Home / الرومانسية / غرام راشد / الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

Share

الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

last update publish date: 2026-09-14 19:35:47

مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.

بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."

فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت باقتراح حذر: "ألا يمكن التفاوض مع القبيلة المجاورة بشأن تلك البئر القديمة التي ذكرتها لي يوماً، تلك التي زرناها في رحلتنا إلى الواحة؟ ربما يمكن إحياؤها وتقاسم مواردها بشكل عادل بين القبيلتين، بدلاً من أن يتنافس الجميع على موارد شحيحة." أعجب راشد بهذه الفكرة، وقال: "هذا اقتراح حكيم يا سلمى، لكن تلك المنطقة تقع على الحدود مع أراضي قبيلة أخرى، قبيلة لم تكن علاقتنا بها ودية دائماً في الماضي، بسبب نزاعات قديمة على حقوق الرعي في تلك المنطقة بالذات."

في الأيام التالية، تفاقم الوضع أكثر حين وصلت أنباء أن قبيلة الروضان، القبيلة المجاورة صاحبة النزاع القديم، بدأت هي أيضاً تعاني من شح المياه، وأن بعض رعاتها بدأوا يقتربون من حدود أراضي بني حارث بحثاً عن مراعٍ ومصادر مياه بديلة. خشي راشد أن يتطور هذا التقارب غير المرغوب إلى مواجهة مباشرة، خاصة مع وجود تاريخ من التوتر بين القبيلتين حول ذلك النزاع الحدودي القديم الذي ذكره الرسول قبل أشهر حين طلب شيخ القبيلة المجاورة لقاء راشد.

استدعى راشد فارس لمناقشة الوضع، وقال بجدية: "يجب أن نتحرك بحكمة يا فارس، إن تركنا الأمور تتفاقم، قد ننزلق إلى صراع مسلح لا يفيد أياً من القبيلتين في مثل هذه الظروف القاسية. أفضل حل هو المفاوضات المباشرة، اتفاق عادل يقاسم الموارد المتاحة بين الطرفين." وافقه فارس الرأي، لكنه حذر: "شيخ الروضان رجل عنيد يا راشد، معروف بصلابة موقفه وعدم تنازله بسهولة، قد تكون المفاوضات معه صعبة للغاية."

قرر راشد أن يرسل رسولاً يحمل طلب لقاء رسمي مع شيخ الروضان لمناقشة أزمة المياه المشتركة، محاولاً أن يقترب من الموضوع بروح تعاونية بدلاً من المواجهة المباشرة. انتظر الرد بقلق، وبعد أيام قليلة، وصل جواب يحمل موافقة حذرة على اللقاء، لكن بشروط صارمة تحدد مكان الاجتماع وعدد المرافقين المسموح بهم، مما عكس حجم انعدام الثقة المتراكم عبر السنوات بين القبيلتين.

في تلك الأثناء، قررت سلمى أن تستغل معرفتها بالأعشاب لمساعدة القبيلة بطريقة أخرى، فبدأت تبحث عن نباتات صحراوية معروفة بقدرتها على الصمود في ظروف الجفاف الشديد، أعشاب يمكن أن تكون علفاً بديلاً للماشية في أوقات الأزمة. استعانت بخبرة بعض النساء المسنات في القبيلة، اللواتي تذكرن ممارسات قديمة استُخدمت في أزمات جفاف سابقة، وبدأت تجمع هذه المعرفة المتناثرة في نظام أكثر تنظيماً يمكن أن يفيد القبيلة بأكملها في هذه الظروف الصعبة.

جاء يوم اللقاء المرتقب مع شيخ الروضان، فانطلق راشد مع فارس وعدد محدود من الرجال نحو نقطة اللقاء المتفق عليها، منطقة محايدة تقع بين أراضي القبيلتين. وجد راشد شيخ الروضان، رجلاً مسناً يُدعى ناصر بن حمدان، جالساً بصرامة واضحة، يحيط به حراسه بحذر شديد. بدأ راشد الحديث بلباقة، محاولاً كسر الجليد بينهما: "أشكرك يا شيخ ناصر على قبولك هذا اللقاء، في وقت أعرف أنه صعب على الجميع." نظر إليه الشيخ العجوز بعينين حذرتين، وقال بصوت جاف: "لم أوافق على اللقاء لأنني أثق بك يا راشد، بل لأن القحط لا يترك لنا خياراً آخر سوى التفاوض، شئنا أم أبينا."

