Masukكل عضلة في جسده توترت دفعة واحدة. تحركت يده غريزياً نحو مسدسه. استدار بعنف ناحية الباب حتى شعرت سيسيليا بطاقة خطيرة تنفجر منه.
"ماذا تريد؟!" جاء صوته حاداً. ارتد صداه عبر الممرات الحجرية كهدير وحش جريح. أتاه الرد من خلف الباب هادئاً بشكل مريب: "سيدي… أنا ماركوس." تبدلت نظرة نوح للحظة. كافية لتكشف الشك الذي بدأ ينهش حتى أقرب الناس إليه. تقدم نحو الباب وفتحه نصف فتحة. ظهر ماركوس بوقفته المستقيمة المعتادة. بين يديه رق مختوم بالشمع الإمبراطوري الأحمر. "أوامر عاجلة من الإمبراطور. جلالته يطلب حضورك غداً إلى حفل تنصيب الأمير داميان ولياً للعهد… بصفتك رئيساً للصيادين." ساد صمت بارد. انقبض فك نوح. استقرت الكلمات في رأسه كطعنة بطيئة. ولي للعهد. الآن. التوقيت مثالي أكثر مما ينبغي. كأن الإمبراطور يتعمد تذكيره بمكانه: كلب حرب تحت العرش، ينفذ الأوامر دون أن يرى الخيوط. "سأحضر." قالها ببرود قاطع. أغلق الباب بعنف ومزق الختم الإمبراطوري بإصبعين. بدأ يقرأ الدعوة. عيناه تضيقان. عاصفة سوداء تتصاعد داخله. "غداً مساءً…" تمتم وهو يمرر يده في شعره بعصبية. "بينما الجميع منشغل بعرض الدمى هذا..." رفع رأسه فجأة. شيء مظلم تشكل خلف نظراته. شيء يشبه القرار. ألقى الدعوة فوق الطاولة. رفعت سيسيليا نظرها إليه. عيناها الزرقاوان تلمعان بطريقة أوقفته رغم اضطرابه. "سأذهب معك." تجمد مكانه. الصمت الذي أعقب كلماتها أخطر من الصراخ. اقترب منها ببطء. عيناه ضاقتا وهو يدرس وجهها كأنها لغز مستحيل. لم ير خوفاً. رأى تصميماً جعلها أخطر من القيود الفضية. "لماذا؟" وقف أمامها مباشرة. عقد ذراعيه فوق صدره. يحدق بها كأنه يحاول كشف جنونها من شجاعتها. "لماذا تريدين حضور احتفال أقامه الرجال الذين أبادوا جنسك؟" انخفض صوته حتى صار تحذيراً مظلماً: "ستكونين وسط أشخاص يتمنون رؤيتك تحترقين أمامهم." لمس القيود الفضية حول معصميها. ارتجف جسدها ارتجافة خفيفة حين لامست أصابعه جلدها بغير قصد. "ثم هناك مشكلة أخرى…" تمتم بسخرية جافة وهو يمرر إصبعه. "كيف نشرح وجودك؟ أسيرة؟ أم ضيفة شرف؟" ارتجفت شفتاها بابتسامة خفيفة. اقتربت حتى لامست أنفاسها عنقه. قالت بثقة أربكته: "سأرتدي كنبيلة. ولن يعرف أحد حقيقتي." ارتفع حاجبا نوح. أطلق ضحكة قصيرة مظلمة. تحركت عيناه فوق ملامحها وهو يتخيلها بثوب ملكي بدل القيود. الفكرة خطيرة. جميلة أكثر مما ينبغي. وهذه مشكلة بحد ذاتها. "عادةً نوعك يختبئ في الظلال…" تمتم وهو يمرر يده فوق فكه بتفكير قاتم. "لكن هذا… مستوى جديد من الجنون." ورغم سخريته، لم ينكر أن وجود مصاصة دماء داخل القصر أثناء التنصيب قد يمنحه معلومات يستحيل الوصول إليها. والأسوأ: جزء منه بدأ يثق بها. وهذه الحقيقة أزعجته أكثر من أي شيء. ابتسمت سيسيليا ببطء. عطرها البارد يلتف حوله كالسم. "سموك…" همست