Home / الرومانسية / غرام راشد / الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

Share

الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

last update publish date: 2026-09-14 19:47:38

مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.

احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."

في تلك الأثناء، كبر سالم بسرعة ملحوظة، وبدأ يخطو خطواته الأولى المترنحة وسط ضحكات وتشجيع العائلة بأكملها. احتفل البيت بهذا الإنجاز الصغير كأنه انتصار عظيم، وسجل راشد في ذاكرته كل تفصيلة من تلك اللحظات الثمينة التي كان يخشى يوماً ألا يحظى بها بعد رحيل نورة. لاحظت سلمى أن راشد أصبح أباً حنوناً بشكل استثنائي، يقضي كل وقت فراغه تقريباً مع ابنه، يعلمه أسماء الأشياء من حوله بصبر لا ينفد، ويحمله على كتفيه في جولات صغيرة حول الديار يتباهى بها أمام الجميع بفخر أبوي صادق.

في أحد الأيام، شعرت سلمى بأعراض مألوفة بدأت تظهر عليها مرة أخرى، فذهبت إلى نفس المرأة المسنة التي أكدت لها حملها الأول، وابتسمت العجوز بفرح متجدد وهي تقول: "يبدو أن سالم سيحظى بأخ أو أخت قريباً يا ابنتي، تباركي بهذه النعمة الجديدة." عادت سلمى إلى البيت بحماس مماثل لحماسها الأول، وانتظرت اللحظة المناسبة لتخبر راشد بهذا الخبر السعيد الجديد.

جاءت الفرصة في مساء هادئ، بينما كانا يجلسان معاً يراقبان سالم يلعب ببراءة أمامهما في الحديقة. قالت سلمى بابتسامة مشرقة: "راشد، لدي خبر جميل آخر أشاركه معك. أظن أننا سنستقبل فرداً جديداً في عائلتنا قريباً." تجمد راشد للحظة قصيرة، ثم انفجر بفرح غامر مماثل لفرحته الأولى، واحتضنها بحنان عميق: "هذا رائع يا سلمى، الله يبارك في بيتنا أكثر وأكثر، لا أعرف كيف أستحق كل هذه النعم." شاركت العائلة بأكملها هذا الخبر السعيد بفرح متجدد، خاصة مضاوي التي بدت أكثر سعادة من أي وقت مضى وهي تتطلع لاستقبال حفيد آخر يملأ البيت بمزيد من الحياة والضحك.

في تلك الفترة نفسها، وصلت أخبار سارة أيضاً من ناحية نوف، التي كانت قد أكملت تعلمها للقراءة والكتابة بتفوق لافت، وبدأت تساعد معلمتها في تعليم فتيات أصغر سناً في قبيلتها، مما جعل عايض فخوراً جداً بابنته الصغرى وإنجازها العلمي النادر بين نساء تلك الفترة. زارت نوف أختها بحماس لتشاركها هذا الإنجاز، وقالت بفخر: "بفضلك يا سلمى، شجعتني دائماً على متابعة شغفي بالعلم، والآن أساهم في تعليم فتيات أخريات، أشعر بامتنان عميق لك." احتضنتها سلمى بفخر أختي صادق: "أنا فخورة بك جداً يا نوف، أنتِ مصدر إلهام حقيقي لي أيضاً."

في مساء أحد الأيام الهادئة، جلس راشد وسلمى تحت شجرة النخيل المعتادة، تلك الشجرة التي شهدت أهم لحظات قصتهما منذ بدايتها القاسية حتى هذه اللحظة المليئة بالسلام والامتنان. حمل سالم الصغير بين ذراعيه، بينما استندت سلمى برأسها على كتف راشد، تشعر ببطنها المتزايد حجماً تدريجياً مرة أخرى بحياة جديدة تنمو بداخلها. قال راشد بصوت هادئ متأمل: "حين أنظر إلى الوراء يا سلمى، إلى كل ما مررنا به منذ تلك الليلة المأساوية التي جمعتنا رغماً عنا، أشعر بامتنان عميق لكل خطوة من هذه الرحلة، حتى أصعبها وأكثرها ألماً، لأنها قادتنا جميعاً إلى هنا، إلى هذه اللحظة بالذات."

