LOGINالفصل 3
كانت الساعات الاثنتا عشرة التالية أشبه بحلم طويل بلا فواصل. لم تغادر إلينا سرير الملازم بيتر لحظة. ظلت تتنقل بين الأجهزة، تفحص علاماته الحيوية، تراجع القراءات، وتعدّل المحاليل الوريدية كلما احتاج الأمر إلى ذلك. لم تجلس ولو مرة واحدة. كلما تحرك بيتر، كانت إلى جواره فورًا. تفحص حدقتي عينيه، تراقب تنفسه، وتتأكد من كمية السوائل الخارجة من جسده. لم تسمح للإرهاق بأن يصرف انتباهها، رغم أن الساعات كانت تمر ببطء ثقيل. عند الثالثة صباحًا تقريبًا، تحرك بيتر بعنف خفيف. توقفت إلينا عن الحركة، وانحنت نحوه. فتح عينيه بصعوبة. كانتا دامعتين، والألم واضحًا في انقباض ملامحه. تحركت شفتاه. "ماء." التقطت إلينا الكوب المزود بماصة، وقربته من شفتيه. "ببطء، يا ملازم. لقد كنت فاقدًا للوعي فترة طويلة." ارتشفت شفتاه الماء بضع مرات متقطعة. ظل ينظر إليها لحظات، وكأنه يحاول فهم المكان الذي وجد نفسه فيه. ثم انحرفت عيناه نحو الباب، حيث وقف الحارسان في الخارج. "أين..." خرجت الكلمة ضعيفة ومبحوحة، ثم خذله صوته قبل أن يتمكن من إكمال السؤال. قالت إلينا بهدوء: "أنت بأمان." توقفت لحظة. حتى هي لم تكن متأكدة تمامًا من أنها تصدق ذلك. ثم أضافت: "فقط استرح." استسلم بيتر للإرهاق، وأغمض عينيه من جديد. وبعد لحظات، غرق في نوم عميق. عادت إلينا إلى كرسيها أخيرًا، وأسندت ظهرها إليه وهي تفرك عينيها المحترقتين من شدة التعب. لم يصلها شيء من العالم الخارجي. لا أخبار عن معنى "كود أطلس". لا تفسير للإغلاق العسكري. ولا حتى تحديث واحد عمّا كان يدور خارج هذه الغرفة. فقط أزيز الأجهزة المستمر، وصفير جهاز مراقبة القلب، وخطوات مكتومة تتردد أحيانًا في الردهة. حتى السادسة صباحًا تقريبًا. عندها انفتح الباب دون طرق. انتفضت إلينا واقفة. تسارع نبضها. كان ريكاردو يقف عند المدخل. كان كما رأته في الليلة السابقة تمامًا، إلا أن آثار الساعات الطويلة كانت أوضح الآن. ملابسُه لا تزال مرتبة، وقامته مستقيمة، وحضوره طاغيًا، لكن هالات داكنة أحاطت بعينيه الرماديتين، كاشفة عن إرهاق لم يسمح له بأن يضعف وقفته أو يخفض حذره. دخل إلى الغرفة بخطوات ثابتة، وتبعه رجلان يرتديان بدلات رسمية. كان الإرهاق ظاهرًا على وجهيهما إلى حد جعلهما يبدوان وكأنهما لم يناما منذ أسبوع. ثم ظهر الدكتور إليستر خلفهما… متوترًا على نحو لافت، حتى إنه بدا للحظة ككلب صغير يتسلل بجوار قطيع من الذئاب. توقف ريكاردو عند السرير. "تقرير الحالة." خرج صوته حاسمًا، لكنه لم ينظر إلى إلينا. كان نظره مثبتًا على بيتر. تقدم إليستر فورًا. "العلامات الحيوية مستقرة، سيدي العقيد. لا توجد أي علامات للعدوى. الجراحة تكللت بالنجاح، مع أننا لن نعرف مدى تلف الأعصاب إلا بعد—" "لم أسألك." توقف إليستر في منتصف الجملة. كان صوت ريكاردو قد شق الغرفة كحد السيف. ثم أدار رأسه نحو إلينا. "الممرضة." استقرت عيناه عليها مباشرة. "أبلغيني." انطبق فم إليستر على الفور، وتراجع خطوة إلى الخلف، بينما اشتعل الاحمرار في وجهه. أما إلينا، فشعرت بأن كل انتباه الغرفة قد انتقل إليها. رفع ريكاردو ذقنه قليلًا. "الآن." ابتلعت إلينا ريقها. كانت راحتا يديها قد بدأتا بالتعرق فجأة، فمسحتهما بطرف ملابسها الطبية، ثم أجبرت نفسها على تثبيت صوتها. "معدل ضربات قلب الملازم