เข้าสู่ระบบتحركت يده غريزياً نحو الخنجر الفضي المخفي أسفل صدريته السوداء، لمع في عيني ماركوس بريق بارد جعل سيسيليا تدرك فوراً: هذا الرجل ليس خادماً عجوزاً مطيعاً، هذا رجل دفن أسراراً كثيرة داخل هذا القصر.
نوح لم يرد، لم يحاول تهدئة التوتر الذي انفجر في الهواء كالزجاج. اكتفى بأن قبض على ذراع سيسيليا بقوة أكبر وسحبها عبر الممر الطويل، خطواته حادة... ماركوس واقف خلفهما يراقب بصمت ثقيل. سارا وسط الظلال، أضواء الشموع المرتجفة ترسم أشباحاً على الجدران الحجرية، سيسيليا تمشي برأس مرفوع رغم القيود الفضية، كأن الألم لغة لا تفهمها. عند الجناح الشرقي، فتح نوح الباب بعنف ودفعها للداخل قبل أن يغلقه خلفه بقوة ارتج لها الخشب. "هذا هو ملاذي." جاء صوته بارداً وهو يشير إلى الجناح الواسع، نوافذ طويلة تمتد من الأرض حتى السقف، ضوء القمر يتسلل كاشفاً أسلحة معلقة على الجدران، وخرائط تغطي الطاولة الخشبية الضخمة. استدار نحوها ببطء وأضاف بصوت أخفض: "هنا أنام...وأخطط للصيد." دفعها نحو كرسي جلدي وأجبرها على الجلوس. "لا حركات مفاجئة." ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، رفعت عينيها إليه بثبات: "هل أنت خائف مني لهذه الدرجة؟" اقترب ببطء وكرر بسخرية: "خائف؟" انحنى حتى لامست أنفاسه وجهها: "الخوف ليس كلمة في مفرداتي." قبض على ظهر الكرسي حتى ابيضت مفاصله: "أنتِ هنا لأنك تدّعين أنك تملكين معلومات تغيّر كل شيء، لكن إذا ظننتِ للحظة أنني أخاف منك، فأنتِ لا تعرفين مع من تتعاملين." سيسيليا لم ترتجف، رفعت ذقنها أكثر، ثقتها أربكته أكثر مما أغضبته: "بل أعرف تماماً مع من أتعامل." صمتت لحظة، ثم أضافت ببطء: "أنت أعظم صياد في المملكة." تشنج فك نوح، ردد كلماتها بمرارة: "أعظم صياد في المملكة..." اقترب حتى صار صوته همسة قرب أذنها: "ثقتك هذه إما غبية، أو انتحارية." استقام وبدأ يدور حول كرسيها...خطواته الثقيلة وصوت الساعة المعلقة الشيئان الوحيدان المسموعان. نقر بأصابعه فوق ظهر الكرسي: "قولي شيئاً مفيداً يا سيسيليا، أقنعيني أن هذا ليس فخاً." رفعت نظرها إليه، خفت ابتسامتها، ظهر شيء جدي في عينيها الزرقاوين. قالت بعد نفس بطيء: "ما سأقوله… سيكون مؤلماً للغاية." توقفت خطوات نوح. التفت إليها، التوتر واضح في ملامحه القاسية، اقترب وخفض يده فوق ظهر كرسيها: "حقيقة مؤلمة؟ ما الذي قد يدفعك إلى عرين صياد مثلي لتخبريه بها؟" لأول مرة منذ دخولها القصر، خفت قسوته وحل محلها فضول قاتم. ثبت عينيه عليها: "تكلمي بوضوح، لا مزيد من الألعاب، أخبريني من قتل عائلتي." ساد الصمت، حتى صوت الساعة بدا وكأنه توقف. أخذت سيسيليا نفساً عميقاً، نطقت أخيراً بالكلمات التي مزقت عالمه: "القاتل الحقيقي لوالديك هو الإمبراطور." ضربته الكلمات كرصاصة في الصدر. الإمبراطور، الرجل الذي أنقذه بعد المذبحة، الذي أخذه تحت جناحه، الذي صنعه بيديه حتى صار الاسم الذي ترتعد منه المملكة. تصلب جسد نوح، اتسعت عيناه بصدمة خام لم يستطع إخفاءها. "مستحيل..." لكن فجأة… صار كل شيء منطقياً بطريقة مرعبة. التوقيت...