Home / الرومانسية / غرام راشد / الفصل التاسع عشر: الكمين

Share

الفصل التاسع عشر: الكمين

last update publish date: 2026-09-10 18:05:13

جاءت دعوة عاجلة من شيخ قبيلة مجاورة يطلب فيها لقاء راشد شخصياً لمناقشة أمر خلاف حدودي بدأ يتصاعد بين بعض رعاة القبيلتين، وكان من الأمور التي لا يمكن تأجيلها أو إرسال مندوب عنها دون إثارة حساسية غير مرغوبة. تردد راشد كثيراً قبل الموافقة على السفر، خاصة في ظل المخاوف الأمنية الأخيرة، لكن فارس طمأنه قائلاً: "سأبقى هنا بنفسي لأشرف على حراسة الديار يا راشد، ولن أدع أي مكروه يصل إلى سلمى أو أي فرد من بيتك، اذهب واطمئن، فالأمر لن يستغرق أكثر من يومين."

ودّع راشد سلمى في صباح باكر، وضمها بحنان عميق قبل الرحيل، وقال بقلق واضح لم يستطع إخفاءه تماماً: "اعتني بنفسك جيداً يا سلمى، ولا تبتعدي عن البيت إطلاقاً حتى عودتي، أرجوك. سأعود بأسرع ما يمكن." طمأنته سلمى بابتسامة واثقة رغم قلقها الداخلي الخفي: "سأكون بخير يا راشد، فارس هنا وسيحمينا جميعاً، اذهب وأنجز مهمتك بسلام." انطلق راشد مع مجموعة صغيرة من رجاله الموثوقين نحو ديار القبيلة المجاورة، تاركاً خلفه قلقاً لم يستطع التخلص منه تماماً طوال الطريق.

في اليوم نفسه، وبعيداً عن أعين الحراسة المضاعفة حول البيت الرئيسي، كان تركي وسعد ومجموعتهما الصغيرة يراقبون تحركات الديار بصبر شديد، منتظرين تلك اللحظة بالذات التي غادر فيها راشد. قال تركي لرفاقه بحماس متوتر: "هذه فرصتنا، راشد بعيد الآن، والحراسة، رغم أنها أقوى من المعتاد، لا تزال بإمكاننا اختراقها إن تحركنا بذكاء وسرعة." وافقه سعد بحذر: "يجب أن نكون دقيقين جداً في التوقيت، أي خطأ بسيط قد يكلفنا حياتنا جميعاً."

في ذلك المساء، بينما كانت سلمى تجلس في حديقتها المفضلة برفقة حارس واحد فقط كلّفته مضاوي بمرافقتها كعادة الأيام الأخيرة، لاحظت حركة غريبة عند الجدار البعيد للحديقة، حيث يقل ارتفاع السياج الحجري القديم بشكل واضح. قبل أن تتمكن من التحرك أو الصراخ، قفز ثلاثة رجال ملثمين فوق الجدار بسرعة مفاجئة، وهاجموا الحارس الوحيد الذي حاول الدفاع بشجاعة لكنه أصيب بضربة قوية أفقدته وعيه سريعاً. صرخت سلمى بأعلى صوتها طلباً للنجدة، بينما حاول أحد الرجال الإمساك بها بقوة.

سمعت هيفاء، التي كانت في الداخل غير بعيدة، صراخ سلمى، فهرعت فوراً نحو الحديقة وهي تصرخ منادية بقية الحراس بأعلى صوتها. وصل حارسان آخران بسرعة كبيرة، مسلحين بخناجرهم، واشتبكا فوراً مع المهاجمين في معركة قصيرة لكنها عنيفة. تمكن أحد الحراس من إصابة أحد المهاجمين بجرح في ذراعه، مما اضطره للتراجع بألم، بينما حاول تركي نفسه، الذي كان يقود المجموعة شخصياً، أن يسحب سلمى بالقوة نحو الجدار حيث انتظرت خيولهم مستعدة للفرار السريع.

قاومت سلمى بكل ما أوتيت من قوة، تصرخ وتحاول الإفلات من قبضته القوية، بينما وصلت هيفاء أخيراً إلى مسرح الأحداث تحمل عصا خشبية غليظة كانت قريبة منها، وضربت بها أحد المهاجمين الآخرين بقوة على ظهره، مما جعله يترنح متألماً. صرخت هيفاء بغضب: "اتركوها فوراً أيها الجبناء!" في تلك اللحظة بالذات، وصل فارس نفسه مسرعاً بعد أن سمع صخب المعركة من بعيد، ومعه ثلاثة رجال إضافيين مسلحين جيداً.

