LOGINفي صباح اليوم التالي، استيقظ أدريان على مكالمة عاجلة من سليم."سيدي، أعرف أنك في فترة تعافٍ، لكن هناك أزمة لا يمكن تأجيلها." قال سليم بصوت متوتر عبر الهاتف. "مجلس الإدارة يريد اجتماعًا طارئًا اليوم. صفقة كبرى وقّعتَ عليها قبل الحادث بأسبوع بدأت تتعثر، والمستثمرون يطالبون بتوضيحات فورية منك شخصيًا."جلس أدريان على حافة السرير، الذعر يتسلل إلى صوته. "سليم، أنا لا أتذكر أي تفاصيل عن هذه الصفقة إطلاقًا.""أعرف يا سيدي." قال سليم بحذر. "لكن مجلس الإدارة لا يعرف بعد المدى الكامل لفقدان ذاكرتك. إن ظهرتَ اليوم وبدوتَ ضائعًا تمامًا، فقد يفقدون الثقة بقيادتك للشركة بأكملها."أغلق أدريان الهاتف، ونظر إلى إيلينا التي كانت تقف عند الباب، قد سمعت المكالمة."ماذا أفعل؟" سألها بصدق مرتبك. "لا أستطيع أن أدخل اجتماعًا وأتظاهر بمعرفة أمور لا أعرفها."جلست إيلينا بجانبه، تفكر بسرعة. "أعرف تفاصيل هذه الصفقة. كنتُ أعمل معك عن قرب عليها قبل الحادث. يمكنني أن أساعدك، أن أحضر معك، أن أهمس لك بالمعلومات الأساسية إن احتجت.""هل هذا أخلاقي؟" سأل أدريان بتردد. "أن أتظاهر بمعرفة شيء لا أعرفه؟""ليس تظاهرًا." قالت
بعد رحيل صوفيا، ساد المنزل هدوء غريب، ليس هدوء الحل الكامل، بل هدوء ما بعد عاصفة تركت خلفها الكثير لإعادة ترتيبه.في الأيام التالية، بدأ أدريان وإيلينا يبنيان نوعًا جديدًا من العلاقة، مختلفًا عما كان قبل الحادث: لا ذكريات مشتركة يعتمدان عليها، بل حاضر يبنيانه يومًا بيوم، بصبر وحذر متبادلين.في أحد الأمسيات، وبينما كانت إيلينا تحضّر العشاء، دخل أدريان المطبخ، يحمل ورقة صغيرة في يده."وجدتُ هذه في جيب سترتي القديمة." قال، يمد لها الورقة. "قائمة مكتوبة بخط يدي، أشياء أحبها فيكِ، يبدو أنني كتبتُها منذ سنوات."أخذت إيلينا الورقة، وقرأت بصوت هادئ: "طريقتها في عض شفتها السفلية حين تفكر بعمق. ضحكتها حين تحاول ألا تضحك في اجتماع رسمي. كيف تنسى دائمًا أين وضعت مفاتيحها. الطريقة التي تحتضن بها لينا وكأن العالم كله يتوقف."توقفت عند السطر الأخير، ودموعها تتجمع رغماً عنها."كتبتَ هذا بعد ولادتها." قالت بصوت مرتجف. "كنتَ تكتب ملاحظات صغيرة عني بين الحين والآخر، تقول إنها تذكّرك لماذا وقعتَ في حبي رغم كل التعقيد."نظر أدريان إليها بحنان جديد يتشكل. "هل ما زلتُ أفعل هذه الأشياء؟ عض الشفة، النسيان؟""
لم تظهر صوفيا لثلاثة أيام كاملة بعد تلك الليلة، وبدأت إيلينا تأمل أن المعركة انتهت أخيرًا، أن الصدق كان كافيًا لإغلاق هذا الفصل من حياتهم.لكن في اليوم الرابع، وصلت رسالة إلى هاتف أدريان من رقم غير معروف، أرسلها في الصباح الباكر بينما كان لا يزال نائمًا، ورآها حين استيقظ."أدريان، أعرف أنك تشعر بالحيرة الآن، وأعرف أن إيلينا أخبرتك بكل شيء. لكن هناك شيء واحد لم تخبرك به: أنها لم تندم يومًا على خيانتها لمارتن. تحدثت معي عن ذلك بصراحة قبل سنوات، قالت إنها لم تشعر بالذنب الحقيقي أبدًا، فقط بالخوف من الاكتشاف. امرأة كهذه، هل تثق بها لتكون أمًا مثالية لابنتك، أم أن التاريخ يعيد نفسه يومًا ما؟"قرأ أدريان الرسالة بجبين مقطّب، ثم أراها لإيلينا حين نزلت للفطور.جمدت إيلينا وهي تقرأ الكلمات، الغضب يتصاعد في صدرها بسرعة."هذا كذب صريح." قالت بحزم. "لم أقل هذا لصوفيا أبدًا. لم نتحدث عن هذا الموضوع بهذه الطريقة قط.""هل أنتِ متأكدة؟" سأل أدريان بحذر، ليس اتهامًا مباشرًا، لكن شكًا بدأ يتسلل مرة أخرى إلى صوته."أدريان، أنا أخبرتك بكل شيء بصدق تام قبل أيام قليلة فقط." قالت إيلينا بإحباط متصاعد. "لماذ