العرش...الأوامر...الدماء. كل القطع التي تجاهلها لسنوات استقرت في عقله لتشكل صورة لم يرد رؤيتها. استدار بعنف نحو النوافذ العملاقة، انعكس ضوء القمر على وجهه المشدود. مرر يده في شعره الأسود بعصبية وهو يتمتم: "لقد دبر كل شيء...كل تلك السنوات." اختنق صوته بالمرارة،أطلق ضحكة قصيرة فارغة، ضغط يده على النافذة: "أخذني تحت جناحه. دربني لأصبح سلاحه المثالي ضد الوحوش التي خلقها بنفسه." استدار نحوها فجأة. ولأول مرة، لم يبدُ كالصياد الأسطوري، بدا كرجل انهار عالمه أمام عينيه. "أخبريني كل شيء." راقبته سيسيليا بصمت، لا استفزاز في عينيها الآن، شيء أقرب إلى الحزن الحقيقي. قالت بصوت خافت: "كانت الأميرة سيلين دراكول أجمل من ضوء الفجر." أبعدت نظرها للحظة، كأن الذكريات تؤلمها هي أيضاً: "دماء ملكية نقية، لكن قلبها أرق من أن يؤذي أحداً." رفعت عينيها نحوه: "التقت بالأمير لوسيان آشفورد أثناء رحلة صيد، كاد يموت، فأنقذته." ابتسمت بحزن: "وكان ذلك خطأهما الأول، وقعا في الحب." ساد الصمت...كلماتها تتسلل إلى رأسه ببطء. أضافت بصوت أخفض: "حب محرم، حكمت عليه كل القوانين بالموت، هربا وتزوجا سراً داخل هذا القصر." اتسعت عينا نوح، شعر بالأرض تميد تحته، لكن سيسيليا واصلت دون رحمة: "الإمبراطور فالريك، أخو لوسيان، كان يطمع بالعرش." أصبحت نبرتها أقسى: "وعندما اكتشف زواج أخيه من مصاصة دماء… أحرق القصر." قبض نوح يديه حتى برزت عروقه. اقتربت سيسيليا رغم قيودها، عيناها مشتعلة بعاطفة حقيقية: "ذبح والديك..." رفعت نظرها إليه مباشرة: "لكنه أبقاك حياً، لأنه احتاج إلى سلاح." تجمد نوح. شعر بالهواء أثقل من أن يتنفسه، واصلت سيسيليا بصوت ثابت: "زرع الكراهية داخلك، أوهمك أن مصاصي الدماء قتلوا عائلتك، دربك لتصبح فارس الإبادة المقدسة..." توقفت لحظة، ثم أضافت بهدوء قاتل: "بينما كنت في الحقيقة سلاحاً ضد شعبك أنت." "مستحيل..." خرجت الكلمة من شفتيه منهارة. لكن سيسيليا اقتربت أكثر، لمعت الجرأة في عينيها: "أنت الوريث الشرعي لعرش آشفورد… وعرش دراكول." صمت. همست ببطء: "اسمع نبضك يا نوح، نصفك بشري، والنصف الآخر يحمل دماء دراكول." تجمد بالكامل، جسده نسي كيف يتحرك. ردد ببطء: "نصف… مصاص دماء؟" ضحك ضحكة قصيرة مسمومة بالمرارة، رفع عينيه إليها: "إذاً طوال هذه السنوات… كنت أقتل أبناء جلدتي؟" همست سيسيليا بألم حقيقي: "لم يكن ذنبك، كنت مخدوعاً." لكن الشفقة في صوتها كانت أسوأ من أي إهانة. اشتعلت عيناه: "لا تفعلي ذلك." اقترب صارخا حتى ضربت أنفاسه شفتيها: "لا تنظري إليّ بهذه الطريقة، لا تجرؤي على الشفقة عليّ." تنفس بعنف: "نوعك دمّر حياتي بالأكاذيب، والآن تنظرين إليّ كبطل مأساوي؟" أكمل ببطء وعيناه تحترقان بجنون بارد: "هذا لا يغير شيئاً، ما زلت نوح آشفورد، الرجل الذي يقتل مصاصي الدماء." توقف لحظة قبل أن يهمس: "حتى لو كان ذلك يعني قتل نفسي." اتجه نحو النافذة، وقف طويلاً،صامتاً، مكسوراً، غاضباً