نظرت سلمى إليه بحب صادق، وقالت: "أتذكر كم كنت خائفة في تلك الليلة الأولى، حين وصلت إلى هذه الديار كثمن دم لا أعرف عنه شيئاً، ولا أعرف الرجل الذي سأتزوجه رغماً عني. لم أكن أتخيل أبداً أن ذلك الخوف سيتحول يوماً إلى أعمق حب عرفته في حياتي." ابتسم راشد بحنان، وقبّل رأسها بلطف: "القدر له طرقه الغريبة يا سلمى، لكنني ممتن كل يوم أنه قادك إلى بيتي، وإلى قلبي، لتصبحي جزءاً لا يتجزأ من كل نبضة فيه." جلسا معاً في صمت دافئ مريح، يراقبان الشمس تغرب خلف كثبان الرمال البعيدة، محاطين بأطفالهما، حاضراً ومستقبلاً، وبكل الحب والسلام الذي بنياه معاً بصبر وحكمة، من رحم أصعب بداية يمكن أن تجمع بين قلبين، لتصبح واحدة من أجمل قصص الحب التي ستُروى في مجالس تلك الديار لأجيال قادمة كثيرة، عن كيف يمكن للحب الصادق، والعدل، والرحمة، أن تنتصر جميعاً على أقسى الظروف وأصعبها على الإطلاق.

بعد أشهر قليلة، أقيم عرس هيفاء وسلطان في احتفال كبير جمع القبيلتين معاً مرة أخرى، احتفالاً استثنائياً بكل المقاييس، إذ حضره أفراد من كلا المجتمعين بفرح متبادل حقيقي لم يكن أحد يتخيله قبل عامين فقط. وقف راشد يراقب هذا المشهد بامتنان عميق، متذكراً كيف بدأت كل هذه السلسلة من الأحداث الإيجابية من قرار بسيط بالرحمة بدلاً من الانتقام، ومن اجتماع حول أزمة مياه مشتركة حولها إلى فرصة حقيقية للتقارب الإنساني العميق.

في ذلك العرس، التقى راشد بالشيخ ناصر مجدداً، الذي بدا مختلفاً تماماً عن الرجل المتشكك الذي قابله لأول مرة قبل أشهر. قال له الشيخ العجوز بابتسامة صادقة: "لم أتخيل يوماً أن أرى ابنتي أخت زوجتك تتزوج من شاب من قبيلتك يا راشد، هذا يثبت أن العداوات القديمة يمكن أن تندثر فعلاً حين تتوفر النوايا الطيبة والقيادة الحكيمة." شكره راشد على هذه الكلمات، وقال: "هذا إنجازنا معاً يا شيخ ناصر، لم يكن ليتحقق دون حكمتك أنت أيضاً وانفتاحك على هذا التقارب رغم كل التاريخ الصعب بيننا."

بعد أشهر قليلة من عرس هيفاء، جاء موعد ولادة الطفل الثاني لراشد وسلمى، وكانت هذه المرة فتاة صغيرة جميلة أسمياها نورة، تكريماً لذكرى الزوجة الأولى التي فتحت الباب، رغم مأساة رحيلها، لكل هذه القصة الطويلة من الحب والمصالحة والنمو. تأثرت مضاوي بعمق بهذا الاختيار، وبكت بفرح ممزوج بالحنين وهي تحمل حفيدتها الجديدة، شاعرة أن اسم نورة سيبقى حياً إلى الأبد في هذا البيت، لا كذكرى حزينة، بل كرمز للحب الذي يستمر ويتجدد عبر الأجيال، مهما بدت البدايات قاسية ومؤلمة.

كبر سالم ونورة معاً في بيت مليء بالحب والحكمة والأمل، محاطين بعائلة كبيرة من الأقارب والأصدقاء من قبيلتين كانتا يوماً عدوتين، والآن أصبحتا حليفتين حقيقيتين مرتبطتين بروابط دم ومصاهرة وصداقة عميقة. ظلت قصة راشد وسلمى تُروى في مجالس تلك الديار لسنوات طويلة قادمة، ليس فقط كقصة حب جميلة، بل كدرس حقيقي في كيفية تحويل أقسى المآسي إلى بدايات جديدة مليئة بالأمل، حين تجتمع الحكمة مع الرحمة، والصبر مع الحب الصادق، لتنتصر جميعاً في النهاية على كل ما يبدو مستحيلاً في البداية.

