LOGINالفصل 2
سارت إلينا بخطى سريعة عبر الردهة باتجاه المصاعد وما زالت كلمات إليستر تتردد في رأسها… كان الهواء هنا مختلفًا؛ أكثر حدة وبرودة، تختلط فيه رائحة البارود بالمطهرات القوية حتى بدا أن المستشفى نفسه قد تغير منذ مغادرتها صباحًا. وبينما كانت تنعطف عند الزاوية انفتحت أبواب مجموعة المصاعد الخاصة وخرج منها عدد من الرجال. تحركوا معًا بانضباط لافت كأنهم كيان واحد لا أفراد متفرقون. رجال ببدلات داكنة، وضباط عسكريون تتلألأ أوسمتهم على صدورهم، وجميعهم يسيرون بخطوات ثابتة لا مجال فيها للتردد. لكن الرجل الذي كان يتقدمهم قليلًا استحوذ على انتباهها دون أن يحاول ذلك. كان ريكاردو. طويل القامة إلى حد لافت، يتجاوز طوله المترين، بجسد قوي وكتفين عريضين يملآن زيّه القتالي… بدت نقوش التمويه الرقمي غريبة وسط بياض المستشفى المعقم، لكن الرتبة المثبتة على صدره كانت أكثر ما يستوقف النظر؛ نسر فضي يعلن مكانته دون حاجة إلى كلمة واحدة. أما وجهه، فكان يحمل وسامة قاسية لا تخلو من جاذبية طاغية. ملامح حادة، عظام وجنتين بارزة، فك قوي مشدود، وفم مستقيم لا يكشف عما يدور خلفه… لم يكن من الرجال الذين يحتاجون إلى استعراض حضورهم؛ مجرد وقوفه بين الآخرين كان كافيًا لجعلهم يبدون وكأنهم يتحركون في ظله. ثم التفت. توقفت أنفاس إلينا بينما تجولت عيناه الرماديتان في الردهة ببرودة نافذة، قبل أن تستقرا عليها. لجزء من الثانية فقط. لكن تلك الثانية بدت أطول مما ينبغي. كان في نظرته شيء جعلها تشعر كمن وُضعت تحت مجهر دقيق؛ لم تكن نظرة فضول، ولا إعجابًا، ولا حتى اهتمامًا عابرًا… كانت نظرة رجل اعتاد أن يلاحظ كل شيء، يقيّم كل تفصيل، ثم يقرر في لحظة واحدة ما إذا كان يستحق اهتمامه. شعرت إلينا بقشعريرة خاطفة تسري على امتداد عمودها الفقري بينما توقفت قدماها دون أن تشعر. وللحظة، بدا كما لو أن الممر كله اختفى من حولها، ولم يبقَ سوى تلك العينين الرماديتين ثم انصرف عنها بكل ببساطة وكأن وجودها لم يكن أكثر من تفصيل غير ذا قيمة في طريقه. في تلك اللحظة، اقترب أحد مساعديه ومد إليه جهازًا لوحيًا. "العقيد ريكاردو." انكسر ذلك الجمود. أخذ ريكاردو الجهاز دون أن يبطئ خطواته ثم بدأ يتحدث بصوت منخفض ومقتضب… كانت أوامره قصيرة، حاسمة، وواضحة، لكنها حملت من السلطة ما جعل صداها يمتد عبر الردهة دون أن يرفع صوته. واصل طريقه مع المجموعة بينما ظلت إلينا مكانها لثوانٍ. أطلقت نفسًا متقطعًا ولم تدرك أنها كانت تحبسه إلا عندما أمسكت يد بذراعها. "هل تتنفسين؟" التفتت إلينا بسرعة… كانت برينا تسحبها نحو ركن قريب من مكتب الممرضة وعيناها متسعتين على نحو واضح بينما بدت نمشاتها أكثر بروزًا فوق بشرتها الشاحبة. قالت برينا هامسة: "يا إلهي، إلينا... هل رأيتِه؟" ابتلعت إلينا ريقها… كان حلقها جافًا على نحو مزعج. "العقيد؟" "هذا ريكاردو."