بما يكفي لإحراق العالم. انعكس ضوء القمر على ملامحه المشدودة، يداه تستندان إلى الحافة كأنه يتمسك بشيء يمنعه من الانهيار. همس أخيراً بصوت متعب: "لكن… كيف؟" نظرت إليه سيسيليا بعينين مليئتين بالأمل والعناد، ابتسمت بحزن خافت: "لأن الحقيقة مختلفة يا نوح." توقفت، ثم أضافت بثقة هادئة: "أنت الملك الذي تحدثت عنه النبوءة." استدار نحوها بعنف، كلماتها صفعة جديدة: "أنا لست ملككم." اقترب ببطء. عيناه مشتعلة بفوضى لم يعد يخفيها: "أنا ابن أمير مقتول… وامرأة اكتشفت حقيقتها للتو." لكن رغم إنكاره، شيء داخله يرتجف، جزء متعب منه أراد أن يصدقها. تنهدت سيسيليا، قالت بثقة لم تهتز: "سواء أردت ذلك أم لا… أنت الموحد العظيم." ضيّق عينيه، لكنها أكملت قبل أن يقاطعها: "والإمبراطور يعلم ذلك...لهذا يلعب لعبة خطيرة." تجمد نوح، ارتجفت يداه وهو يمررهما في شعره بعنف، كرر بصوت خافت: "لعبة..." ثم انفجر غضبه: "كان كل ذلك لعبة بالنسبة له؟!" استدار نحو الطاولة، سكب كأس ويسكي بيد مرتجفة وهو يتمتم بمرارة: "مقتل عائلتي، تجنيدي، هوسي بقتل مصاصي الدماء..." شرب الكأس دفعة واحدة، أطلق ضحكة قصيرة مظلمة، رفع عينيه إليها: "ولهذا لم يشكك يوماً في أساليبي." أطبق على الكأس حتى كاد يتحطم: "ولهذا كان يدفعني دائماً لتجاوز الحدود." ساد الصمت. همس كأنه أدرك الحقيقة متأخراً: "لأنه كان يعلم… أنني سأكتشف الحقيقة يوماً ما." همست سيسيليا بكره واضح: "ذلك الطاغية يظن أنه الأقوى في المملكة." رفع نوح رأسه ببطء. كان هناك شيء جديد في عينيه الآن، شيء أخطر من الغضب. هدف. ابتسامة باردة شقت شفتيه وهو يضع الكأس الفارغ على الطاولة بنقرة حادة: "الأقوى في المملكة؟" ثبت عينيه عليها،اقترب خطوة، ثم أخرى، حتى صار أمامها مباشرة. مال نحوها، انخفض صوته إلى همسة قاتلة جعلت قلبها يتسارع رغم ثباتها: "أنتِ محقة في شيء واحد فقط." توقفت أنفاسها، عيناه مثبتتان عليها بشكل أربكها. ابتسم ابتسامة باردة مظلمة وأضاف: "هو لا يعلم… أنني التهديد الحقيقي." بدأ يتحرك ذهاباً وإياباً، خطوات ثقيلة تضرب الرخام بإيقاع متوتر، كأن كل خطوة تسحق سنة من الدماء والقتل والغضب المدفون. الهواء صار خانقاً حوله، مشبع بتوتر أسود يتصاعد من جسده، الظلال على الحجر تتحرك مع ضوء القمر كأشباح ترفض أن تتركه. توقف قرب النافذة، رفع رأسه ببطء، همس بصوت منخفض يخاطب أشباح ماضيه، لا سيسيليا: "لأنه لو كان يعرف من أكون حقاً… لكان قضى عليّ منذ زمن بعيد." حبست سيسيليا أنفاسها. الرجل أمامها لم يعد الصياد البارد الذي حمل كراهيته كسلاح مقدس، هذا رجل يقف على حافة حقيقة قادرة على تمزيق عالمه. رجل يرى أخيراً أن الدماء على يديه ربما لم تكن يوماً دماء أعدائه. التفت إليها ببطء، عيناه الرماديتان تحترقان بسواد: "كل وتد شحذته بيدي، كل رصاصة غمستها في الماء المقدس...كل مذبحة..." انخفض صوته وانعقد فكه: "كانت جزءاً من مخططه." صمت...