Home / الرومانسية / غرام راشد / الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

Share

الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

last update publish date: 2026-09-14 19:37:47

بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.

اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.

جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين الوفد، لفتت انتباه سلمى فتاة شابة تُدعى منى، ابنة أحد كبار قبيلة الروضان، بدت خجولة في البداية لكنها أظهرت فضولاً حقيقياً تجاه حديقة سلمى ومعرفتها بالأعشاب الطبية.

جلست سلمى مع منى لساعات طويلة، تشرح لها عن النباتات المختلفة وفوائدها، فأخبرتها منى بحماس متزايد أنها تحمل شغفاً مشابهاً بهذا المجال، لكنها لم تجد من يعلمها بشكل منظم في قبيلتها. اقترحت سلمى بحماس: "لماذا لا تأتين لزيارتي بشكل دوري يا منى؟ يمكنني أن أعلمك كل ما أعرفه، وسيكون هذا فرصة رائعة لتوطيد العلاقة بين قبيلتينا أيضاً." أضاءت عينا منى بفرح حقيقي عند هذا العرض السخي، ووافقت بحماس بالغ.

في تلك الأثناء، لاحظت هيفاء شاباً من وفد الروضان يُدعى سلطان، ابن أحد مستشاري الشيخ ناصر المقربين، يقف بأدب في طرف المجلس يراقب الحضور بهدوء. تبادلا نظرات عابرة عدة مرات خلال ذلك اليوم، ولاحظت سلمى هذا التبادل الخجول، فابتسمت لنفسها متذكرة كيف بدأت قصتها هي وراشد بحذر مشابه قبل أن تتطور إلى حب حقيقي عميق. حين اقترب موعد انصراف الوفد، وجد سلطان فرصة قصيرة للحديث مع هيفاء بأدب شديد، متسائلاً عن تفاصيل بسيطة تتعلق بحديقة سلمى التي أعجب بجمالها، لكن الجميع أدرك أن الحديث كان في جوهره ذريعة للتقرب أكثر من هيفاء نفسها.

بعد انصراف الوفد، جلست هيفاء مع سلمى تتحدثان بخجل ممزوج بالحماس عن ذلك اللقاء القصير مع سلطان. قالت سلمى بابتسامة عارفة: "أرى بريقاً جديداً في عينيك يا هيفاء، تذكرينني بنفسي منذ أشهر قليلة." احمرّ وجه هيفاء، وقالت: "لا أعرف يا سلمى، ربما مجرد إعجاب عابر، فهو من قبيلة كانت عدوة لنا حتى وقت قريب، الأمر معقد أكثر مما يبدو." تفهمت سلمى هذا التعقيد، لكنها شجعتها بلطف: "أحياناً تأتي أجمل القصص من أصعب البدايات يا هيفاء، لا تغلقي قلبك على احتمال جميل فقط بسبب تعقيدات الماضي."

استمرت زيارات منى المنتظمة لتعلم الأعشاب من سلمى، وتطورت العلاقة بين الفتاتين إلى صداقة حقيقية عميقة، رمزاً حياً آخر لنجاح هذا التقارب الجديد بين القبيلتين. في إحدى الزيارات، أحضرت منى معها أخاها الأصغر الذي كان يعاني من سعال مزمن لم تفلح معه العلاجات التقليدية المعتادة في قبيلتها، فوصفت له سلمى مزيجاً من الأعشاب ساعده على التعافي التدريجي خلال أسابيع قليلة، مما زاد من احترام قبيلة الروضان لسلمى وأهل بيت راشد بشكل عام.

مع تحسن العلاقات الاجتماعية، بدأت الثقة تنمو أيضاً على المستوى السياسي بين راشد والشيخ ناصر. اجتمعا مرة أخرى بعد شهرين من التطبيق الناجح لاتفاق المياه، وهذه المرة بدا الشيخ ناصر أكثر انفتاحاً وودية من لقائهما الأول المتوتر. قال بصراحة نادرة منه: "أعترف يا راشد أنني كنت متشككاً جداً في نجاح هذا الاتفاق، ظننت أن قبيلتك ستستغل أي فرصة لتحقيق مكاسب إضافية على حسابنا، كما فعلت قبائل أخرى في الماضي. لكنك أثبت أنك رجل يفي بكلمته، وهذا نادر في هذه الأيام." شعر راشد بامتنان عميق لهذا الاعتراف، وقال: "الثقة تُبنى بالأفعال لا بالكلمات يا شيخ ناصر، وأنا سعيد أننا وصلنا إلى هذا المستوى من التفاهم المتبادل."

