Mag-log inنظر إليها منصور بجمود تام، ولم تهتز فيه شعرة واحدة من كلماتها، وقال بنبرة صارمة وقاطعة:
إياكِ تفتكري إني بعمل كدة قساوة عليه، أو إني مش بحب ابني واصل! أنا بعمل كدة عشان مصلحته وحمايته مش أكتر، وعشان ميكررش غلطة زمان.. وبكرة الأيام تثبتلك إني كنت صح، والوقت هيعرفك قيمتي ."رمقته ورد بنظرة ساخرة مليئة بالخذلان والأسى من تفكيره العقيم، وسابته ودخلت غرفتها بخطوات غاضبة وأغلقت الباب خلفها بعنف. تنهد منصور بثقل، ونهض من مقعده وتوجه بخطوات بطيئة نحو مكتبه الخاص الملحق بالدوار. أغلق الباب بإحكام ليفصل نفسه عن العالم، وجلس وراء المكتب الخشبي العتيق. مد يده المرتجفة قليلاً وفتح الدرج السري المخفي، وأخرج منه صورة قديمة متهالكة لامرأة فائقة الجمال تحمل طفلاً صغيراً بين ذراعيها. نظر إلى ملامح المرأة في الصورة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة وجع ومرارة دفينة تعود لسنوات طويلة مضت. همس لنفسه بنبرة متحشرجة وممتلئة بالغل والقهر:— "هربتي مع اللي بتحبيه.. وسيبتيني وسيبتي ابنك وهو في أشد الحاجة لحنانك، وأنتِ عارفة إني كنت بعبد التراب اللي بتمشي عليه! بس ربنا عوضه بورد، واحدة أحسن منك بمليون مرة؛ عوضته وعوضتني أنا كمان. ورغم إني ساعات بعامل ورد واعر وقاسي وبقسوة صعيدية، بس أنا حبيتها وصنتها.. أما أنتِ، فبقيتي مجرد ذكرى عفنة مش أكتر، ولازم تروحي لمطرحك الحقيقي ."أخرج ولاعته الذهبية من جيبه، وبأصابع حاسمة أشعل النار في طرف الصورة القديمة. راقبها ببرود تام وعينين صقريتين وهي تتحول ببطء إلى رماد أسود يتطاير في أركان الغرفة، كأنه يحرق آخر خيط يربطه بالماضي وخيانته.أعاد رأسه للخلف مغمض العينين يتنفس بصعوبة لثوانٍ، ثم نهض وتوجه إلى غرفة نومه. تمدد على السرير بجانب ورد التي أعطته ظهرها تعبيراً عن غضبها العارم منه. نام منصور بعد أن شعر بحمل ثقيل ينزاح عن صدره.وبعد أن شعرت ورد بأن أنفاسه قد انتظمت وتأكدت من نومه العميق، التفتت ببطء ونظرت إلى ظهره بعينين باكيتين ممتلئتين بالدموع، وهمست بحرقة وكسرة قلب:— "هتفضل طول عمرك أناني يا منصور.. مش بتحب في الدنيا دي واصل غير نفسك وكبريائك. أنا استحملت كتير أوي وبلعتلك المر عشان خاطر زين وعشان أحافظ على البيت ده.. بس مابقيتش قادرة، هقدر أصبر أكتر من كدة فين؟ ولا صبري خلاص نفد من قسوتك واصل! "مسحت دموعها بكف يدها، وغطت في نوم مليء بالأنفاس الحزينة. (بعد يومين ) مرت الساعات سريعة ليوجههم القدر نحو ليلة كتب الكتاب الفعلي. في صباح ذلك اليوم، استيقظ زين باكراً جداً ونزل ليرى الخدم يجهزون في البيت ويتحركون في كل مكان بترقب وعجلة لمناسبة الليلة. كان البيت يضج بالحركة، بينما كان زين يلف بسيارته في الطرقات بصمت مطبق، وجواهر قلبه يعتصرها وجع وغضب شديد من كل اللي بيحصل حواليه. قضى وقت طويل وهو برة الدوار هرباً من الضغط، لغاية ما والده منصور اتصل بيه، فرد عليه زين ببرود وجفاء:— "نعم يا بوي." صاح منصور بغضب عارم وعبر الهاتف، صوته الجهوري يكاد يخترق أذن ابنه:— "أنت فين يا زين؟ الساعة بقت ستة المغرب والناس هتهل علينا! هتيجي إمتى عاد؟! مش قايمين بأصولنا إحنا واصل! "زين نظر في ساعة يده ببرود وجفاء، وتنهد بثقل وقال بنبرة خالية من الروح:— "نص ساعة بالظبط يا بوي.. نص ساعة وجاي ."رد منصور بحدة واستعجال:— "طب تعالى بسرعة عشان تجهز، الناس والرجالة كبار البلد زمانهم على وصول ."أجابه زين باختصار:— "تمام. "وقفل موبايله دون انتظار أي رد آخر، ودار محرك سيارته ليعود مجبراً إلى قدره.بعد نصف ساعة بالضبط، كان زين قد وصل إلى الدوار. ترجل من سيارته ودخل بيته بخطوات آلية ميتة، صعد فوراً إلى غرفته ليجهز ثيابه الأنيقة. وفي تلك الأثناء، انفتحت البوابة الخارجية، ووصلت "غرام" بصحبة والدها عزام الذي كان يسير بزهو وجشع. دخل عزام مباشرة إلى ردهة الرجال بالخارج (المندرة)، بينما تم إدخال غرام من الباب الخلفي المخصص للحريم، حيث كانت ورد في استقبالها بوجه بشوش يخفي حزناً عميقاً. أخذت ورد الفتاة المكسورة وصعدت بها إلى الغرفة المخصصة لهما، وبمساعدة البنات والخدم، جهزوها ولبّسوها فستان زفاف بسيط وطرحة بيضاء طويلة تغطي كامل وجهها ملامحها بناءً على رغبة زين بعدم وجود مظاهر فرح. وبعد أن انتهين، خرجت ورد والفتيات وتركن غرام بمفردها لتواجه مصيرها في صمت. التفتت غرام حولها تبص بخوف وهلع للمكان؛ كانت الغرفة مظلمة وثقيلة، الأثاث كله بلون أسود قاتم يعكس جفاء صاحب الغرفة، فانقبض قلبها وقالت بخوف ورهبة:لقد غدا الشرخ الذي أصاب بيته وأحلامه أوسع من الصعيد بأكمله، وأصبح طريق الرجوع شبه مستحيل.خرج زين من الغرفة وأغلق الباب خلفه برفق شديد، ثم وقف في ردهة الصالة المظلمة، وعقله يشتعل بالنيران ولا يتوقف عن التفكير.وكان قصر المنشاوي في أقاصي الجنوب مهجورًا وخاليًا من الحياة، وغدا السكون الرهيب الذي يلف أرجاء السرايا أشبه بأجواء المدافن الموحشة.كان اللواء زين جالسًا خلف مكتبه العتيق، ورغم أن الشمس في الخارج كانت حامية ملتهبة، فإن الأجواء داخل الغرفة بدت كالثلج من فرط البرودة.كانت العصا المذهبة ملقاة تحت قدميه فوق الرخام البارد، إذ لم تمسها يده منذ تلك الليلة المشؤومة.جلبابه الصعيدي الأبيض غدا متبهدلًا، وانكسرت ملامح الهيبة عن وجهه، بينما ظلت عيناه الرماديتان معلقتين بجهاز الهاتف الأرضي السري، ينتظر منه همسة واحدة.فجأة...رن الهاتف برنة حادة ومفاجئة مزقت سكون الأرجاء!تررر... تررر...خطف زين السماعة بأصابع ترتجف بشدة، وانكتمت أنفاسه وهو يستمع إلى صوت عاشور، ذلك المخبر السري الذي زرعه داخل المديرية منذ سنوات طويلة لينقل إليه كل تحركات الضباط.انطلق صوت عاشور خفيضًا عبر السماعة، يلهث بذعر