استمر الحديث بحذر شديد لساعات طويلة، يتبادل فيه الطرفان مواقفهما ومخاوفهما بصراحة متزايدة تدريجياً كلما شعر كل منهما بجدية الطرف الآخر. اقترح راشد حلاً وسطاً: تقاسم عادل لمياه تلك البئر القديمة المشتركة، مع تنظيم أوقات استخدام محددة لكل قبيلة تجنباً لأي احتكاك مباشر بين الرعاة، إضافة إلى اتفاق على حدود واضحة للمراعي المشتركة تحترمها القبيلتان معاً. تردد الشيخ ناصر طويلاً، فقد كانت الثقة بين القبيلتين ضعيفة جداً بعد سنوات من التوتر المتراكم، لكن واقع القحط القاسي دفعه في النهاية للموافقة على تجربة هذا الاتفاق لموسم واحد على الأقل، مع إمكانية تقييمه وتجديده لاحقاً إن أثبت نجاحه.

عاد راشد إلى بيته بشعور من الارتياح الممزوج بالحذر، مدركاً أن هذا الاتفاق الهش يحتاج متابعة دقيقة وثقة متبادلة تُبنى تدريجياً، لا دفعة واحدة. أخبر سلمى بتفاصيل اللقاء، فقالت بفخر: "أنت تصنع فرقاً حقيقياً يا راشد، ليس فقط لقبيلتنا، بل لكل من حولنا. هذه هي القيادة الحقيقية، إيجاد حلول تحفظ كرامة الجميع بدلاً من الانتصار على حساب الآخرين." شعر راشد بامتنان عميق لهذا الدعم المستمر من سلمى، التي أصبحت مستشارته الحقيقية في أصعب القرارات، لا مجرد زوجة تنتظره في البيت.

في الأسابيع التالية، بدأ تطبيق اتفاق تقاسم المياه بشكل فعلي، وحضر راشد بنفسه أول عملية توزيع منظمة للمياه من البئر المشتركة، حريصاً على أن يشهد الجميع التزامه الشخصي بهذا الاتفاق. وقف بجانب ممثل عن قبيلة الروضان، يشرفان معاً على تنظيم أدوار الرعاة من الجانبين، وسط أجواء حذرة في البداية سرعان ما تحولت إلى تعاون عملي حقيقي مع مرور الأيام. لاحظ الرعاة من الجانبين أن هذا الترتيب يخدم مصلحة الجميع فعلاً، فبدأوا يتبادلون الحديث بشكل طبيعي أكثر، بل وتبادل بعضهم نصائح حول أفضل طرق الحفاظ على الماشية في ظروف القحط القاسية.

جاءت سلمى بنفسها في إحدى المرات لزيارة موقع البئر، حاملة معها بعض المستحضرات العشبية التي أعدتها لعلاج جروح بسيطة قد تصيب الرعاة أثناء عملهم الشاق. قابلت هناك امرأة من قبيلة الروضان تُدعى أم فيصل، وتبادلتا حديثاً ودياً عن خبراتهما المختلفة في العناية بالماشية والأعشاب الطبية. أعجبت أم فيصل بمعرفة سلمى الواسعة، وقالت بصراحة: "لم أتوقع يوماً أن أجد صداقة حقيقية مع امرأة من بني حارث، لكنك أثبتِ أن الخير لا يعرف حدوداً قبلية يا سلمى." ابتسمت سلمى بصدق: "الحكمة والخير موجودان في كل مكان يا أم فيصل، فقط نحتاج أن نمنح أنفسنا فرصة لاكتشافهما في الآخرين."

بدأت هذه اللقاءات المتكررة عند البئر المشتركة تنسج شبكة من العلاقات الشخصية بين نساء ورجال القبيلتين، علاقات تجاوزت السياسة الرسمية لتصل إلى مستوى إنساني أعمق بكثير. شعر راشد بفخر حقيقي وهو يراقب هذا التحول التدريجي، وقال لسلمى ذات مساء: "بدأنا بحل أزمة مياه بسيطة نسبياً، لكننا ننتهي ببناء جسر حقيقي بين شعبين كانا يوماً أعداء. هذا أعظم إنجاز حققته في حياتي كشيخ لهذه القبيلة." نظرت إليه سلمى بفخر، وقالت: "وأنا فخورة جداً أن أكون جزءاً من هذا الإنجاز معك يا راشد."

