.”ابتسمت بخفة، لكنها لم ترفع عينيها عن المفتاح.“أشعر أن والدي كان يترك لي رسالة بعد أخرى، وكلما ظننت أنني اقتربت من النهاية، اكتشفت أنني ما زلت في البداية.”أجابها آدم بهدوء:“ربما لم يكن يريد أن يمنحك الإجابة… بل أراد أن يعلمك كيف تبحثين عنها.”التفتت إليه.كانت هذه الجملة تشبه كثيرًا ما كان يقوله والدها عندما كانت طفلة.سألته بدهشة:“هل كنت تعرف والدي؟”ضحك.“لا، لكن يبدو أنه كان رجلً

  • عندما التقت العيون    المطاردة الأولى

    الفصل الثالث عشرالمطاردة الأولىللحظة واحدة…تبادل آدم ولجين النظرات، ثم تحرك آدم دون تردد.“ابقَي هنا.”لكن لجين لم تستمع إليه.قالت وهي تتبعه:“لن أتركك وحدك.”انطلق الرجل المجهول بين رفوف المكتبة بسرعة، محاولًا الوصول إلى المخرج الجانبي. كان يعرف المكان جيدًا، ويتحرك دون أن يلتفت خلفه.ركض آدم خلفه، بينما كان صوت خطواتهما يتردد في الممرات الهادئة.التفت بعض القراء بدهشة، ونهض أمين المكتبة من مقعده وهو يصيح:“ماذا يحدث؟”لكن أحدًا لم يجبه.────────خرج الرجل إلى الساحة الخارجية للمكتبة.كانت الشمس تميل نحو المغيب، والساحة مزدحمة بالزوار.استغل الزحام، وغير اتجاهه فجأة، ثم عبر الطريق مسرعًا.كاد آدم أن يلحق به، إلا أن سيارة مرت بينهما، فأجبرته على التوقف لحظة.استغل الرجل الفرصة، ودخل أحد الأزقة الضيقة.وصل آدم إلى الزقاق بعد ثوانٍ.لكنه كان فارغًا.اختفى الرجل.وكأنه تبخر.وصلت لجين وهي تلتقط أنفاسها.نظرت حولها.“أين ذهب؟”أجاب آدم وهو يتفحص المكان:“يعرف كيف يختفي.”خفض بصره إلى الأرض.لاحظ شيئًا صغيرًا يلمع بجوار حاوية قديمة.انحنى والتقطه.كان قلمًا معدنيًا أسود فاخرًا.لا يحمل

  • عندما التقت العيون    أول الخيط

    الفصل الثاني عشرأول الخيطفي ذلك المساء، عاد كلٌّ من آدم ولجين إلى منزله وهو يحمل أسئلة أكثر من الإجابات.كان البحر، الذي جمعهما أول مرة، هادئًا على غير عادته، لكن داخلهما لم يكن كذلك.شعرت لجين أن حياتها بدأت تنقسم إلى مرحلتين: ما قبل الرسالة… وما بعدها.أما آدم، فقد أدرك أن ما يحيط بها ليس مجرد ذكرى قديمة، بل قضية لم تنتهِ آثارها بعد.⸻في صباح اليوم التالي، استيقظت لجين مبكرًا.وضعت الرسالة أمامها على الطاولة، وأعادت قراءتها للمرة الثالثة.هذه المرة لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل.في أسفل الصفحة، بجوار توقيع والدها، كان هناك رمز صغير مرسوم بقلم الحبر.لم يكن توقيعًا.ولا ختمًا.بل دائرة يتوسطها مفتاح صغير.عقدت حاجبيها.همست لنفسها:“لم أرَ هذا الرمز من قبل.”بحثت في بقية الأوراق الموجودة داخل الصندوق.وبعد دقائق من التفتيش، وجدت الرمز نفسه على غلاف دفتر جلدي قديم.كان الدفتر خاليًا من أي عنوان.فتحته.بدت صفحاته الأولى فارغة.ثم، بعد عدة أوراق، بدأت تظهر ملاحظات كتبها والدها بخط صغير ومنظم.كانت الملاحظات تتحدث عن مخطوطات قديمة، وتواريخ، وأسماء مكتبات، وأرقام صفحات.لكن أكثر ما

