ログインالتفتت برعب وخوف شديد لتجده يقف في منتصف الصالة ينظر إليها بغضب جحيمي وعينين يتطاير منهما الشرر، وهتف بها عزام بصوت جهوري أرعبها:— "كنتِ فين يا روح أمك؟! وإيه اللي مخرجك في الوقت ده من واخر الليل والبلد مقلوبة عشان جية عمك وولده وعقاب العيلة؟!
"ردت غرام بنبرة مرتجفة والدموع تهدد بالهبوط من عينيها مجدداً، وحاولت اختراع أي حجة لتنجو من بطشه:— "كنت.. كنت رايحة الصيدلية أجيب حاجة وجيت على طول يا بوي، تعبت فجأة. "رمقها عزام بنظرة حادة وقاتلة تظهر عدم تصديقه لكلامها، وقال بأمر قاطع ونبرة غليظة:— "طب غوري على أوضتك ومشوفش وشك براها واصل، لحد ما أقولك اطلعي تقابلي عريسك وابن عمك، فاهمة ولا لأ؟! "هزت غرام رأسها بخوف وانصياع تام لأمر والدها القاسي، ودلفت إلى غرفتها بخطوات مكسورة كالجناح. أغلقت الباب خلفها بإحكام، ثم ارتمت على فراشها وانفجرت في بكاء مرير وقهر يعتصر قلبها الصغير، "بينما كانت دموعها تبلل وسادتها، وتتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعها قبل أن تصبح زوجة لرجل لا تريده، لمعت في عقلها المشتت صورة ذلك الرجل الغريب الذي التقت به منذ قليل تحت ضوء القمر. تذكرت نبرة صوته الرجولية الهادئة وشهامته حين عرض عليها المساعدة، وسألت نفسها بقهر: 'يا ترى عريسي الإجباري ده هيكون قاسي وجاحد زي أبوي عزام؟ ولا ممكن يكون فيه حنية زي الراجل الغريب اللي في الأرض ؟!' ولم تكن تدري المسكينة أن الغريب الشهم هو نفسه البركان الجريح الذي سيلتهم حياتها القادمة." مع حلول ليل الصعيد الحالك والنسمات الباردة التي تهب على دوار عائلة منصور العمري، كان منصور قد انتهى تماماً من تبديل ثيابه والاستعداد الكامل للذهاب إلى منزل شقيقه عزام؛ ذلك الرجل الجشع، الطماع، وقاسي القلب الذي يعيش في حالة مادية متوسطة ولا يرى في ابنته "غرام" سوى مجرد صفقة رابحة تضمن له نفوذاً وأموالاً. وغرام بطبيعتها كانت فتاة رقيقة للغاية، آية في الجمال والنعومة، محجبة ومتوسطة الطول، تجرعّت مرارة اليتم مبكراً بعد أن توفيت والدتها وهي ما زالت طفلة صغيرة، لتكبر وتتخرج من كلية التجارة وتجد نفسها وحيدة في مواجهة قسوة والدها. وقف منصور في وسط الصالون الواسع، ينظر بسخط في ساعته التي تشير إلى تأخر الوقت، وبدأ يضيق ذرعاً بعد أن تأخر زين عن الموعد المحدد. صاح بزعيق وصوت جهوري غاضب هز أرجاء المكان وتسبب في ارتعاش النوافذ:— "ولدك عوّق (تأخر) فين يا ورد هانم؟! كل ده ولسه مجاش؟! إحنا ناس بنحترم مواعيدنا، والرجالة مستنيانا هناك! "ردت ورد بضيق مكتوم وحزن يرتسم على ملامحها الطيبة، وقالت بنبرة حائرة وخافضة لبصرها:— "مخابراش (لا أعرف) واصل يا منصور، تلاقيه بس مخنوق وضاقت بيه السبل فراح يشم شوية هوا.. اعذره يا أبو زين ."