ANMELDENتحركت يده غريزياً نحو الخنجر الفضي المخفي أسفل صدريته السوداء، لمع في عيني ماركوس بريق بارد جعل سيسيليا تدرك فوراً: هذا الرجل ليس خادماً عجوزاً مطيعاً، هذا رجل دفن أسراراً كثيرة داخل هذا القصر.
نوح لم يرد، لم يحاول تهدئة التوتر الذي انفجر في الهواء كالزجاج. اكتفى بأن قبض على ذراع سيسيليا بقوة أكبر وسحبها عبر الممر الطويل، خطواته حادة... ماركوس واقف خلفهما يراقب بصمت ثقيل. سارا وسط الظلال، أضواء الشموع المرتجفة ترسم أشباحاً على الجدران الحجرية، سيسيليا تمشي برأس مرفوع رغم القيود الفضية، كأن الألم لغة لا تفهمها. عند الجناح الشرقي، فتح نوح الباب بعنف ودفعها للداخل قبل أن يغلقه خلفه بقوة ارتج لها الخشب. "هذا هو ملاذي." جاء صوته بارداً وهو يشير إلى الجناح الواسع، نوافذ طويلة تمتد من الأرض حتى السقف، ضوء القمر يتسلل كاشفاً أسلحة معلقة على الجدران، وخرائط تغطي الطاولة الخشبية الضخمة. استدار نحوها ببطء وأضاف بصوت أخفض: "هنا أنام...وأخطط للصيد." دفعها نحو كرسي جلدي وأجبرها على الجلوس. "لا حركات مفاجئة." ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، رفعت عينيها إليه بثبات: "هل أنت خائف مني لهذه الدرجة؟" اقترب ببطء وكرر بسخرية: "خائف؟" انحنى حتى لامست أنفاسه وجهها: "الخوف ليس كلمة في مفرداتي." قبض على ظهر الكرسي حتى ابيضت مفاصله: "أنتِ هنا لأنك تدّعين أنك تملكين معلومات تغيّر كل شيء، لكن إذا ظننتِ للحظة أنني أخاف منك، فأنتِ لا تعرفين مع من تتعاملين." سيسيليا لم ترتجف، رفعت ذقنها أكثر، ثقتها أربكته أكثر مما أغضبته: "بل أعرف تماماً مع من أتعامل." صمتت لحظة، ثم أضافت ببطء: "أنت أعظم صياد في المملكة." تشنج فك نوح، ردد كلماتها بمرارة: "أعظم صياد في المملكة..." اقترب حتى صار صوته همسة قرب أذنها: "ثقتك هذه إما غبية، أو انتحارية." استقام وبدأ يدور حول كرسيها...خطواته الثقيلة وصوت الساعة المعلقة الشيئان الوحيدان المسموعان. نقر بأصابعه فوق ظهر الكرسي: "قولي شيئاً مفيداً يا سيسيليا، أقنعيني أن هذا ليس فخاً." رفعت نظرها إليه، خفت ابتسامتها، ظهر شيء جدي في عينيها الزرقاوين. قالت بعد نفس بطيء: "ما سأقوله… سيكون مؤلماً للغاية." توقفت خطوات نوح. التفت إليها، التوتر واضح في ملامحه القاسية، اقترب وخفض يده فوق ظهر كرسيها: "حقيقة مؤلمة؟ ما الذي قد يدفعك إلى عرين صياد مثلي لتخبريه بها؟" لأول مرة منذ دخولها القصر، خفت قسوته وحل محلها فضول قاتم. ثبت عينيه عليها: "تكلمي بوضوح، لا مزيد من الألعاب، أخبريني من قتل عائلتي." ساد الصمت، حتى صوت الساعة بدا وكأنه توقف. أخذت سيسيليا نفساً عميقاً، نطقت أخيراً بالكلمات التي مزقت عالمه: "القاتل الحقيقي لوالديك هو الإمبراطور." ضربته الكلمات كرصاصة في الصدر. الإمبراطور، الرجل الذي أنقذه بعد المذبحة، الذي أخذه تحت جناحه، الذي صنعه بيديه حتى صار الاسم الذي ترتعد منه المملكة. تصلب جسد نوح، اتسعت عيناه بصدمة خام لم يستطع إخفاءها. "مستحيل..." لكن فجأة… صار كل شيء منطقياً بطريقة مرعبة. التوقيت...