بصوت ناعم وخطير. "أنا لا أريد فقط مساعدتك. أريد أن أكون جزءاً من سقوطه." ثبتت عينيها في عينيه: "أريد أن أرى الإمبراطور يركع أمام الرجل الذي حاول تحويله إلى وحش." تصلبت ملامحه. "أنتِ مصاصة دماء." خرجت الكلمات تحذيراً أكثر من اتهام. "لقد كرست حياتي لقتل مخلوقات مثلك." لم ترتجف. رفعت عينيها إليه بثبات جريء. قالت ببطء جعل قلبه يضطرب رغماً عنه: "وماذا سيحدث بعد سقوط الإمبراطور يا نوح؟" صمتت لحظة قبل أن تكمل بصوت أهدأ: "هل ستستمر في الحرب حتى تحرق العالم؟ أم ستجلس أخيراً على العرش الذي سُرق منك؟" اشتعل شيء في عينيه. "هل تتوقعين مني أن أوحد البشر ومصاصي الدماء؟" "نعم." قالتها بلا تردد. "لأنك الوريث الشرعي." ضربه اللقب في صدره. الوريث الشرعي. الكلمات أعادت همسات قديمة داخل القصر. نظرات خوف خفية من الإمبراطور. أسئلة لم يجد لها إجابة. ابتعد عنها فوراً. بدأ يتمشى بعصبية. أنفاسه أثقل. "السلام بين البشر ومصاصي الدماء؟" ضحك بسخرية باردة. "بعد قرون من المجازر؟ تطلبين مني أن أصبح الشيء الذي قضيت حياتي أقاتله." لكن سيسيليا لم تتراجع. اقتربت رغم السلاسل. وقفت أمامه مباشرة. رفعت رأسها نحوه بعينين أعمق من الليل: "منذ طفولتي… وأنا أراك في أحلامي." تباطأت أنفاسه دون وعي. "كل ليلة كنت أراك واقفاً فوق عرش مشتعل بالنار والدم، والممالك كلها تنحني لك." اقترب خطوة دون أن يشعر. "ولم يكن في عينيك خوف. بل قوة قادرة على تغيير العالم." ابتسمت ابتسامة صغيرة حملت شيئاً يشبه القدر: "أنت الوحيد القادر على توحيد هذا العالم، نوح." ارتجف شيء داخله. الأمل. وكان أكثر رعباً من الكراهية. "هل… كنتِ تحلمين بي؟" خرج السؤال أهدأ مما أراد. ثبت عينيه على وجهها. يخشى الإجابة ويريدها. "منذ متى تعرفين حقيقتي؟" طال صمتها. همست بصوت ناعم ومؤلم: "منذ البداية." تجمد بالكامل. "كنت أعرف من تكون منذ أول مرة رأيتك فيها." اشتدت ملامحه. عشرون عاماً. كانت تعرف طوال هذا الوقت. بينما كان يغرق في الدم والقتل… كانت تنتظر. "كنتِ تعرفين…" قالها بصوت منخفض وخطير. "بينما كنت أذبح مصاصي الدماء معتقداً أنني أحقق العدالة… كنتِ فقط تراقبين." "لم تكن مستعداً." ردت بسرعة لكن دون خوف. "كنت مراهقاً محطماً، والإمبراطور يتحكم بك بالكامل." اقترب فجأة. قريباً جداً. لامست أنفاسه الساخنة شفتيها. "وماذا لو مت؟" همس بقسوة. "ماذا لو تحولت فعلاً إلى وحشه المثالي؟" قبض على ذقنها بعنف وأجبرها على النظر إليه. "عشرون سنة يا سيسيليا. عشرون سنة من الدم والألم بينما كنتِ تنتظرين." لم ترتجف. رفعت يدها المقيدة ببطء. لمست صدره فوق القماش الأسود، تماماً فوق قلبه المضطرب بعنف. "لأنك كنت تحتاج أن تصبح هذا الوحش." تجمدت يداه. "هذا الوحش…" تابعت بصوت هادئ لكنه قوي. "هو الوحيد القادر على إعادة الموازين، والوحيد