اقترح الشيخ ناصر في ذلك اللقاء توسيع التعاون بين القبيلتين ليشمل مجالات أخرى غير المياه، ربما تجارة مشتركة أو دفاع متبادل في حال تعرضت إحدى القبيلتين لتهديد خارجي. رحب راشد بهذا الاقتراح بحماس، مدركاً أن هذا التحالف الناشئ قد يمنح كلا القبيلتين قوة ومنعة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، سواء كانت طبيعية كالقحط أو بشرية كالنزاعات القبلية التي لا تنتهي أحياناً في تلك الصحراء الشاسعة.

عاد راشد إلى بيته مساء ذلك اليوم بروح متفائلة، وشارك سلمى كل هذه التطورات الإيجابية. قالت بفرح: "من كان يصدق أن أزمة القحط ستتحول إلى فرصة حقيقية لبناء سلام دائم مع قبيلة كانت عدوة تاريخية؟" ابتسم راشد بحكمة: "الأزمات أحياناً تكشف أفضل ما فينا يا سلمى، إن واجهناها بحكمة بدلاً من الخوف والعزلة. تعلمتُ هذا الدرس منك أنتِ تحديداً، من الطريقة التي حولتِ بها حزنك الشخصي إلى مصدر خير للآخرين عبر معرفتك بالأعشاب." احتضنها بحب، وشعرا معاً أن هذا الفصل الجديد من قصتهما، فصل بناء الجسور بدلاً من هدمها، كان امتداداً طبيعياً لكل ما تعلماه معاً خلال رحلتهما المعقدة منذ بدايتها القاسية.

مع مرور الأشهر، تطورت علاقة هيفاء وسلطان أكثر فأكثر، وأصبحت زياراته لديار بني حارث أكثر تكراراً، بذريعة متابعة شؤون التعاون بين القبيلتين، لكن الجميع كان يدرك السبب الحقيقي خلف هذا التكرار. لاحظت سلمى تطور هذه العلاقة بحماس، وشجعت هيفاء بلطف على أن تكون صريحة مع نفسها حول مشاعرها المتنامية. قالت لها ذات يوم: "لا تخافي من هذا الشعور يا هيفاء، تماماً كما لم أخف أنا من مشاعري تجاه راشد رغم كل التعقيدات في البداية."

في أحد الأيام، طلب سلطان لقاء خاصاً مع راشد، وجاء إليه بأدب شديد ليطلب إذنه بالتقدم رسمياً لخطبة هيفاء، موضحاً أن مشاعره تجاهها صادقة وعميقة رغم قصر مدة معرفتهما نسبياً. تأثر راشد بصدق هذا الشاب، وقال: "هيفاء ابنة أخي، وهي عزيزة على قلبي كابنتي تماماً. أرى فيك يا سلطان شاباً صادقاً ذا أخلاق طيبة، وأظن أن هذا الاتحاد بينكما سيكون بركة حقيقية، ليس فقط لكما، بل لعلاقة قبيلتينا أيضاً." وافق راشد بحماس، ووعد بأن يتحدث مع والد هيفاء ليرتبا أمور الخطبة الرسمية بأسرع وقت ممكن.

حين علمت هيفاء بموافقة راشد، بكت بفرح غامر، وركضت لتحتضن سلمى التي شاركتها هذه اللحظة السعيدة بحماس مماثل. قالت هيفاء بصوت مرتجف من التأثر: "شكراً لك يا سلمى، على تشجيعك المستمر، وعلى كونك مثالاً حقيقياً لي أن الحب يمكن أن ينمو حتى في أصعب الظروف وأكثرها تعقيداً." احتضنتها سلمى بحب أختي صادق: "أنتِ تستحقين كل هذه السعادة يا هيفاء، وأنا سعيدة جداً أنني كنت جزءاً من رحلتك نحوها."