العرش...الأوامر...الدماء. كل القطع التي تجاهلها لسنوات استقرت في عقله لتشكل صورة لم يرد رؤيتها. استدار بعنف نحو النوافذ العملاقة، انعكس ضوء القمر على وجهه المشدود. مرر يده في شعره الأسود بعصبية وهو يتمتم: "لقد دبر كل شيء...كل تلك السنوات." اختنق صوته بالمرارة،أطلق ضحكة قصيرة فارغة، ضغط يده على النافذة: "أخذني تحت جناحه. دربني لأصبح سلاحه المثالي ضد الوحوش التي خلقها بنفسه." استدار نحوها فجأة. ولأول مرة، لم يبدُ كالصياد الأسطوري، بدا كرجل انهار عالمه أمام عينيه. "أخبريني كل شيء." راقبته سيسيليا بصمت، لا استفزاز في عينيها الآن، شيء أقرب إلى الحزن الحقيقي. قالت بصوت خافت: "كانت الأميرة سيلين دراكول أجمل من ضوء الفجر." أبعدت نظرها للحظة، كأن الذكريات تؤلمها هي أيضاً: "دماء ملكية نقية، لكن قلبها أرق من أن يؤذي أحداً." رفعت عينيها نحوه: "التقت بالأمير لوسيان آشفورد أثناء رحلة صيد، كاد يموت، فأنقذته." ابتسمت بحزن: "وكان ذلك خطأهما الأول، وقعا في الحب." ساد الصمت...كلماتها تتسلل إلى رأسه ببطء. أضافت بصوت أخفض: "حب محرم، حكمت عليه كل القوانين بالموت، هربا وتزوجا سراً داخل هذا القصر." اتسعت عينا نوح، شعر بالأرض تميد تحته، لكن سيسيليا واصلت دون رحمة: "الإمبراطور فالريك، أخو لوسيان، كان يطمع بالعرش." أصبحت نبرتها أقسى: "وعندما اكتشف زواج أخيه من مصاصة دماء… أحرق القصر." قبض نوح يديه حتى برزت عروقه. اقتربت سيسيليا رغم قيودها، عيناها مشتعلة بعاطفة حقيقية: "ذبح والديك..." رفعت نظرها إليه مباشرة: "لكنه أبقاك حياً، لأنه احتاج إلى سلاح." تجمد نوح. شعر بالهواء أثقل من أن يتنفسه، واصلت سيسيليا بصوت ثابت: "زرع الكراهية داخلك، أوهمك أن مصاصي الدماء قتلوا عائلتك، دربك لتصبح فارس الإبادة المقدسة..." توقفت لحظة، ثم أضافت بهدوء قاتل: "بينما كنت في الحقيقة سلاحاً ضد شعبك أنت." "مستحيل..." خرجت الكلمة من شفتيه منهارة. لكن سيسيليا اقتربت أكثر، لمعت الجرأة في عينيها: "أنت الوريث الشرعي لعرش آشفورد… وعرش دراكول." صمت. همست ببطء: "اسمع نبضك يا نوح، نصفك بشري، والنصف الآخر يحمل دماء دراكول." تجمد بالكامل، جسده نسي كيف يتحرك. ردد ببطء: "نصف… مصاص دماء؟" ضحك ضحكة قصيرة مسمومة بالمرارة، رفع عينيه إليها: "إذاً طوال هذه السنوات… كنت أقتل أبناء جلدتي؟" همست سيسيليا بألم حقيقي: "لم يكن ذنبك، كنت مخدوعاً." لكن الشفقة في صوتها كانت أسوأ من أي إهانة. اشتعلت عيناه: "لا تفعلي ذلك." اقترب صارخا حتى ضربت أنفاسه شفتيها: "لا تنظري إليّ بهذه الطريقة، لا تجرؤي على الشفقة عليّ." تنفس بعنف: "نوعك دمّر حياتي بالأكاذيب، والآن تنظرين إليّ كبطل مأساوي؟" أكمل ببطء وعيناه تحترقان بجنون بارد: "هذا لا يغير شيئاً، ما زلت نوح آشفورد، الرجل الذي يقتل مصاصي الدماء." توقف لحظة قبل أن يهمس: "حتى لو كان ذلك يعني قتل نفسي." اتجه نحو النافذة، وقف طويلاً،صامتاً، مكسوراً، غاضباً