القادر على إسقاط إمبراطور بنى عرشه فوق المقابر." ضربته كلماتها بقوة لم يتوقعها. لأول مرة في حياته… شخص لم يخف من ظلامه. بل آمن به. أطلق ذقنها ببطء. كأنه فجأة لم يعد يعرف ماذا يفعل بها… أو بنفسه. "الثقة بي خطأ قاتل." قالها بصوت أجش منخفض. لكن حتى وهو يقولها، كانت يده تمتد نحوها دون وعي. كأن جزءاً منه لم يعد قادراً على مقاومتها. رفع نظره أخيراً. عيناه أكثر ظلمة من أي وقت مضى. "الإمبراطور يعرف كل شيء عني…" قال بتفكير قاتل. "لكن هناك شيئاً واحداً لم يتوقعه أبداً." ساد الصمت. انحنى نحوها ببطء شديد. اختلطت أنفاسه بأنفاسها. همس قرب شفتيها بصوت منخفض وخطير جعل قلبها يتسارع رغم ثباتها: "أن الوحش الذي صنعه… سيتحول إلى نهاية عرشه." همست سيسيليا بصوت ناعم وخطير: "لم يتخيل أبداً أن اكتشافك للحقيقة سيوقظ أسوأ ما بداخلك، لا كصياد… بل كالكابوس الذي سيبتلعه بالكامل." اشتد فك نوح. خرج صوته أكثر خشونة وهو يحدق بها: "أتظنين… أنه يخشى استيقاظي؟" ابتسمت ببطء. ابتسامة امرأة تعرف تماماً حجم الخراب الذي يصنعه رجل مثل نوح عندما يتوقف عن طاعة القيود. قالت بثقة أعمق: "لا. أظن أنه مرعوب من اللحظة التي تدرك فيها أنك لم تكن يوماً سلاحه… بل هلاكه." توقفت أنفاسه للحظة. ابتعد فجأة وراح يتحرك بعصبية وهو يتمتم بصوت منخفض ومخيف: "لهذا أبقاني جاهلاً بحقيقتي. لأنه كان يعلم أن معرفتي بما أنا عليه… ستطلق شيئاً أكثر رعباً من الصياد الذي صنعه." توقف قرب الطاولة. رفع عينيه إليها بحدة قاتلة: "هذا يغيّر كل شيء. علينا أن نفضحه أمام الجميع، ومراسم تنصيب الأمير داميان ستكون فرصتنا المثالية." اقتربت سيسيليا بخطوات هادئة. لمست الدعوة الإمبراطورية بأطراف أصابعها: "لكن التسرع سيقتلنا قبل أن نصل إليه. هذه الدعوة ليست صدفة. ربما يشك بشيء. وربما يريد مراقبتك عن قرب." رفع نوح عينيه إليها: "وهل تخافين؟" ضحكت بخفوت واقتربت أكثر: "أنا؟ لم أعش عشرين عاماً مطاردة حتى أخاف من حفلة مليئة بالنبلاء المتعطشين للدم." انخفضت نظراتها نحو شفتيه للحظة: "الخوف الحقيقي… هو أن أضيع فرصة رؤية ذلك الطاغية وهو يسقط أمام الجميع." مرر نوح يده في شعره بعصبية مكتومة: "دخولنا معاً سيجذب الأنظار فوراً. أنا نادراً ما أظهر برفقة النساء، وهذا وحده كافٍ ليجعل الجميع يراقبك." ارتسمت ابتسامة بطيئة على شفتيها: "إذن سأمنحهم عرضاً يستحق المشاهدة." ضاقت عيناه وهو يراقبها بحذر أكبر: "لا أريد لفت الانتباه أكثر من اللازم." اقتربت خطوة إضافية حتى صار صوتها قربه مباشرة: "لكنني أريد ذلك. أريدهم أن يتساءلوا من أكون، ولماذا يقف أخطر صياد في المملكة بجانبي وكأنه مستعد لقتل أي شخص يقترب مني."