Startseite / الرومانسية / في قبضة الصياد / ♡الفصل الأول: مفتاح الحقيقة

Teilen

في قبضة الصياد
في قبضة الصياد
Miska rose

♡الفصل الأول: مفتاح الحقيقة

last update Veröffentlichungsdatum: 08.05.2026 04:27:36

لم يتوقع نوح أبداً أن يكون صوتها بهذا الهدوء وهي مقيّدة بالسلاسل الفضية.

صُنعت تلك السلاسل لتأكل جلد أمثالها ببطء، لتدفع الوحوش للصراخ أو التوسل أو لإظهار الأنياب كأي حيوان يُساق للذبح.

لكنها اكتفت بابتسامة هادئة وغامضة، أشعلت داخله شعورا بالكراهية والارتباك معاً، ثم رفعت عينيها الزرقاوين نحوه، وقالت بصوت ناعم بارد كالموت:

"تأخرت يا نوح… كنت أنتظرك منذ عشرين سنة."

تجمد الدم في عروقه.

رنين الفضة واصل اهتزازه الخافت مع أنفاسها المنتظمة، لكن كلماتها كانت القيد الحقيقي، الذي شعر به يلتف حول عنقه، لا معصميها.

خطا داخل الغرفة الحجرية، ازداد البرد فجأة، تأرجح مصباح الغاز الوحيد فوقهما، فرسم ظلالاً حادة على وجهها الشاحب، بدت كأنها انتُزعت من أسطورة ملعونة.

شعرها الذهبي مبعثر فوق الكرسي الحديدي كخيوط شمس تحتضر. أما عيناها فكانتا صافيتين بشكل مقلق. يقظتين أكثر مما ينبغي، لا تنظران إليه فقط، بل تخترقانه.

قال بحدة أرادها درعاً لاضطرابه:

"كيف تعرفين اسمي؟"

خرج صوته خشناً، كزمجرة حيوان جريح يرفض الاعتراف بألمه.

سيسيليا لم تهتز، ارتسمت على شفتيها ابتسامة مستفزة، ابتسامة امرأة تملك اليد العليا رغم الفضة التي تنهش جلدها.

"أعرف أكثر من اسمك… أيها القائد نوح."

مالت رأسها قليلاً، تستمتع برؤية التوتر يتسلل إلى ملامحه.

"أعرف أنك لا تنام أكثر من أربع ساعات كل ليلة... وأعرف أن الندبة على معصمك الأيسر ليست من التدريب."

خفضت صوتها لهمسة زلزلته:

"كانت من أول عملية قتل، حين ارتجفت يدك للمرة الأولى وأنت تصطاد وحشاً كان يتوسل الرحمة."

تصلب فكه حتى برزت عضلاته.

لكنها لم تتوقف.

مررت عينيها ببطء على وجهه قبل أن تستقرا على شفتيه، بنظرة واثقة أشعلت دمه:

"وأعرف أيضاً… أنك لم تلمس امرأة يوماً."

صمت.

ثم ابتسمت بخبث:

"ليس لأنك لا تستطيع… بل لأنك تخشى أن تتعلق بها ثم ترحل، كما فعل الجميع."

تراجع خطوة... كلماتها صفعة مشتعلة.

لا أحد يعرف عن الندبة، لا أحد يعلم شيئاً عن حياته الشخصية... لا أحد باستثناء فيكتور.

سؤال واحد فقط انفجر في رأسه، سؤال ثقيل مرعب امتزج فيه الغضب بالقلق:

كيف بحق الجحيم عرفت؟

قال هذه المرة بصوت أخفض وأخطر:

"من أنتِ؟"

رفعت سيسيليا ذقنها، جلدها الأبيض محمر، لكن التحدي في عينيها لم ينطفئ.

"أنا مفتاحك يا نوح."

صمت ثقيل، أطول من اللازم.

ثم همست:

"أنا المرأة الوحيدة القادرة على قيادتك إلى قاتل والديك الحقيقي."

