Home / الرومانسية / غرام راشد / الفصل العشرون: النصر والسكينة

Share

الفصل العشرون: النصر والسكينة

last update publish date: 2026-09-10 18:06:13

وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.

وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."

بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راشد، لكن فارس وهيفاء ورجالك أنقذوني بشجاعة حقيقية. لولاهم، لا أعرف ماذا كان سيحدث." شكر راشد كل من ساهم في إنقاذ زوجته بامتنان عميق صادق، واحتضن فارس بحرارة أخوية استثنائية، وقال: "لن أنسى هذا أبداً يا فارس، أنت أنقذت أغلى ما أملك في هذه الدنيا، لا أعرف كيف يمكنني أن أرد لك هذا الجميل."

بعد أن اطمأن على سلامة سلمى تماماً، طلب راشد أن يُحضَر تركي أمامه في مجلس خاص، مصمماً على مواجهته مباشرة قبل أن يقرر مصيره النهائي. جلس تركي مقيداً أمام راشد، محنياً رأسه بخليط من الخزي والتحدي المتبقي، لكن عينيه كانتا تحملان أيضاً ندماً حقيقياً بدأ يتسلل إليهما بعد أن هدأت حدة غضبه الأولي في أعقاب فشل مخططه. قال راشد بصوت هادئ لكنه حازم: "كان بإمكانك أن تؤذي امرأة حاملاً بريئة تماماً يا تركي، لم يكن لها أي ذنب فيما فعله والدك. هل تدرك حجم الخطأ الذي كنت على وشك ارتكابه؟"

بقي تركي صامتاً طويلاً، ثم رفع رأسه أخيراً، وقال بصوت مرتجف يحمل مزيجاً من الغضب المتبقي والندم الصادق: "كنت غاضباً جداً يا راشد، شعرت أن العالم كله ظلمني، ظلم عائلتي، وأردت أن أشعرك ولو للحظة بجزء بسيط من الألم الذي عشناه. لكنني الآن، بعد أن هدأتُ، أدرك حجم الخطأ الفظيع الذي كنت سأرتكبه، خطأ لن يختلف كثيراً عمّا فعله والدي بالضبط، ألم يقع بشخص بريء بسبب حقدي الأعمى." شعر راشد بشيء من التفهم يتسلل إلى قلبه رغم الغضب المشروع الذي يشعر به، فقد كان يذكر جيداً ألم فقدان أب أو انهيار عائلة، ذلك الألم الذي عاشه هو نفسه حين فقد نورة.

فكّر راشد طويلاً قبل أن يتخذ قراره، متذكراً حكمة سلمى التي طالما نصحته بالتروي قبل اتخاذ أي قرار متسرع. قال أخيراً: "لن أعاقبك بنفس قسوة ما كنت تخطط له يا تركي، فأنا لست رجلاً ينتقم بدافع الغضب وحده. لكنك سترافق رجالي إلى ديار بعيدة لمدة عام كامل، تعمل هناك بجد في خدمة إحدى القبائل الصديقة، تتعلم خلالها معنى العمل الشريف وقيمة الصبر، بدلاً من أن يقودك الحقد إلى طرق مظلمة كالتي كاد يقودك إليها هذه المرة. بعد ذلك، إن أثبتّ تغيراً حقيقياً في نفسك، سأسمح لك بزيارة والديك في منفاهما، وربما، مع الوقت، نجد طريقة لمصالحة حقيقية بين عائلتنا وعائلتك."

شعر تركي بمفاجأة حقيقية من هذا الحكم الرحيم غير المتوقع، وقال بصوت متأثر: "لماذا ترحمني بعد كل ما فعلته يا راشد؟ كنت أتوقع عقاباً أشد قسوة بكثير." نظر إليه راشد بحكمة هادئة، وقال: "لأنني أؤمن أن الرحمة، حتى مع من أخطأوا، تصنع تغييراً حقيقياً أعمق بكثير من القسوة والانتقام. رأيت هذا بنفسي مع والدك، الذي عاش سنوات بذنب ثقيل قبل أن يعترف أخيراً. لا أريد لك يا تركي أن تعيش نفس المصير المظلم، أريدك أن تجد طريقاً أفضل لحياتك." تأثر تركي بعمق بهذه الكلمات، وشعر لأول مرة منذ أشهر طويلة بثقل حقيقي يرتفع عن صدره، ثقل الحقد الذي كان يحمله بلا توقف.