وصل إلى السيارة الجيب الميري الرابضة في أول المدق الرملي وسط جبال الجنوب. فتح الباب الخلفي ببطء شديد، ووضع مايا فوق المقعد الجلدي البارد، ثم سحب سترته العسكرية وألقاها فوق رجليها ليحميها من برودة الجو الخانقة. استدار وركب خلف عجلة القيادة. أغلق الباب بعنف. طاااخ! قطع الصوت المدوي سكون الجبل الموحش. أدار المحرك، فانتفضت السيارة بقوة، وضغط على دواسة البنزين بدأت العجلات تفرك في الرمال والتراب الأصفر، الذي تطاير خلف السيارة وصنع غمامة كثيفة غطت الوكر المهجور. كان الطريق السريع خاليًا تمامًا، وبدأ الظلام يتسحب ببطء بينما أخذت الشمس تشرق على استحياء، صانعة خطًا أحمر حارًا من وراء قمم الجبال. داخل السيارة، كان الصمت ثقيلًا وخانقًا لم يكن هناك سوى أزيز المحرك وصوت أنفاس الرضيع الضعيفة وسط قماشه. كانت عينا يحيى مثبتتين على الطريق أمامه، وقبضتاه تطبقان على المقود حتى ابيضت مفاصل أصابعه من شدة الضغط. رمقها عبر المرآة الداخلية. كانت مايا تجلس في الخلف، مسندة رأسها إلى زجاج النافذة البارد. عيناها مفتوحتان، شاخصتان في الفراغ بجفاء يحرق الأعصاب، ويداها لا تزالان متشبثتين بالرضيع، كأنها
— "ابعد عني!! متلمسنيش!! ابعد بقلك.. مش عايزاك!!"بلع يحيى ريقه بصعوبة، وانكتم صوته وسط الذهول الذي شلّ كيانه. زحف على ركبتيه ببطء، متقربًا منها سنتيمترات قليلة، وقال بصوت مكسور:— "مايا... اهدَي. ده أنا... أنا يحيى، جوزك. والله العظيم جيت أنقذك... جيت آخدك إنتِ وابننا من الجحيم ده."انفجرت مايا في بكاء حارق، وهزّت رأسها بجنون وهي تصرخ:— "تنقذني؟! إنت بالذات تخرس خالص! إنت وأبوك اللواء اللي عملتوا الطبخة دي! إنت اللي خطفتني ورميتني في دروب الجبل عشان تخلص مني ومن ابنك! طول عمرك بتكرهني... وكنت مستني اللحظة دي!"شعر يحيى وكأن خنجرًا غُرس في قلبه وضع يديه فوق رأسه وضغط بقوة، بينما راحت أنفاسه تتسارع، وكأن هواء المغارة لم يعد يكفيه. ارتجفت شفتاه، وامتلأت عيناه بالدموع، لكنه قاومها بكل ما بقي فيه من كبرياء.خرج صوته خافتًا، يكاد يختنق من الوجع:— "وربنا ما كنت أعرف... وحياة ابني الرضيع ده ما كنت أعرف حاجة عن اللي عمله اللواء زين. قلبت القاهرة والصعيد عليكي... والله العظيم بحبك، ومقدرش أتنفس من غيرك يا مايا."ساد الصمت للحظات، حتى إن بكاء الرضيع أصبح الصوت الوحيد داخل المغارة. ظل يحيى ين
— "يحيى.. افهمني يا ولدي.. البنت دي كانت هتضيعك وتنهي مستقبلك.. عيلتها دمرتني زمان، وأنا كنت بحميك! " دفع يحيى يد والده بعيدًا عنه بعنف، كأنه يلمس جمرة مشتعلة كانت عيناه تمتلئان بدموع القهر، لكنه رفض أن يسمح لها بالسقوط ظل يحدق في وجه اللواء زين بنظرة لم يعرفها الأب من قبل، ثم رفع إصبعه في وجهه وقال بصوت جاف، حاد كالرصاص: — "إنت مبقتش أبويا! من اللحظة دي... من الثانية دي... زين المنشاوي مات بالنسبة لي! مش عايز أعرفك تاني، ولا اسم عيلتك يشرفني واصل! دمي أنا هجيبه بإيدي... ومن الليلة دي إنت غريب عني يا سيادة اللواء!. استدار يحيى وغادر المكتب كالإعصار، وخطف هاتفه من فوق