مع نجاح التجربة الأولى للاتفاق، بدأ راشد يفكر في توسيع نطاقه ليشمل مساعدة متبادلة أوسع في أوقات الأزمات المستقبلية، لا فقط تقاسم المياه. اقترح على الشيخ ناصر في لقاء لاحق إنشاء نظام تخزين مشترك للحبوب والأعلاف يمكن اللجوء إليه في سنوات القحط الشديد، يساهم فيه الطرفان بحصص عادلة حسب إمكانياتهما، ويُدار بإشراف مشترك من كبار القبيلتين. أعجب الشيخ ناصر بهذه الفكرة المبتكرة، وقال: "هذا تفكير بعيد المدى يا راشد، يفوق مجرد حل أزمة حالية إلى بناء نظام مستدام يحمي أجيالنا القادمة من مخاطر مشابهة." وافق على الفور، وبدأ الطرفان بالفعل في تنظيم أول مخزن مشترك من هذا النوع، يقع في منطقة حدودية محايدة يسهل الوصول إليها من كلا الجانبين.

في تلك الأثناء، بدأت أخبار هذا التعاون الناجح بين بني حارث والروضان تنتشر بين القبائل الأخرى في المنطقة، وأصبح راشد يُذكر بين شيوخ القبائل المجاورة كنموذج للقيادة الحكيمة القادرة على تحويل الأزمات إلى فرص حقيقية للتعاون والبناء. جاءه وفد من قبيلة ثالثة يطلبون نصيحته حول كيفية حل نزاع مشابه لديهم مع جيرانهم، فاستقبلهم راشد بحفاوة وشاركهم بصدق تجربته الخاصة، مؤكداً لهم أن الحوار الصادق والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة هما مفتاح أي مصالحة حقيقية ودائمة.

عاد راشد إلى بيته ذلك المساء بشعور من الفخر الهادئ، ليس فخراً بذاته، بل فخراً بما أنجزته قبيلته وحلفاؤها الجدد معاً. شارك سلمى تفاصيل ذلك اللقاء، فقالت بابتسامة دافئة: "أصبحت مثالاً يُحتذى به يا راشد، ليس فقط لقبيلتك، بل لكل من حولك. هذا إرث حقيقي ستفخر به الأجيال القادمة." شعر راشد بامتنان عميق لهذه الكلمات، مدركاً أن أعظم إنجازاته لم تكن في القوة أو السيطرة، بل في قدرته على بناء جسور حقيقية من السلام والتفاهم المتبادل.

مرت الأسابيع التالية بانشغال إيجابي، حيث تحول موقع البئر المشتركة تدريجياً إلى نقطة التقاء اجتماعي حقيقي بين القبيلتين، لا مجرد مكان لتوزيع الموارد فقط. بدأ بعض التجار من الجانبين يقيمون بسطات صغيرة قرب البئر أيام معينة من الأسبوع، مما خلق سوقاً صغيرة غير رسمية عزز التبادل التجاري والاجتماعي بين الطرفين بشكل طبيعي غير مخطط له في الأصل. لاحظ راشد هذا التطور العفوي بسعادة، وقال لسلمى: "أحياناً أفضل النتائج تأتي من تلقاء نفسها حين نوفر البيئة المناسبة للتعاون، دون أن نفرض كل شيء بالتخطيط المسبق."

في أحد تلك الأيام، اصطحب راشد سالم الصغير في زيارة لموقع البئر، حريصاً على أن يتعرف ابنه منذ الصغر على أهمية هذا الإنجاز وعلى وجوه أصدقائهم الجدد من قبيلة الروضان. التقى هناك بابن الشيخ ناصر الصغير، الذي كان في عمر مقارب لسالم تقريباً، ولعب الطفلان معاً ببراءة تامة، غير مدركين لتاريخ العداوة الذي كان يفصل بين عائلتيهما قبل سنوات قليلة فقط. راقب راشد والشيخ ناصر هذا المشهد البريء بابتسامة مشتركة، وقال ناصر بتأمل: "أطفالنا سيكبرون في عالم مختلف تماماً عن العالم الذي عرفناه نحن يا راشد، عالم أكثر سلاماً بفضل ما بنيناه معاً." أومأ راشد موافقاً بعمق: "هذا أعظم إرث يمكن أن نتركه لهم يا شيخ ناصر، عالم تحكمه الحكمة بدلاً من الحقد القديم."

