Masukانعقد فك نوح بقوة. كان يعلم أن عليه وضع حدود معها، لكن المشكلة أن جزءاً داخله أعجبه ما قالته.
خيّم صمت ثقيل، قبل أن يقول أخيراً محاولاً استعادة هدوئه: "مهمتي مراقبة الإمبراطور طوال الحفل. أما أنتِ فتتسللين لتفتيش مكتبه. أريد أي وثيقة، أي دليل قادر على تدميره." أومأت سيسيليا بتأنٍ. جلست فوق حافة الطاولة بدل الكرسي، كأنها ترفض حتى التظاهر بأنها نبيلة مطيعة. سألته بنبرة عملية: "وجناح الأمير داميان؟" ارتفع حاجبه: "ماذا عنه؟" مالت رأسها: "الرجال المدللون أمثاله يخفون أسرارهم في أماكن سخيفة. رسائل، مذكرات، وربما عشيقات يعرفن أكثر مما يجب." راقبها نوح لثوانٍ قبل أن يفلت منه ضحك منخفض رغماً عنه: "أنتِ خطيرة فعلاً." لوت شفتيها بشبه ابتسامة: "لهذا ما زلت حيّة." تعلّق الهواء بينهما. لم يكن مريحاً، بل مشبعاً بتوتر خفي ازداد وهو يدنو منها. ركع أمامها أخيراً وفك القيود عن معصميها بحركات هادئة. حين تحررت لم تبتعد. بقيت واقفة أمامه مباشرة. رفع نظره إليها على مهل. وجدها تراقبه بالنظرة الجريئة نفسها، كأنها لا ترى الصياد الذي قتل المئات من جنسها، بل الرجل القادر على قلب العالم معها. قال وهو ينهض: "ستحتاجين ملابس مناسبة للحفل. شيئاً راقياً لكن لا يلفت الانتباه." رفعت سيسيليا معصميها المحررين. مررت أصابعها فوق آثار الفضة الحمراء: "عليّ ارتداء فستان يشبه فساتين النبيلات هنا. سأذوب بينهم بسهولة… وإن اضطررت فسأمثل دور امرأة تنتمي لعالمهم أكثر منهم." راقبها نوح للحظة أطول مما ينبغي. ثقتها باختراق مجتمع النبلاء أثارت إعجابه رغماً عنه. أومأ بخفة: "لدي معارف في دار أزياء مدام لافورج. سيؤمنون كل شيء… الفستان، المجوهرات، حتى مستحضرات التجميل." قلّصت المسافة بينهما. تسللت كلماتها إلى أذنه كالسم: "وهل ستختار لي الفستان بنفسك يا نوح؟" تصلب جسده للحظة. كان ذلك كافياً لترتسم على شفتيها ابتسامة انتصار صغيرة. اتجه نحو خزانة المشروبات المصنوعة من الماهوغاني وأخرج قنينة كريستالية. سكب كأسين من البراندي دون أن يسألها. قال بصوت وطّاه عمداً: "اشربي. الغد مرهق، وأحتاجك بكامل تركيزك." أخذت الكأس من يده. لمست أصابعها أصابعه للحظة قصيرة أشعلت التوتر بينهما. شربت رشفة هادئة وهي تنظر إليه مباشرة، ثم سألته دون إنذار: "تعرف ما يعجبني فيك؟" قطب حاجبيه: "لا." ظهر طيف ابتسامة على شفتيها: "أنك تبدو دائماً وكأنك على وشك قتل شخص ما… حتى وأنت تقدم الشراب." أطلق زفيراً ساخراً وأدار ظهره لها، لكنه لم يخفِ الزاوية الخفيفة التي ارتفعت عند شفتيه. وضعت كأسها على الطاولة: "قوة الإمبراطور الحقيقية ليست في سلطته فقط. بل في خوف الجميع منه. لا أحد يجرؤ حتى على التشكيك فيه." استدار نوح. عيناه تتفحصان وجهها باهتمام أكبر. تابعت سيسيليا بنبرة كالفحيح: "أما نقطة ضعفه… فهي غروره. يظن أن مصاصي الدماء مجرد وحوش يمكن السيطرة عليها." اقترب ضوء القمر من ملامحه الحادة. لفظ كلماته كوعد: "لكن ليلة الغد… سنجبره على مواجهة الحقيقة." توقفت عيناه عندها قبل أن يضيف: "حفل تنصيب داميان لن يكون احتفالاً. بل بداية