جلسا في المكتب تلك الليلة، بعد أن غادرت صوفيا منهارة، ولينا نائمة في غرفتها، وأدريان جالس على الأريكة، ينتظر بصمت ثقيل. "أريد كل شيء." كرر أدريان طلبه. "من البداية." أخذت إيلينا نفسًا عميقًا، وبدأت. "كنتُ متزوجة من رجل يُدعى مارتن، منذ ستة أشهر فقط وقتها. لم يكن زواجًا سعيدًا. لم يلمسني منذ ليلة زفافنا تقريبًا، وكان بارداً، غائبًا، مهووسًا بالقمار الذي كان يخفيه عن عائلته بأكملها." استمع أدريان بصمت تام، عيناه لا تفارقان وجهها. "في ليلة حفل عائلي، هربتُ إلى بار الفندق. كنتُ أختنق. وهناك، التقيتُ بك، دون أن نعرف اسم بعضنا. أنتَ قلتَ إنك تهرب من فكرة زواج قادم، من خطيبة تريد حفلاً ضخمًا لا تريده أنتَ. تحدثنا طوال الليل، صادقَين بشكل لم أعرفه مع أحد من قبل." "وبعدها؟" سأل أدريان بهدوء. "قضينا الليلة معًا." اعترفت إيلينا بصدق مباشر، لا تتهرب من الحقيقة. "دون أن نعرف من نحن حقًا. في الصباح، اختفيتَ، تاركًا رسالة موقعة بحرف واحد فقط: A." مرّ ظل ذكرى غامضة في عيني أدريان، لكنه لم يقاطعها. "بعد ثلاثة أسابيع، اكتشفتُ أنك خطيب ابنة عمي صوفيا. رأيتُك في حفل خطوبتكما، وعرفتُ الحقيقة الك
عادا من البحيرة في المساء، وأدريان لا يزال صامتًا، غارقًا في أفكاره، يداه على المقود بثبات، لكن عينيه تحملان اضطرابًا لم تعرفه إيلينا من قبل في وجهه الجديد.حين وصلا إلى المنزل، وجدا صوفيا تنتظر عند الباب، ذراعاها مطويتان، وجهها يحمل قلقًا محسوبًا بعناية."أين كنتما؟" سألت بحدة مكتومة، تنظر بين الاثنين. "اتصلتُ بك خمس مرات يا أدريان، ولم ترد.""كان هاتفي في السيارة." قال أدريان ببرود غير معتاد، لا يزال مشغولاً بأفكاره الخاصة."إلى أين ذهبتما؟" ألحّت صوفيا."إلى البحيرة." أجاب أدريان ببساطة، غير مدرك للتوتر المتصاعد في الهواء. "أردتُ أن أرى مكانًا رأيتُ ومضة عنه."اتسعت عينا صوفيا، ونظرت إلى إيلينا بحدة. "أخذتِه إلى هناك؟ دون أن تخبريني؟""لم يكن هذا قرارًا يخصكِ." قالت إيلينا بهدوء محسوب، لكن حزم واضح في صوتها. "أدريان طلب الذهاب بنفسه.""وماذا حدث هناك؟" سألت صوفيا، صوتها يرتفع قليلاً رغم محاولتها البقاء هادئة. "أخبرني، أدريان. ماذا شعرتَ؟"توقف أدريان، ونظر إلى صوفيا بشيء جديد في عينيه، ليس البرود المعتاد، بل نوع من التقييم الحذر."شعرتُ بشيء." قال ببطء. "شعور قوي أن ذلك المكان مهم
مرّ أسبوع آخر، وأدريان بدأ يقضي وقتًا أطول في المنزل، يتجول في الغرف، يلمس الأشياء، يحاول أن يشعر بشيء مألوف في كل زاوية. في أحد الأيام، وبينما كانت إيلينا تعمل من المنزل بجانب مكتبها الصغير، سمعت صوت قدمي لينا الصغيرتين تركض نحو غرفة أدريان، ثم صوت ضحكتها الطفولية تتردد من الداخل. اقتربت بحذر من الباب المفتوح جزئيًا، ورأت مشهدًا أوقف أنفاسها. كان أدريان جالسًا على الأرض، ولينا تحاول أن تتسلق حجره، تضحك بصوت عالٍ وهي تحاول التوازن، بينما كان هو يمسكها بلطف، يبتسم ابتسامة حقيقية، لا مصطنعة، وهو يراقبها. "أنتِ عنيدة جدًا يا صغيرتي." قال لها بصوت دافئ غير متوقع، يساعدها على الجلوس في حضنه أخيرًا. ضحكت لينا وضربت صدره بيدها الصغيرة بمرح. "بابا!" قالتها بوضوح، ونظرت إليه بعينين لامعتين مليئتين بحب طفولي بريء لا يعرف شيئًا عن فقدان الذاكرة أو التعقيدات. جمد أدريان للحظة، ونظر إلى الطفلة الصغيرة في حضنه بذهول عميق. "بابا." كررها بصوت مرتجف، كأنه يسمع الكلمة لأول مرة رغم أنه سمعها من قبل عدة مرات منذ استيقاظه. لكن هذه المرة كان هناك شيء مختلف في الطريقة التي قالتها بها، ثقة كاملة، بل