استقبلت سيسيليا لفحات نسيم الليل البارد، لكن صدرها ظلّ يعلو ويهبط بجنون، كأن الهواء يرفض أن يلج رئتيها. استنشقت النسيم بعمق، شهيقًا تلو الآخر، لكن الغصة في حلقها كانت أقوى من أن تذوب. كانت الدموع تتساقط من عينيها بلا انقطاع، ساخنة ومؤلمة، التفتت نحو نوح بنظرات ضائعة، وهمست بنبرة متقطعة شاهقة تخترق القلوب: "أنا أختنق يا نوح.. أختنق من الداخل.. ليتني أموت الآن، أريد الموت فقط لينتهي هذا العذاب... أرجوك، خذني من هنا، أنا لا أنتمي لهذا المكان.. أشعر وكأنني في عالم آخر، مظلم وموحش، يمتص روحي ببطء." نزلت كلمات سيسيليا على مسامع نوح كالصاعقة التي زلزلت كيانه بالكامل. "الموت!".. تلك الكلمة اللعينة التي ترفض روحه حتى مجرد سماعها منها. في تلك اللحظة، تحول الخوف في عينيه إلى مزيج مرعب من الجوع العاطفي، والاندفاع لحمايتها. لم يتمكن من السيطرة على وحش خوفه أكثر من ذلك، فانقض عليها كمن يحمي أثمن ما يملك في الوجود، وضمّ جسدها المرتجف إلى صدره بقوة هائلة، دافنًا وجهه بين خصلات شعرها، كأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليحميها من العالم ومن نفسها. لأول مرة في حياته، كان جسد نوح القوي يرتجف ويهتز بعنف؛ ل
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية صباحاً عندما تسلل داميان بخفة كالأشباح عبر المداخل السرية، وصولاً إلى أروقة جناحه الملكي الخاص. في تلك اللحظة، كان جسده يفيض بطاقة مرعبة ويسبح في بحر من النشوة؛ فبفعل كمية الدماء الوفيرة التي ارتشفها بنهم من نحر ذلك القاطع، تضاعف شعوره بالانتشاء والقوة بشكل لم يسبق له مثيل، كانت الدماء الحارة تسري في عروقه الباردة كالنار، تمنحه شعوراً بالسيادة المطلقة وتزيد من حدة حواسه الخارقة التي باتت تلتقط أنفاس القصر كلها. فتح باب جناحه ببطء شديد، ظناً منه أنه سيعود إلى فراشه لينعم ببعض السكينة، لكنه سرعان ما أدرك العكس، كانت فاليريا لا تزال مستيقظة بانتظاره، تجلس فوق المقعد القريب من الشرفة والملامح الحادة ترتسم على وجهها. تحت ضوء القمر الخافت والشموع الذائبة، كان شعرها الأحمر المموج ينساب على كتفيها بغزارة، يضيء كاللهب المتوهج في قلب ليلة مظلمة، ويسرق الأنظار بحمرته الصارخة. كانت مرتدية قميص نوم أبيض ناصعاً من الحرير الناعم، يلتف حول جسدها الممشوق، ليصنع تباينًا غريباً ومثيراً بين براءة اللون الأبيض المحيط بها، وبين حمرة شعرها ونظرات العشق الناري والانتظا
مرت الدقائق ثقيلة على سيسيليا بعد مغادرة نوح المفاجئة. كانت حرارة وفترة الظهيرة تتسلل من خلف الستائر السميكة لتزيد من اختناق جو الغرفة. بقيت مستلقية على فراشها تحاول جاهدة أن تطرد طيف نوح من مخيلتها المجهدة. بدا وكأن رائحة عطره الرجولي قد علقت بكل زاوية، دارت في رأسها أفكار عاصفة تلوم فيها نفسها وجسدها الذي خانها لثوانٍ واستسلم للمساته الساخنة وقبلته الحارقة التي زلزلت كيانها. كانت تشعر بمزيج من الغيظ والعجز وهي تتذكر