ضربته الكلمات كرصاصة في الصدر.

لمع في عينيه شيء خام لم يظهر منذ سنوات، غضب ممزوج بأمل مسموم.

راقبت ارتجاف أنفاسه قبل أن تضيف بهدوء قاتل:

"لكن قبل ذلك… فك قيودي."

اقتربت بنظرة ثابتة وقالت الجملة التي جمّدت الهواء بينهما:

"لأن من قتل والديك… لم يكن من جنسي."

توقف كل شيء داخله... حتى أنفاسه.

قال بهدوء مرعب، الهدوء الذي يسبق الانفجار:

"ماذا قلتِ للتو؟"

أمسك بمقدمة كرسيها بعنف وأماله نحوه، اختلطت أنفاسهما، تشققت واجهته الباردة للحظة، كاشفة الرجل المكسور تحتها.

"من قتل عائلتي؟"

ازداد تنفسه ثقلاً:

"أنتِ تكذبين... مصاصو الدماء لا يساعدون البشر، أنتم تكرهوننا أكثر مما نكرهكم."

ضحكت سيسيليا بخفوت، ضحكة ناعمة خطيرة جعلت جلده يقشعر.

اقتربت وهمست:

"أنتم دائماً تظنون العالم بسيطاً… وحوش هنا، وبشر أبرياء هناك."

رفعت عينيها إليه بثقة جارحة:

"لو عرفت الحقيقة يا نوح… لعرفت أن البشر أكثر تعطشاً للدماء منا."

ضغط على فكه حتى برزت عضلاته:

"لا تختبري صبري."

لكن صوته هذه المرة لم يحمل الكراهية نفسها، شيء داخله بدأ يتصدع.

أخرج مفتاحاً نحاسياً من جيب صدريته، كان بارداً فوق راحة يده التي ارتجفت رغماً عنه.

ركع أمامها. حجبت أكتافه العريضة ضوء المصباح، اختلطت رائحة خشب الصندل والتبغ والمطر العالق بمعطفه بأنفاسها الباردة.

فتح أحد الأصفاد وقال بحدة:

"الأسماء. أعطني أسماء البشر."

ابتسمت ببطء وهي تحرر معصمها الأول، الجلد تحته ملتهب، لكنها مررت أصابعها فوقه بلا اكتراث، كأن الألم رفيق قديم.

"ليس هنا."

"تكلمي."

"ليس هنا." مالت نحوه حتى لامست كلماتها أذنه: "حتى الجدران داخل قلعة الصيادين تتنفس خيانة."

ضاقت عيناه.

أصابت شيئاً حاول تجاهله طويلاً. شكوكاً راودته لأشهر عن خونة داخل صفوفه، داخل كل ما ظن أنه يثق به.

سخر ببرود:

"وما المكان الآمن برأيك؟"

اقتربت أكثر، أنفاسها تلامس عنقه، همست بثقة أربكته:

"قصرك."

ارتفع حاجبه، أطلق ضحكة قصيرة خالية من الدفء وهو ينهض بكامل طوله.

"قصري؟ هل تظنين حقاً أنني سأدخل مصاصة دماء إلى منزلي؟"

رفعت كتفيها ورنت السلاسل:

"إذا كنت خائفاً مني لهذه الدرجة… اقتلني الآن وانتهِ."

اشتعلت نظراته، تستفزه عمداً، والأسوأ أنها تجيد ذلك.

فتح القيد الآخر بعنف، ارتطم الحديد بالأرض، وقف فوقها وقال بصوت منخفض مظلم:

"لا تخلطي بين الخوف والرحمة."

أمسك بذقنها بقوة أجبرتها على رفع وجهها، عيناه تحترقان فوق عينيها:

"أنا فقط أريد الحقيقة… وبعدها… قد أقتلك بنفسي."

ابتسمت، بدت الفكرة تعجبها فعلاً.

تفحص وجهها بحثاً عن خوف... عن ضعف، لم يجد سوى تلك الثقة الخطيرة التي تعبث بأعصابه.