رمقها منصور بنظرة باردة تملؤها السخرية والقسوة، وقال بتهكم يجلد قلبها:— "وطبعاً ليكِ حق تقولي مخابراش واصل يا ورد.. ما هو مش ولدك ومن دمك عشان تهتمي بأمره، وتعرفي إيه اللي جابه وإيه اللي أخّره عن طوع أبوه! "سقطت الكلمات كالسياط اللاذعة والمحرفة على قلب ورد، فجمدت الدماء في عروقها بصدمة، وجمعت دموع الحزن في عينيها. وفي تلك اللحظة القاتلة، كان زين واقفاً خلف عتبة الباب الخارجي للصالون، واستمع بكامل جوارحه إلى جملة والده القاسية التي جرحت كبرياء المرأة التي ربته واحتضنته طوال عمره.تقدم زين بخطوات سريعة، حاسمة، وهادرة كصوت الرعد تعلن عن غضبه. اقترب من ورد التي بدأت دموعها تنساب بحرقة على وجنتيها، وانحنى أمام والده بكبرياء وقبل رأسها باحترام وفخر شديدين أمام عين والده. ثم التفت إلى والده وعيناه الرصاصيتان الحادتان كالصقر تشعان غضباً وجحيماً، وقال بنبرة قوية، حادة، ومزلزلة:— "ومين قالك إن الأم هي اللي بتخلف بس يا بوي؟! الأم هي اللي بتربي وتكبر، وتضحي براحتها عشان ولدها! مش واحدة أنانية سابت ابنها وهو حتة لحمة حمرا ومشييت، ومفكرتش فيه ولا اهتمت بأمره واصل! أما أمي ورد، فدي اللي ضحت بعمرها وصحتها عشاني، كانت بتسهر جنبي في مرضي وتهتم بيا واصل من غير ما تشتكي يوماً، وهي أمي الوحيدة ولحد ما أموت! "أحكم زين ذراعيه القويتين حول كتفي ورد وضمهما إلى صدره العريض بحنان بالغ يحميها به من كلمات والده، وقال بصوت خفيض ودافئ مسموع لها فقط:— "حقك عليا يا ست الكل.. متزعليش نفسك واصل، كبرياؤك من كبريائي ومحدش يقدر يوجعك وأنا عايش ."تمتمت ورد وعيناها مغرقتان بالدموع والامتنان لهذا الابن الذي لم تنجبه:— "وأنت ذنبك إيه يا بني تعلي صوتك على أبوك وتعمل مشكلة بسببي؟ هو معاه حق في الآخر..مش أنا ال خلفتك. ."قاطعها زين بضيق وإصرار تام، ونبرة لا تقبل التراجع:— "لأ أنتِ أمي، وزي ما قولتلك.. الأمر مش باللي بتخلف، وأنا بعتبرك أمي وست راسي، مش مجرد مرات أبويا واصل، والحديث في الموضوع ده انتهى ."أنعشت كلمات زين قلب ورد المصاب، فابتسمت بوسط دموعها واحتضنته بقوة وشعرت بأن تعب السنين لم يضع هباءً.وفي تلك الأثناء، نظر منصور إليهما ببرود تام وجمود قاسٍ لا يهتز، ثم قال بنبرة خالية تماماً من المشاعر... نظر منصور إليهما ببرود تام وجود قاسٍ، ثم قال بنبرة خالية تماماً من أي مشاعر إنسانية، كأن هذا المشهد العاطفي لا يعنيه:— "خلصتم ولا لسه؟ لو خلصتم الإحساس ده، اطلع جهز نفسك وفكنا من السيرة دي.. ياللا عشان أعمامك والناس مستنيانا هناك، ومش حابب نتأخر أكتر من كدة ."لم ينطق زين بحرف واحد، بل رمق والده بنظرة مبهمة، حادة، وتحمل الكثير من العتب المكتوم. صعد إلى غرفته سريعاً بخطوات آلية. بعد دقائق معدودة، هبط وهو يرتدي حلته الأنيقة التي تبرز هيبته كرائد شرطة، ووقف أمام والده قائلاً ببرود وجفاء:— "ياللا.. أنا جاهز. "انطلق الاثنان نحو السيارة. ركب زين خلف مقود السيارة وقادها بوجوم وصمت مطبق، بينما جلس منصور بجانبه يراقب الطريق بنظرات راضية. حتى وصلا بعد وقت قصير أمام منزل عزام العمري. ترجلا من السيارة