Accueil / الرومانسية / عاصفة زين: في قبضة الرائد / عاصفة عزام.. والعودة إلى الجحيم

Partager

عاصفة عزام.. والعودة إلى الجحيم

Auteur: Yara Alaa
last update Date de publication: 2026-06-22 02:25:18

"سقط الخبر كالصاعقة على منصور الذي تيبس في مقعده بصدمة، بينما بدأت ورد تبكي بحرقة وهي تطبطب على ظهره قائلة بصوت مخنوق:— "لا إله إلا الله! الدوام لله يا حبيبي.. شد حيلك وادعي لهم بالرحمة، ده نصيبهم وكتابهم مسطور

."تمتم زين بوجع مرير:— "الله يرحمهم.. يارب يصبرني على فراقهم.

"سألته ورد بحزن وهي تمسح دموعها:— "يا حبيبي يارب.. طب أنت بلغت أهلها؟

"هز زين رأسه بتعب وقهر، وظهرت على ملامحه أمارات الضيق:— "قولت لهم.. بس هما أصلاً مش مهتمين بيها ولا بيحبوها، ولا حتى زعلوا على موتها كأنها مش بنتهم! لما اتصلت أبلغهم عشان يحضروا الدفن، قالوا مش فاضيين ومجوش.. أنا دفنتها لوحدي ساعة لوحدي

."اقترب منه والده منصور بملامح حزينة، وضمه إلى صدره بقوة وهو يعاتبه برفق:— "البقاء لله يا بني.. وليه متصلتش بينا نكون معاك ونشيل عنك؟ ليه تواجه كل ده لوحدك يا زين؟

"أجاب زين بتعب شديد وعينين تكاد تنغلقان:— "صدقني يا بوي مكنتش فايق لأي حاجة، ولا شايف قدامي

."قالت ورد بأسى:— "خلاص يا بني، كفاية عليك كدة، اطلع أوضتك ارتاح وفك عن نفسك شوية.

"هز زين رأسه بموافقة صامتة، وصعد إلى غرفته، أغلق الباب خلفه بإحكام، وارتمى على سريره بملابسه، لتسيل دموعه بغزارة على وسادته وهو يبكي ريم وطفله الراحل حتى غلبه النوم من فرط الإنهاك.

ـــــــــــــــــــــ

ومع حلول الليل المظلم وسكونه الموحش، هبط زين إلى الطابق الأسفل بعد أن أبدل ثيابه العصرية بجلباب أسود فضفاض يتماشى مع عادات وتقاليد الصعيد الصارمة في حالات الحزن والحداد

وجد أفراد العائلة، من أعمام وأبناء عمومة، يجلسون في صمت مطبق والوجوم يسيطر على أركان المكان احترماً لمصابه و كانت نظرات الأعمام تلاحقه بشفقة ممزوجة بالعجز، وهم يتهامسون بصوت خافت يشبه فحيح الأفاعي في عتمة الليل، يتساءلون كيف لشاب في مقتبل العمر أن يتحمل دفن زوجته وطفله الصغير بيديه دون أن تسقط منه دمعة واحدة!

لقد وقف هناك وسط المقابر كالصنم، يربت على التراب ببرود أرعب الجميع، وكأن روحه دُفنت معهما ولم يتبقَ منه سوى جسد خاوٍ.

ومع كل خطوة يخطوها زين في ردهات الدوار، كانت مفاصله تتصلب، وأصابعه تتشنج داخل جيب جلبابه الأسود الصارم، بينما تسارعت أنفاسه المخنوقة وشعر بدوار عنيف يكاد يطيح به أرضاً من فرط الصدمة والخذلان، لكن كبرياءه العسكري والجنوبي منعه من إظهار هذا الضعف أمام عيونهم المتفحصة."

تقدم بخطوات آلية وجلس معهم دون أن ينطق بكلمة واحدة، وعيناه كانتا مثبتتين في الفراغ بنظرات تائهة.

نظر إليه والده منصور بحزن جارف، وعينين تتفحصان انكسار ابنه الوحيد وسنده في الدنيا، ثم كسر هذا الصمت الثقيل قائلاً بنبرة قلقة ومحذرة:— "وهتفضل قاطع في نفسك كدة كتير يا زين الحزن مش هيرجع اللي راح يا بني.