استقرت يده على المسدس الفضي عند خصره:

"إذا كانت هذه خدعة… فسأجعلك تتمنين الموت قبل أن أمنحك إياه."

همست بثقة هادئة:

"وإذا كنت أكذب… سأقدم قلبي لك بيدي."

صمت طويل ثقيل.

استدار فجأة وقال بحسم:

"حسناً."

سحب مفاتيحه بعنف، اقترب من الخلف ليفك القيود حول كاحليها.

سقطت السلاسل بصوت معدني حاد، للحظة واحدة… أصبحت حرة.

لكن قبل أن تستوعب حريتها، قبض على ذراعها بقوة ستترك كدمات تحت دانتيل فستانها الممزق وسحبها واقفة.

رغم أنها أقصر منه برأس، ظلت عيناها مرفوعتين نحوه دون خوف.

دس فوهة مسدسه الفضي بين ضلوعها وهمس قرب أذنها ببرود قاتل:

"محاولة واحدة للهروب… وسأزرع رصاصة فضية في قلبك قبل أن تلمسي البوابة."

لم تتراجع، نظرت إليه نظرة بطيئة جريئة ضيقت صدره، ثم ابتسمت بخبث وهمست:

"لو أردت الهرب يا نوح… لما بقيت مقيدة أصلاً."

سحبها خارجاً من الزنزانة إلى ممرات القلعة الباردة، تجاوزت الساعة منتصف الليل.

مشت برأس مرفوع كملكة تُقاد إلى عرشها، لا سجينة إلى مصير مجهول، وهذا وحده أشعل جنونه.

اختلط صدى خطواتهما بطقطقة مصابيح الغاز، تحركت ظلالهما فوق الجدران كأشباح تراقب، وكلماتها تتردد في رأسه كالسم:

"القلعة تتنفس خيانة."

في الخارج، عربته السوداء تنتظر وسط ضباب لندن، أربعة جياد سوداء تضرب الأرض بعصبية نافثة بخاراً أبيض.

فتح السائق الباب... دفعها نوح للداخل أولاً ثم صعد خلفها.

ما إن أُغلق الباب حتى أعاد تقييد معصميها بالحلقة النحاسية في جدار العربة وقال بسخرية باردة:

"إجراءات أمان… سيدتي."

لم تصرخ. لم تتأوه، جلست تراقبه بعينيها الزرقاوين بثبات غريب طوال الطريق عبر شوارع لندن الغارقة في الضباب.

الصمت بينهما خانق، ونظراتها لم تفارقه، كأنها تقرأ أفكاره فكرة فكرة.

أدار وجهه للنافذة محاولاً تجاهلها، لكن إحساسه بها كان يطوقه.

سمع صوتها أخيراً، ناعماً وسط اهتزاز العربة:

"أنت لا تثق بي."

أطلق ضحكة قصيرة بلا دفء دون أن ينظر إليها:

"ذكية."

مالت رأسها وهمست:

"لكن جزءاً منك يصدقني."

اشتدت أصابعه حول المقعد بجانبه... لم يرد.

ابتسمت ببطء، صمته اعتراف كافٍ.

"هذا أخطر بكثير يا نوح… لأنك عندما تبدأ بالشك في كل ما عشت تؤمن به… لن تعود الشخص نفسه أبداً."

استدار نحوها بعينين مظلمتين:

"توقفي عن التصرف وكأنك تعرفينني."

رفعت حاجبها وهمست داخل عينيه:

"وأنت توقف عن النظر إليّ وكأنك تحاول كراهيتي."

تصلب جسده، لأنها محقة، وهذا أزعجه أكثر مما يجب.

صمت آخر طويل...

بعد مدة توقفت العربة أمام قصره في أطراف العاصمة.

بناء حجري بثلاثة طوابق تعلوه أبراج مدببة كسنان الرماح، تحيط به أشجار سوداء ميتة وحديقة تعوي فيها الرياح، بدا كضريح مهجور أكثر من منزل.