عقد ذراعيه فوق صدره: "كان يعلم أنني سأصبح هلاكه." خرجت الكلمات بيقين مرعب سرت له قشعريرة باردة في عمود سيسيليا، مرر يده بعنف في شعره الأسود: "وجودي وحده خطر على عرشه، لهذا رباني كسلاح، استخدم غضبي كسلسلة قيدني بها." ضحك ضحكة قصيرة خالية من الدفء: "صنع مني وحشاً مثالياً. ثم أطلقني على العالم معتقداً أنه يملك زمامي." ساد صمت ثقيل. قطعه طرق بطيء ومنتظم على باب الجناح. تجمد نوح فوراً.**ريتا:** سأذبحك وأذبح نفسي من بعدك إن لمستني... سأقتل نفسي ولن أدعك... ...ابتسم ومسح البصاق عن وجهه وهو ينظر إليها بعينين حمراوين، وكانت ابتسامته بداية تحدٍّ كبير... كان سعيداً بما يراه أمامه؛ جنونها وحركاتها... يعلم تماماً أنه سيستمتع. كل هذه الأفكار وما يشعر به جعله يغلي، وجعله يطلق العنان لعنفه... ...رفع يده وصفعها مباشرة على وجهها... ثم أتبعها بثانية وثالثة تاركاً وجهها محمراً من شدة الصفع، والدم يسيل من أنفها... قبض على شعرها يجرها ذهاباً وإياباً وهو يهمس في أذنها... **فيكتور:** ستظلين تتذكرين هذه الليلة حتى أدفنكِ في قبركِ... *(خنقها من عنقها ودفعها بقوة ضد الحائط حتى جحظت عيناها، وبدأ يضحك كالمجنون)* ويوم أدفنكِ سأكتب عليه: " أخضعت المتمردة الصغيرة ..." *(دفن وجهه في عنقها، عضّها ثم نطق)* لأن قبركِ في هذه الدنيا هو فراشي... حاولت ريتا التقاط أنفاسها المكتومة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف وهي تحاول دفع صدره الصلب بكل ما تبقّى لها من قوة ضئيلة. ورغم كل شيء فعله بها، إلا أن عينيها لم تعكسا الانكسار، بل توهجتا بنيران حقدٍ وعناد لا يلين. تراجع فيكتور خطوة إلى الوراء، مرخياً قبض
في الجناح الملكي، استغرقت فاليريا في النوم حتى اقتربت الظهيرة، بدأت تستعيد وعيها ببطء. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل كان ارتطاماً عنيفاً بـواقع مرير، حيث استقبل جسدها أولى أنفاس اليقظة بـموجة ساحقة من الألم المبرح. كان ظهرهـا يشهد سعيراً لا يهدأ، وكأن النيران لا تزال تلتهم لحمها. حاولت التحرك قليلاً لـتخفيف الضغط، فشعرت بـدفء غريب بـجانبها. أدارت رأسها بـصعوبة، لـتتسع عيناها؛ كان داميان مستلقياً بـجانبها فوق الفراش، واضعاً ذراعه أسفل رأسه، وصدره العاري يرتفع وينخفض بـأنفاس النوم المنتظمة. استغربت بشدة، واجتاحت عقلها تساؤلات مبهمة؛ كيف له أن ينام بـجانبها بـكل أريحية بعد أن كان جلادها بـالأمس؟ لكن شدة الحريق والوجع كان أقوى من أي تفكير أو دهشة. كانت تشعر بـرغبة ملحة لـلذهاب إلى الحمام، وجسدها يرفض الانصياع لها. تصلبت أطرافها، وحاولت الاستناد على كفيها لـتتحرك، فـانفجر الألم في ظهرها بـشكل غير محتمل، لـتطلق رغماً عنها تأوهاً يمزق السكون: — "آه... يـا إلهي..." أحدثت حركتها واضطراب الأغطية الى إيقاظه، فتح داميان عينيه المظلمتين، وجلس بـجذعه العاري فوق الفراش، مرجعاً خصلات شعره إلى