الحرب." محا الفراغ بينهما بخطوة. لفظ الكلمة من بين أسنانه: "وهناك… سنرى إن كان ما بناه بالخوف قادراً على الصمود أمام الوحوش التي صنعها بنفسه." ولأول مرة منذ التقيا، لم تلوِ سيسيليا شفتيها بسخرية. نظرت إليه بثبات وهمست: "إذن دعهم يخافون منا أخيراً." أشار إلى غرفة نوم في الطرف المقابل من الجناح: "ستنامين هنا." كانت نبرته عملية، لكنه كان يحاول إقناع نفسه أن وجودها مجرد ضرورة. تقدمت بخطوات محسوبة. مرّت أصابعها فوق حافة الطاولة الرخامية، ثم التفتت نحوه وعيناها الزرقاوان تلمعان تحت ضوء النار: "هل هذه طريقتك في الترحيب بحليفتك الجديدة؟" ارتفع أحد حاجبيه: "أنتِ ما زلتِ سجينة بشكل أو بآخر." ابتسمت ابتسامة صغيرة. لم تكن ابتسامة امرأة مهزومة، بل شخص يعرف متى ينتظر ومتى يهاجم. قلّصت المسافة وهمست: "غريب… لأنني لا أشعر أنني كذلك." تعلّق الهواء بينهما. راقبها نوح بصمت قبل أن يقول: "سأوقظك صباحاً. وغداً لن يكون ليلة عادية." لكنها دنت أكثر حتى شعر بحرارة أنفاسها رغم برودة جسدها: "لا شيء في حياتي كان عادياً يا نوح." تشنج فكّه. واعياً لكل تفصيلة تخصها. رائحة المطر في شعرها، النظرة المتحدية، والطريقة التي تنظر بها إليه وكأنه ليس الصياد الذي تخشاه المملكة… بل الرجل الوحيد القادر على إشعال العالم معها. ابتعد قبل أن يسمح لنفسه بالاقتراب أكثر: "احصلي على بعض الراحة. الغد سيتطلب كل ذرة تركيز لديك." عندما استدار ليغادر، أوقفه صوتها وهو تناديه بصوت بالكاد يُسمع: "نوح." توقف فوراً عند الباب. الطريقة التي نطقت بها اسمه لم تكن نداءً. تسللت إلى ذلك الجزء المتعب داخله، الجزء الذي قضى سنوات يخنقه تحت الدم والعنف حتى كاد ينسى أنه حي. استدار كأن الزمن تباطأ. عندما وقعت عيناه عليها شعر بشيء ضيق في صدره. ما أربكه لم يكن جمالها فقط. بل الطريقة التي تنظر بها إليه، لا كصياد تخشاه، بل كرجل تراه بوضوح مرعب. "ماذا؟" سأل بصوت أجش، أقل قسوة مما أراد. زحفت خطوة واحدة، لكنها كانت كافية ليشعر أن الهواء أصبح أثقل: "أخبرني شيئاً… هل أنت دائماً بهذا التوتر، أم أن وجودي فقط هو ما يدفعك إلى حافة الجنون؟" اشتد فكّه. يعرف أنها تستفزه عمداً، وتعرف الكلمات التي تخترق دفاعاته. لكن المشكلة لم تكن في استفزازها. بل في أنه لم يكن غاضباً بالكامل. جزء منه، جزء دفنه منذ سنوات، كان مستيقظاً الآن للمرة الأولى. قذف الكلمة كالسكين محاولاً التمسك بما تبقى من سيطرته: "أنتِ تلعبين لعبة خطيرة." انحنت زاوية فمها: "وأنت؟ ألم تلاحظ بعد أنني أعشق الأشياء الخطيرة؟" زفر بتأنٍ ومرر يده فوق عنقه بتوتر خافت. التهمت خطواته المسافة حتى أصبح قريباً بما يكفي ليشعر بعطرها يلتف حوله: "أنتِ لا تفهمين ما الذي تعبثين معه يا سيسيليا…" وللحظة قصيرة، لم ترَ فيه القاتل الذي ترتعد منه المملكة، بل رجلاً يحمل فوق كتفيه كل الخراب الذي لم يستطع أحد احتماله. رفعت ذقنها بتحدٍ هادئ: "هذا ما يثير فضولي." مدت يدها على مهل نحو صدره. لمسته بخفة فوق القماش الأسود، وشعرت بعنف ضربات قلبه تحت راحتها. تجمد للحظة. ليس لأنه أراد الابتعاد… بل