"نظر منصور إلى ابنه الشارد بحزن عميق يمزق قلبه، ثم أطلق تنهيدة ثقيلة ومحملة بوجع الأيام، وقال بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:— "بص يا زين.. الحي أبقى من الميت، وأنت أكيد مش هتفضل عايش عمرك كله على ذكرى مرأتك الراحلة. أنت راجل، وراجل صعيدي، ولازم تتجوز وتشوف حياتك، وتخلف ولد يكون سندك وعزوتك في الدنيا، ويشيل اسم العيلة من بعدك

."اتسعت عينا زين بصدمة وعصبية بالغة، واشتعلت عيناه بنيران الغضب المكتوم وهو يرد بنبرة متهدجة وعالية زلزلت المكان:— "إيه اللي بتقوله ده يا بوي؟! إزاي عاوزني أتجوز على مراتي اللي معداش على موتها ودفنها إلا كام ساعة بس؟! إنتو معندكوش رحمة؟ وكمان بتقولي عيش حياتك؟ ريم كانت هي كل حياتي، ومن بعدها أنا مش قابل الدنيا واصل! مش هسمح لأي ست تانية تاخد مكانها.

"تدخلت ورد بنبرة هادئة وحنونة، تحاول تهدئة الأجواء المشحونة وتلطيف حدة الصدمة قبل أن تتفاقم الأزمة بين الابن وأبيه:— "بس أبوك معاه حق يا زين.. أنت لازم تتجوز، أنا عارفة إنك كنت بتحبها والوجع لسه شديد وجديد في قلبك، بس أنت برضه لازم تشوف مصلحتك وحياتك اللي جاية. الدنيا مش بتقف على حد يا ضنايا والعمر بيجري

."انتفض زين من مكانه بغضب عارم كالبركان الثائر، وهدر بصوت جهوري زلزل أركان الغرفة الواسعة:— "أنتم مستوعبين الكلام اللي بتقولوه ده؟ عاوزيني أتجوز بعدها فوراً إزاي؟! أنا عارف أنتم بتقولوا كده ليه.. عشان أنتم أصلاً مكنتوش بتحبوها، ومكنتوش رايدين إني أتجوزها من الأول! وعاوزين تفرضوا عليا رأيكم حتى في وقت حزني وناري!

"ضرب منصور بكفه بقوة فوق ذراع المقعد الخشبي حتى أصدر صوتاً مدوياً هز أركان الصالون، وهب واقفاً بغضب صعيدي جامد وعينين تطاير منهما الشرر:— "أيوة مكنّاش موافقين تجوز واحدة من بر عيلتنا! أنت خالفت عاداتنا وتقاليدنا، ورحت اتجوزت من بنات بحري وعصيت طوعنا! وعشانك ولدنا الوحيد عديناها وسكتنا، بس خلاص.. دورتها وانتهت، والحي أبقى من الميت، وأنا وأنت هنروح الليلة ونطلب يد بنت عمك "غرام"، والحديث عدم وانتهى واصل!

"بص له زين بوجع ومرارة تفيض من عينيه، وقال بصوت مخنوق ومتحشرج من فرط الخذلان:— "بس أنا مش هتنقل من مكاني، مش هتحرك من الدوار واصل! ولا هتدلج (أتجوز) ولا هيدخل بعد ريم واصل.. حياتي انتهت معاها ومستحيل أكسر ذكرى حبنا

استدار زين لكي يغادر الغرفة وينهي النقاش، لكن خطواته تسمرت مكانها عندما جلد ظهره صوت والده الصارم والقاطع:— "لو مسمعتش كلامي وعملت اللي قولت عليه.. يبقى لا أنت ولدنا ولا نعرفك، وتتبرا منك العيلة ليوم الدين! وتكون ملحوج بالعار وسط الناس، وهتتحرم من كل ورثك وهتكون غريب عننا!

"تصلب جسد زين بالكامل، والتفت لوالده بعينين مكسورتين يملؤهما الوجع والخذلان، صمت لثوانٍ كان يجرع فيها مرارة الخيار الصعب والأليم، ثم تنفس بعمق وقال بنبرة مستسلمة وميتة كأنه يقدم روحه للقضاء:— "الحديث عدم يا بوي.. اللي توأمر بيه هيمشي

."ولم يحتمل زين البقاء في الدوار دقيقة واحدة بعد هذا الخيار القاسي. استدار وخرج مسرعاً، ركب سيارته وانطلق بها بسرعة جنونية نحو الأراضي الزراعية والمزارع الشاسعة الشاسعة المملوكة للعائلة في أطراف البلدة، يهرب من جدران البيت الخانقة ومن غضبه المكتوم.