نزل أولاً، ثم أمسك ذراعها ليساعدها، أدرك متأخراً أنه لم يكن مضطراً.

توقفت عيناه على أصابعها الباردة الملتفة حول يده للحظة، رفعت سيسيليا نظرها إليه ببطء.

ولثانية واحدة… مر بينهما شيء غريب، أخطر من العداء.

سحب يده وكأن لمستها أحرقته:

"تحركي."

ابتسمت بخفة، توتره لم يفتها.

في الداخل، تدلت الثريات الكريستالية كعناكب متجمدة، الجدران مغطاة بورق رمادي قاتم، مكتبة هائلة تصل للسقف مليئة بكتب التشريح وصيد الوحوش.

فُتح الباب قبل أن يطرقه.

وقف رجل ستيني نحيل بظهر مستقيم وشعر فضي مصفف بعناية مرعبة، بدلته السوداء بلا تجعيدة واحدة، قفازاته البيضاء تخفي يديه.

وما إن وقعت عيناه على سيسيليا… حتى شعرت بشيء بارد يمر في عمودها الفقري للمرة الأولى منذ بداية الليلة.

انحنى الرجل باحترام محسوب وقال بصوت هادئ:

"مرحباً بعودتك سالماً، سيدي الشاب."

ثم انتقلت عيناه ببطء إلى القيود الفضية حول معصميها، خفّض صوته:

"هل… أُحضر العشاء للضيفة؟"

قال نوح فوراً بصرامة لا تقبل نقاشاً:

"لا."

دفعها إلى الداخل وأضاف:

"أغلق البوابات، اصرف الجميع، لا أريد روحاً واحدة في الجناح الشرقي الليلة."

"أمرك سيدي."

نقر الرجل العجوز بأصابعه، ظهرت خادمتان شابتان من الظلال كأنهما كانتا تنتظران الإشارة.

لكن ما إن وقعت أعينهما على سيسيليا حتى شحب وجهاهما، تراجعتا خطوة للخلف دون وعي.

قال ماركوس بصوت هادئ قطع الهواء كالسوط:

"عودا إلى غرفكما، سموه لا يحتاج خدماتكما الليلة."

اختفتا سريعاً كالأشباح.

أُغلق الباب الرئيسي بمفتاح ضخم، دوّى الصوت في أنحاء القصر كإغلاق قبر.

استدار ماركوس ببطء نحو نوح، خفض صوته حتى صار همسة ثقيلة:

"سيدي..."

توقفت عيناه على سيسيليا مرة أخرى، حذره واضح:

"هل أنت متأكد أنك تريد البقاء وحدك مع هذه... المخلوقة؟"

ابتسمت سيسيليا قبل أن يجيب نوح، رفعت عينيها مباشرة إلى ماركوس وقالت بجرأة باردة زعزعت الصمت:

"أنت خائف مني..."

مالت رأسها، عيناها الزرقاوان تلمعان بخبث خطير:

"أم خائف مما أعرفه عن هذا القصر؟"

ساد الصمت.

ماركوس تجمد... أصابعه البيضاء شدّت على القفاز للحظة واحدة فقط، لحظة كشفت كل شيء.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • في قبضة الصياد   قلوب بلا سلطان