بما يكفي لإحراق العالم. انعكس ضوء القمر على ملامحه المشدودة، يداه تستندان إلى الحافة كأنه يتمسك بشيء يمنعه من الانهيار. همس أخيراً بصوت متعب: "لكن… كيف؟" نظرت إليه سيسيليا بعينين مليئتين بالأمل والعناد، ابتسمت بحزن خافت: "لأن الحقيقة مختلفة يا نوح." توقفت، ثم أضافت بثقة هادئة: "أنت الملك الذي تحدثت عنه النبوءة." استدار نحوها بعنف، كلماتها صفعة جديدة: "أنا لست ملككم." اقترب ببطء. عيناه مشتعلة بفوضى لم يعد يخفيها: "أنا ابن أمير مقتول… وامرأة اكتشفت حقيقتها للتو." لكن رغم إنكاره، شيء داخله يرتجف، جزء متعب منه أراد أن يصدقها. تنهدت سيسيليا، قالت بثقة لم تهتز: "سواء أردت ذلك أم لا… أنت الموحد العظيم." ضيّق عينيه، لكنها أكملت قبل أن يقاطعها: "والإمبراطور يعلم ذلك...لهذا يلعب لعبة خطيرة." تجمد نوح، ارتجفت يداه وهو يمررهما في شعره بعنف، كرر بصوت خافت: "لعبة..." ثم انفجر غضبه: "كان كل ذلك لعبة بالنسبة له؟!" استدار نحو الطاولة، سكب كأس ويسكي بيد مرتجفة وهو يتمتم بمرارة: "مقتل عائلتي، تجنيدي، هوسي بقتل مصاصي الدماء..." شرب الكأس دفعة واحدة، أطلق ضحكة قصيرة مظلمة، رفع عينيه إليها: "ولهذا لم يشكك يوماً في أساليبي." أطبق على الكأس حتى كاد يتحطم: "ولهذا كان يدفعني دائماً لتجاوز الحدود." ساد الصمت. همس كأنه أدرك الحقيقة متأخراً: "لأنه كان يعلم… أنني سأكتشف الحقيقة يوماً ما." همست سيسيليا بكره واضح: "ذلك الطاغية يظن أنه الأقوى في المملكة." رفع نوح رأسه ببطء. كان هناك شيء جديد في عينيه الآن، شيء أخطر من الغضب. هدف. ابتسامة باردة شقت شفتيه وهو يضع الكأس الفارغ على الطاولة بنقرة حادة: "الأقوى في المملكة؟" ثبت عينيه عليها،اقترب خطوة، ثم أخرى، حتى صار أمامها مباشرة. مال نحوها، انخفض صوته إلى همسة قاتلة جعلت قلبها يتسارع رغم ثباتها: "أنتِ محقة في شيء واحد فقط." توقفت أنفاسها، عيناه مثبتتان عليها بشكل أربكها. ابتسم ابتسامة باردة مظلمة وأضاف: "هو لا يعلم… أنني التهديد الحقيقي." بدأ يتحرك ذهاباً وإياباً، خطوات ثقيلة تضرب الرخام بإيقاع متوتر، كأن كل خطوة تسحق سنة من الدماء والقتل والغضب المدفون. الهواء صار خانقاً حوله، مشبع بتوتر أسود يتصاعد من جسده، الظلال على الحجر تتحرك مع ضوء القمر كأشباح ترفض أن تتركه. توقف قرب النافذة، رفع رأسه ببطء، همس بصوت منخفض يخاطب أشباح ماضيه، لا سيسيليا: "لأنه لو كان يعرف من أكون حقاً… لكان قضى عليّ منذ زمن بعيد." حبست سيسيليا أنفاسها. الرجل أمامها لم يعد الصياد البارد الذي حمل كراهيته كسلاح مقدس، هذا رجل يقف على حافة حقيقة قادرة على تمزيق عالمه. رجل يرى أخيراً أن الدماء على يديه ربما لم تكن يوماً دماء أعدائه. التفت إليها ببطء، عيناه الرماديتان تحترقان بسواد: "كل وتد شحذته بيدي، كل رصاصة غمستها في الماء المقدس...كل مذبحة..." انخفض صوته وانعقد فكه: "كانت جزءاً من مخططه." صمت...