.صف سيارته على جانب الطريق الترابي المظلم، وترجل منها يسير بين الزروع تحت ضوء القمر الخافت، والأفكار تتصارع في عقله كالإعصار. وفجأة، وسط هدوء السكون والليل المخيف، قطع صمت المكان صوت خافت وضئيل.. كان صوت بكاء أنثوي حزين ومرير يخرج من بين الأشجار القريبة.توقفت خطوات زين فوراً، وارتسمت علامات الدهشة والفضول على مجهده.

سار بخطوات حذرة وبطيئة نحو مصدر الصوت، حتى اقترب ولمح طيف فتاة تجلس وهي تلم جسدها وتبكي بحرقة تكسر الصخر.

رق قلبه للحظة رغم بروده وقسوته، واقترب منها خطوة إضافية، ثم قال بصوت هادئ ونبرة رجولية قوية حاولت بث الأمان:— "لو سمحتي.. أنا سمعت صوت بكائك، إيه اللي منزلك في وقت زي ده هنا؟ ممكن أقدر أساعدك؟"

بكت غرام بحرقة، ورفعت كفيها المرتعشتين لتغطي بهما وجهها الشاحب المحمر من شدة البكاء، وقالت بنبرة يملؤها اليأس وقلة الحيلة:— "وهيفيد بإيه يعني لو قولتلك؟ الوجع اللي في قلبي ملوش دواء، ومحدش واصل هيقدر يغير المكتوب عليا

."رد عليها زين بملامح جامدة كالصخر والرخام، لم يظهر عليها أي تعاطف خارجي بسبب البرود الذي غلف قلبه بعد رحيل ريم، وقال بصوت حاد ولكن هادئ:— "يمكن أقدر أساعدك.. أنا رائد شرطة وبفهم في حل المشاكل، ولو مش حابة تقولي براحتك، مش هجبرك على حاجة

."استدار زين بجسده وكأنه سيغادر المكان ويتركها لحالها، لكن صوتها الباكي الممتلئ بالنحيب والكسرة استوقفه فجأة وجعله يتسمر في مكانه. قالت وهي تشهق بمرارة:— "ابن عمي رجع من السفر.. وجاي الليلة هو وعمي عشان يطلبوا يدي من أبوي.. أبوي وافق وضغط عليا، وأنا مش موافقة ومش رايداه واصل! هيموتوني بالحيا يا بيه.

"

التفت إليها زين ببطء، وتفرس في ملامحها الباكية تحت ضوء القمر لثوانٍ معدودة، ثم قال بنبرة غامضة وهادئة تحمل سخرية خفية من تصاريف القدر:— "يعني أنتِ مش عاوزه ابن عمك ومجبورة عليه؟

"هزت رأسها بالإيجاب والدموع تنساب بغزارة شديدة على وجنتيها لتغسل وجهها الطفولي. تابع زين بسخرية من ألاعيب القدر وضغوط الأهالي التي يعاني منها هو الآخر في نفس اللحظة:— "اممم.. وأنا زيك كدة بالظبط رايح الليلة وعمي وأبويا يطلبوا لي يد بنت عمي مجبر عليها، ورايح أخطب ومجبور على كدة برضه.. القدر بيلعب بينا. بس قوليلي، اسمك إيه؟

اتسعت عيناها العسليتان بذهول صاعق، وشعرت بركبتيها تكادان تخذلانها من فرط المفاجأة.

رفعت رأسها ببطء تنظر إلى هذا الرائد المهيب الغريب الذي يقف أمامها كالجبل، وراحت تردد كلماته في عقلها المشتت بغير تصديق.

'هو الآخر مجبر؟ وابوه يضغط عليه ليتزوج ابنة عمه المجبورة؟!'

تلاقت نظراتهما في تلك اللحظة تحت ضوء القمر الخافت؛ نظراتها المليئة بالحيرة والصدمة، ونظراته الغامضة التي تحيط بها أسوار من البرود والقسوة المكتومة.

وقبل أن تستوعب غرام حجم اللعبة الساخرة التي ينسجها القدر حولهما، أو تنطق بحرف واحد يعبر عن ارتباكها، تحرك زين فجأة مكسراً هذا الصمت الثقيل. رد عليها بهيبته المعتادة وصوته الصارم المدوي:— اسمي زين.. المهم روحي بيتك دلوقتي فوراً قبل ما حد يشوفك هنا..."