بيتر مستقر، يتراوح حول اثنتين وسبعين نبضة في الدقيقة. ضغط دمه مئة وعشرون على ثمانين. استيقظ لفترة وجيزة عند الساعة الثالثة صباحًا. كان واعيًا، لكنه ضعيف. أعطيته جرعتين من المورفين عن طريق الوريد في الثالثة والربع لتسكين الألم. وكمية البول ضمن المعدل الطبيعي." استمع ريكاردو إليها دون أن يطرف. لم يتغير شيء في ملامحه. لكن عينيه ظلتا ثابتتين على وجهها طوال حديثها. ثم انخفضت نظرته. تحركت ببطء إلى أسفل، متجاوزة ملابسها الطبية وبطاقة الاسم المثبتة على صدرها، حتى استقرت على المخطط الذي تمسكه بين يديها. وبالتحديد... على خانة التوقيع في أسفله. راقبت إلينا وجهه. كان التغيير طفيفًا، بالكاد يُلاحظ. تضيق بسيط في عينيه. وانقباض أشد في فكه، رغم أنه كان مشدودًا أصلًا. رفع رأسه ببطء فثبت نظره للحظة أطول مما ينبغي على صدرها… على الاسم المكتوب هناك: **إلينا تومسون.** ثم اختفى بريق عينيه بالسرعة نفسها التي ظهر بها. رفع بصره إليها مجددًا. عادت ملامحه جامدة، محكمة، لا تكشف شيئًا. قال: "مقبول." ثم استدار نحو إليستر. "أريد مضاعفة الحراسة." توقف أمامه، وصوته لا يزال هادئًا، لكن حدته جعلت كل كلمة تبدو كأمر لا يقبل النقاش. "لا أحد يقترب من هذه الغرفة لمسافة تقل عن خمسين قدمًا دون إذني الصريح." ثم أضاف دون أن يرف له جفن: "لا مدير المستشفى، ولا رؤساء الأركان المشتركة، ولا حتى ملاك الموت نفسه." ثبت عينيه على إليستر. "هل هذا واضح؟" "نعم، يا سيدي العقيد." تلعثم إليستر قليلًا قبل أن يضيف: "لكن المجلس يطرح بالفعل أسئلة حول التكلفة..." خطا ريكاردو خطوة واحدة نحوه. لم تكن الحركة عنيفة. لم يرفع صوته. ومع ذلك، انتفض إليستر وكأنه تلقى ضربة. توقفت عينا ريكاردو عند وجهه. "لا يهمني أمر المجلس، يا دكتور." ساد الصمت. ثم قال ببرود أشد: "ما يهمني هو إنقاذ حياة هذا الرجل." اقترب نصف خطوة أخرى. "إن لم تستطع فعل ذلك..." توقف للحظة، ثم أكمل: "فسأجد من يستطيع." شحب وجه إليستر. "مفهوم." استدار ريكاردو عائدًا إلى الباب وحين مرّ بجانب إلينا، توقف لوهلة. لم ينظر إليها، لكن صوته وصل إليها واضحًا، منخفضًا وباردًا: "قومي بعملك يا ممرضة. لا شيء آخر." ثم خرج، وتبعته حاشيته. وما إن انغلق الباب خلفهم حتى بدأ الثقل الخانق الذي ملأ الغرفة يتلاشى شيئًا فشيئًا. أطلقت إلينا زفيرًا طويلًا، لم تدرك أنها كانت تحبسه منذ دخوله. كانت يداها ترتجفان. وضعت كفيها على حافة المنضدة، وضغطت عليهما بقوة حتى تستعيد السيطرة عليهما، ثم تمتمت من بين أسنانها: "يا له من أحمق!" لكن كلماتها لم تمنع عقلها من العودة إلى اللحظة نفسها. نظرته إلى اسمها. تلك النظرة القصيرة التي لم تفهم معناها. لم تكن نظرة عابرة. بدا وكأن اسمها أثار في داخله شيئًا ما... كأنه يعرفه.الفصل 12استيقظت إلينا على رائحة القهوة لكنها بقيت مستلقية على السرير للحظات تحدق في الضوء المتسلل إلى الغرفة والارتباك يثقل ذهنها. كانت أشعة الصباح تملأ المكان، والملاءات الناعمة تحيط بجسدها بدفء مريح… ولثانية واحدة، لم تعرف أين هي.ثم عادت الذكريات دفعة واحدة.الهجوم.السقوط.المقهى.الكولونيل.جلست منتصبة وقلبها يخفق بعنف بينما راحت عيناها تجولان في الغرفة قبل أن تستقرّا على تفاصيلها المألوفة… كانت لا تزال في غرفة الضيوف الباردة وترتدي البنطال الرياضي والقميص اللذين وجدتهما في الخزانة.