وتوجها نحو الباب الخشبي للمنزل. طرق منصور الباب خفافاً، ليفتح عزام الباب فوراً ووجهه يتهلل بالفرحة والترحيب الطامع، ودعاهم للدخول بصوت عالٍ:— "يا مرحب يا مرحب.. خطوة عزيزة يا أبو زين، الدار نورت بوجودكم.. اتفضلوا، اتفضلوا. "جلس الجميع في غرفة الضيافة (المندرة). وبعد تبادل عبارات الترحيب التقليدية السريعة، دخل منصور في صلب الموضوع مباشرة وقال بهدوء وثقة:— "أنت طبعاً خابر يا عزام إحنا جايين ليه الليلة.. إحنا جايين نطلب يد بنتك غرام لولدنا الرائد زين. "رد عزام بجشع واهتمام لم يستطع إخفاءه، وفرحة عارمة تلمع في عينيه:— "طبعاً خابر يا خوي، وأنا موافق وزين ولدنا ومفيش زيه في البلد كلها.. ده زين الرجال وسندنا. "ابتسم منصور برضا وقال:— "على بركة الله.. نقرأ الفاتحة ونتفق على باقي الأصول بإذن الله. ارفع الرجال أيديهم وقرأوا الفاتحة، بينما كان زين يقرأها وقلبه يعتصر ألماً وعقله شارد تماماً في ذكرى زوجته الراحلة ريم. "وفي تلك اللحظات المهيبة، كانت عينا عزام الجشعتان تلمعان ببريق الطمع، وهو يتفحص زين بنظرات متفحصة راضية وكأنه ينظر إلى صيد ثمين سقط أخيراً في شِباكه، صفقة رابحة ستجلب لعائلته النفوذ والمال الذي طالما حلم به. وفي المقابل، كان زين مغيباً تماماً عن الواقع، عيناه مثبتتان على الفراغ بجفاف وصمود مخيف، بينما شعر بمرارة علقم تسري في حلقه؛ فكل آية يرتلها الرجال كانت في عقله بمثابة مسمار يُدق في نعش حياته، وكأنه يوقع بيديه على وثيقة إعدامه ودفن قلبه حياً، وليس عقد زواجه من فتاة لم يرَ وجهها سوى لمرة واحدة تحت ضوء القمر. "بعد انتهاء القراءة، نظر زين إلى عزام وقال بنبرة جافة، صارمة، ولا تقبل النقاش:بعد إذنك يا عمي.. أنا مش هعمل فرح ولا زفة واصل، أنت خابر زين إني كنت متجوز ومراتي ملهاش أيام ملي فارقت الدنيا، ومش هكسر حدادها. "رد عزام بلامبالاة تامة تظهر عدم اهتمامه بمشاعر ابنته أو كرامتها، وقال:— "مش مهم يا بني واصل، كل ده شكليات وميهمناش في حاجة.. المهم نتمم الجوازة." تابع منصور الاتفاق قائلاً بصوت حاسم:— "تمام.. يبقى كتب الكتاب بعد يومين بإذن الله. وبالنسبة للمهر والشقة فكل شي جاهز وفي أعلى مقام، العروسة هتدلج (تدخل) بشنطة هدومها وبس، ومش هتحتاج حاجة واصل. "لمعت عينا عزام بالطمع الشديد، وقال وهو يقترب من منصور:— "تمام وأنا موافق.. بس إحنا على اتفاقنا يا أبو زين؟ بخصوص الأرض والفلوس؟ "هز منصور رأسه وقال بنبرة خفيضة ممتلئة بالثقة:— "متقلقش يا عزام، أنا منسيتش وعمري ما بغير كلمتي واصل.. فلوسك والاتفاق كله هيوصلك كاملة في وقتها. "قام منصور واقفاً وتبعه زين بملامح جامدة، وغادرا المنزل بعد أن ألقيا السلام. ركبا السيارة وعادا إلى الدوار في صمت ثقيل كالجبال يطبق على صدر زين المكسور. بعد ما اتفقوا علي كل حاجه وبمجرد دخولهم إلى الدوار، صعد زين مباشرة بخطوات ثقيلة ومتهالكة إلى غرفته دون أن ينطق بكلمة واحدة لأحد. بعد أن انتهت المقابلة وعاد زين إلى غرفته في الدوار ودخل لينام هرباً من هذا الواقع "ارتمى زين فوق فراشه بكامل ثيابه وجسده متصلب كالصخر، هرباً من الواقع المرير ومن شبح الزواج الإجباري الذي طوق عنقه. أ غمض عينيه لعله يجد في النوم هدنة، لكن عقله رفض أن يرحمه، وبمجرد أن غاب عن الوعي قليلاً، انفتح جحيم الكوابيس في رأسه.