"نظرت إليه بخجل وارتباك شديدين تحاول أن تداري بهما دموعها وصدمتها من أن هذا الرجل الغريب يمر بنفس معاناتها، وقالت بصوت خافت :— وانا اسمي غرام..

" وتحركت مسرعة ل تغادر المكان متجهة إلى بيتها، بينما جلس زين على الأرض في نفس بقعتها، وشعر بثقل العالم فوق صدره.

أغلق عينيه بوجع شديد وهمس بصوت مخنوق تملؤه عبرات الشوق والكسرة:— "وحشتيني يا ريم.. وحشتيني أوي والبيت ضلمة من بعدك. سامحيني إني هتجوز عليكِ، بس والله مجبور.. مجبور يا حبيبتي ومغصوب على طوع بوي.

"ومع نطق اسمها، انهمرت من ذاكرته صورٌ خاطفة كالسياف؛ تذكر ابتسامتها العذبة التي كانت تضيء عتمة بيتهما الصغير، وصوت ضحكات طفله الراحل وهي تملأ الأركان دفئاً وحياة قبل ذلك الحادث اللعين.

تذكر كيف كان يعود من عمله المرهق في الشرطة ليرتمي في حضنها الدافيء، والآن لم يتبقَ له سوى جدران باردة، وبيت مظلم، وقدر غاشم يدق عنقه ليدفع به إلى حضن امرأة أخرى لم يخترها قلبُه."

"قام زين من مكانه، وركب سيارته وفضل يلف بيها في الطرقات المظلمة هرباً من خنقته وضيق صدره قبل أن يعود إلى الدوار.

وفي تلك الأثناء، في بيت متوسط الحال بالقرية، دلفت غرام إلى المنزل بخطوات خائفة، مرتجفة، وتكاد تحبس أنفاسها حتى لا يشعر بها أحد.

كانت تحاول التسلل بسرعة نحو غرفتها لتفادي المواجهة، لكن صوت والدها

"عزام" الصارم والقاسي قطع عليها الطريق سريعاً كالسيف.

التفتت برعب وخوف شديد لتجده يقف في منتصف الصالة ينظر إليها بغضب جحيمي وعينين يتطاير منهما الشرر، وهتف بها عزام بصوت جهوري أرعبها:— "

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • عاصفة زين: في قبضة الرائد    الفصل السادس والتسعون الجزء الثاني:شروق باهت وصمت المدافن

    لقد غدا الشرخ الذي أصاب بيته وأحلامه أوسع من الصعيد بأكمله، وأصبح طريق الرجوع شبه مستحيل.خرج زين من الغرفة وأغلق الباب خلفه برفق شديد، ثم وقف في ردهة الصالة المظلمة، وعقله يشتعل بالنيران ولا يتوقف عن التفكير.وكان قصر المنشاوي في أقاصي الجنوب مهجورًا وخاليًا من الحياة، وغدا السكون الرهيب الذي يلف أرجاء السرايا أشبه بأجواء المدافن الموحشة.كان اللواء زين جالسًا خلف مكتبه العتيق، ورغم أن الشمس في الخارج كانت حامية ملتهبة، فإن الأجواء داخل الغرفة بدت كالثلج من فرط البرودة.كانت العصا المذهبة ملقاة تحت قدميه فوق الرخام البارد، إذ لم تمسها يده منذ تلك الليلة المشؤومة.جلبابه الصعيدي الأبيض غدا متبهدلًا، وانكسرت ملامح الهيبة عن وجهه، بينما ظلت عيناه الرماديتان معلقتين بجهاز الهاتف الأرضي السري، ينتظر منه همسة واحدة.فجأة...رن الهاتف برنة حادة ومفاجئة مزقت سكون الأرجاء!تررر... تررر...خطف زين السماعة بأصابع ترتجف بشدة، وانكتمت أنفاسه وهو يستمع إلى صوت عاشور، ذلك المخبر السري الذي زرعه داخل المديرية منذ سنوات طويلة لينقل إليه كل تحركات الضباط.انطلق صوت عاشور خفيضًا عبر السماعة، يلهث بذعر