لأنه لم يتذكر آخر مرة سمح لأحد بالاقتراب هكذا دون توقع خيانة. همست بصوت أكثر دفئاً: "تعرف ما أراه عندما أنظر إليك؟" لم يجب، لكنه لم يبتعد. ظهرت على شفتيها ابتسامة صغيرة أقل استفزازاً وأكثر صدقاً: "أرى رجلاً أمضى حياته يقنع نفسه بأنه مجرد سلاح… بينما الحقيقة أنه لم تُمنح له فرصة ليكون شيئاً آخر." ضاقت عيناه. مرّ داخل نظرته شيء مؤلم وسريع قبل أن يختفي خلف قسوته: "يجب أن تنامي." ضحكت سيسيليا بخفة. دنت حتى أصبحت شفاهها قرب أذنه: "أنت خائف." استحال الرمادي في عينيه إلى سواد في جزء من الثانية: "من ماذا؟" وكانت همستها التالية أخطر من أي تهديد: "من أن تجد أخيراً شخصاً يراك كما أنت… ثم تعتاد وجوده." في تلك اللحظة، انقطع شيء داخله. لم يصرخ. لم يهدد. استدار بعنف وضرب قبضته في المرآة الطويلة بجانب الباب. تحطمت المرآة بانفجار مدوٍ. تناثر الزجاج فوق الرخام كألف خنجر صغير. انعكس وجهه المشوه في ألف قطعة. ساد صمت مطبق إلا من صوت أنفاسه الهائجة وتقاطر الدم من مفاصله الممزقة. تجمدت سيسيليا مكانها. رائحة دمه… لم تكن كرائحة أي دم عرفته من قبل. ضربت حواسها بقوة جعلت أنفاسها تتعثر للحظة، دفء كثيف ومسكر اجتاح جسدها بالكامل كعاصفة. شعرت بجوع حاد يشتعل داخل عروقها، لكنه لم يكن جوعاً عادياً. كان شيئاً أخطر… أعمق… شيئاً يشبه النداء. اتسعت عيناها الزرقاوان دون وعي وهي تحدق بقطرات الدم المتساقطة من قبضته. كل غريزة مصاصة دماء داخلها صرخت نحوه. لكن خلف ذلك العطش، كان هناك شعور آخر هزّها بعنف أكبر. ارتباط. قدَر. كأن دمه نفسه يعرفها… وكأنها منذ اللحظة التي ولدت فيها كانت مهيأة لتنجذب إليه بهذه الطريقة المجنونة. ابتلعت ريقها ببطء، وأصابعها ارتجفت لأول مرة منذ سنوات طويلة. لاحظ نوح النظرة التي ظهرت في عينيها. نظر إلى دمه المتناثر فوق الأرض، ثم إليها، وتصلبت ملامحه أكثر. "سيسيليا…" خرج اسمها منخفضاً وخطيراً، تحذيراً ورغبة ممزوجين بشيء لم يفهمه هو نفسه. لكنها لم تقترب من الدم. رفعت عينيها إليه مباشرة، وكان ما في نظرتها أكثر رعباً من الجوع. لم تكن تنظر إليه كفريسة. كانت تنظر إليه كرجل قُدّر لها منذ البداية. ثبت عينيه عليها. عيناه الآن حفرتان من جحيم خام. قال بصوت منخفض ومكسور وخطير، صوت رجل سقط آخر جدار بينه وبين الوحش داخله: "أنا لا أعتاد أحداً... أنا أدفنهم." اقترب منها والزجاج يتكسر تحت حذائه. توقف أمامها تماماً، والدم يقطر من يده على الأرض بينهما. "لهذا أنا خائف، يا سيسيليا. لأني لو اعتدت وجودك... فسأحرق العالم كله لأبقيك. وأنتِ أول من ستحترقين." تجمّدت للحظة. لأول مرة، اختفت الابتسامة من شفتيها. لم يكن هذا تهديداً. كان اعترافاً. رفعت عينها إلى يده النازفة، ثم إلى عينيه. وببطء شديد، مدت يدها وأمسكت بقبضته الدامية، غير آبهة بالزجاج أو الدم. ارتجف جسدها بالكامل لحظة لامست دمه. دفء مرّ عبر عروقها كالنار، حتى أن أنيابها ظهرت دون وعي لثانية قصيرة، لكنها تماسكت بصعوبة وهي ترفع عينيها إليه من جديد. قالت بصوت هادئ، ثابت، كأنها توقع معاهدة مع الشيطان: "إذن احرقني. لكن