عند رؤية فارس ورجاله، أدرك تركي أن الفرصة بدأت تنقلب ضده بسرعة، لكنه ظل متمسكاً بذراع سلمى بعناد يائس، وصرخ بصوت مرتجف من التوتر والغضب معاً: "لن أتركها حتى يدفع راشد ثمن ما فعله بعائلتي!" اقترب فارس بحذر شديد، خائفاً من أي حركة مفاجئة قد تؤذي سلمى أو حملها، وقال بصوت هادئ لكنه حازم: "يا تركي، أعرف أنك غاضب، وأعرف أن ما حدث لعائلتك كان مؤلماً، لكن إيذاء امرأة حامل بريئة لن يعيد لك شرفك، بل سيزيده سوءاً أكثر بكثير. أطلق سراحها الآن، وسنتحدث بهدوء عن أي مظلمة تشعر بها."

تردد تركي للحظة، وبدت عليه علامات صراع داخلي عنيف، بين غضبه المتراكم منذ أشهر ورغبته العميقة في الانتقام، وبين صوت ضميره الذي بدأ يذكّره بأنه ليس والده، وأنه لم يكن مضطراً لأن يسير على خطاه المظلمة. في تلك اللحظة الحرجة، تحرك أحد رجال فارس بسرعة من خلف تركي، وأمسك بذراعه بقوة، مما أجبره على إفلات سلمى التي سقطت على ركبتيها متعبة ومرتجفة لكنها سالمة. هرعت هيفاء نحوها فوراً، وأحاطتها بذراعيها بحماية، بينما تمكن رجال فارس من السيطرة الكاملة على تركي وبقية رفاقه الذين حاولوا الفرار لكن بلا جدوى، فقد كانت الحراسة الإضافية قد أغلقت كل المنافذ المحتملة للهروب.

تمكن سعد وحده من الفرار في خضم الفوضى، مستغلاً لحظة انشغال الجميع بإخضاع تركي، واختفى في ظلام الليل قبل أن يستطيع أحد اللحاق به. قال فارس بغضب مكتوم وهو يراقب الاتجاه الذي اختفى فيه سعد: "سنجده لاحقاً، الآن الأهم هو التأكد من سلامة سلمى." أسرع نحوها، وسألها بقلق عميق: "هل أنتِ بخير يا سلمى؟ هل أُصبتِ بأي أذى؟" هزت سلمى رأسها بضعف، وهي لا تزال ترتجف من هول الموقف: "أنا بخير يا فارس، خائفة فقط، لكنني بخير، والطفل أيضاً أشعر أنه بخير بحمد الله."

أمر فارس رجاله بتقييد تركي ورفاقه المتبقين بإحكام، وحبسهم في مكان آمن بانتظار عودة راشد ليقرر مصيرهم بنفسه. أرسل فارس فوراً رسولاً سريعاً على أفضل الجياد ليخبر راشد بما حدث، حريصاً على طمأنته أن سلمى بخير تماماً رغم الحادثة المفزعة، خوفاً من أن يصله الخبر بشكل مبالغ فيه يثير قلقه أكثر من اللازم أثناء رحلة عودته. جلست سلمى في حضن هيفاء لدقائق طويلة، تبكي من هول ما حدث، بينما حاولت هيفاء تهدئتها بكلمات حانية: "انتهى الأمر الآن يا سلمى، أنتِ بأمان، والحمد لله أن كل شيء انتهى بسلام نسبياً."

بعد أن هدأت سلمى قليلاً، تفقد فارس بنفسه حالة الحارس المصاب الذي كان قد فقد وعيه في بداية الهجوم، وأمر بنقله فوراً إلى مكان مخصص للعناية به، حيث تولت إحدى النساء المطلعات على أساسيات العلاج تضميد جراحه بعناية، بينما أرسل فارس أيضاً لإحضار سلمى نفسها فور استعادتها بعض هدوئها، فقد كانت معرفتها بالأعشاب قد تساعد في تخفيف ألمه، رغم حالتها النفسية الصعبة في تلك اللحظة. أصرت سلمى، رغم إرهاقها الشديد، على المساعدة قليلاً، وقالت بصوت متعب لكنه حازم: "لا يمكنني أن أرتاح وأعرف أن رجلاً أصيب وهو يحاول حمايتي، دعوني أساعد ولو بالقليل."