أما بخصوص سعد الذي فر في تلك الليلة، فقد أرسل راشد رجالاً للبحث عنه في القبائل المجاورة، وتمكنوا أخيراً من العثور عليه بعد أسبوعين مختبئاً عند أقارب بعيدين، خائفاً من عواقب فعلته. أُحضر أمام مجلس قبيلته هو نفسه، حيث قرر كبار قومه معاقبته بغرامة مالية كبيرة تُدفع لبيت راشد تعويضاً عن الخطر الذي تسبب فيه، إضافة إلى منعه من الاقتراب من ديار بني حارث لسنوات عديدة قادمة، عقاباً يليق بخطورة ما كان على وشك ارتكابه.

مرت الأسابيع التالية بسكينة حقيقية عادت إلى بيت راشد، بعد أن زال الخطر الذي هدد سلمى وحملها. استعادت سلمى تدريجياً طمأنينتها، وإن ظل أثر خفيف من ذلك الخوف عالقاً في نفسها لبعض الوقت، خاصة كلما اقترب المساء أو ابتعدت قليلاً عن البيت. لاحظ راشد ذلك، فحرص على أن يقضي وقتاً أطول بجانبها، يطمئنها بحضوره الدائم وحبه الصادق الذي أثبت قوته في أصعب الظروف.

في أحد الأمسيات الهادئة، جلس راشد وسلمى تحت شجرة النخيل المعتادة، يتأملان معاً بطن سلمى المتزايد حجماً تدريجياً مع تقدم الحمل. قالت سلمى بصوت هادئ مليء بالامتنان: "بعد كل ما مررنا به، الحزن والفصل القسري، ثم اكتشاف الحقيقة، والآن هذا الخطر الذي كاد يفرقنا، أشعر أن قصتنا تثبت كل يوم أن الحب الصادق قادر على تجاوز أي عقبة مهما بدت مستحيلة." نظر إليها راشد بحب عميق صادق، ووضع يده بحنان على بطنها، وقال: "نعم يا سلمى، ومهما واجهنا من صعوبات في المستقبل، أعدك أنني سأكون دائماً بجانبك، أحميك وأحمي أطفالنا بكل ما أملك من قوة وحب." ابتسمت سلمى بسعادة عميقة، وأسندت رأسها على كتفه، تشعر بسلام داخلي حقيقي، وهما يستقبلان معاً فصلاً جديداً من قصتهما، فصلاً بدأ بالخطر لكنه انتهى بسكينة ووعد صادق بمستقبل مشرق ينتظرهما معاً.

في اليوم التالي، جلس راشد مع عايض بعد أن أرسل له رسالة يخبره فيها بما حدث، وقد أسرع عايض بالمجيء بنفسه فور سماعه الخبر، قلقاً على ابنته رغم طمأنة الرسالة. حين وصل ورأى سلمى بخير تماماً، احتضنها بقوة، وقال بصوت متأثر: "الحمد لله على سلامتك يا ابنتي، سمعت بما حدث وقلبي كاد يتوقف من الخوف عليك." طمأنته سلمى بابتسامة واثقة: "أنا بخير تماماً يا أبي، والطفل بخير أيضاً بحمد الله، كل شيء انتهى الآن، وراشد تعامل مع الأمر بحكمة وعدل حقيقيين."

جلس عايض مع راشد لاحقاً، وسأله بفضول عن قراره بخصوص تركي، فشرح له راشد منطقه في اختيار الرحمة بدلاً من الانتقام القاسي. أومأ عايض بإعجاب حقيقي، وقال: "هذا قرار حكيم يا راشد، يليق برجل بحجم مسؤوليتك. الانتقام يولّد انتقاماً آخر، بينما الرحمة، حين تكون في محلها الصحيح، قد تكسر دورة الحقد إلى الأبد." شكره راشد على كلماته، وقال بصدق: "تعلمتُ الكثير من الحكمة من سلمى نفسها يا عايض، فقد كانت دائماً صوت العقل الهادئ في أصعب اللحظات، وأنا ممتن لها ولتربيتك التي جعلتها هكذا."