أزاحت الغطاء عنها، ونهضت تخرج إلى الردهة بخطوات هادئة فوجدت الشقة غارقة في السكون وغرفة المعيشة خالية تمامًا.قادتها رائحة القهوة إلى المطبخ.كان إبريق القهوة موضوعًا على المنضدة، وإلى جواره كوب وملاحظة صغيرة.التقطتها وقرأت:**اضطررت للذهاب إلى البنتاغون… تفضلي، اعتبري نفسك في بيتك… بيل في الطابق السفلي. — R.**ثبتت عينا إلينا على الكلمات.كان الخط حادًا وزاويًا يشبه صاحبه تمامًا.مررت طرف إصبعها فوق حرف الـ"R" وما إن فعلت حتى شعرت بشيء خفيف يرفرف في معدتها… سحبت يدها سريعًا كمن ضُبطت متلبسة بشيء ل
الفصل 11ضرب الهواء البارد وجه إلينا بقوة فارتجف جسدها وهي تقف على الرصيف، تتابع ريكاردو متجهًا نحو سيارة دفع رباعي سوداء متوقفة إلى جانب الطريق.كان يتحرك بتيبس واضح، وذراعه المصابة مثبتة إلى جواره، ومع ذلك ظل يمشي بتلك الهيبة التي جعلته يبدو كرجل لا يسمح لشيء بأن ينتزع منه السيطرة.توقف عند السيارة، ثم التفت إليها.ومن ثم قال باقتضاب:"اصعدي."رمشت إلينا، كما لو أنها لم تستوعب الأمر."ماذا؟""اصعدي إلى السيارة يا إلينا."كان صوته هادئًا، لكن نبرته لم تترك مجالًا للنقاش.بقيت في مكانها، وعقدت حاجبيها."لماذا؟ إلى أين نحن ذاهبان؟"أطلق ريكاردو زفرة طويلة وبدت علامات الضيق على وجهه ثم استدار وعاد نحوها بخطوات ثابتة حتى توقف على بُعد بضع بوصات منها.كان طويل القامة إلى حد أجبرها على رفع ذقنها كي تلتقي عيناها بخاصته ومن هذه المسافة استطاعت أن ترى الإرهاق المحفور على ملامحه، والخطوط الحادة التي رسمها الألم حول فمه.فقال بصوت منخفض:"لست في مزاج يسمح لي بالمزاح. وُضع مشرط على حلقك ودُفعتِ من أعلى الدرج. والآن تعرضتِ للاعتداء في مكان عام على يد رجل أجبرتك والدتك على مواعدته. أليس كذلك؟"اتس
الفصل 10نهضت إلينا فجأة، فاحتكّ الكرسي بالأرض مصدراً صوتًا حادًا شقّ أجواء المقهى ومن ثم ثبتت عينيها على فينش، وقالت بصوت هادئ على نحوٍ أشد إيلامًا من الصراخ:"أنت محق يا فينش. أنت لست أحمقًا. أنت مجرد شخص نرجسي وأناني لا يرى أبعد من غروره."احمرّ وجه فينش، وارتفع صوته فورًا:"كيف تجرؤين—"قاطعته إلينا، وقد انفلت غضبها أخيرًا:"لا، كيف تجرؤ أنت؟!"تقدمت خطوة، ولم تتراجع عيناها عن عينيه."لقد أتيت إلى هنا لأن أمي أجبرتني. واعتذرت لأنني كنت أحاول الحفاظ على السلام بيننا. لكنني انتهيت."توقفت لحظة، ثم أضافت بوضوح قاطع:"لقد انتهيت من التظاهر بأنك أي شيء آخر غير طفل مدلل يرتدي بدلة باهظة الثمن."استدارت لتغادر.لكن أصابع فينش انغلقت فجأة حول معصمها يغرز قبضته في جلدها، فأطلقت إلينا شهقة مكتومة وحاولت انتزاع ذراعها.ومن ثم قال بحدة:"لن تذهبي إلى أي مكان. ليس حتى أقول أنا إننا انتهينا."قاومته إلينا، وحاولت تحرير ذراعها بكل قوتها."اتركني."كانت قبضته محكمة، حتى إن الألم بدأ يمتد في ذراعها."أنت!"، جاء الصوت كطلق ناري اخترق ضجيج المقهى وأسكت الأصوات كلها في لحظة واحدة.لوهلة تجمدت الأجساد