طوال الليل، بقيت هيفاء بجانب سلمى، ترافقها وتطمئنها، بينما نظّم فارس رجاله لحراسة مضاعفة حول البيت بأكمله تحسباً لأي محاولة أخرى قد يقوم بها من تبقى من المهاجمين أو أي محاولة انتقام مفاجئة. جلست مضاوي هي أيضاً بجانب كنتها معظم الليل، تمسك يدها بحنان أمومي صادق، وتهمس لها بكلمات طمأنة متكررة: "أنتِ بخير الآن يا ابنتي، وطفلك بخير أيضاً بإذن الله، لقد نجوت من خطر حقيقي، وهذا يعني أن الله يحميك ويحمي هذا الطفل لحكمة عظيمة ينتظرها هذا البيت." تأثرت سلمى بعمق بهذه الكلمات الحانية، وشعرت بامتنان صادق لوجود هذه العائلة الجديدة التي احتضنتها بكل هذا الحب في أصعب لحظاتها.

عند الفجر تقريباً، حين بدأ ضوء الصباح الأول يتسلل إلى الغرفة، غفت سلمى أخيراً غفوة قصيرة متعبة، بعد ليلة طويلة مليئة بالخوف والتوتر، بينما بقيت هيفاء ومضاوي تتناوبان السهر بجانبها، حريصتين على ألا تستيقظ وحيدة إن راودها كابوس من هول ما مرت به تلك الليلة المرعبة.

في تلك الأثناء، جلس فارس مع تركي المقيد في مكان منعزل، محاولاً أن يفهم دوافعه الحقيقية قبل عودة راشد. سأله بهدوء: "لماذا فعلت هذا يا تركي؟ كنت تعرف أن سلمى حامل، أن ما كنت تخطط له قد يؤذي امرأة بريئة وطفلاً لم يولد بعد." أطرق تركي رأسه بخجل حقيقي بدأ يتسلل إليه بعد أن هدأت حدة توتره، وقال بصوت خافت: "لم أفكر في الأمر بهذا الوضوح حين كنت غارقاً في غضبي يا فارس، كنت أرى فقط ظلماً وقع على عائلتي، ولم أفكر في الضحايا المحتملين لخطتي." شعر فارس بشيء من التعاطف رغم غضبه المشروع، وقال: "الغضب يعمي البصيرة يا تركي، هذا درس يجب أن تتعلمه جيداً من هذه التجربة."

في الصباح، حين استيقظت سلمى أخيراً بعد ساعات قليلة من النوم المتقطع، شعرت بألم خفيف في ظهرها نتيجة التوتر والإرهاق الذي عاشته الليلة الماضية، فسارعت مضاوي بإحضار كوب من شاي أعشاب مهدئ كانت سلمى نفسها قد علّمتها كيفية تحضيره في وقت سابق. احتست سلمى الشاي ببطء، وشعرت بتحسن تدريجي، وقالت بامتنان: "شكراً لك يا أماه، لا أعرف ماذا كنت سأفعل لولا وجودك ووجود هيفاء بجانبي الليلة الماضية." ابتسمت مضاوي بحنان: "نحن عائلتك الآن يا سلمى، ولن ندعك تواجهين أي خطر وحدك أبداً."

سألت سلمى عن فهد، الشاب الذي سمعت أنه كان من بين المهاجمين لكنه لم يقاوم كثيراً حين قُبض عليه، فأخبرها فارس أنه كان الأكثر ندماً بين الجميع، واعترف بسرعة أنه انضم للمجموعة دون قناعة حقيقية بخطورة ما يفعلونه. طلبت سلمى من فارس أن يعامله برأفة أكبر من البقية عند عرض الأمر على راشد، قائلة: "يبدو أنه كان مجرد شاب انجرف مع الآخرين دون تفكير عميق، ربما يستحق فرصة مختلفة عن تركي." وعدها فارس بأن ينقل رأيها لراشد فور عودته، مقدراً حكمتها ورحمتها حتى في أحلك الظروف التي مرت بها للتو.

في وقت لاحق من ذلك الصباح، أرسل فارس دورية إضافية للتأكد من عدم وجود أي تهديد متبقٍ حول الديار، وعادت الدورية بعد ساعات لتؤكد خلو المنطقة المحيطة من أي أثر لمهاجمين آخرين، مما منح الجميع شعوراً أكبر بالأمان النسبي في انتظار عودة راشد. جلست سلمى في فراشها معظم ذلك اليوم، ترتاح بناءً على نصيحة النساء المحيطات بها، بينما تناوبت هيفاء ومضاوي على رعايتها بحب وعناية فائقين، حريصتين على أن تستعيد قوتها وهدوءها الداخلي قبل عودة زوجها القلق عليها.

