LOGINمرّ أسبوع كامل، وخلاله تبدلت أشياء كثيرة في حياة لينا من دون أن تشعر أنها اتخذت قرارًا بتغييرها. كانت أيامها مزدحمة بين المعهد والمستشفى، حتى أصبحت العودة إلى المنزل في نهاية اليوم تعني لها شيئًا واحدًا: أن تلتقط أنفاسها قليلًا قبل أن تبدأ من جديد في اليوم التالي. ومع ذلك، كان هناك شيء آخر أصبح جزءًا ثابتًا من يومها؛ ريان.في البداية كانت مكالماتهما قصيرة، لا تتجاوز بضع دقائق، ثم أخذت تمتد دون أن ينتبها إلى الوقت. كانا يتحدثان عن العمل، وعن المرضى، وعن الأشياء التي حدثت خلال يومهما، ثم ينتقل الحديث تدريجيًا إلى أمور لا علاقة لها بالطب أو المستشفى. وأحيانًا كانت لينا تضحك على تعليق يقوله، فيصمت ريان لحظة وكأنه يستمع إلى ضحكتها أكثر مما يستمع إلى الكلمات نفسها. وفي بعض الليالي، كان الحديث يطول حتى يغلب النوم أحدهما، ثم الآخر، فيبقيان على الاتصال من دون أن يشعر أي منهما متى انقطعت الكلمات وتحول صوت الطرف الآخر إلى تنفس هادئ.لم تكن لينا تعرف متى أصبح وجود ريان في يومها أمرًا طبيعيًا إلى هذا الحد، لكنها لم تعد تشعر بالحاجة إلى البحث عن سبب لكل مكالمة، كما أنها لم تعد تتوتر حين يظهر اسمه ع
بعد عدة دقائق، جلسا في مقهى هادئ قريب من المستشفى، واختارا طاولة في زاوية بعيدة عن الضجيج. طلب ريان قهوته، بينما اكتفت لينا بالقهوة السوداء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد وأخذت تنظر إليه بنظرة جعلته يدرك أنها لم تأتِ إلى هنا من أجل القهوة.ابتسم ريان أشعر أنني ارتكبت خطأ حين وافقت على شرطك.ابتسمت لينا ابتسامة صغيرة وقالت لقد وافقت بنفسك، فلا تتراجع الآن.ضحك بهدوء، حسنًا، تفضلي. اسألي ما تشائين، وسأجيبك بما أستطيع.تأملت لينا وجهه للحظات، أول سؤال… لماذا تهتم بي إلى هذا الحد؟توقفت ابتسامته قليلًا، وبقي ينظر إليها قبل أن يجيب لأنكِ شخص مهم بالنسبة إليّ.«هذا ليس جوابًا.»بل هو الجواب الذي أستطيع إعطاءه الآن.ضيقت عينيها إذن سأطرح السؤال بطريقة أخرى. عندما كنت في ذلك المكان، لماذا كنت هناك أصلًا؟ ولماذا خاطرْتَ بنفسك من أجلي؟خفض ريان نظره إلى فنجان القهوة،لأنني لم أستطع أن أقف بعيدًا وأنا أعرف أنكِ في خطر.»سألته فورًا وكأنك كنت تعرفني جيدًا؟رفع عينيه إليها،كنت أعرفكِ أكثر مما تعرفين نفسك .توقفت لينا عن الكلام، وشعرت بأن الجملة أصابت شيئًا غامضًا في داخلها.قالت بعد لحظة هل كنت أحبك؟ا
لم يستغرق وصولهم إلى الصائغ وقتًا طويلًا. دخل الضابط أولًا، وتبعته لينا وريان، ثم أخرجت لينا الأقراط من حقيبتها ووضعتها أمام الرجل. وما إن وقعت عيناه عليها حتى تغيرت ملامحه، وكأنه تعرف إليها فورًا. قال نعم، أعرف هذه الأقراط.» سأل الضابط هل أنت متأكد؟ ابتسم الصائغ ابتسامة خفيفة وقال كيف أنساها؟ أنا من صنعتها بنفسي. هذا التصميم تحديدًا لم أصنع منه سوى طقم واحد. تبادلت لينا وريان نظرة سريعة، ثم سأله الضابط ولمن كان الطقم؟ أجاب الرجل بكل بساطة لسيدة واحدة فقط. وقد أخبرتني حين طلبته أنها ستدفع مبلغًا كبيرًا بشرط واحد.» سأله ريان: «وما هو؟» قال الصائغ ألا أصنع طقمًا مشابهًا له لأي شخص آخر. أرادت أن يكون مميزًا ولا يملك أحد غيرها شيئًا يشبهه. شعرت لينا بأن قلبها بدأ يخفق بعنف، ثم سألت بصوت متردد ومن كانت تلك السيدة؟ نظر الصائغ إليها، ثم قال السيدة غادة… زوجة السيد ياسر العبدالله. تجمدت لينا في مكانها. لم تستطع أن تقول شيئًا لثوانٍ، بينما نظر إليها ريان بقلق، وتبادل الضابط مع الصائغ نظرة جادة. كانت الحقيقة أبسط وأشد وقعًا مما توقعت؛ الأقراط التي أخذتها من غادة لم تكن مجر