بعد أن نحرق عرشه أولاً." ارتفعت أنفاسه بتأنٍ. صار للصمت صوت أكثر صدقاً من أي اعتراف. ابتعد عنها أخيراً، والدم ما زال يقطر من يده، لكن عينيه صارتا أوضح. أبرد. أخطر. "نامي." قالها بنبرة لا تقبل النقاش. لم تكن أمراً. كانت توسلاً مقنعاً. استدار وخرج، تاركاً خلفه مرآة محطمة، ودماً على الأرض، وامرأة تبتسم أخيراً ابتسامة حقيقية. أغلقت الباب خلفها دون صوت. بقي نوح واقفاً في الممر المظلم يحدق في يده المدماة، مدركًا للمرة الأولى أن أخطر شيء في حياته لم يكن مؤامرة الإمبراطور ولا الحقيقة التي اكتشفها عن دمه… بل المرأة التي جعلت الوحش داخله يبحث عن منفذ للخروج.**ريتا:** سأذبحك وأذبح نفسي من بعدك إن لمستني... سأقتل نفسي ولن أدعك... ...ابتسم ومسح البصاق عن وجهه وهو ينظر إليها بعينين حمراوين، وكانت ابتسامته بداية تحدٍّ كبير... كان سعيداً بما يراه أمامه؛ جنونها وحركاتها... يعلم تماماً أنه سيستمتع. كل هذه الأفكار وما يشعر به جعله يغلي، وجعله يطلق العنان لعنفه... ...رفع يده وصفعها مباشرة على وجهها... ثم أتبعها بثانية وثالثة تاركاً وجهها محمراً من شدة الصفع، والدم يسيل من أنفها... قبض على شعرها يجرها ذهاباً وإياباً وهو يهمس في أذنها... **فيكتور:** ستظلين تتذكرين هذه الليلة حتى أدفنكِ في قبركِ... *(خنقها من عنقها ودفعها بقوة ضد الحائط حتى جحظت عيناها، وبدأ يضحك كالمجنون)* ويوم أدفنكِ سأكتب عليه: " أخضعت المتمردة الصغيرة ..." *(دفن وجهه في عنقها، عضّها ثم نطق)* لأن قبركِ في هذه الدنيا هو فراشي... حاولت ريتا التقاط أنفاسها المكتومة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف وهي تحاول دفع صدره الصلب بكل ما تبقّى لها من قوة ضئيلة. ورغم كل شيء فعله بها، إلا أن عينيها لم تعكسا الانكسار، بل توهجتا بنيران حقدٍ وعناد لا يلين. تراجع فيكتور خطوة إلى الوراء، مرخياً قبض
في الجناح الملكي، استغرقت فاليريا في النوم حتى اقتربت الظهيرة، بدأت تستعيد وعيها ببطء. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل كان ارتطاماً عنيفاً بـواقع مرير، حيث استقبل جسدها أولى أنفاس اليقظة بـموجة ساحقة من الألم المبرح. كان ظهرهـا يشهد سعيراً لا يهدأ، وكأن النيران لا تزال تلتهم لحمها. حاولت التحرك قليلاً لـتخفيف الضغط، فشعرت بـدفء غريب بـجانبها. أدارت رأسها بـصعوبة، لـتتسع عيناها؛ كان داميان مستلقياً بـجانبها فوق الفراش، واضعاً ذراعه أسفل رأسه، وصدره العاري يرتفع وينخفض بـأنفاس النوم المنتظمة. استغربت بشدة، واجتاحت عقلها تساؤلات مبهمة؛ كيف له أن ينام بـجانبها بـكل أريحية بعد أن كان جلادها بـالأمس؟ لكن شدة الحريق والوجع كان أقوى من أي تفكير أو دهشة. كانت تشعر بـرغبة ملحة لـلذهاب إلى الحمام، وجسدها يرفض الانصياع لها. تصلبت أطرافها، وحاولت الاستناد على كفيها لـتتحرك، فـانفجر الألم في ظهرها بـشكل غير محتمل، لـتطلق رغماً عنها تأوهاً يمزق السكون: — "آه... يـا إلهي..." أحدثت حركتها واضطراب الأغطية الى إيقاظه، فتح داميان عينيه المظلمتين، وجلس بـجذعه العاري فوق الفراش، مرجعاً خصلات شعره إلى