في المساء، جلست سلمى تستعيد تفاصيل الهجوم في ذهنها بهدوء أكبر بعد أن مر الخطر المباشر، وتذكرت وجه تركي عن قرب حين حاول سحبها نحو الجدار. لاحظت في عينيه، وسط كل ذلك الغضب والتوتر، ما بدا وكأنه تردد حقيقي، كأن جزءاً منه لم يكن مقتنعاً تماماً بما يفعله. شاركت هذه الملاحظة مع هيفاء، التي قالت بتفكير: "ربما يكون شاباً ضائعاً أكثر منه شريراً حقيقياً يا سلمى، تربى في كنف والد أخطأ خطأً جسيماً، وورث غضبه دون أن يرث حكمة تكفي لضبطه." أومأت سلمى موافقة، وقالت: "أتمنى أن يجد راشد طريقة عادلة للتعامل مع هذا الأمر، طريقة لا تزيد الحقد حقداً آخر."

❖ ❖ ❖

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غرام راشد   الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

    مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."في تلك

  • غرام راشد   الفصل الرابع والعشرون: عودة الابن الضال

    مع اقتراب موعد إتمام تركي لعامه الكامل من الخدمة في الديار البعيدة، بدأ راشد يفكر جدياً في كيفية التعامل مع عودته المرتقبة. استدعى فارس ليستشيره في الأمر، وقال بتفكير عميق: "مرّ عام كامل يا فارس، وكل الأخبار التي وصلتنا عن تركي تشير إلى تغير حقيقي في شخصيته. أظن أن الوقت حان لنفي بوعدنا ونمنحه فرصة العودة والتواصل مع والديه المنفيين." وافقه فارس، لكنه أضاف بحذر: "يجب أن نبقى يقظين مع ذلك يا راشد، فالتغيير الحقيقي يحتاج وقتاً ليثبت نفسه بشكل كامل، لا نريد أن نتسرع في منحه ثقة كاملة قبل أن يستحقها فعلياً."أرسل راشد رسالة إلى الديار البعيدة التي كان يعمل فيها تركي، يطلب منه العودة لمقابلته شخصياً قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبله. وصل تركي بعد أسابيع قليلة، وقد تغيرت ملامحه بشكل واضح، جسده أكثر نحافة من العمل الشاق، لكن عينيه حملتا نظرة أكثر نضجاً وهدوءاً مما كانتا عليه قبل عام كامل. جلس أمام راشد بتواضع حقيقي، وقال بصوت هادئ: "شكراً لك على هذه الفرصة يا راشد، لم أكن أستحقها، لكنني حاولت أن أستفيد منها بأفضل ما أستطيع."سأله راشد بصدق: "أخبرني بصراحة يا تركي، ماذا تعلمت خلال هذا العا

  • غرام راشد   الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

    بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين ال

  • غرام راشد   الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

    مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت با

  • غرام راشد   الفصل الحادي والعشرون: أيام الأمومة

    مرت الأسابيع الأولى بعد ولادة سالم بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه تسارع احتفاءً بهذا القادم الجديد إلى الحياة. تكيفت سلمى ببطء مع إيقاع الأمومة الجديد، الليالي القصيرة والنوم المتقطع، لكنها كانت تشعر بسعادة عميقة تفوق أي تعب جسدي، سعادة كانت تتجدد كل صباح حين ترى وجه ابنها الصغير النائم بسلام بين ذراعيها. جلست ذات صباح في الحديقة، تُرضع سالم تحت ظل شجرة النخيل المعتادة، بينما راقبها راشد من بعيد بابتسامة لا تفارق شفتيه، مندهشاً من عمق السعادة التي غمرت حياته منذ قدوم هذا الطفل الصغير.اعتاد راشد أن يخصص وقتاً كل مساء، مهما كانت مشاغل القبيلة كثيرة، ليجلس مع سالم بنفسه، يحمله بحذر شديد ويتحدث إليه بصوت خافت حنون، وكأنه يشارك ابنه الصغير كل أفكاره وهمومه اليومية. قالت له مضاوي ذات مرة وهي تراقب هذا المشهد بعينين مغرورقتين بالدموع: "لم أرك بهذا القدر من السعادة منذ زمن طويل جداً يا بني، هذا الطفل أعاد الحياة إلى قلبك وإلى هذا البيت كله." ابتسم راشد بصدق: "سالم منحني معنى جديداً للحياة يا أمي، معنى لم أعرفه حتى في أسعد أيامي السابقة."في تلك الأثناء، لم ينسَ راشد أمر فهد، الشاب الذي شارك في

  • غرام راشد   الفصل العشرون: النصر والسكينة

    وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status