المكتب دون أن يلتفت خلفه. ظل اللواء زين واقفًا في منتصف الغرفة، وقد انحنى ظهره لأول مرة تحت ثقل الذنب، بينما بقي صدى كلمات ابنه يدوي بين الجدران كحكم لا رجعة فيه. اندفع يحيى خارج القصر، وقفز إلى سيارته العسكرية، وأدار المحرك بعنف، فانطلقت تشق طرقات الجنوب بسرعة جنونية كانت قبضتاه تطبقان على المقود حتى ابيضت مفاصلهما، بينما كان صدى بكاء طفله واستغاثة مايا يطاردانه في كل لحظة لم يعد يرى الطريق أمامه، بل كان يرى وجه زو
تسيبها تمشي فين يا سيادة اللواء؟! ابنك الرائد ماسك قضية الشحنة بتاعتنا ومصمم يحبسنا ويخرب بيوتنا واصل! قول لابنك الصقر الشاب ده يلم نفسه ويقفل الدفاتر الأول.. وإلا وربنا الفيديو الجاي اللي هبعته على تليفونه هيبقى جثة ابنه الرضيع!" سمع يحيى صوت أنفاس والده اللواء زين وهي تتخنق في صدره، ثم خرج صوته عبر السماعة مكسورًا، تملؤه لهفة وخوف لم يعهدهما في أبيه الصارم طوال حياته: — "البنت ولدت؟! سيبوها تمشي بقى! خلاص.. المحاضر هقفلها.. ابني اتدمر بما فيه الكفاية ومش حمل خسارة تانية واصل!" دارت الدنيا بيحيى في ثانية واحدة، وبدت جدران الغرفة كأنها تتحرك وتضيق عليه حتى كادت تخنقه. سقطت السماعة من أذنه فوق السجاد، بينما اتسعت عيناه بذهول قاتل، وتجمدت أنفاسه داخل صدره. لم يكن يصدق أن الكلمات التي سمعها خرجت من فم والده، الرجل الذي طالما اعتبره رمزًا للشرف والعدل. اندفعت الذكريات إلى رأسه كالسيل الجارف؛ يوم علّمه والده كيف يمسك سلاحه لأول مرة، ويوم وقف بجانبه في حفل تخرجه وهو يقول أمام الجميع: "الراجل الحقيقي عمره ما يبيع أهله ولا يخون الأمانة." شعر وكأن تلك الكلمات تحولت إلى سكاكين تمزق قلبه،
أغلق يحيى باب غرفته خلفه بهدوء، ثم أدار المفتاح في الترباس الحديدي حتى انغلق بإحكام ارتد صوت القفل في الممر الهادئ، فبدا وكأنه يعلن بداية معركة خفية لن يعلم بها أحد. لم يكن يحيى من الرجال الذين يتركون الشك ينهش عقولهم دون أن يبحثوا عن الحقيقة. منذ أن سمع استغاثة مايا، ومنذ أن لمح الارتباك في عيني والده، أدرك أن هناك سرًا خطيرًا يُخفى عنه، وأن الوصول إليه لن يكون إلا بعقله قبل سلاحه. مشى بخطوات ثابتة نحو سريره، ثم جلس أمام الحاسوب المحمول وفتحه بسرعة راحت أصابعه تتحرك فوق لوحة المفاتيح في سرعة مذهلة، بينما كانت عيناه تتابعان الشاشة بتركيز شديد. تك... تك... تك... دوّى صوت المفاتيح في هدوء الغرفة، وكأنه عدٌّ تنازلي للحقيقة. فتح الدرج الجانبي، وأخرج فلاشة سوداء صغيرة احتفظ بها منذ آخر مهمة سرية. لم تكن فلاشة عادية، بل أداة استخباراتية مخصصة لالتقاط إشارات خطوط الاتصال ونقلها إلى جهاز آخر إذا استُخدمت بدقة قبض عليها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، ثم دسها في جيبه، وعدّل موضع طبنجته الميري داخل حزامه، قبل أن يغادر الغرفة بخطوات هادئة لا تكاد تُسمع. كان القصر غارقًا في صمت ثقيل، لا يق