رأى نفسه واقفاً وسط زقاق مظلم وضبابي، وطيف زوجته الراحلة 'ريم' يقف بعيداً وهي تحمل طفلهما الراحل بين ذراعيها، كانت تنظر إليه بعينين عاتبتين مليئتين بالدموع وهي تبتعد للوراء وتهمس بصوت مخنوق: 'نسيتنا يا زين؟ وافقت تاخد مكاني؟'. حاول الركض نحوها والصراخ باسمها، لكن قدميه كانت مسمرتين في الأرض، وفجأة تحولت الأرض تحت ريم إلى نيران التهمت طيفها، ليصحو من خلف اللهب وجه الفتاة الصعيدية 'غرام' وهي تنظر إليه بخوف وانكسار. انتفض زين من نومه فزعاً، والأنفاس تتسابق في صدره المخنوق، وعرقه البارد يبلل جبينه، ليردد بوعيد وقسوة امتلأ بها قلبه: 'مستحيل هتاخد مكانك يا ريم.. مستحيل هحبها واصل!'" في تلك الأثناء، في الصالون بالأسفل، جلس منصور على مقعده الخشبي العريض وعلامات الانتصار الممزوج بالجمود ترتسم على وجهه. اقتربت منه زوجته "ورد" ونظرت إليه بغضب عارم لم تستطع كبته هذه المرة، وقالت بنبرة مليئة بالسخرية والمرارة:— "عملت اللي في رأسك يا منصور وافتريت على ولدك وكسرت قلبه.. مبسوط ومرتاح دلوقتي عاد؟! ارتحت لما هتزوجه غصب عنه وهو لسه بيبكي على مراته وابنه؟! "نظر إليها منصور بجمود تام، ولم تهتز فيه شعرة واحدة من كلماتها، وقال بنبرة صارمة وقاطعة:لقد غدا الشرخ الذي أصاب بيته وأحلامه أوسع من الصعيد بأكمله، وأصبح طريق الرجوع شبه مستحيل.خرج زين من الغرفة وأغلق الباب خلفه برفق شديد، ثم وقف في ردهة الصالة المظلمة، وعقله يشتعل بالنيران ولا يتوقف عن التفكير.وكان قصر المنشاوي في أقاصي الجنوب مهجورًا وخاليًا من الحياة، وغدا السكون الرهيب الذي يلف أرجاء السرايا أشبه بأجواء المدافن الموحشة.كان اللواء زين جالسًا خلف مكتبه العتيق، ورغم أن الشمس في الخارج كانت حامية ملتهبة، فإن الأجواء داخل الغرفة بدت كالثلج من فرط البرودة.كانت العصا المذهبة ملقاة تحت قدميه فوق الرخام البارد، إذ لم تمسها يده منذ تلك الليلة المشؤومة.جلبابه الصعيدي الأبيض غدا متبهدلًا، وانكسرت ملامح الهيبة عن وجهه، بينما ظلت عيناه الرماديتان معلقتين بجهاز الهاتف الأرضي السري، ينتظر منه همسة واحدة.فجأة...رن الهاتف برنة حادة ومفاجئة مزقت سكون الأرجاء!تررر... تررر...خطف زين السماعة بأصابع ترتجف بشدة، وانكتمت أنفاسه وهو يستمع إلى صوت عاشور، ذلك المخبر السري الذي زرعه داخل المديرية منذ سنوات طويلة لينقل إليه كل تحركات الضباط.انطلق صوت عاشور خفيضًا عبر السماعة، يلهث بذعر