مرت الأشهر التالية بسلام حقيقي عاد إلى ديار بني حارث، وتحسنت الأحوال تدريجياً في كل جانب من جوانب حياة القبيلة. عاد تركي بعد عام كامل من العمل والتعلم في الديار البعيدة، رجلاً مختلفاً تماماً عمّن غادر، أكثر نضجاً وحكمة، واعترف أمام راشد نفسه بامتنان صادق لتلك الفرصة التي منحه إياها بدلاً من العقاب القاسي الذي كان يستحقه. بدأت خيوط مصالحة حقيقية تُنسج تدريجياً بين عائلة مقبل المنفية وبيت راشد، مصالحة لم تمحُ الماضي المؤلم كاملاً، لكنها فتحت باباً لمستقبل أكثر سلاماً وتفاهماً بين الجميع.

في تلك الأثناء، اقتربت سلمى من موعد ولادتها المتوقع، وازداد ترقب البيت كله لهذه اللحظة المرتقبة بحماس متزايد يوماً بعد يوم. جهزت مضاوي وهيفاء غرفة خاصة للمولود القادم، مزينة بعناية فائقة، بينما كانت سلمى تقضي معظم وقتها في راحة هادئة، تستمع لنصائح النساء الأكبر سناً في القبيلة اللواتي مررن بتجربة الولادة من قبل. قالت لها إحداهن ذات يوم بابتسامة حانية: "لا تقلقي يا سلمى، جسدك يعرف ما يفعله، فقط ثقي بنفسك وبالله."

أخيراً، في ليلة هادئة من ليالي الشتاء الباردة، بدأت آلام المخاض تداهم سلمى فجأة، فأسرع الجميع لتجهيز كل ما يلزم، بينما جلس راشد خارج الغرفة طوال الساعات التالية، قلقاً متوتراً كأي أب منتظر لأول مرة في حياته، يستمع لكل صوت قادم من الداخل بقلب يخفق بقوة. أخيراً، بعد ساعات طويلة من الانتظار المضني، ارتفع صوت بكاء طفل صغير يخترق سكون الليل، فانفجر راشد بفرح غامر، وانتظر بفارغ الصبر حتى سُمح له بالدخول.

دخل الغرفة ليجد سلمى منهكة لكنها مشرقة بسعادة عارمة، تحمل بين ذراعيها مولوداً صغيراً ملفوفاً بقماش ناعم. اقترب راشد بحذر شديد، ونظر إلى وجه ابنه الصغير للمرة الأولى، وشعر بدموع فرح تنهمر من عينيه دون أن يستطيع كبتها. قال بصوت مرتجف من التأثر العميق: "شكراً لك يا سلمى، منحتِني أجمل هدية في حياتي كلها." ابتسمت سلمى بحب، وقالت: "سمّه ما شئت يا راشد، فقد كان اسمك دائماً حاضراً في قلبي طوال هذه الرحلة." فكّر راشد للحظة، ثم قال بصوت مليء بالمعنى: "سنسميه سالم، تيمناً بسلامتك وسلامته معاً بعد كل ما مررنا به." وافقت سلمى بابتسامة دافئة، وشعر كلاهما أن هذا الاسم يحمل كل معاني الأمل والسلام التي طالما تمنياها لبيتهما الجديد، ولمستقبل عائلتهما التي بدأت تتشكل أخيراً بعد رحلة طويلة من الألم والصبر والحب الذي انتصر في النهاية على كل الصعاب.

انتشر خبر ولادة سالم بسرعة في أرجاء الديار، وتوافد المهنئون من كل حدب وصوب، بمن فيهم عايض وأم سلمى ونوف التي وصلت بسرعة قياسية بمجرد سماعها الخبر، لتحتضن أول ابن أخت لها بفرح لا يوصف. قالت نوف وهي تحمل الطفل بحذر شديد: "يا الله كم هو جميل، سيكون له مستقبل مشرق بإذن الله، ولد من رحم حب حقيقي بعد كل تلك الصعاب." ضحكت سلمى بسعادة، وهي تراقب أختها الصغرى تتعامل بحنان مع ابن أختها الجديد.