الفصل 9في ظهيرة اليوم التالي، جلست إلينا في المقعد الخلفي لسيارة أجرة، تحدّق عبر النافذة دون أن ترى شيئًا حقًا.تسلل ضوء الشمس الباهت بين أبراج الحي المالي الزجاجية، وانعكس على الواجهات اللامعة قبل أن يتناثر داخل السيارة. كان الضوء ساطعًا، لكنه لم يمنحها أي دفء.مع كل مطب في الطريق، كان الألم يندفع حادًا بين أضلاعها المتورمة، فتشد أصابعها على حافة المقعد بصمت. ومع ذلك، لم يكن الألم الجسدي شيئًا يُذكر أمام الفراغ البارد الذي استقر في صدرها، ذلك الخدر الذي لم تستطع التخلص منه منذ الليلة الماضية.رفعت يدها ببطء، ولمست الشاش الملفوف حول رقبتها.نبض الجرح تحت الضمادة.أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها من جديد.لقد نظفت نفسها قدر استطاعتها الليلة الماضية. غسلت الدم عن جلدها، وحاولت أن تفك تشابك شعرها وتمسحه بالماء. لكنها، مهما حاولت، لم تستطع إخفاء حالتها.كانت عيناها غائرتين، ووجهها شاحبًا، والهالات السوداء تحت عينيها عميقة إلى درجة لم يفلح معها حتى الماء البارد.لم تنم إلا قليلًا خلال اليومين الماضيين.وبعد أن انحسر الأدرينالين الذي أبقاها واقفة، أخذ جسدها يدفع الثمن دفعة واحدة. باتت أطرافها
الفصل 8بدلًا من صوت ارتطام إلينا المروع بالخرسانة، شعرت بتغير مفاجئ وعنيف في الهواء.اصطدم بها وزن ثقيل من الجانب، فانتزع ما تبقى من أنفاسها دفعة واحدة.وفي اللحظة التالية، التف ذراع حول خصرها كحلقة من الفولاذ، وجذبها بقوة نحو جسد عضلي صلب.دار العالم من حولها بعنف.لم تعد تعرف أين الأعلى وأين الأسفل، بينما تدحرج الاثنان معًا على الدرج، وتشابكت أطرافهما وسط سقوط متواصل.ثم دوّى ارتطام مروع.جسده هو من تلقى الضربة.ارتطم كتفه بدرجات السلم، ثم ارتطم ظهره بالدرابزين، وتتابعت الضربات بعنف مع كل درجة يهبطانها.لكن ذراعه التي أحاطت بها لم ترتخِ لحظة واحدة.لف جسده حولها، وحما رأسها بيده، بينما تلقى بجسده كل ضربة كان يمكن أن تصل إليها.كان الضجيج يصم الآذان.تردد صدى سقوطهما داخل العمود الخرساني، مختلطًا بأنين ألم منخفض وحاد صدر من الرجل الذي كان يحميها.ثم...توقف كل شيء فجأة.استقرا على المنصة في الأسفل.كانت إلينا محاصرة تحته، ووجهها مدفونًا في ياقة زيه العسكري. تسارعت أنفاسها، بينما تسللت إلى أنفها رائحة الدم النفاذة، ممزوجة برائحة البارود المعدنية ورائحته الرجولية النظيفة.فتحت عينيها.
الفصل 7تحرّك الرجل كالأفعى.في لمح البصر، أصبح خلف إلينا، ولف ذراعه حول عنقها بقوة خانقة. وقبل أن تستوعب ما يحدث، شعرت ببرودة مشرط يضغط على رقبتها، ثم غرزت حافته الحادة في جلدها.شهقت، لكن الذراع الملتفة حول عنقها خنقت الصوت في حلقها.صرخ الرجل:«ابتعدوا!»تناثر رذاذ لعابه من خلف القناع مع انفعاله.«ألقوا أسلحتكم، وإلا سأذبحها!»تجمّد الحراس في أماكنهم. بقيت بنادقهم مرفوعة، لكن أصابعهم ابتعدت عن الزناد، خشية أن تؤدي أي حركة خاطئة إلى إصابة إلينا.كان قلبها يضرب صدرها بعنف.اشتدت ذراع الرجل حول عنقها، تضغط على قصبة هوائها حتى أصبح كل نفس معركة. وفي الوقت نفسه، انغرز المشرط أكثر في جلدها.وخزة حادة.ثم دفء خفيف انساب على رقبتها.لقد أراق دمها بالفعل.حاولت ابتلاع ريقها، لكن حلقها لم يستجب. ضاق الهواء من حولها، وبدأت بقع سوداء تتراقص عند أطراف رؤيتها.ثم جاء صوت من المدخل:«أطلق سراحها.»كان الصوت هادئًا.باردًا.هادئًا إلى درجة جعلت التهديد الكامن فيه أكثر رعبًا.تمكنت إلينا من تحريك رأسها قليلًا.كان ريكاردو يقف عند المدخل.ثبتت عيناه الرماديتان على الرجل الذي يحتجزها، ولم يكن يحمل سل