رمق ماركوس ريتا بنظرة ساخرة، وضغط بقبضته على المكتب بغطرسة قائلاً بصوت جاف: — "إجازة؟ هل جننتِ أيتها الفتاة؟ لقد استلمتِ عملكِ في هذا القصر للتو! لم يمر على وجودكِ هنا سوى أيام معدودة، وتتجرئين على طلب إجازة؟" سقطت دموع ريتا بغزارة وجثت على ركبتيها في توسل ذليل وهي تصر على طلبها: — "أتوسل إليك يا سيد ماركوس، انظر إلى حالي بعين الرحمة! الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة لي، فأذن لي بالذهاب اليوم فقط، وأقسم لك بكل ما هو غالٍ عندي أنني سأعوض هذا اليوم أضعافاً مضاعفة، وسأعمل ليلاً ونهاراً دون انقطاع، وسأتحمل كافّة المهام الشاقة وساعات العمل الإضافية دون أن أطلب قرشاً واحداً زيادة، فقط دعني أخرج اليوم!" تململ ماركوس في مقعده، وظهرت في عينيه الخبيثتين موافقة لكن بشروط: — "حسناً، اسمعي جيداً أيتها البائسة.. لن أمنحكِ يوماً كاملاً، فالعمر لا يتوقف هنا لأجل مرض عائلتكِ. سأعطيكِ ثلاث ساعات فقط لا غير! تذهبين فيها لرؤية والدكِ، وتعودين راكضة قبل أن يلاحظ أحد غيابكِ. وإن تأخرتِ دقيقة واحدة عن الموعد، فلن تجدي لكِ مكاناً في هذا القصر، وسأضمن بنفسي ألا توظفكِ أي عائلة في المملكة مجدد
تلاشت أصداء خطوات ولي العهد في الممرات الخارجية، ليحلّ مكانها سكونٌ أشد مرارة من الموت نفسه. بقيت فاليريا ممددة فوق الفراش، عاجزة عن الحركة، وجسدها ينبض بالألم الذي كان يسري في عروقها كالنيران. كانت الجروح المفتوحة على ظهرها تنزف ببطء، انفجرت بالبكاء كان نحيباً يائساً وممزقاً على تحطم كبريائها ونهاية أوهامها الوردية. نظرت إلى خاتم الزواج اللامع في إصبعها، ثم غطت وجهها بكفيها المرتجفتين، فامتزجت شهقاتها المكتومة بصرخات عتابٍ وجّهتها لطيفه الراحل، توبخ فيه طفولتها وحمق قلبها الذي وقع بحبه. "ماذا فعلتَ بي يا داميان! لقد أمضيتُ عمري أرجو نظرة رضا من عينيك، واليوم تجعل من جسدي خريطة لقسوتك! تباً لقلبي وتباً لروحٍ تعاتب سوطك وتلتمس لك الأعذار!" > تذكرت كيف كانت تنظر إليه بإعجاب منذ أن كانت طفلة صغيرة، وكيف غزى عقلها الصغير، كان هو فارسها، وحب عمرها قبل أن تفقه معنى السياسة. امتدت أصابعها لتتشبث بالفراش، ورفعت رأسها بصعوبة، وعيناها قد غرقتا بالدموع. ورغم الألم والمهانة التي ألحقها بوجدانها، لم تقوى روحها على كرهه؛ فكيف تكره رجلاً استوطن قلبها منذ الطفولة؟ استجمعت بقايا أنف
دوت صفعة الباب الثقيل لـتهز أركان الجناح، جلست سيسيليا منتصف السرير، وضمت ركبتيها إلى صدرها، كـطائر جريح أصابته السهام من كل جانب. انهمرت دموعها بـصمت شديد، شاقةً طريقها فوق وجنتيها، ووضعت يدها المرتعشة فوق صدرها، محاولة كبح ذلك الألم العنيف الذي يعتصر قلبها بـقوة. كانت غارقة في حيرة قاتلة؛ لـماذا يؤلمها قلبها بـهذا الشكل لـرحيله وتخليه عنها هكذا؟ لم تكن تبكي من أجل داميان، فـقصته انتهت بـالنسبة لها، لكن الألم الجديد كان مختلفاً... كان ألم العجز أمام رجل لم تكن تتوقع أن كلماته قد تملك هذه القدرة على تمزيقها. "أنا لا أريد خداعه..." همست لـنفسها بـنبرة مخنوقة تائهة في الظلام. لم يكن ارتماؤها في أحضانه مكيدة مدبرة، ولا استغلالاً بـدماء باردة لـقوته كما ظن نوح. لقد كانت بـالفعل تبحث عن ملاذ، عن ركن آمن يحميها من شياطين عقلها، وظنت لـثانية واحدة أن الطاغية كما تسميه سيكون ملجأها الوحيد. لكن كبرياءه وغروره رفضا رؤية مشاعرها، واختصرا ضعفها وترددها في خانة الخداع. في وسط ذلك البكاء، بدأت الغشاوة تتضح عن عينيها لـتدرك الحقيقة المرعبة التي كانت تغفلها وتتجاهلها طوال الوقت. ذلك