  • عاصفة زين: في قبضة الرائد   الفصل الخامس والتسعون الجزء الثاني:بينا جدار

    وصل إلى السيارة الجيب الميري الرابضة في أول المدق الرملي وسط جبال الجنوب. فتح الباب الخلفي ببطء شديد، ووضع مايا فوق المقعد الجلدي البارد، ثم سحب سترته العسكرية وألقاها فوق رجليها ليحميها من برودة الجو الخانقة. استدار وركب خلف عجلة القيادة. أغلق الباب بعنف. طاااخ! قطع الصوت المدوي سكون الجبل الموحش. أدار المحرك، فانتفضت السيارة بقوة، وضغط على دواسة البنزين بدأت العجلات تفرك في الرمال والتراب الأصفر، الذي تطاير خلف السيارة وصنع غمامة كثيفة غطت الوكر المهجور. كان الطريق السريع خاليًا تمامًا، وبدأ الظلام يتسحب ببطء بينما أخذت الشمس تشرق على استحياء، صانعة خطًا أحمر حارًا من وراء قمم الجبال. داخل السيارة، كان الصمت ثقيلًا وخانقًا لم يكن هناك سوى أزيز المحرك وصوت أنفاس الرضيع الضعيفة وسط قماشه. كانت عينا يحيى مثبتتين على الطريق أمامه، وقبضتاه تطبقان على المقود حتى ابيضت مفاصل أصابعه من شدة الضغط. رمقها عبر المرآة الداخلية. كانت مايا تجلس في الخلف، مسندة رأسها إلى زجاج النافذة البارد. عيناها مفتوحتان، شاخصتان في الفراغ بجفاء يحرق الأعصاب، ويداها لا تزالان متشبثتين بالرضيع، كأنها

  • عاصفة زين: في قبضة الرائد   الفصل الرابع والتسعون الجزء الثاني:شروق باهت وجمر المديرية

    — "ابعد عني!! متلمسنيش!! ابعد بقلك.. مش عايزاك!!"بلع يحيى ريقه بصعوبة، وانكتم صوته وسط الذهول الذي شلّ كيانه. زحف على ركبتيه ببطء، متقربًا منها سنتيمترات قليلة، وقال بصوت مكسور:— "مايا... اهدَي. ده أنا... أنا يحيى، جوزك. والله العظيم جيت أنقذك... جيت آخدك إنتِ وابننا من الجحيم ده."انفجرت مايا في بكاء حارق، وهزّت رأسها بجنون وهي تصرخ:— "تنقذني؟! إنت بالذات تخرس خالص! إنت وأبوك اللواء اللي عملتوا الطبخة دي! إنت اللي خطفتني ورميتني في دروب الجبل عشان تخلص مني ومن ابنك! طول عمرك بتكرهني... وكنت مستني اللحظة دي!"شعر يحيى وكأن خنجرًا غُرس في قلبه وضع يديه فوق رأسه وضغط بقوة، بينما راحت أنفاسه تتسارع، وكأن هواء المغارة لم يعد يكفيه. ارتجفت شفتاه، وامتلأت عيناه بالدموع، لكنه قاومها بكل ما بقي فيه من كبرياء.خرج صوته خافتًا، يكاد يختنق من الوجع:— "وربنا ما كنت أعرف... وحياة ابني الرضيع ده ما كنت أعرف حاجة عن اللي عمله اللواء زين. قلبت القاهرة والصعيد عليكي... والله العظيم بحبك، ومقدرش أتنفس من غيرك يا مايا."ساد الصمت للحظات، حتى إن بكاء الرضيع أصبح الصوت الوحيد داخل المغارة. ظل يحيى ين

  • عاصفة زين: في قبضة الرائد   الفصل الثالث والتسعون: الجزء الثاني:صرخه في المغاره

    — "يحيى.. افهمني يا ولدي.. البنت دي كانت هتضيعك وتنهي مستقبلك.. عيلتها دمرتني زمان، وأنا كنت بحميك! " دفع يحيى يد والده بعيدًا عنه بعنف، كأنه يلمس جمرة مشتعلة كانت عيناه تمتلئان بدموع القهر، لكنه رفض أن يسمح لها بالسقوط ظل يحدق في وجه اللواء زين بنظرة لم يعرفها الأب من قبل، ثم رفع إصبعه في وجهه وقال بصوت جاف، حاد كالرصاص: — "إنت مبقتش أبويا! من اللحظة دي... من الثانية دي... زين المنشاوي مات بالنسبة لي! مش عايز أعرفك تاني، ولا اسم عيلتك يشرفني واصل! دمي أنا هجيبه بإيدي... ومن الليلة دي إنت غريب عني يا سيادة اللواء!. استدار يحيى وغادر المكتب كالإعصار، وخطف هاتفه من فوق المكتب دون أن يلتفت خلفه. ظل اللواء زين واقفًا في منتصف الغرفة، وقد انحنى ظهره لأول مرة تحت ثقل الذنب، بينما بقي صدى كلمات ابنه يدوي بين الجدران كحكم لا رجعة فيه. اندفع يحيى خارج القصر، وقفز إلى سيارته العسكرية، وأدار المحرك بعنف، فانطلقت تشق طرقات الجنوب بسرعة جنونية كانت قبضتاه تطبقان على المقود حتى ابيضت مفاصلهما، بينما كان صدى بكاء طفله واستغاثة مايا يطاردانه في كل لحظة لم يعد يرى الطريق أمامه، بل كان يرى وجه زو