عقد ذراعيه فوق صدره: "كان يعلم أنني سأصبح هلاكه." خرجت الكلمات بيقين مرعب سرت له قشعريرة باردة في عمود سيسيليا، مرر يده بعنف في شعره الأسود: "وجودي وحده خطر على عرشه، لهذا رباني كسلاح، استخدم غضبي كسلسلة قيدني بها." ضحك ضحكة قصيرة خالية من الدفء: "صنع مني وحشاً مثالياً. ثم أطلقني على العالم معتقداً أنه يملك زمامي." ساد صمت ثقيل. قطعه طرق بطيء ومنتظم على باب الجناح. تجمد نوح فوراً.استقبلت سيسيليا لفحات نسيم الليل البارد، لكن صدرها ظلّ يعلو ويهبط بجنون، كأن الهواء يرفض أن يلج رئتيها. استنشقت النسيم بعمق، شهيقًا تلو الآخر، لكن الغصة في حلقها كانت أقوى من أن تذوب. كانت الدموع تتساقط من عينيها بلا انقطاع، ساخنة ومؤلمة، التفتت نحو نوح بنظرات ضائعة، وهمست بنبرة متقطعة شاهقة تخترق القلوب: "أنا أختنق يا نوح.. أختنق من الداخل.. ليتني أموت الآن، أريد الموت فقط لينتهي هذا العذاب... أرجوك، خذني من هنا، أنا لا أنتمي لهذا المكان.. أشعر وكأنني في عالم آخر، مظلم وموحش، يمتص روحي ببطء." نزلت كلمات سيسيليا على مسامع نوح كالصاعقة التي زلزلت كيانه بالكامل. "الموت!".. تلك الكلمة اللعينة التي ترفض روحه حتى مجرد سماعها منها. في تلك اللحظة، تحول الخوف في عينيه إلى مزيج مرعب من الجوع العاطفي، والاندفاع لحمايتها. لم يتمكن من السيطرة على وحش خوفه أكثر من ذلك، فانقض عليها كمن يحمي أثمن ما يملك في الوجود، وضمّ جسدها المرتجف إلى صدره بقوة هائلة، دافنًا وجهه بين خصلات شعرها، كأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليحميها من العالم ومن نفسها. لأول مرة في حياته، كان جسد نوح القوي يرتجف ويهتز بعنف؛ ل
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية صباحاً عندما تسلل داميان بخفة كالأشباح عبر المداخل السرية، وصولاً إلى أروقة جناحه الملكي الخاص. في تلك اللحظة، كان جسده يفيض بطاقة مرعبة ويسبح في بحر من النشوة؛ فبفعل كمية الدماء الوفيرة التي ارتشفها بنهم من نحر ذلك القاطع، تضاعف شعوره بالانتشاء والقوة بشكل لم يسبق له مثيل، كانت الدماء الحارة تسري في عروقه الباردة كالنار، تمنحه شعوراً بالسيادة المطلقة وتزيد من حدة حواسه الخارقة التي باتت تلتقط أنفاس القصر كلها. فتح باب جناحه ببطء شديد، ظناً منه أنه سيعود إلى فراشه لينعم ببعض السكينة، لكنه سرعان ما أدرك العكس، كانت فاليريا لا تزال مستيقظة بانتظاره، تجلس فوق المقعد القريب من الشرفة والملامح الحادة ترتسم على وجهها. تحت ضوء القمر الخافت والشموع الذائبة، كان شعرها الأحمر المموج ينساب على كتفيها بغزارة، يضيء كاللهب المتوهج في قلب ليلة مظلمة، ويسرق الأنظار بحمرته الصارخة. كانت مرتدية قميص نوم أبيض ناصعاً من الحرير الناعم، يلتف حول جسدها الممشوق، ليصنع تباينًا غريباً ومثيراً بين براءة اللون الأبيض المحيط بها، وبين حمرة شعرها ونظرات العشق الناري والانتظا