وصل إلى السيارة الجيب الميري الرابضة في أول المدق الرملي وسط جبال الجنوب. فتح الباب الخلفي ببطء شديد، ووضع مايا فوق المقعد الجلدي البارد، ثم سحب سترته العسكرية وألقاها فوق رجليها ليحميها من برودة الجو الخانقة. استدار وركب خلف عجلة القيادة. أغلق الباب بعنف. طاااخ! قطع الصوت المدوي سكون الجبل الموحش. أدار المحرك، فانتفضت السيارة بقوة، وضغط على دواسة البنزين بدأت العجلات تفرك في الرمال والتراب الأصفر، الذي تطاير خلف السيارة وصنع غمامة كثيفة غطت الوكر المهجور. كان الطريق السريع خاليًا تمامًا، وبدأ الظلام يتسحب ببطء بينما أخذت الشمس تشرق على استحياء، صانعة خطًا أحمر حارًا من وراء قمم الجبال. داخل السيارة، كان الصمت ثقيلًا وخانقًا لم يكن هناك سوى أزيز المحرك وصوت أنفاس الرضيع الضعيفة وسط قماشه. كانت عينا يحيى مثبتتين على الطريق أمامه، وقبضتاه تطبقان على المقود حتى ابيضت مفاصل أصابعه من شدة الضغط. رمقها عبر المرآة الداخلية. كانت مايا تجلس في الخلف، مسندة رأسها إلى زجاج النافذة البارد. عيناها مفتوحتان، شاخصتان في الفراغ بجفاء يحرق الأعصاب، ويداها لا تزالان متشبثتين بالرضيع، كأنها
— "ابعد عني!! متلمسنيش!! ابعد بقلك.. مش عايزاك!!"بلع يحيى ريقه بصعوبة، وانكتم صوته وسط الذهول الذي شلّ كيانه. زحف على ركبتيه ببطء، متقربًا منها سنتيمترات قليلة، وقال بصوت مكسور:— "مايا... اهدَي. ده أنا... أنا يحيى، جوزك. والله العظيم جيت أنقذك... جيت آخدك إنتِ وابننا من الجحيم ده."انفجرت مايا في بكاء حارق، وهزّت رأسها بجنون وهي تصرخ:— "تنقذني؟! إنت بالذات تخرس خالص! إنت وأبوك اللواء اللي عملتوا الطبخة دي! إنت اللي خطفتني ورميتني في دروب الجبل عشان تخلص مني ومن ابنك! طول عمرك بتكرهني... وكنت مستني اللحظة دي!"شعر يحيى وكأن خنجرًا غُرس في قلبه وضع يديه فوق رأسه وضغط بقوة، بينما راحت أنفاسه تتسارع، وكأن هواء المغارة لم يعد يكفيه. ارتجفت شفتاه، وامتلأت عيناه بالدموع، لكنه قاومها بكل ما بقي فيه من كبرياء.خرج صوته خافتًا، يكاد يختنق من الوجع:— "وربنا ما كنت أعرف... وحياة ابني الرضيع ده ما كنت أعرف حاجة عن اللي عمله اللواء زين. قلبت القاهرة والصعيد عليكي... والله العظيم بحبك، ومقدرش أتنفس من غيرك يا مايا."ساد الصمت للحظات، حتى إن بكاء الرضيع أصبح الصوت الوحيد داخل المغارة. ظل يحيى ين
— "يحيى.. افهمني يا ولدي.. البنت دي كانت هتضيعك وتنهي مستقبلك.. عيلتها دمرتني زمان، وأنا كنت بحميك! " دفع يحيى يد والده بعيدًا عنه بعنف، كأنه يلمس جمرة مشتعلة كانت عيناه تمتلئان بدموع القهر، لكنه رفض أن يسمح لها بالسقوط ظل يحدق في وجه اللواء زين بنظرة لم يعرفها الأب من قبل، ثم رفع إصبعه في وجهه وقال بصوت جاف، حاد كالرصاص: — "إنت مبقتش أبويا! من اللحظة دي... من الثانية دي... زين المنشاوي مات بالنسبة لي! مش عايز أعرفك تاني، ولا اسم عيلتك يشرفني واصل! دمي أنا هجيبه بإيدي... ومن الليلة دي إنت غريب عني يا سيادة اللواء!. استدار يحيى وغادر المكتب كالإعصار، وخطف هاتفه