تقدم نوح بخطوات ثقيلة وموزونة، كانت عباءته الداكنة تتطاير خلفه كأجنحة غراب في جوف الظلام، وعيناه الحادتان تفترسان كل تفصيلة في الحديقة؛ من الحراس إلى ألسنة اللهب التي كانت تلتهم آخر البقايا. توقف على بعد خطوتين منها. تفككت برودته وحل مكانها قلق مكتوم وثوران داخلي، خاصة عندما انكمشت ملامحه فجأة وهو يستنشق الهواء؛ فحواسه الخارقة، التقطت فوراً خيوط تلك الرائحة النفاذة... رائحة غريمه الأزلي "داميان" ممتزجة برائحة دماء جافة. نظر إلى طفلته العنيدة، فرأى وجهاً لم يعهده فيها من قبل. جمود وهدوء تام، تقدم خطوة إضافية، ليحجب بـجسده بقايا الحريق، ونطق بصوت عميق، تملؤه سلطة آمرة حاول جاهداً كبح جماح غضبها: "ماذا يحدث هنا يا سيسيليا؟ ما هذا الجحيم الذي أشعلتِهِ في هذا الليل؟" لم ترمش سيسيليا، ولم تلتفت إليه حتى. بقيت عيناها الزرقاوان معلقتين بالرماد المتطاير في الهواء البارد، وكأن نوح لم يكن موجوداً، أو كأنه مجرد طيف عابر لا يستحق عناء الالتفات. استفزه هذا الصمت الذي بات يمزق أعصابه. امتدت يده، وبـحركة حملت مزيجاً من القسوة والتملك الحذر، قبض على رسغها وأجبرها على الالتفات لتواجه عينيه اللت
صمت نوح للحظة. كان عليه أن ينتقي كلماته بحذر—لم يُرِد أن تظن أن لديه نوايا سيئة، خصوصًا بعد ما مرت به. قال بهدوء مدروس، بينما بقيت عيناه ثابتتين عليها. "دم الحيوانات قد يؤخر الجوع… لكنه لن يطفئه. أنا أتحدث عن دم البشر." ساد صمت قصير قبل أن يُكمل بنبرة أكثر حسمًا: "لديّ سجن أسفل القصر. أحتجز
اقتربت سيسيليا أكثر. كان صوتها بالكاد نفساً. "دوري." نظرت إلى نوح— عيناها حادتان. حيّتان. لكن خلف ذلك اللمعان، كان هناك ارتجاف خفي، كأن شيئاً داخلها يسير على حافة الانكسار منذ زمن بعيد، لا اليوم فقط. "سأحصل على التاج." توقفت. للحظة واحدة فقط. كأنها تختبره. تثق به. كان الصمت بي
القاعة الكبرى لم تكن تشتعل بالضوء، بل كانت تحترق به. انعكس ذهب الثريات فوق الرخام كأنه معدن سائل، بينما تحركت وجوه النبلاء تحت الوهج مثل أشباح لا تعرف سوى الابتسام. انكمش العالم من حوله حتى صار ضيقاً كثقب إبرة، وفي مركزه وقف رجل واحد: الإمبراطور فالريك آشفورد.فوق المنصة، حمل الثوب الملكي ثقل تاري
عبر القاعة الواسعة، توقف داميان فجأة.كأن الزمن تعثّر عند رؤيتهما.تجمدت خطواته للحظة واحدة فقط، لكنها كانت كافية ليتغير الهواء. ارتفعت ذقنه ببطء. انعقد فكه. واستقرت عيناه عليهما دون أن يحاول إخفاء الجحيم الذي اشتعل داخله.ما مرّ في نظرته لم يكن دهشة. ولا إعجاباً.كان امتلاكاً مغموساً بغيرة ورغبة و