❖ ❖ ❖

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غرام راشد   الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

    مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."في تلك

  • غرام راشد   الفصل الرابع والعشرون: عودة الابن الضال

    مع اقتراب موعد إتمام تركي لعامه الكامل من الخدمة في الديار البعيدة، بدأ راشد يفكر جدياً في كيفية التعامل مع عودته المرتقبة. استدعى فارس ليستشيره في الأمر، وقال بتفكير عميق: "مرّ عام كامل يا فارس، وكل الأخبار التي وصلتنا عن تركي تشير إلى تغير حقيقي في شخصيته. أظن أن الوقت حان لنفي بوعدنا ونمنحه فرصة العودة والتواصل مع والديه المنفيين." وافقه فارس، لكنه أضاف بحذر: "يجب أن نبقى يقظين مع ذلك يا راشد، فالتغيير الحقيقي يحتاج وقتاً ليثبت نفسه بشكل كامل، لا نريد أن نتسرع في منحه ثقة كاملة قبل أن يستحقها فعلياً."أرسل راشد رسالة إلى الديار البعيدة التي كان يعمل فيها تركي، يطلب منه العودة لمقابلته شخصياً قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبله. وصل تركي بعد أسابيع قليلة، وقد تغيرت ملامحه بشكل واضح، جسده أكثر نحافة من العمل الشاق، لكن عينيه حملتا نظرة أكثر نضجاً وهدوءاً مما كانتا عليه قبل عام كامل. جلس أمام راشد بتواضع حقيقي، وقال بصوت هادئ: "شكراً لك على هذه الفرصة يا راشد، لم أكن أستحقها، لكنني حاولت أن أستفيد منها بأفضل ما أستطيع."سأله راشد بصدق: "أخبرني بصراحة يا تركي، ماذا تعلمت خلال هذا العا

  • غرام راشد   الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

    بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين ال

  • غرام راشد   الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

    مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت با

  • غرام راشد   الفصل الحادي والعشرون: أيام الأمومة

    مرت الأسابيع الأولى بعد ولادة سالم بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه تسارع احتفاءً بهذا القادم الجديد إلى الحياة. تكيفت سلمى ببطء مع إيقاع الأمومة الجديد، الليالي القصيرة والنوم المتقطع، لكنها كانت تشعر بسعادة عميقة تفوق أي تعب جسدي، سعادة كانت تتجدد كل صباح حين ترى وجه ابنها الصغير النائم بسلام بين ذراعيها. جلست ذات صباح في الحديقة، تُرضع سالم تحت ظل شجرة النخيل المعتادة، بينما راقبها راشد من بعيد بابتسامة لا تفارق شفتيه، مندهشاً من عمق السعادة التي غمرت حياته منذ قدوم هذا الطفل الصغير.اعتاد راشد أن يخصص وقتاً كل مساء، مهما كانت مشاغل القبيلة كثيرة، ليجلس مع سالم بنفسه، يحمله بحذر شديد ويتحدث إليه بصوت خافت حنون، وكأنه يشارك ابنه الصغير كل أفكاره وهمومه اليومية. قالت له مضاوي ذات مرة وهي تراقب هذا المشهد بعينين مغرورقتين بالدموع: "لم أرك بهذا القدر من السعادة منذ زمن طويل جداً يا بني، هذا الطفل أعاد الحياة إلى قلبك وإلى هذا البيت كله." ابتسم راشد بصدق: "سالم منحني معنى جديداً للحياة يا أمي، معنى لم أعرفه حتى في أسعد أيامي السابقة."في تلك الأثناء، لم ينسَ راشد أمر فهد، الشاب الذي شارك في

  • غرام راشد   الفصل العشرون: النصر والسكينة

    وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status