مرت الدقائق ثقيلة على سيسيليا بعد مغادرة نوح المفاجئة. كانت حرارة وفترة الظهيرة تتسلل من خلف الستائر السميكة لتزيد من اختناق جو الغرفة. بقيت مستلقية على فراشها تحاول جاهدة أن تطرد طيف نوح من مخيلتها المجهدة. بدا وكأن رائحة عطره الرجولي قد علقت بكل زاوية، دارت في رأسها أفكار عاصفة تلوم فيها نفسها وجسدها الذي خانها لثوانٍ واستسلم للمساته الساخنة وقبلته الحارقة التي زلزلت كيانها. كانت تشعر بمزيج من الغيظ والعجز وهي تتذكر نبرة صوته المليئة بالثقة والانتصار وهو يخبرها أن أسوار نسيانها هشة. قطع حبل أفكارها الممزقة صوت مألوف وهو صوت دوران المفتاح في القفل المعدني للباب. تيبس جسدها في مكانها تلقائياً وظنت للوهلة الأولى أن سجانها قد عاد مجدداً ليكمل معركته النفسية معها. لكن الباب انفتح ببطء شديد وبتردد لتدخل الخادمة الصغيرة ريتا وهي تحمل صينية وجبة الغداء. تقدمت الفتاة بخطوات واهنة وبطيئة للغاية، كان وجهها شاحباً تماماً كالأموات وغابت الحمرة عن وجنتيها بينما غرقت عيناها الواسعتان في هالة داكنة من البؤس والكآبة العميقة. بدا جسدها النحيل منكسراً وكأن هموم العالم كله قد هبطت فوق كتفيها د
مرّت ساعات الصباح ثقيلة ومحملة بالتوتر في أروقة القصر، وجاءت فترة بعد الظهيرة لتلقي بظلالها على الأرجاء. هناك، حيث تُحتجز **سيسيليا** بين جدرانٍ من حرير وذهب، كان السكون هو الحاكم المطلق. تلاشى الصداع الحاد الذي كان يمزق رأسها في الصباح، لكن حلّ مكانه عدوٌّ آخر لا يقلّ قسوة: **الملل الخانق**. ومن شدة الضجر ورتابة الوقت الذي لا يمر، استسلم جسدها للنوم؛ استلقت على بطنها فوق الفراش، وغرقت في نومٍ عميق، خصلاتها مبعثرة حول وجهها، غافلة عما يدور حولها من مؤامرات وحروب. انفتح الباب بهدوءٍ، وتقدم نوح بخطواتٍ صامتة كالفهد الذي يقترب من فريسته، وعيناه الرماديتان اللتان كانت قبل ساعاتٍ تتأملان الخرائط، تحولتا الآن إلى جمرتين من العشق الخالص... **عشقٍ يلامس حدود الجنون والهلاك**. بالنسبة لنوح، لم تكن سيسيليا مجرد امرأة عادية؛ كانت هوسه الأبدي، ذنبه العظيم الذي لا يطلب عنه غفراناً، والجنة الوحيدة التي يبتغيها في هذا العالم المظلم. جلس على حافة الفراش، وانحنى فوق جسدها المسترخي، مستنشقاً عبيرها الذي يسلب عقله في كل مرة. تطلّع إلى ملامحها الهادئة أثناء النوم، وشعر بتلك الرغبة العارمة ف
في تلك الأثناء، وراء الجدران الحجرية الداكنة للجناح الغربي، كان نوح غارقاً في صمته داخل مكتبه المتخم برائحة الحبر القديم.كسر السكون طَرقات حازمة، رتيبة، ومألوفة جداً على الباب.كان إيقاعاً يعرفه نوح عن ظهر قلب؛ فهو للشخص الوحيد في هذا العالم الذي يثق به دون أدنى تفكير، ويمتلك مفاتيح أسراره.انفتح الباب ليدخل **فيكتور**، صديق العمر، وذراعه الأيمن الذي لم تزده الأيام ولا المعارك الطاحنة إلا ولاءا وصلابة.كان فيكتور يحمل هيبة المحاربين الأشداء، ملامحه الحادة مرسومة بجدية تعكس ثقلاً موازياً لحجم المسؤولية التي يحملها.لكنه، ورغم كل شيء، كان الوحيد القادر على اختراق تلك الهالة المظلمة التي يحيط نوح بها نفسه، والحديث معه كأخ وند، دون كلفة أو ألقاب عسكرية جامدة.تقدم فيكتور بخطوات واثقة تملأ الفراغ، سحب مقعداً خشبياً وجلس في المواجهة مباشرة، ماداً يديه على المكتب يتفرس في وجه صديقه بنظرة متفحصة، لكنها مشوبة بقلق عفوي لم يستطع إخفاءه.قال بنبرة خفيضة وجادة، كأنما يهمس بسر:— "كنت أعلم أنك لم تذق طعم النوم يا نوح، فرائحة الشراب تنبعث منك وتشي بكل شيء... أخبرني بصراحة، هل سيسيليا هي السبب مجدد