أقام راشد احتفالاً بسيطاً بمناسبة ولادة ابنه الأول، دعا إليه أقرب المقربين من الطرفين، واحتفظ بالاحتفال الكبير لوقت لاحق حين تستعيد سلمى كامل قوتها. في تلك الأمسية الهادئة، جلس راشد يحمل ابنه الصغير بين ذراعيه بحذر ورقة، ونظر إلى سلمى بامتنان عميق لا حدود له، وقال بصوت متأثر: "من كان يصدق يا سلمى أن قصتنا التي بدأت بمأساة دموية، ستصل إلى هذه اللحظة الجميلة، هذا الطفل الذي يجمع بيننا إلى الأبد." نظرت سلمى إليه بحب صادق، وقالت: "القدر له حكمة لا ندركها دائماً يا راشد، لكنني ممتنة اليوم لكل خطوة قادتنا إلى هنا، مهما كانت صعبة." احتضن راشد زوجته وابنه معاً في عناق دافئ واحد، شاعراً بسلام واكتمال حقيقيين لم يعرفهما منذ سنوات طويلة، فصلاً جديداً من حياته بدأ أخيراً بأمل وفرح حقيقيين يستحقهما بعد كل ما مر به من ألم وصبر وانتظار.

❖ ❖ ❖

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غرام راشد   الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

    مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."في تلك

  • غرام راشد   الفصل الرابع والعشرون: عودة الابن الضال

    مع اقتراب موعد إتمام تركي لعامه الكامل من الخدمة في الديار البعيدة، بدأ راشد يفكر جدياً في كيفية التعامل مع عودته المرتقبة. استدعى فارس ليستشيره في الأمر، وقال بتفكير عميق: "مرّ عام كامل يا فارس، وكل الأخبار التي وصلتنا عن تركي تشير إلى تغير حقيقي في شخصيته. أظن أن الوقت حان لنفي بوعدنا ونمنحه فرصة العودة والتواصل مع والديه المنفيين." وافقه فارس، لكنه أضاف بحذر: "يجب أن نبقى يقظين مع ذلك يا راشد، فالتغيير الحقيقي يحتاج وقتاً ليثبت نفسه بشكل كامل، لا نريد أن نتسرع في منحه ثقة كاملة قبل أن يستحقها فعلياً."أرسل راشد رسالة إلى الديار البعيدة التي كان يعمل فيها تركي، يطلب منه العودة لمقابلته شخصياً قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبله. وصل تركي بعد أسابيع قليلة، وقد تغيرت ملامحه بشكل واضح، جسده أكثر نحافة من العمل الشاق، لكن عينيه حملتا نظرة أكثر نضجاً وهدوءاً مما كانتا عليه قبل عام كامل. جلس أمام راشد بتواضع حقيقي، وقال بصوت هادئ: "شكراً لك على هذه الفرصة يا راشد، لم أكن أستحقها، لكنني حاولت أن أستفيد منها بأفضل ما أستطيع."سأله راشد بصدق: "أخبرني بصراحة يا تركي، ماذا تعلمت خلال هذا العا

  • غرام راشد   الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

    بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين ال

  • غرام راشد   الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

    مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت با

  • غرام راشد   الفصل الحادي والعشرون: أيام الأمومة

    مرت الأسابيع الأولى بعد ولادة سالم بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه تسارع احتفاءً بهذا القادم الجديد إلى الحياة. تكيفت سلمى ببطء مع إيقاع الأمومة الجديد، الليالي القصيرة والنوم المتقطع، لكنها كانت تشعر بسعادة عميقة تفوق أي تعب جسدي، سعادة كانت تتجدد كل صباح حين ترى وجه ابنها الصغير النائم بسلام بين ذراعيها. جلست ذات صباح في الحديقة، تُرضع سالم تحت ظل شجرة النخيل المعتادة، بينما راقبها راشد من بعيد بابتسامة لا تفارق شفتيه، مندهشاً من عمق السعادة التي غمرت حياته منذ قدوم هذا الطفل الصغير.اعتاد راشد أن يخصص وقتاً كل مساء، مهما كانت مشاغل القبيلة كثيرة، ليجلس مع سالم بنفسه، يحمله بحذر شديد ويتحدث إليه بصوت خافت حنون، وكأنه يشارك ابنه الصغير كل أفكاره وهمومه اليومية. قالت له مضاوي ذات مرة وهي تراقب هذا المشهد بعينين مغرورقتين بالدموع: "لم أرك بهذا القدر من السعادة منذ زمن طويل جداً يا بني، هذا الطفل أعاد الحياة إلى قلبك وإلى هذا البيت كله." ابتسم راشد بصدق: "سالم منحني معنى جديداً للحياة يا أمي، معنى لم أعرفه حتى في أسعد أيامي السابقة."في تلك الأثناء، لم ينسَ راشد أمر فهد، الشاب الذي شارك في

  • غرام راشد   الفصل العشرون: النصر والسكينة

    وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status