نبرة صوته المليئة بالثقة والانتصار وهو يخبرها أن أسوار نسيانها هشة. قطع حبل أفكارها الممزقة صوت مألوف وهو صوت دوران المفتاح في القفل المعدني للباب. تيبس جسدها في مكانها تلقائياً وظنت للوهلة الأولى أن سجانها قد عاد مجدداً ليكمل معركته النفسية معها. لكن الباب انفتح ببطء شديد وبتردد لتدخل الخادمة الصغيرة ريتا وهي تحمل صينية وجبة الغداء. تقدمت الفتاة بخطوات واهنة وبطيئة للغاية، كان وجهها شاحباً تماماً كالأموات وغابت الحمرة عن وجنتيها بينما غرقت عيناها الواسعتان في هالة داكنة من البؤس والكآبة العميقة. بدا جسدها النحيل منكسراً وكأن هموم العالم كله قد هبطت فوق كتفيها د
مرّت ساعات الصباح ثقيلة ومحملة بالتوتر في أروقة القصر، وجاءت فترة بعد الظهيرة لتلقي بظلالها على الأرجاء. هناك، حيث تُحتجز **سيسيليا** بين جدرانٍ من حرير وذهب، كان السكون هو الحاكم المطلق. تلاشى الصداع الحاد الذي كان يمزق رأسها في الصباح، لكن حلّ مكانه عدوٌّ آخر لا يقلّ قسوة: **الملل الخانق**. ومن شدة الضجر ورتابة الوقت الذي لا يمر، استسلم جسدها للنوم؛ استلقت على بطنها فوق الفراش، وغرقت في نومٍ عميق، خصلاتها مبعثرة حول وجهها، غافلة عما يدور حولها من مؤامرات وحروب. انفتح الباب بهدوءٍ، وتقدم نوح بخطواتٍ صامتة كالفهد الذي يقترب من فريسته، وعيناه الرماديتان اللتان كانت قبل ساعاتٍ تتأملان الخرائط، تحولتا الآن إلى جمرتين من العشق الخالص... **عشقٍ يلامس حدود الجنون والهلاك**. بالنسبة لنوح، لم تكن سيسيليا مجرد امرأة عادية؛ كانت هوسه الأبدي، ذنبه العظيم الذي لا يطلب عنه غفراناً، والجنة الوحيدة التي يبتغيها في هذا العالم المظلم. جلس على حافة الفراش، وانحنى فوق جسدها المسترخي، مستنشقاً عبيرها الذي يسلب عقله في كل مرة. تطلّع إلى ملامحها الهادئة أثناء النوم، وشعر بتلك الرغبة العارمة ف
في تلك الأثناء، وراء الجدران الحجرية الداكنة للجناح الغربي، كان نوح غارقاً في صمته داخل مكتبه المتخم برائحة الحبر القديم.كسر السكون طَرقات حازمة، رتيبة، ومألوفة جداً على الباب.كان إيقاعاً يعرفه نوح عن ظهر قلب؛ فهو للشخص الوحيد في هذا العالم الذي يثق به دون أدنى تفكير، ويمتلك مفاتيح أسراره.انفتح الباب ليدخل **فيكتور**، صديق العمر، وذراعه الأيمن الذي لم تزده الأيام ولا المعارك الطاحنة إلا ولاءا وصلابة.كان فيكتور يحمل هيبة المحاربين الأشداء، ملامحه الحادة مرسومة بجدية تعكس ثقلاً موازياً لحجم المسؤولية التي يحملها.لكنه، ورغم كل شيء، كان الوحيد القادر على اختراق تلك الهالة المظلمة التي يحيط نوح بها نفسه، والحديث معه كأخ وند، دون كلفة أو ألقاب عسكرية جامدة.تقدم فيكتور بخطوات واثقة تملأ الفراغ، سحب مقعداً خشبياً وجلس في المواجهة مباشرة، ماداً يديه على المكتب يتفرس في وجه صديقه بنظرة متفحصة، لكنها مشوبة بقلق عفوي لم يستطع إخفاءه.قال بنبرة خفيضة وجادة، كأنما يهمس بسر:— "كنت أعلم أنك لم تذق طعم النوم يا نوح، فرائحة الشراب تنبعث منك وتشي بكل شيء... أخبرني بصراحة، هل سيسيليا هي السبب مجدد