من فوق المكتب دون أن يلتفت خلفه. ظل اللواء زين واقفًا في منتصف الغرفة، وقد انحنى ظهره لأول مرة تحت ثقل الذنب، بينما بقي صدى كلمات ابنه يدوي بين الجدران كحكم لا رجعة فيه. اندفع يحيى خارج القصر، وقفز إلى سيارته العسكرية، وأدار المحرك بعنف، فانطلقت تشق طرقات الجنوب بسرعة جنونية كانت قبضتاه تطبقان على المقود حتى ابيضت مفاصلهما، بينما كان صدى بكاء طفله واستغاثة مايا يطاردانه في كل لحظة لم يعد يرى الطريق أمامه، بل كان يرى وجه زو
تسيبها تمشي فين يا سيادة اللواء؟! ابنك الرائد ماسك قضية الشحنة بتاعتنا ومصمم يحبسنا ويخرب بيوتنا واصل! قول لابنك الصقر الشاب ده يلم نفسه ويقفل الدفاتر الأول.. وإلا وربنا الفيديو الجاي اللي هبعته على تليفونه هيبقى جثة ابنه الرضيع!" سمع يحيى صوت أنفاس والده اللواء زين وهي تتخنق في صدره، ثم خرج صوته عبر السماعة مكسورًا، تملؤه لهفة وخوف لم يعهدهما في أبيه الصارم طوال حياته: — "البنت ولدت؟! سيبوها تمشي بقى! خلاص.. المحاضر هقفلها.. ابني اتدمر بما فيه الكفاية ومش حمل خسارة تانية واصل!" دارت الدنيا بيحيى في ثانية واحدة، وبدت جدران الغرفة كأنها تتحرك وتضيق عليه حتى كادت تخنقه. سقطت السماعة من أذنه فوق السجاد، بينما اتسعت عيناه بذهول قاتل، وتجمدت أنفاسه داخل صدره. لم يكن يصدق أن الكلمات التي سمعها خرجت من فم والده، الرجل الذي طالما اعتبره رمزًا للشرف والعدل. اندفعت الذكريات إلى رأسه كالسيل الجارف؛ يوم علّمه والده كيف يمسك سلاحه لأول مرة، ويوم وقف بجانبه في حفل تخرجه وهو يقول أمام الجميع: "الراجل الحقيقي عمره ما يبيع أهله ولا يخون الأمانة." شعر وكأن تلك الكلمات تحولت إلى سكاكين تمزق قلبه،
أغلق يحيى باب غرفته خلفه بهدوء، ثم أدار المفتاح في الترباس الحديدي حتى انغلق بإحكام ارتد صوت القفل في الممر الهادئ، فبدا وكأنه يعلن بداية معركة خفية لن يعلم بها أحد. لم يكن يحيى من الرجال الذين يتركون الشك ينهش عقولهم دون أن يبحثوا عن الحقيقة. منذ أن سمع استغاثة مايا، ومنذ أن لمح الارتباك في عيني والده، أدرك أن هناك سرًا خطيرًا يُخفى عنه، وأن الوصول إليه لن يكون إلا بعقله قبل سلاحه. مشى بخطوات ثابتة نحو سريره، ثم جلس أمام الحاسوب المحمول وفتحه بسرعة راحت أصابعه تتحرك فوق لوحة المفاتيح في سرعة مذهلة، بينما كانت عيناه تتابعان الشاشة بتركيز شديد. تك... تك... تك... دوّى صوت المفاتيح في هدوء الغرفة، وكأنه عدٌّ تنازلي للحقيقة. فتح الدرج الجانبي، وأخرج فلاشة سوداء صغيرة احتفظ بها منذ آخر مهمة سرية. لم تكن فلاشة عادية، بل أداة استخباراتية مخصصة لالتقاط إشارات خطوط الاتصال ونقلها إلى جهاز آخر إذا استُخدمت بدقة قبض عليها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، ثم دسها في جيبه، وعدّل موضع طبنجته الميري داخل حزامه، قبل أن يغادر الغرفة بخطوات هادئة لا تكاد تُسمع. كان القصر غارقًا في صمت ثقيل، لا يق