في الأسابيع التي سبقت عرس هيفاء وسلطان، انشغلت سلمى بمساعدتها في التحضيرات، تماماً كما ساعدتها هيفاء نفسها في تحضيرات عرسها الخاص قبل ذلك بعام. جلستا معاً كل مساء تقريباً، تناقشان تفاصيل الاحتفال، من اختيار الثوب إلى تنسيق قائمة الضيوف من كلا القبيلتين. قالت هيفاء ذات مساء بحماس: "أريد أن يكون عرسي رمزاً حقيقياً لهذا التقارب بين قبيلتينا، مزيجاً من تقاليدنا وتقاليدهم معاً." وافقتها سلمى بحماس مماثل، واقترحت أن تُدعى منى، صديقتها الجديدة من الروضان، لتساعد في هذه التحضيرات أيضاً، فوافقت هيفاء بسعادة.

جاءت منى بالفعل للمساعدة، وأحضرت معها بعض العادات التقليدية لقبيلتها في تحضير العرائس، فتعلمت هيفاء وسلمى منها أشياء جديدة كلياً، مثل طريقة خاصة لتحضير الحناء تختلف عن تلك المعتادة في بني حارث. اندمجت الثلاث في صداقة حقيقية عميقة خلال تلك الفترة، ضحكن معاً كثيراً، وتشاركن أسراراً وأحلاماً، في مشهد جميل يرمز لكل ما تحقق من تقارب إنساني صادق بين قبيلتين كانتا يوماً أعداء.

في ليلة الحناء التي سبقت العرس، جلست نساء القبيلتين معاً لأول مرة في احتفال مشترك حقيقي، يغنين أغاني تقليدية من كلا الثقافتين، ويتبادلن الفرح بصدق غير مصطنع. راقبت سلمى هذا المشهد بعينين مغرورقتين بدموع الفرح، وهمست لراشد الذي انضم إليها للحظة: "هذا أجمل دليل على أن كل ما بذلناه من جهد استحق العناء يا راشد، انظر كم هن سعيدات معاً، وكأن العداوة القديمة لم تكن موجودة يوماً." ابتسم راشد بفخر: "هذا إرثنا الحقيقي يا سلمى، ليس القوة أو السيطرة، بل هذا التقارب الإنساني الصادق الذي بنيناه معاً بصبر وحكمة."

في صباح يوم العرس، استيقظت هيفاء مبكراً، متوترة ومتحمسة في آن واحد، فجاءت سلمى لتكون بجانبها طوال ساعات التحضير الأخيرة. ساعدتها في ارتداء ثوبها، وزينت شعرها بيديها بحب أختي صادق، وقالت لها بصدق وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة: "تبدين جميلة جداً يا هيفاء، وأرى في عينيك نفس السعادة الحقيقية التي شعرت بها أنا في يوم عرسي." تأثرت هيفاء بهذه الكلمات، وقالت بصوت مرتجف: "لولاك يا سلمى، ربما لم أكن لأجرؤ على فتح قلبي لهذه العلاقة، كنتِ مصدر إلهامي وشجاعتي طوال هذه الرحلة."

وصل سلطان في موكب بسيط لكنه مهيب، برفقة أفراد عائلته وأصدقائه من قبيلة الروضان، واستقبلهم أهل بني حارث بحفاوة بالغة تعكس عمق التحول في العلاقة بين القبيلتين. وقف راشد بجانب والد هيفاء ليشهدا معاً عقد القران، وتبادل الجميع التهاني بفرح صادق يفوق أي احتفال سابق شهدته تلك الديار. حين اقتربت هيفاء من سلطان أمام الحضور، شعر الجميع بلحظة تاريخية حقيقية تتجسد أمامهم: اتحاد قبيلتين كانتا يوماً على شفا حرب مفتوحة، يتوحدان الآن برباط حب ومصاهرة حقيقيين.

استمرت الاحتفالات حتى ساعات متأخرة من الليل، بأغانٍ ورقصات جمعت تقاليد القبيلتين معاً بتناغم جميل، رمزاً حياً لهذا الاندماج الثقافي والإنساني العميق الذي تحقق بفضل جهود صادقة استمرت لأكثر من عام كامل.