، قالت برينا اسمه كما لو أن مجرد نطقه يستحق خفض الصوت. "عقيد في وزارة الدفاع… إنه أشبه بإله هنا… ابنة عمي تعمل في البنتاغون وتقول إنه الرجل الذي يستعينون به عندما تكون نهاية العالم وشيكة." لوّحت برينا بيدها أمام وجهها ثم أضافت بإعجاب واضح: "وفوق ذلك، هو يشبه نجمًا سينمائيًا… نجمًا سينمائيًا غاضبًا ومخيفًا للغاية." فركت إلينا مؤخرة عنقها محاولة التخلص من القشعريرة التي خلفتها تلك النظرة الخاطفة. "يبدو وكأنه سيطلق النار عليكِ لمجرد أنك عطستِ بصوت عالٍ." "ربما." هزت برينا كتفيها ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. "لكن يا لها من نهاية جميلة!" رفعت حاجبها. "إلى أين أنت ذاهبة؟" اختفت ابتسامة إلينا. "وحدة العناية المركزة رقم ثلاثة… مهمة إليستر الخاصة." تبدلت ملامح برينا في الحال. "أوه، إلينا..." اقتربت منها أكثر وخفضت صوتها أكثر. "كوني حذرة هناك… هذا المريض... ليس مجرد جندي… الأمر برمته سري… سمعت أن رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي حاول الدخول لكنهم منعوه تحت تهديد السلاح." حدقت إلينا فيها لحظة ثم قالت وهي تحاول إقناع نفسها أكثر مما تحاول إقناع برينا: "عليّ فقط أن أراقب الشاشات… ما مدى صعوبة ذلك؟" تركتها برينا دون إجابة. دفعت إلينا عربة الإمدادات باتجاه جناح العناية المركزة، ثم دخلت الممر. انغلقت الأبواب خلفها بهدوء فعزلتها عن فوضى الردهة وأصواتها. كان الممر خاليًا. أضواء الفلورسنت القوية ألقت ضوءًا أبيض باردًا على الجدران بينما لم يكن هناك ما يكسر السكون سوى صوت خطواتها المتتابعة. توقفت أمام الغرفة رقم ثلاثة. وقف نائبان على جانبي الباب، بوجوه جامدة لا تكشف شيئًا… مدّت إلينا بطاقتها، ففحصاها مرة أخرى قبل أن يسمحا لها بالدخول. دفعت الباب. كانت الغرفة باردة… هادئة إلى حد الرهبة. لم يكن يُسمع سوى الصفير المنتظم لجهاز مراقبة القلب. على السرير، كان شاب يرقد بلا حراك… وجهه متورم ومغطى بالكدمات، ولفت الضمادات جذعه بإحكام، بينما امتدت الأنابيب والأجهزة حوله. تقدمت إلينا إلى جانب السرير ثم بدأت بفحص أنابيب المحلول الوريدي. التقطت الملف الطبي وراحت تقرأ الملاحظات. بيتر. ملازم بفيلق القضاء العسكري. توقفت عيناها عند قائمة الإصابات المروعة. أغلقت الملف ببطء ووضعته جانبًا، ثم عادت إلى الأجهزة. ضغط الدم مستقر. معدل ضربات القلب مستقر. أطلقت زفيرًا بطيئًا. ربما لن تكون المهمة أكثر من مراقبة مملة لساعات. لكنها، وهي تقف إلى جوار السرير وتستمع إلى الصفير المنتظم لم تستطع التخلص من ذلك الشعور الثقيل الذي استقر في داخلها. كانت كمن دخلت للتو إلى قلب عاصفة… والعقيد ريكاردو، صاحب العينين الرماديتين الجليديتين والحضور الذي ملأ الردهة دون جهد، هو الرجل الذي يتحكم بالريح.الفصل 12استيقظت إلينا على رائحة القهوة لكنها بقيت مستلقية على السرير للحظات تحدق في الضوء المتسلل إلى الغرفة والارتباك يثقل ذهنها. كانت أشعة الصباح تملأ المكان، والملاءات الناعمة تحيط بجسدها بدفء مريح… ولثانية واحدة، لم تعرف أين هي.ثم عادت الذكريات دفعة واحدة.الهجوم.السقوط.المقهى.الكولونيل.جلست منتصبة وقلبها يخفق بعنف بينما راحت عيناها تجولان في الغرفة قبل أن تستقرّا على تفاصيلها المألوفة… كانت لا تزال في غرفة الضيوف الباردة وترتدي البنطال الرياضي والقميص اللذين وجدتهما في الخزانة.أزاحت الغطاء عنها، ونهضت تخرج إلى الردهة بخطوات هادئة فوجدت الشقة غارقة في السكون وغرفة المعيشة خالية تمامًا.قادتها رائحة القهوة إلى المطبخ.كان إبريق القهوة موضوعًا على المنضدة، وإلى جواره كوب وملاحظة صغيرة.التقطتها وقرأت:**اضطررت للذهاب إلى البنتاغون… تفضلي، اعتبري نفسك في بيتك… بيل في الطابق السفلي. — R.**ثبتت عينا إلينا على الكلمات.كان الخط حادًا وزاويًا يشبه صاحبه تمامًا.مررت طرف إصبعها فوق حرف الـ"R" وما إن فعلت حتى شعرت بشيء خفيف يرفرف في معدتها… سحبت يدها سريعًا كمن ضُبطت متلبسة بشيء ل