    استقبلت سيسيليا لفحات نسيم الليل البارد، لكن صدرها ظلّ يعلو ويهبط بجنون، كأن الهواء يرفض أن يلج رئتيها. استنشقت النسيم بعمق، شهيقًا تلو الآخر، لكن الغصة في حلقها كانت أقوى من أن تذوب. كانت الدموع تتساقط من عينيها بلا انقطاع، ساخنة ومؤلمة، التفتت نحو نوح بنظرات ضائعة، وهمست بنبرة متقطعة شاهقة تخترق القلوب: "أنا أختنق يا نوح.. أختنق من الداخل.. ليتني أموت الآن، أريد الموت فقط لينتهي هذا العذاب... أرجوك، خذني من هنا، أنا لا أنتمي لهذا المكان.. أشعر وكأنني في عالم آخر، مظلم وموحش، يمتص روحي ببطء." نزلت كلمات سيسيليا على مسامع نوح كالصاعقة التي زلزلت كيانه بالكامل. "الموت!".. تلك الكلمة اللعينة التي ترفض روحه حتى مجرد سماعها منها. في تلك اللحظة، تحول الخوف في عينيه إلى مزيج مرعب من الجوع العاطفي، والاندفاع لحمايتها. لم يتمكن من السيطرة على وحش خوفه أكثر من ذلك، فانقض عليها كمن يحمي أثمن ما يملك في الوجود، وضمّ جسدها المرتجف إلى صدره بقوة هائلة، دافنًا وجهه بين خصلات شعرها، كأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليحميها من العالم ومن نفسها. لأول مرة في حياته، كان جسد نوح القوي يرتجف ويهتز بعنف؛ ل

  • في قبضة الصياد   ٱثار السحر

    كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية صباحاً عندما تسلل داميان بخفة كالأشباح عبر المداخل السرية، وصولاً إلى أروقة جناحه الملكي الخاص. في تلك اللحظة، كان جسده يفيض بطاقة مرعبة ويسبح في بحر من النشوة؛ فبفعل كمية الدماء الوفيرة التي ارتشفها بنهم من نحر ذلك القاطع، تضاعف شعوره بالانتشاء والقوة بشكل لم يسبق له مثيل، كانت الدماء الحارة تسري في عروقه الباردة كالنار، تمنحه شعوراً بالسيادة المطلقة وتزيد من حدة حواسه الخارقة التي باتت تلتقط أنفاس القصر كلها. فتح باب جناحه ببطء شديد، ظناً منه أنه سيعود إلى فراشه لينعم ببعض السكينة، لكنه سرعان ما أدرك العكس، كانت فاليريا لا تزال مستيقظة بانتظاره، تجلس فوق المقعد القريب من الشرفة والملامح الحادة ترتسم على وجهها. تحت ضوء القمر الخافت والشموع الذائبة، كان شعرها الأحمر المموج ينساب على كتفيها بغزارة، يضيء كاللهب المتوهج في قلب ليلة مظلمة، ويسرق الأنظار بحمرته الصارخة. كانت مرتدية قميص نوم أبيض ناصعاً من الحرير الناعم، يلتف حول جسدها الممشوق، ليصنع تباينًا غريباً ومثيراً بين براءة اللون الأبيض المحيط بها، وبين حمرة شعرها ونظرات العشق الناري والانتظا

  • في قبضة الصياد   عطش ولي العهد

    مرت الدقائق ثقيلة على سيسيليا بعد مغادرة نوح المفاجئة. كانت حرارة وفترة الظهيرة تتسلل من خلف الستائر السميكة لتزيد من اختناق جو الغرفة. بقيت مستلقية على فراشها تحاول جاهدة أن تطرد طيف نوح من مخيلتها المجهدة. بدا وكأن رائحة عطره الرجولي قد علقت بكل زاوية، دارت في رأسها أفكار عاصفة تلوم فيها نفسها وجسدها الذي خانها لثوانٍ واستسلم للمساته الساخنة وقبلته الحارقة التي زلزلت كيانها. كانت تشعر بمزيج من الغيظ والعجز وهي تتذكر نبرة صوته المليئة بالثقة والانتصار وهو يخبرها أن أسوار نسيانها هشة. قطع حبل أفكارها الممزقة صوت مألوف وهو صوت دوران المفتاح في القفل المعدني للباب. تيبس جسدها في مكانها تلقائياً وظنت للوهلة الأولى أن سجانها قد عاد مجدداً ليكمل معركته النفسية معها. لكن الباب انفتح ببطء شديد وبتردد لتدخل الخادمة الصغيرة ريتا وهي تحمل صينية وجبة الغداء. تقدمت الفتاة بخطوات واهنة وبطيئة للغاية، كان وجهها شاحباً تماماً كالأموات وغابت الحمرة عن وجنتيها بينما غرقت عيناها الواسعتان في هالة داكنة من البؤس والكآبة العميقة. بدا جسدها النحيل منكسراً وكأن هموم العالم كله قد هبطت فوق كتفيها د