  • عندما التقت العيون    عين خلف العدسة

    الفصل الحادي عشرعينٌ خلف العدسةبقيت لجين تحدق في شاشة هاتفها.لم يكن ما أخافها هو مضمون الرسالة وحده…بل الصورة.كانت واضحة، التُقطت من زاوية مرتفعة، تُظهرها وهي تقف عند باب شقتها، بينما يقف فارس أمامها.هذا يعني أن من التقطها كان قريبًا جدًا.قريبًا إلى حد يسمح له بمراقبة مدخل البناية.شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.رفعت رأسها نحو النافذة.ثم أغلقتها بسرعة، وأسدلت الستائر.لأول مرة منذ سنوات، لم تشعر أن شقتها هي المكان الأكثر أمانًا.⸻أعادت النظر إلى الرقم الذي أرسل الرسالة.رقم غير مسجل.ضغطت على زر الاتصال.جاءها الرد الآلي:“الرقم المطلوب لا يمكن الوصول إليه.”حاولت مرة ثانية.ثم ثالثة.لكن النتيجة كانت نفسها.جلست على الأريكة وهي تحاول ترتيب أفكارها.هل تخبر آدم؟أم تتصل بفارس؟أم تذهب إلى الشرطة؟كانت الاحتمالات كثيرة، لكن المعلومات قليلة.قررت ألا تتخذ أي قرار وهي تحت تأثير الخوف.وضعت الهاتف إلى جوارها، وأخذت نفسًا عميقًا.ثم فتحت المظروف مرة أخرى.⸻كانت الرسالة بخط والدها المعروف، الواضح والمنظم.بدأت تقرأ من أولها، هذه المرة بهدوء.ابنتي لجين…إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فا

  • عندما التقت العيون    ما بين الباب والعتبة

    الفصل العاشرما بين الباب والعتبةتجمدت لجين في مكانها.كانت يدها لا تزال تمسك بالمظروف، بينما عيناها معلقتان بالعين السحرية.لم يكن هناك شك.إنه فارس.وقف أمام الباب بثياب بسيطة، على غير هيئته الرسمية التي اعتادت رؤيته بها. لم يكن يحمل حقيبة، ولا يبدو أنه جاء في زيارة طويلة.كان واقفًا بصمت.وكأنه يمنحها حرية الاختيار.إما أن تفتح الباب…أو أن يرحل.أغلقت لجين عينيها لثوانٍ، ثم أخفت المظروف داخل الصندوق الخشبي، وأعادته إلى الدرج، قبل أن تتجه ببطء نحو الباب.فتحت القفل.ثم فتحت الباب مسافة صغيرة.نظر إليها فارس.وقال بهدوء:“مساء الخير.”لم تجب إلا بعد لحظة.“مساء النور.”ساد بينهما صمت طويل.قطعته هي بقولها:“كيف عرفت عنواني؟”أجاب بصراحة:“لم يكن صعبًا… ما زلتِ في الشقة نفسها.”لم تبدُ على وجهها أي ملامح ارتياح.قالت:“لماذا جئت؟”تنهد.“لأنني أخطأت حين حاولت أن أتحدث إليك في المعرض.”“إذن جئت لتعتذر؟”هز رأسه.“وجئت لأن الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل.”⸻ظلت ممسكة بالباب.لم تدعه يدخل.ولم تطلب منه الرحيل.قالت:“ثماني سنوات يا فارس.”خفض رأسه.“أعرف.”“ثماني سنوات دون رسالة… دون اتصال

  • عندما التقت العيون    الرسالة التي لم يحن موعدها

    الفصل التاسعالرسالة التي لم يحن موعدهالم تستطع لجين أن تكمل القراءة.أعادت الورقة إلى المظروف بسرعة، وكأن الكلمات التي قرأتها أصبحت أثقل من أن تتحملها.جلس آدم أمامها بصمت.لم يسألها عمّا جاء في الرسالة.كان يرى الاضطراب في عينيها، ويشعر أن أي سؤال الآن سيكون عبئًا إضافيًا عليها.مرت دقيقة كاملة دون أن ينطق أحدهما.ثم قالت لجين بصوت خافت:“أعتذر…”رفع آدم رأسه.“على ماذا؟”“لأنني دعوتك إلى هنا، ثم نسيت وجودك.”ابتسم ابتسامة هادئة.“أحيانًا يكون أفضل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن أمامه… هو الصمت.”نظرت إليه، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات أن هناك من يفهم خوفها دون أن يطالبها بشرحه.⸻أغلقت المظروف بعناية، ثم أعادته إلى الصندوق.لاحظ الأستاذ عبدالعزيز، الذي كان يراقبهما من بعيد، أن لون وجهها قد تغير.اقترب بخطوات هادئة.“هل كل شيء بخير يا ابنتي؟”حاولت أن تبتسم.“نعم… فقط احتجت إلى بعض الوقت.”هز الرجل رأسه بتفهم.ثم قال:“كان والدك كثيرًا ما يردد جملة لا أنساها.”رفعت لجين رأسها باهتمام.“ماذا كان يقول؟”ابتسم الرجل وهو يسترجع الذكرى.“كان يقول: الحقيقة مثل الشمس… قد تؤذي العين في اللحظ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status