في نهاية تلك الليلة الاستثنائية، جلس راشد وسلمى مع فارس في زاوية هادئة، يراقبون بقايا الاحتفال المتلألئة بالأضواء والفرح. قال فارس بصدق: "لم أتخيل يوماً أن أشهد كل هذا يا راشد، منذ ليلة موت نورة المأساوية وحتى هذه الليلة الجميلة، مسافة طويلة جداً قطعناها معاً." ابتسم راشد بامتنان: "ولم أكن لأقطعها دونك يا فارس، كنت الصديق الوفي في كل خطوة، من أحلك اللحظات إلى أسعدها." نظر الثلاثة إلى بعضهم البعض بمودة صادقة، مدركين أن الصداقة الحقيقية، تماماً كالحب الحقيقي، هي التي تصمد أمام كل التحديات وتزداد قوة مع مرور الزمن.

❖ ❖ ❖

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غرام راشد   الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

    مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."في تلك

  • غرام راشد   الفصل الرابع والعشرون: عودة الابن الضال

    مع اقتراب موعد إتمام تركي لعامه الكامل من الخدمة في الديار البعيدة، بدأ راشد يفكر جدياً في كيفية التعامل مع عودته المرتقبة. استدعى فارس ليستشيره في الأمر، وقال بتفكير عميق: "مرّ عام كامل يا فارس، وكل الأخبار التي وصلتنا عن تركي تشير إلى تغير حقيقي في شخصيته. أظن أن الوقت حان لنفي بوعدنا ونمنحه فرصة العودة والتواصل مع والديه المنفيين." وافقه فارس، لكنه أضاف بحذر: "يجب أن نبقى يقظين مع ذلك يا راشد، فالتغيير الحقيقي يحتاج وقتاً ليثبت نفسه بشكل كامل، لا نريد أن نتسرع في منحه ثقة كاملة قبل أن يستحقها فعلياً."أرسل راشد رسالة إلى الديار البعيدة التي كان يعمل فيها تركي، يطلب منه العودة لمقابلته شخصياً قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبله. وصل تركي بعد أسابيع قليلة، وقد تغيرت ملامحه بشكل واضح، جسده أكثر نحافة من العمل الشاق، لكن عينيه حملتا نظرة أكثر نضجاً وهدوءاً مما كانتا عليه قبل عام كامل. جلس أمام راشد بتواضع حقيقي، وقال بصوت هادئ: "شكراً لك على هذه الفرصة يا راشد، لم أكن أستحقها، لكنني حاولت أن أستفيد منها بأفضل ما أستطيع."سأله راشد بصدق: "أخبرني بصراحة يا تركي، ماذا تعلمت خلال هذا العا

  • غرام راشد   الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

    بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين ال

  • غرام راشد   الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

    مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت با

  • غرام راشد   الفصل الحادي والعشرون: أيام الأمومة

    مرت الأسابيع الأولى بعد ولادة سالم بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه تسارع احتفاءً بهذا القادم الجديد إلى الحياة. تكيفت سلمى ببطء مع إيقاع الأمومة الجديد، الليالي القصيرة والنوم المتقطع، لكنها كانت تشعر بسعادة عميقة تفوق أي تعب جسدي، سعادة كانت تتجدد كل صباح حين ترى وجه ابنها الصغير النائم بسلام بين ذراعيها. جلست ذات صباح في الحديقة، تُرضع سالم تحت ظل شجرة النخيل المعتادة، بينما راقبها راشد من بعيد بابتسامة لا تفارق شفتيه، مندهشاً من عمق السعادة التي غمرت حياته منذ قدوم هذا الطفل الصغير.اعتاد راشد أن يخصص وقتاً كل مساء، مهما كانت مشاغل القبيلة كثيرة، ليجلس مع سالم بنفسه، يحمله بحذر شديد ويتحدث إليه بصوت خافت حنون، وكأنه يشارك ابنه الصغير كل أفكاره وهمومه اليومية. قالت له مضاوي ذات مرة وهي تراقب هذا المشهد بعينين مغرورقتين بالدموع: "لم أرك بهذا القدر من السعادة منذ زمن طويل جداً يا بني، هذا الطفل أعاد الحياة إلى قلبك وإلى هذا البيت كله." ابتسم راشد بصدق: "سالم منحني معنى جديداً للحياة يا أمي، معنى لم أعرفه حتى في أسعد أيامي السابقة."في تلك الأثناء، لم ينسَ راشد أمر فهد، الشاب الذي شارك في

  • غرام راشد   الفصل العشرون: النصر والسكينة

    وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status