  • في قبضة الصياد   حِمم العشق والقيد

    مرّت ساعات الصباح ثقيلة ومحملة بالتوتر في أروقة القصر، وجاءت فترة بعد الظهيرة لتلقي بظلالها على الأرجاء. هناك، حيث تُحتجز **سيسيليا** بين جدرانٍ من حرير وذهب، كان السكون هو الحاكم المطلق. تلاشى الصداع الحاد الذي كان يمزق رأسها في الصباح، لكن حلّ مكانه عدوٌّ آخر لا يقلّ قسوة: **الملل الخانق**. ومن شدة الضجر ورتابة الوقت الذي لا يمر، استسلم جسدها للنوم؛ استلقت على بطنها فوق الفراش، وغرقت في نومٍ عميق، خصلاتها مبعثرة حول وجهها، غافلة عما يدور حولها من مؤامرات وحروب. انفتح الباب بهدوءٍ، وتقدم نوح بخطواتٍ صامتة كالفهد الذي يقترب من فريسته، وعيناه الرماديتان اللتان كانت قبل ساعاتٍ تتأملان الخرائط، تحولتا الآن إلى جمرتين من العشق الخالص... **عشقٍ يلامس حدود الجنون والهلاك**. بالنسبة لنوح، لم تكن سيسيليا مجرد امرأة عادية؛ كانت هوسه الأبدي، ذنبه العظيم الذي لا يطلب عنه غفراناً، والجنة الوحيدة التي يبتغيها في هذا العالم المظلم. جلس على حافة الفراش، وانحنى فوق جسدها المسترخي، مستنشقاً عبيرها الذي يسلب عقله في كل مرة. تطلّع إلى ملامحها الهادئة أثناء النوم، وشعر بتلك الرغبة العارمة ف

  • في قبضة الصياد   أشواك من حرير

    في تلك الأثناء، وراء الجدران الحجرية الداكنة للجناح الغربي، كان نوح غارقاً في صمته داخل مكتبه المتخم برائحة الحبر القديم.كسر السكون طَرقات حازمة، رتيبة، ومألوفة جداً على الباب.كان إيقاعاً يعرفه نوح عن ظهر قلب؛ فهو للشخص الوحيد في هذا العالم الذي يثق به دون أدنى تفكير، ويمتلك مفاتيح أسراره.انفتح الباب ليدخل **فيكتور**، صديق العمر، وذراعه الأيمن الذي لم تزده الأيام ولا المعارك الطاحنة إلا ولاءا وصلابة.كان فيكتور يحمل هيبة المحاربين الأشداء، ملامحه الحادة مرسومة بجدية تعكس ثقلاً موازياً لحجم المسؤولية التي يحملها.لكنه، ورغم كل شيء، كان الوحيد القادر على اختراق تلك الهالة المظلمة التي يحيط نوح بها نفسه، والحديث معه كأخ وند، دون كلفة أو ألقاب عسكرية جامدة.تقدم فيكتور بخطوات واثقة تملأ الفراغ، سحب مقعداً خشبياً وجلس في المواجهة مباشرة، ماداً يديه على المكتب يتفرس في وجه صديقه بنظرة متفحصة، لكنها مشوبة بقلق عفوي لم يستطع إخفاءه.قال بنبرة خفيضة وجادة، كأنما يهمس بسر:— "كنت أعلم أنك لم تذق طعم النوم يا نوح، فرائحة الشراب تنبعث منك وتشي بكل شيء... أخبرني بصراحة، هل سيسيليا هي السبب مجدد