  • عاصفة زين: في قبضة الرائد   الفصل الثاني والتسعون الجزء الثاني:سقوط اللواء

    تسيبها تمشي فين يا سيادة اللواء؟! ابنك الرائد ماسك قضية الشحنة بتاعتنا ومصمم يحبسنا ويخرب بيوتنا واصل! قول لابنك الصقر الشاب ده يلم نفسه ويقفل الدفاتر الأول.. وإلا وربنا الفيديو الجاي اللي هبعته على تليفونه هيبقى جثة ابنه الرضيع!" سمع يحيى صوت أنفاس والده اللواء زين وهي تتخنق في صدره، ثم خرج صوته عبر السماعة مكسورًا، تملؤه لهفة وخوف لم يعهدهما في أبيه الصارم طوال حياته: — "البنت ولدت؟! سيبوها تمشي بقى! خلاص.. المحاضر هقفلها.. ابني اتدمر بما فيه الكفاية ومش حمل خسارة تانية واصل!" دارت الدنيا بيحيى في ثانية واحدة، وبدت جدران الغرفة كأنها تتحرك وتضيق عليه حتى كادت تخنقه. سقطت السماعة من أذنه فوق السجاد، بينما اتسعت عيناه بذهول قاتل، وتجمدت أنفاسه داخل صدره. لم يكن يصدق أن الكلمات التي سمعها خرجت من فم والده، الرجل الذي طالما اعتبره رمزًا للشرف والعدل. اندفعت الذكريات إلى رأسه كالسيل الجارف؛ يوم علّمه والده كيف يمسك سلاحه لأول مرة، ويوم وقف بجانبه في حفل تخرجه وهو يقول أمام الجميع: "الراجل الحقيقي عمره ما يبيع أهله ولا يخون الأمانة." شعر وكأن تلك الكلمات تحولت إلى سكاكين تمزق قلبه،

  • عاصفة زين: في قبضة الرائد   الفصل الواحد والتسعون الجزء الثاني:الخط السري

    أغلق يحيى باب غرفته خلفه بهدوء، ثم أدار المفتاح في الترباس الحديدي حتى انغلق بإحكام ارتد صوت القفل في الممر الهادئ، فبدا وكأنه يعلن بداية معركة خفية لن يعلم بها أحد. لم يكن يحيى من الرجال الذين يتركون الشك ينهش عقولهم دون أن يبحثوا عن الحقيقة. منذ أن سمع استغاثة مايا، ومنذ أن لمح الارتباك في عيني والده، أدرك أن هناك سرًا خطيرًا يُخفى عنه، وأن الوصول إليه لن يكون إلا بعقله قبل سلاحه. مشى بخطوات ثابتة نحو سريره، ثم جلس أمام الحاسوب المحمول وفتحه بسرعة راحت أصابعه تتحرك فوق لوحة المفاتيح في سرعة مذهلة، بينما كانت عيناه تتابعان الشاشة بتركيز شديد. تك... تك... تك... دوّى صوت المفاتيح في هدوء الغرفة، وكأنه عدٌّ تنازلي للحقيقة. فتح الدرج الجانبي، وأخرج فلاشة سوداء صغيرة احتفظ بها منذ آخر مهمة سرية. لم تكن فلاشة عادية، بل أداة استخباراتية مخصصة لالتقاط إشارات خطوط الاتصال ونقلها إلى جهاز آخر إذا استُخدمت بدقة قبض عليها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، ثم دسها في جيبه، وعدّل موضع طبنجته الميري داخل حزامه، قبل أن يغادر الغرفة بخطوات هادئة لا تكاد تُسمع. كان القصر غارقًا في صمت ثقيل، لا يق

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status