الفصل 11ضرب الهواء البارد وجه إلينا بقوة فارتجف جسدها وهي تقف على الرصيف، تتابع ريكاردو متجهًا نحو سيارة دفع رباعي سوداء متوقفة إلى جانب الطريق.كان يتحرك بتيبس واضح، وذراعه المصابة مثبتة إلى جواره، ومع ذلك ظل يمشي بتلك الهيبة التي جعلته يبدو كرجل لا يسمح لشيء بأن ينتزع منه السيطرة.توقف عند السيارة، ثم التفت إليها.ومن ثم قال باقتضاب:"اصعدي."رمشت إلينا، كما لو أنها لم تستوعب الأمر."ماذا؟""اصعدي إلى السيارة يا إلينا."كان صوته هادئًا، لكن نبرته لم تترك مجالًا للنقاش.بقيت في مكانها، وعقدت حاجبيها."لماذا؟ إلى أين نحن ذاهبان؟"أطلق ريكاردو زفرة طويلة وبدت علامات الضيق على وجهه ثم استدار وعاد نحوها بخطوات ثابتة حتى توقف على بُعد بضع بوصات منها.كان طويل القامة إلى حد أجبرها على رفع ذقنها كي تلتقي عيناها بخاصته ومن هذه المسافة استطاعت أن ترى الإرهاق المحفور على ملامحه، والخطوط الحادة التي رسمها الألم حول فمه.فقال بصوت منخفض:"لست في مزاج يسمح لي بالمزاح. وُضع مشرط على حلقك ودُفعتِ من أعلى الدرج. والآن تعرضتِ للاعتداء في مكان عام على يد رجل أجبرتك والدتك على مواعدته. أليس كذلك؟"اتس
الفصل 10نهضت إلينا فجأة، فاحتكّ الكرسي بالأرض مصدراً صوتًا حادًا شقّ أجواء المقهى ومن ثم ثبتت عينيها على فينش، وقالت بصوت هادئ على نحوٍ أشد إيلامًا من الصراخ:"أنت محق يا فينش. أنت لست أحمقًا. أنت مجرد شخص نرجسي وأناني لا يرى أبعد من غروره."احمرّ وجه فينش، وارتفع صوته فورًا:"كيف تجرؤين—"قاطعته إلينا، وقد انفلت غضبها أخيرًا:"لا، كيف تجرؤ أنت؟!"تقدمت خطوة، ولم تتراجع عيناها عن عينيه."لقد أتيت إلى هنا لأن أمي أجبرتني. واعتذرت لأنني كنت أحاول الحفاظ على السلام بيننا. لكنني انتهيت."توقفت لحظة، ثم أضافت بوضوح قاطع:"لقد انتهيت من التظاهر بأنك أي شيء آخر غير طفل مدلل يرتدي بدلة باهظة الثمن."استدارت لتغادر.لكن أصابع فينش انغلقت فجأة حول معصمها يغرز قبضته في جلدها، فأطلقت إلينا شهقة مكتومة وحاولت انتزاع ذراعها.ومن ثم قال بحدة:"لن تذهبي إلى أي مكان. ليس حتى أقول أنا إننا انتهينا."قاومته إلينا، وحاولت تحرير ذراعها بكل قوتها."اتركني."كانت قبضته محكمة، حتى إن الألم بدأ يمتد في ذراعها."أنت!"، جاء الصوت كطلق ناري اخترق ضجيج المقهى وأسكت الأصوات كلها في لحظة واحدة.لوهلة تجمدت الأجساد