  • في قبضة الصياد   عهد بالانتقام و عهد بالحب

    انقشع سواد تلك الليلة المشحونة، وحلّ الصباح يجرّ خيوطه الذهبية الباهتة فوق أسوار القصر العتيق. لم يذق نوح طعم النوم؛ بل قضى ليلته والشراب الحارق يلهب جوفه، موازياً للنار التي تلتهم صدره كلما تذكر نظرة الاشمئزاز والاغتراب في عيني سيسيليا، وحقيقة أن ذكراه قد مُحيت من وجدانها كأنه لم يكن. ومع أولى أشعة الشمس، كان نوح قد اتخذ قراره بتشديد الحصار وإعادة ترتيب الأوراق. وقف في البهو الواسع، ليعين حراساً جدداً أشد بأساً وولاءً، وخادمات جديدات لضمان السيطرة التامة على القصر، وتحديداً الجناح الذي تقبع فيه سيسيليا خلف الأبواب الموصدة. مرّت عيناه الرماديتان الحادتان بصرامة تفحص الوجوه المصطفة أمامه، حتى توقفت نظراته فجأة، وتصلبت ملامحه عند فتاة تميزت عن البقية بشكل ملحوظ. كانت ريتا. فتاة شابة في مقتبل العمر، تجاوزت السن القانوني بقليل. شعرها أسود فاحم كالليل، وجهها يحمل جمالاً طفولياً، وعينيها واسعتين لم تدنسهما بعد قسوة العالم المحيط بهما. بدت وسط الحشود كزهرة برية نبتت خطأً في أرض صخرية وعرة لا ترحم. عقد نوح حاجبيه، واجتاحته موجة من الاستغراب والشك لتواجد مثل هذه البراءة في عر

  • في قبضة الصياد   ♡الفصل السابع عشر: السم في النبيذ

    خطوات نوح ابتعدت في الممر المؤدي للحمام، وصدى الباب وهو يُغلق خلفه جعل سيسيليا تفيق من شرودها.الغرفة كانت صامتة بشكل مريب، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها وتراقب ما حدث قبل لحظات.لم تتحرك من مكانها.فقط رفعت يدها ببطء إلى شفتيها.ما زال دفء قبلته عالقًا هناك، كأثرٍ لا يُمحى مهما حاولت تجاهله.ضحكت

  • في قبضة الصياد   ♡الفصل السادس عشر: وعدتك بالعودة... وأوفيت

    كانت سيسيليا تقف قرب النافذة الطويلة داخل غرفتها، بينما كانت العاصفة تبتلع الليل خارج القصر ببطء مخيف. أنفاسها معلقة بين ضلوعها، وعيناها لا ترمشان. كل ثانية صمتٍ كانت تثقل صدرها كحجر. المطر انهمر فوق الزجاج بعنف، وخلفه امتدت الحدائق الواسعة غارقة في الضباب والظلال، حتى بدت الأشجار العالية وكأنها أ

  • في قبضة الصياد   ♡الفصل التاسع: نقطة اللاعودة

    صمت نوح للحظة. كان عليه أن ينتقي كلماته بحذر—لم يُرِد أن تظن أن لديه نوايا سيئة، خصوصًا بعد ما مرت به. قال بهدوء مدروس، بينما بقيت عيناه ثابتتين عليها. "دم الحيوانات قد يؤخر الجوع… لكنه لن يطفئه. أنا أتحدث عن دم البشر." ساد صمت قصير قبل أن يُكمل بنبرة أكثر حسمًا: "لديّ سجن أسفل القصر. أحتجز

  • في قبضة الصياد   ♡الفصل الثامن: الاختيار الذي يحرق

    اقتربت سيسيليا أكثر. كان صوتها بالكاد نفساً. "دوري." نظرت إلى نوح— عيناها حادتان. حيّتان. لكن خلف ذلك اللمعان، كان هناك ارتجاف خفي، كأن شيئاً داخلها يسير على حافة الانكسار منذ زمن بعيد، لا اليوم فقط. "سأحصل على التاج." توقفت. للحظة واحدة فقط. كأنها تختبره. تثق به. كان الصمت بي

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status