في ذكرى سنوية خاصة، جمع راشد كل أفراد عائلته الكبيرة، من بني حارث وآل ناصر والروضان معاً، في احتفال بسيط لكنه مليء بالمعنى، احتفالاً بكل ما تحقق من سلام ومحبة خلال السنوات القليلة الماضية. وقف وسط الجميع، يحمل سالم بيد ونورة الصغيرة بالأخرى بمساعدة سلمى، وقال بصوت مؤثر: "حين بدأت هذه القصة قبل سنوات، بدأت بمأساة ودم وحزن عميق. لم أكن أتخيل يوماً أنها ستقودنا إلى هذا الجمع الجميل من الأحبة والأصدقاء من قبائل كانت متناحرة يوماً. هذا درس حقيقي لنا جميعاً: أن أقسى الظروف يمكن أن تكون بداية لأجمل النهايات، إن واجهناها بالحكمة والصبر والحب الصادق."

صفق الجميع بحرارة لهذه الكلمات المؤثرة، ووقف عايض ليضيف بصوته الهادئ: "وأنا أشهد أن ابنتي سلمى كانت دائماً القلب النابض خلف كل هذا التحول الجميل، بحكمتها وصبرها وقلبها الطيب الذي لم يتغير أبداً رغم كل الصعاب." نظرت سلمى إلى والدها بامتنان عميق، ثم إلى راشد، وشعرت بسعادة غامرة تفوق كل تصور، سعادة بُنيت بصبر وحب حقيقيين على مدى سنوات من التحديات والانتصارات معاً.

مع غروب الشمس في ذلك المساء الجميل، جلست العائلة الكبيرة معاً حول نار دافئة، تتشارك القصص والضحكات، بينما لعب سالم مع أبناء عمومته الجدد من هيفاء وسلطان، ونامت نورة الصغيرة بسلام بين ذراعي جدتها مضاوي. نظر راشد إلى سلمى، وابتسما معاً ابتسامة صامتة مليئة بكل ما مرا به وكل ما بنياه معاً، مدركين أن قصتهما، التي بدأت كقرار قسري فرضته ظروف قاسية، تحولت إلى واحدة من أجمل حكايات الحب والحكمة والمصالحة التي عرفتها تلك الصحراء الواسعة، حكاية ستبقى حية في قلوب أبنائهما وأحفادهم من بعدهم، درساً خالداً في أن الحب الصادق، حين يُبنى على أساس الاحترام والصبر والرحمة، يستطيع أن يتجاوز أقسى العقبات، ويحول أحلك الفصول إلى أجمل بدايات ممكنة.

في تلك الليلة، بعد أن نام الجميع وهدأت الديار، جلس راشد وسلمى وحدهما تحت نجوم السماء الصافية، يتأملان بصمت الطريق الطويل الذي قطعاه معاً منذ تلك الليلة الأولى المخيفة التي جمعتهما رغماً عنهما. قالت سلمى بصوت هادئ مليء بالحكمة: "أظن أن أجمل ما في قصتنا يا راشد، ليس فقط أننا وجدنا الحب في النهاية، بل أننا تعلمنا كيف نبني السلام من رماد الألم، وكيف نحول الأعداء إلى أصدقاء، والغرباء إلى عائلة." نظر إليها راشد بحب عميق لا حدود له، وقال: "وأنتِ كنتِ قلب هذا التحول كله يا سلمى، منذ اللحظة الأولى التي دخلتِ فيها هذا البيت بخوف وحذر، حتى هذه الليلة التي أصبحتِ فيها روحه النابضة الحقيقية."