رمق ماركوس ريتا بنظرة ساخرة، وضغط بقبضته على المكتب بغطرسة قائلاً بصوت جاف: — "إجازة؟ هل جننتِ أيتها الفتاة؟ لقد استلمتِ عملكِ في هذا القصر للتو! لم يمر على وجودكِ هنا سوى أيام معدودة، وتتجرئين على طلب إجازة؟" سقطت دموع ريتا بغزارة وجثت على ركبتيها في توسل ذليل وهي تصر على طلبها: — "أتوسل إليك يا سيد ماركوس، انظر إلى حالي بعين الرحمة! الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة لي، فأذن لي بالذهاب اليوم فقط، وأقسم لك بكل ما هو غالٍ عندي أنني سأعوض هذا اليوم أضعافاً مضاعفة، وسأعمل ليلاً ونهاراً دون انقطاع، وسأتحمل كافّة المهام الشاقة وساعات العمل الإضافية دون أن أطلب قرشاً واحداً زيادة، فقط دعني أخرج اليوم!" تململ ماركوس في مقعده، وظهرت في عينيه الخبيثتين موافقة لكن بشروط: — "حسناً، اسمعي جيداً أيتها البائسة.. لن أمنحكِ يوماً كاملاً، فالعمر لا يتوقف هنا لأجل مرض عائلتكِ. سأعطيكِ ثلاث ساعات فقط لا غير! تذهبين فيها لرؤية والدكِ، وتعودين راكضة قبل أن يلاحظ أحد غيابكِ. وإن تأخرتِ دقيقة واحدة عن الموعد، فلن تجدي لكِ مكاناً في هذا القصر، وسأضمن بنفسي ألا توظفكِ أي عائلة في المملكة مجدد
تلاشت أصداء خطوات ولي العهد في الممرات الخارجية، ليحلّ مكانها سكونٌ أشد مرارة من الموت نفسه. بقيت فاليريا ممددة فوق الفراش، عاجزة عن الحركة، وجسدها ينبض بالألم الذي كان يسري في عروقها كالنيران. كانت الجروح المفتوحة على ظهرها تنزف ببطء، انفجرت بالبكاء كان نحيباً يائساً وممزقاً على تحطم كبريائها ونهاية أوهامها الوردية. نظرت إلى خاتم الزواج اللامع في إصبعها، ثم غطت وجهها بكفيها المرتجفتين، فامتزجت شهقاتها المكتومة بصرخات عتابٍ وجّهتها لطيفه الراحل، توبخ فيه طفولتها وحمق قلبها الذي وقع بحبه. "ماذا فعلتَ بي يا داميان! لقد أمضيتُ عمري أرجو نظرة رضا من عينيك، واليوم تجعل من جسدي خريطة لقسوتك! تباً لقلبي وتباً لروحٍ تعاتب سوطك وتلتمس لك الأعذار!" > تذكرت كيف كانت تنظر إليه بإعجاب منذ أن كانت طفلة صغيرة، وكيف غزى عقلها الصغير، كان هو فارسها، وحب عمرها قبل أن تفقه معنى السياسة. امتدت أصابعها لتتشبث بالفراش، ورفعت رأسها بصعوبة، وعيناها قد غرقتا بالدموع. ورغم الألم والمهانة التي ألحقها بوجدانها، لم تقوى روحها على كرهه؛ فكيف تكره رجلاً استوطن قلبها منذ الطفولة؟ استجمعت بقايا أنف
دوت صفعة الباب الثقيل لـتهز أركان الجناح، جلست سيسيليا منتصف السرير، وضمت ركبتيها إلى صدرها، كـطائر جريح أصابته السهام من كل جانب. انهمرت دموعها بـصمت شديد، شاقةً طريقها فوق وجنتيها، ووضعت يدها المرتعشة فوق صدرها، محاولة كبح ذلك الألم العنيف الذي يعتصر قلبها بـقوة. كانت غارقة في حيرة قاتلة؛ لـماذا يؤلمها قلبها بـهذا الشكل لـرحيله وتخليه عنها هكذا؟ لم تكن تبكي من أجل داميان، فـقصته انتهت بـالنسبة لها، لكن الألم الجديد كان مختلفاً... كان ألم العجز أمام رجل لم تكن تتوقع أن كلماته قد تملك هذه القدرة على تمزيقها. "أنا لا أريد خداعه..." همست لـنفسها بـنبرة مخنوقة تائهة في الظلام. لم يكن ارتماؤها في أحضانه مكيدة مدبرة، ولا استغلالاً بـدماء باردة لـقوته كما ظن نوح. لقد كانت بـالفعل تبحث عن ملاذ، عن ركن آمن يحميها من شياطين عقلها، وظنت لـثانية واحدة أن الطاغية كما تسميه سيكون ملجأها الوحيد. لكن كبرياءه وغروره رفضا رؤية مشاعرها، واختصرا ضعفها وترددها في خانة الخداع. في وسط ذلك البكاء، بدأت الغشاوة تتضح عن عينيها لـتدرك الحقيقة المرعبة التي كانت تغفلها وتتجاهلها طوال الوقت. ذلك
تقدم نوح بخطوات ثقيلة وموزونة، كانت عباءته الداكنة تتطاير خلفه كأجنحة غراب في جوف الظلام، وعيناه الحادتان تفترسان كل تفصيلة في الحديقة؛ من الحراس إلى ألسنة اللهب التي كانت تلتهم آخر البقايا. توقف على بعد خطوتين منها. تفككت برودته وحل مكانها قلق مكتوم وثوران داخلي، خاصة عندما انكمشت ملامحه فجأة وهو يستنشق الهواء؛ فحواسه الخارقة، التقطت فوراً خيوط تلك الرائحة النفاذة... رائحة غريمه الأزلي "داميان" ممتزجة برائحة دماء جافة. نظر إلى طفلته العنيدة، فرأى وجهاً لم يعهده فيها من قبل. جمود وهدوء تام، تقدم خطوة إضافية، ليحجب بـجسده بقايا الحريق، ونطق بصوت عميق، تملؤه سلطة آمرة حاول جاهداً كبح جماح غضبها: "ماذا يحدث هنا يا سيسيليا؟ ما هذا الجحيم الذي أشعلتِهِ في هذا الليل؟" لم ترمش سيسيليا، ولم تلتفت إليه حتى. بقيت عيناها الزرقاوان معلقتين بالرماد المتطاير في الهواء البارد، وكأن نوح لم يكن موجوداً، أو كأنه مجرد طيف عابر لا يستحق عناء الالتفات. استفزه هذا الصمت الذي بات يمزق أعصابه. امتدت يده، وبـحركة حملت مزيجاً من القسوة والتملك الحذر، قبض على رسغها وأجبرها على الالتفات لتواجه عينيه اللت
صمت نوح للحظة. كان عليه أن ينتقي كلماته بحذر—لم يُرِد أن تظن أن لديه نوايا سيئة، خصوصًا بعد ما مرت به. قال بهدوء مدروس، بينما بقيت عيناه ثابتتين عليها. "دم الحيوانات قد يؤخر الجوع… لكنه لن يطفئه. أنا أتحدث عن دم البشر." ساد صمت قصير قبل أن يُكمل بنبرة أكثر حسمًا: "لديّ سجن أسفل القصر. أحتجز
اقتربت سيسيليا أكثر. كان صوتها بالكاد نفساً. "دوري." نظرت إلى نوح— عيناها حادتان. حيّتان. لكن خلف ذلك اللمعان، كان هناك ارتجاف خفي، كأن شيئاً داخلها يسير على حافة الانكسار منذ زمن بعيد، لا اليوم فقط. "سأحصل على التاج." توقفت. للحظة واحدة فقط. كأنها تختبره. تثق به. كان الصمت بي
القاعة الكبرى لم تكن تشتعل بالضوء، بل كانت تحترق به. انعكس ذهب الثريات فوق الرخام كأنه معدن سائل، بينما تحركت وجوه النبلاء تحت الوهج مثل أشباح لا تعرف سوى الابتسام. انكمش العالم من حوله حتى صار ضيقاً كثقب إبرة، وفي مركزه وقف رجل واحد: الإمبراطور فالريك آشفورد.فوق المنصة، حمل الثوب الملكي ثقل تاري
عبر القاعة الواسعة، توقف داميان فجأة.كأن الزمن تعثّر عند رؤيتهما.تجمدت خطواته للحظة واحدة فقط، لكنها كانت كافية ليتغير الهواء. ارتفعت ذقنه ببطء. انعقد فكه. واستقرت عيناه عليهما دون أن يحاول إخفاء الجحيم الذي اشتعل داخله.ما مرّ في نظرته لم يكن دهشة. ولا إعجاباً.كان امتلاكاً مغموساً بغيرة ورغبة و