انقشع سواد تلك الليلة المشحونة، وحلّ الصباح يجرّ خيوطه الذهبية الباهتة فوق أسوار القصر العتيق. لم يذق نوح طعم النوم؛ بل قضى ليلته والشراب الحارق يلهب جوفه، موازياً للنار التي تلتهم صدره كلما تذكر نظرة الاشمئزاز والاغتراب في عيني سيسيليا، وحقيقة أن ذكراه قد مُحيت من وجدانها كأنه لم يكن. ومع أولى أشعة الشمس، كان نوح قد اتخذ قراره بتشديد الحصار وإعادة ترتيب الأوراق. وقف في البهو الواسع، ليعين حراساً جدداً أشد بأساً وولاءً، وخادمات جديدات لضمان السيطرة التامة على القصر، وتحديداً الجناح الذي تقبع فيه سيسيليا خلف الأبواب الموصدة. مرّت عيناه الرماديتان الحادتان بصرامة تفحص الوجوه المصطفة أمامه، حتى توقفت نظراته فجأة، وتصلبت ملامحه عند فتاة تميزت عن البقية بشكل ملحوظ. كانت ريتا. فتاة شابة في مقتبل العمر، تجاوزت السن القانوني بقليل. شعرها أسود فاحم كالليل، وجهها يحمل جمالاً طفولياً، وعينيها واسعتين لم تدنسهما بعد قسوة العالم المحيط بهما. بدت وسط الحشود كزهرة برية نبتت خطأً في أرض صخرية وعرة لا ترحم. عقد نوح حاجبيه، واجتاحته موجة من الاستغراب والشك لتواجد مثل هذه البراءة في عر
كانت تتنفس بحدة، وصدرها يعلو ويهبط، وعيناها تتحديان عاصفة الألم التي كانت تعصف بكيانها.كانت تريد أن تهرب، أن تختفي، أن تقتلع صورته من عقلها وقلبها...لم يبالِ داميان بصراخها، ولم يترك لها مجالاً لتنهي كلماتها القاسية.في لحظةٍ خاطفة، أطبق بكلتا يديه على معصميها، وثبتهما بجانب رأسها على الحائط، ليح
ساد الصمت داخل الجناح. ثقيل، خانق، لا يُكسر. لم يغادر داميان مكانه منذ أن وضعها فوق السرير. ظل واقفًا خلف الطبيبة مباشرة، ظلًا لا يتحرك ولا يرمش. كانت الطبيبة تفحص سيسيليا بعناية ترتجف معها يداها. أما هو... فراقب كل حركة تقوم بها. كل نفس تلتقطه بصعوبة. وكل ارتجافة صغيرة تعبر جسدها المنهك
ارتجفت أنفاس نوح وهو يضم وجهها بين يديه، كأنّه يخشى أن تختفي من أمامه لو أفلتها لثانية واحدة. لأول مرة… كانت عيناه ممتلئتين بالرعب الحقيقي. هذا السم… يعرفه جيدًا. يعرف الألم الذي يسببه. ويعرف أيضًا أن مجرد تحمله لدقائق كان كافيًا لتمزيق جسده من الداخل… فكيف بها وهي سحبته كاملًا؟ — ل
الممرات التي مرّ بها داميان قبل قليل بدت الآن أطول، أكثر ضيقًا، كأن القصر نفسه يراقبه وهو يحاول ألا ينفجر.حتى وصل إلى جناحه.أغلق الباب خلفه.ثانية واحدة من الصمت.ثم… انفجر كل شيء.قبضته اصطدمت بالطاولة الخشبية في منتصف الغرفة.تشقق السطح تحت القوة، وانقلبت الشموع المزخرفة على الأرض، لتنطفئ واحدة