أمسك بيدها بحنان، ونظرا معاً إلى السماء المرصعة بالنجوم، يشعران بامتنان عميق لكل ما منحتهما الحياة من دروس وتجارب، سواء كانت مؤلمة أو سعيدة، لأنها جميعاً قادتهما في النهاية إلى هذه اللحظة من السلام والاكتمال الحقيقيين. كانت تلك الليلة، بكل هدوئها وجمالها، تجسيداً حياً لكل ما آمنا به معاً طوال رحلتهما: أن الحب الصادق، حين يُبنى بصبر وحكمة ورحمة، يستطيع أن يتجاوز أقسى البدايات، ليصنع أجمل النهايات الممكنة، لا لهما وحدهما، بل لكل من حولهما أيضاً، في قصة ستبقى تُروى وتُتوارث جيلاً بعد جيل في تلك الصحراء الواسعة التي شهدت بداية حبهما وازدهاره معاً.

❖ ❖ ❖

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غرام راشد   الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

    مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."في تلك

  • غرام راشد   الفصل الرابع والعشرون: عودة الابن الضال

    مع اقتراب موعد إتمام تركي لعامه الكامل من الخدمة في الديار البعيدة، بدأ راشد يفكر جدياً في كيفية التعامل مع عودته المرتقبة. استدعى فارس ليستشيره في الأمر، وقال بتفكير عميق: "مرّ عام كامل يا فارس، وكل الأخبار التي وصلتنا عن تركي تشير إلى تغير حقيقي في شخصيته. أظن أن الوقت حان لنفي بوعدنا ونمنحه فرصة العودة والتواصل مع والديه المنفيين." وافقه فارس، لكنه أضاف بحذر: "يجب أن نبقى يقظين مع ذلك يا راشد، فالتغيير الحقيقي يحتاج وقتاً ليثبت نفسه بشكل كامل، لا نريد أن نتسرع في منحه ثقة كاملة قبل أن يستحقها فعلياً."أرسل راشد رسالة إلى الديار البعيدة التي كان يعمل فيها تركي، يطلب منه العودة لمقابلته شخصياً قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبله. وصل تركي بعد أسابيع قليلة، وقد تغيرت ملامحه بشكل واضح، جسده أكثر نحافة من العمل الشاق، لكن عينيه حملتا نظرة أكثر نضجاً وهدوءاً مما كانتا عليه قبل عام كامل. جلس أمام راشد بتواضع حقيقي، وقال بصوت هادئ: "شكراً لك على هذه الفرصة يا راشد، لم أكن أستحقها، لكنني حاولت أن أستفيد منها بأفضل ما أستطيع."سأله راشد بصدق: "أخبرني بصراحة يا تركي، ماذا تعلمت خلال هذا العا

  • غرام راشد   الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

    بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين ال

  • غرام راشد   الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

    مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت با

  • غرام راشد   الفصل الحادي والعشرون: أيام الأمومة

    مرت الأسابيع الأولى بعد ولادة سالم بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه تسارع احتفاءً بهذا القادم الجديد إلى الحياة. تكيفت سلمى ببطء مع إيقاع الأمومة الجديد، الليالي القصيرة والنوم المتقطع، لكنها كانت تشعر بسعادة عميقة تفوق أي تعب جسدي، سعادة كانت تتجدد كل صباح حين ترى وجه ابنها الصغير النائم بسلام بين ذراعيها. جلست ذات صباح في الحديقة، تُرضع سالم تحت ظل شجرة النخيل المعتادة، بينما راقبها راشد من بعيد بابتسامة لا تفارق شفتيه، مندهشاً من عمق السعادة التي غمرت حياته منذ قدوم هذا الطفل الصغير.اعتاد راشد أن يخصص وقتاً كل مساء، مهما كانت مشاغل القبيلة كثيرة، ليجلس مع سالم بنفسه، يحمله بحذر شديد ويتحدث إليه بصوت خافت حنون، وكأنه يشارك ابنه الصغير كل أفكاره وهمومه اليومية. قالت له مضاوي ذات مرة وهي تراقب هذا المشهد بعينين مغرورقتين بالدموع: "لم أرك بهذا القدر من السعادة منذ زمن طويل جداً يا بني، هذا الطفل أعاد الحياة إلى قلبك وإلى هذا البيت كله." ابتسم راشد بصدق: "سالم منحني معنى جديداً للحياة يا أمي، معنى لم أعرفه حتى في أسعد أيامي السابقة."في تلك الأثناء، لم ينسَ راشد أمر فهد، الشاب الذي شارك في

  • غرام راشد   الفصل العشرون: النصر والسكينة

    وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status