رفع الضابط الأقراط بين أصابعه، وأمعن النظر في تفاصيلها قبل أن يعيدها إلى لينا قائلًا: «حسنًا، بدل أن نبني الاحتمالات، يمكننا أن نتأكد بطريقة أبسط. لنذهب إلى الصائغ الذي صنع هذا الطقم، ونسأله إن كان قد صنع قطعة أخرى تحمل النقوش والتفاصيل نفسها، أو إن كان هذا الطقم هو الوحيد الذي خرج من ورشته بهذا التصميم.» نظرت إليه لينا باهتمام، فقال وهو ينهض من مكانه: «هذه المجوهرات ليست من النوع الذي يصنعه أي صائغ؛ هناك صائغ واحد معروف بصناعة هذا النوع تحديدًا، وتتعامل معه عائلات راقية منذ سنوات. وخالتك واحدة من زبائنه، وكذلك زوجتي؛ بل إن زوجتي دفعت مبلغًا طائلًا مقابل بعض المجوهرات التي صنعتها ورشته.» اتسعت عينا لينا قليلًا، ثم أعادت الأقراط إلى حقيبتها بعناية. لم تكن تتوقع أن يكون الوصول إلى الحقيقة بهذه السرعة، ومع ذلك شعرت بشيء من القلق؛ فكلما اقتربت من الإجابة، بدا لها أن السؤال أصبح أخطر. قال الضابط وهو يتجه إلى الباب لن نضيّع الوقت. إن كان هذا الطقم مسجلًا في سجلاته، فقد نعرف متى صُنع، ولمن بيع، وهل كان معه خاتم مطابق له أم لا. خرجت لينا خلفه، وهي تحاول أن ترتب أفكارها، لكنهما لم يقطعا سو
ساد الصمت للحظات حول مائدة الإفطار، بينما بقيت لينا تتأمل الأقراط، وكأن شيئًا فيها شدّ انتباهها على نحو لم تستطع تفسيره. ثم ابتسمت وقالت بعفوية خالتي غادة، هل أستطيع استعارتها منكِ اليوم؟ سأذهب إلى المعهد، وسأرتدي ثوبًا أخضر قريبًا من لون الأقراط، وأظن أنها ستبدو جميلة معه.كانت كلماتها بسيطة، لكن غادة شعرت بوخزة حادة في صدرها؛ فهذا الطقم لم يكن مجرد قطعة من المجوهرات بالنسبة إليها، ولم تكن تحب أن تلمسه لينا، إلا أنها لم تسمح لشيء من حنقها أن يظهر على وجهها.أخفت انزعاجها خلف ابتسامة هادئة، ثم مدت يدها إلى أذنيها ونزعت الأقراط واحدة تلو الأخرى، ووضعتهما أمام لينا قائلة بنبرة حنونة أجل يا حبيبتي، تستطيعين استعارتها.تناولت لينا الأقراط بسعادة واضحة، وهي تقول شكرًا لكِ يا خالتي، سأعيدهما إليكِ فور عودتي.ابتسمت غادة مجددًا، وقالت لا بأس، ارتديهما واستمتعي بيومك.أما لمى، التي كانت تتابع المشهد بصمت، فقد رفعت عينيها نحو أمها، فرأت في نظرتها شيئًا لم تحتج إلى تفسيره. كانت غادة تنظر إليها بسخط مكتوم؛ فهي لم تستطع أن تفهم كيف سمحت لينا لنفسها بخذهن. فهمت لمى الرسالة من نظرة واحدة، فخفضت ع
وصلت لينا إلى المنزل بعد أن أظلمت السماء، وأوقفت سيارتها في مكانها المعتاد، لكنها بقيت للحظات جالسة خلف المقود تحدق أمامها بشرود. كانت تشعر بثقل غريب في صدرها منذ خرجت من الفندق، وكأن حديث أحمد ترك خلفه أسئلة أكثر مما أعطاها من إجابات. أخذت نفسًا عميقًا محاولة أن تستعيد هدوءها، ثم نزلت من السيارة واتجهت إلى الداخل. ما إن دخلت حتى وجدت ياسر جالسًا في غرفة الجلوس، فرفع عينيه إليها وقال بنبرة أبوية هادئة تأخرتِ يا لينا، ألم تقولي إنك ستذهبين إلى جوري؟ شعرت بوخزة فور سماعها سؤاله، فهي لم تعتد الكذب، وكلما تذكرت أنها أخبرته بأنها ستذهب إلى جوري ازداد شعورها بالذنب، لكنها حاولت إخفاء اضطرابها بابتسامة صغيرة نعم، كنت عندها، لكننا انشغلنا قليلًا في الحديث عن التطبيق ولم أشعر بالوقت. ظل ياسر ينظر إليها للحظات، ثم قال حسنًا، المهم أنك عدتِ بخير. هل تناولتِ العشاء؟ هزت رأسها وقالت إنها ليست جائعة كثيرًا، وإنها تريد الصعود إلى غرفتها، فلم يضغط عليها، واكتفى بتذكيرها بألا تنام وهي جائعة. ابتسمت له حاضر يا أبي،ثم صعدت إلى غرفتها. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى أسندت ظهرها إليه وأغمضت عينيها، وك