انقشع سواد تلك الليلة المشحونة، وحلّ الصباح يجرّ خيوطه الذهبية الباهتة فوق أسوار القصر العتيق. لم يذق نوح طعم النوم؛ بل قضى ليلته والشراب الحارق يلهب جوفه، موازياً للنار التي تلتهم صدره كلما تذكر نظرة الاشمئزاز والاغتراب في عيني سيسيليا، وحقيقة أن ذكراه قد مُحيت من وجدانها كأنه لم يكن. ومع أولى أشعة الشمس، كان نوح قد اتخذ قراره بتشديد الحصار وإعادة ترتيب الأوراق. وقف في البهو الواسع، ليعين حراساً جدداً أشد بأساً وولاءً، وخادمات جديدات لضمان السيطرة التامة على القصر، وتحديداً الجناح الذي تقبع فيه سيسيليا خلف الأبواب الموصدة. مرّت عيناه الرماديتان الحادتان بصرامة تفحص الوجوه المصطفة أمامه، حتى توقفت نظراته فجأة، وتصلبت ملامحه عند فتاة تميزت عن البقية بشكل ملحوظ. كانت ريتا. فتاة شابة في مقتبل العمر، تجاوزت السن القانوني بقليل. شعرها أسود فاحم كالليل، وجهها يحمل جمالاً طفولياً، وعينيها واسعتين لم تدنسهما بعد قسوة العالم المحيط بهما. بدت وسط الحشود كزهرة برية نبتت خطأً في أرض صخرية وعرة لا ترحم. عقد نوح حاجبيه، واجتاحته موجة من الاستغراب والشك لتواجد مثل هذه البراءة في عر
كانت تتنفس بحدة، وصدرها يعلو ويهبط، وعيناها تتحديان عاصفة الألم التي كانت تعصف بكيانها.كانت تريد أن تهرب، أن تختفي، أن تقتلع صورته من عقلها وقلبها...لم يبالِ داميان بصراخها، ولم يترك لها مجالاً لتنهي كلماتها القاسية.في لحظةٍ خاطفة، أطبق بكلتا يديه على معصميها، وثبتهما بجانب رأسها على الحائط، ليح
ساد الصمت داخل الجناح. ثقيل، خانق، لا يُكسر. لم يغادر داميان مكانه منذ أن وضعها فوق السرير. ظل واقفًا خلف الطبيبة مباشرة، ظلًا لا يتحرك ولا يرمش. كانت الطبيبة تفحص سيسيليا بعناية ترتجف معها يداها. أما هو... فراقب كل حركة تقوم بها. كل نفس تلتقطه بصعوبة. وكل ارتجافة صغيرة تعبر جسدها المنهك
ارتجفت أنفاس نوح وهو يضم وجهها بين يديه، كأنّه يخشى أن تختفي من أمامه لو أفلتها لثانية واحدة. لأول مرة… كانت عيناه ممتلئتين بالرعب الحقيقي. هذا السم… يعرفه جيدًا. يعرف الألم الذي يسببه. ويعرف أيضًا أن مجرد تحمله لدقائق كان كافيًا لتمزيق جسده من الداخل… فكيف بها وهي سحبته كاملًا؟ — ل
الممرات التي مرّ بها داميان قبل قليل بدت الآن أطول، أكثر ضيقًا، كأن القصر نفسه يراقبه وهو يحاول ألا ينفجر.حتى وصل إلى جناحه.أغلق الباب خلفه.ثانية واحدة من الصمت.ثم… انفجر كل شيء.قبضته اصطدمت بالطاولة الخشبية في منتصف الغرفة.تشقق السطح تحت القوة، وانقلبت الشموع المزخرفة على الأرض، لتنطفئ واحدة