الفصل 9في ظهيرة اليوم التالي، جلست إلينا في المقعد الخلفي لسيارة أجرة، تحدّق عبر النافذة دون أن ترى شيئًا حقًا.تسلل ضوء الشمس الباهت بين أبراج الحي المالي الزجاجية، وانعكس على الواجهات اللامعة قبل أن يتناثر داخل السيارة. كان الضوء ساطعًا، لكنه لم يمنحها أي دفء.مع كل مطب في الطريق، كان الألم يندفع حادًا بين أضلاعها المتورمة، فتشد أصابعها على حافة المقعد بصمت. ومع ذلك، لم يكن الألم الجسدي شيئًا يُذكر أمام الفراغ البارد الذي استقر في صدرها، ذلك الخدر الذي لم تستطع التخلص منه منذ الليلة الماضية.رفعت يدها ببطء، ولمست الشاش الملفوف حول رقبتها.نبض الجرح تحت الضمادة.أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها من جديد.لقد نظفت نفسها قدر استطاعتها الليلة الماضية. غسلت الدم عن جلدها، وحاولت أن تفك تشابك شعرها وتمسحه بالماء. لكنها، مهما حاولت، لم تستطع إخفاء حالتها.كانت عيناها غائرتين، ووجهها شاحبًا، والهالات السوداء تحت عينيها عميقة إلى درجة لم يفلح معها حتى الماء البارد.لم تنم إلا قليلًا خلال اليومين الماضيين.وبعد أن انحسر الأدرينالين الذي أبقاها واقفة، أخذ جسدها يدفع الثمن دفعة واحدة. باتت أطرافها
الفصل 8بدلًا من صوت ارتطام إلينا المروع بالخرسانة، شعرت بتغير مفاجئ وعنيف في الهواء.اصطدم بها وزن ثقيل من الجانب، فانتزع ما تبقى من أنفاسها دفعة واحدة.وفي اللحظة التالية، التف ذراع حول خصرها كحلقة من الفولاذ، وجذبها بقوة نحو جسد عضلي صلب.دار العالم من حولها بعنف.لم تعد تعرف أين الأعلى وأين الأسفل، بينما تدحرج الاثنان معًا على الدرج، وتشابكت أطرافهما وسط سقوط متواصل.ثم دوّى ارتطام مروع.جسده هو من تلقى الضربة.ارتطم كتفه بدرجات السلم، ثم ارتطم ظهره بالدرابزين، وتتابعت الضربات بعنف مع كل درجة يهبطانها.لكن ذراعه التي أحاطت بها لم ترتخِ لحظة واحدة.لف جسده حولها، وحما رأسها بيده، بينما تلقى بجسده كل ضربة كان يمكن أن تصل إليها.كان الضجيج يصم الآذان.تردد صدى سقوطهما داخل العمود الخرساني، مختلطًا بأنين ألم منخفض وحاد صدر من الرجل الذي كان يحميها.ثم...توقف كل شيء فجأة.استقرا على المنصة في الأسفل.كانت إلينا محاصرة تحته، ووجهها مدفونًا في ياقة زيه العسكري. تسارعت أنفاسها، بينما تسللت إلى أنفها رائحة الدم النفاذة، ممزوجة برائحة البارود المعدنية ورائحته الرجولية النظيفة.فتحت عينيها.
الفصل 7تحرّك الرجل كالأفعى.في لمح البصر، أصبح خلف إلينا، ولف ذراعه حول عنقها بقوة خانقة. وقبل أن تستوعب ما يحدث، شعرت ببرودة مشرط يضغط على رقبتها، ثم غرزت حافته الحادة في جلدها.شهقت، لكن الذراع الملتفة حول عنقها خنقت الصوت في حلقها.صرخ الرجل:«ابتعدوا!»تناثر رذاذ لعابه من خلف القناع مع انفعاله.«ألقوا أسلحتكم، وإلا سأذبحها!»تجمّد الحراس في أماكنهم. بقيت بنادقهم مرفوعة، لكن أصابعهم ابتعدت عن الزناد، خشية أن تؤدي أي حركة خاطئة إلى إصابة إلينا.كان قلبها يضرب صدرها بعنف.اشتدت ذراع الرجل حول عنقها، تضغط على قصبة هوائها حتى أصبح كل نفس معركة. وفي الوقت نفسه، انغرز المشرط أكثر في جلدها.وخزة حادة.ثم دفء خفيف انساب على رقبتها.لقد أراق دمها بالفعل.حاولت ابتلاع ريقها، لكن حلقها لم يستجب. ضاق الهواء من حولها، وبدأت بقع سوداء تتراقص عند أطراف رؤيتها.ثم جاء صوت من المدخل:«أطلق سراحها.»كان الصوت هادئًا.باردًا.هادئًا إلى درجة جعلت التهديد الكامن فيه أكثر رعبًا.تمكنت إلينا من تحريك رأسها قليلًا.كان ريكاردو يقف عند المدخل.ثبتت عيناه الرماديتان على الرجل الذي يحتجزها، ولم يكن يحمل سل







