تسجيل الدخولبدأ جسد ياسمين يستجيب لنبرات صوته الملحة، ففتحت عينيها ببطء شديد وعلى مضض، كأنها تخشى مواجهة الواقع، تطلعت إلى وجه جلال بذعرٍ طفولي ونظراتٍ منكسرة فطرت قلبه عليها، وما إن استوعبت وجوده حتى تشبثت بقميصه بقوة جنونية، وانخرطت في نوبة نحيب مريرة وهي ترتعش بين يديه، بدأت تهذي بكلمات غير مترابطة، وصوتها يخرج مخنوقاً بالدموع: _ خبيني منهم يا جلال، احميني منهم، لأ، لأ احضني قوي، خلينى أنسى اللى عملوه، وحياتي عندك نسيني كل حاجة! أنا مش عاوزه أفتكرهم خالص، شيلهم من دماغي ومن تفكيري وخليني أفكر فيك أنت بس، عشان خاطري يا جلال حتى لو مش بتحبني، نسيني اللي عملوه أبوس إيدك، أنا خلاص مبقتش قادرة أتحمل أشوفهم كل ما أغمض عيني، وبقيت بحس بيهم حواليا وأنا صاحية، أرجوك يا جلال، شيلهم من عقلي، أنا بتعذب والله العظيم بتعذب ومعدتش قادرة أقاوم أكتر من كدا! في تلك اللحظة، انفجرت بداخل جلال براكين من المشاعر المتضاربة؛ رغبته الجامحة التي أشعلتها توسلاتها المذلة، وغيرته العمياء التي أحرقت أخضره ويابسه، وغضبه الساطع مما اعترفت به وأقرت بحدوثه، تدافع بداخل عقله صراعٌ مرير بين نداء كرامته الجريحة ونداء رغبته المس
هام جلال في سحر عينيها وتنهد بعمق؛ حاول عقله المنهك أن يحثه على الابتعاد والالتزام بمسافة آمنة تقيه شر غواية القرب منها، لكن قلبه المتمرد أعلن العصيان التام، وجعله يقول بنبرة دافئة: _ هو أنا ينفع أطلب منك طلب يا ياسمين؟ اتسعت عينا ياسمين بقلق وتوجس، فهي لا تدري بماذا تجيبه، فهذه هي المرة الأولى التي يطلب منها شيئاً بهذا اللين، لاحظ جلال حالتها، فمال عليها أكثر ليزيد من ارتباكها وأردف بمكر: _ أصل أنا مشفتش الهدوم كويس وعاوز أشوفهم عليكِ براحتي من غير دوشة، وإحنا أهو لوحدنا، ممكن تجيبي هدومك وتيجي الأوضة بتاعتي وتبدلي هدومك في الحمام علشان أشوفها عليكِ وأقيمها كويس؟ يعني علشان لو فيها حاجة متناسبكيش آخدها وأرجعها وأجيب لك الأحسن منها. لم يمهلها جلال وقتاً للتفكير أو الاعتراض؛ إذ سحبها من يدها برفق وهو يحمل حقائب الملابس الكثيرة، وابتسم في سره وهو يتذكر تلك الحقيبة التي دسها سراً بين أشيائها، وولج بها إلى غرفته وأوصد الباب خلفه، ثم قال وهو يتجه لمقعده الوثير: _ كدا محدش هيزعجنا يلا بقى، أنا هقعد هنا على الكرسي ده، وأنتِ فرجيني الحاجة واحدة واحدة. تجمدت ياسمين في مكانها وهي تحدق به
ازداد غضب حسين حتى كادت عروق وجهه تنفجر، فغادر الفراش بانتفاضة هجمت فيها الأفكار السوداء على رأسه، وانحنى بحدة يحمل ملابسه الملقاة على الأرض، واشاح بوجهه عنها كأنه يرفض النظر إلى من تجرأت على خدش كبريائه. إلا أن دودي، التي تدرك تماماً مواطن ضعفه، لم تتركه يبتعد؛ تبعته بخطوات القطط ومنعته من ارتداء ثيابه، ثم أحاطت عنقه بكفيها في حصار ناعم، وأخذت تتحسس عنقه وشعره بأصابع رقيقة، وقربت شفتيها من أذنه وهي تهمس بغنج أذاب بعضاً من جليد غضبه: _ سونة متزعلش مني يا بيبي إني صارحتك بالحقيقة، أنا بقولك كدا علشان أثبتلك إن قلبي عليك، أنا هروح معاك بنفسي لدكتور شاطر يكشف عليك ويديلك مقويات تخليك تحس إنك في قمة عنفوانك معايا. تابعت دلالها وهي تضغط بجسدها عليه برقة مكملة: _ وصدقني أنت كل ما رجعت زي الأول وأحسن، كل ما شوفت مني اللي عمرك ما كنت تتخيله، ها يا سونة؟ هتيجي معايا للدكتور ولا هتاخد جنب وتزعل وتسيب المشكلة لحد ما تكبر وتضيع مننا أحلى أيام؟ صمت حسين، وظهرت علامات التفكير والتردد على وجهه؛ فكلماتها رغم قسوتها لامست خوفاً دفيناً لديه من العجز وضياع الهيبة، وحين استسلم لرغباته من جديد وحملها
وقفت هي في مكانها والدم يغلي في عروقها؛ إذ أدركت أن من قام بإرهابها وإهانتها بهذا الشكل ما هو إلا شاب يصغرها بعامين وصديق لشقيقها الأصغر، فتوعدته في سرها وهي تعود إلى مكتبها، وفجأة توقفت رقية وعيناها تلمع بخبث شيطاني، فمالت على جهاز المحادثات الداخلية (الإنتركم) الواصل بين مكتبها ومكتب جلال، وضغطت على زر الاستماع سراً، وأخذت تقرض أظافرها في ترقب، تتابع بصمت وأنفاس محبوسة حديث شادي مع شقيقها يامن، لعلها تمسك عليه ما يكسر تلك الهيبة الزائفة. وبداخل المكتب، كان الصمت سيد الموقف ليحظات، قبل أن يقطعه شادي وهو يراقب ملامح يامن المنهكة، وجلس يامن شارداً، يشعر بحزن يعتصر قلبه لهروب روفيدا للمرة الثانية، فحدق به شادي بحيرة وقلق، وحاول مداعبته لتخفيف حدة التوتر قائلاً: _ هتفضل قاعد ساكت كتير؟ ما تتكلم مالك يا يامن، إيه اللي مضايقك كدا؟ ما تخافش، أنا خلاص اتعلمت من "الحكيم" أيمن وهتلاقيني دلوقتي بفكر بعقله وبمنطقه. أطلق يامن زفرات ملتهبة وكأنه يحاول طرد ضيق صدره، ثم أغمض عينيه وقال بنبرة مثقلة بالهموم: _ أنا مش عارف مالي يا شادي، من وقت ما شوفت روفيدا من تاني وحالي متلغبط، خصوصاً إني حسيت من
شعر يامن بنشوة غريبة تتسلل إلى أعماقه؛ فلم يدرِ لِمَ أسعدته ارتعاشة صوتها المليئة بالشجن وهي تحدثه عن رقية؟ وتساءل في سريرة نفسه: هل صدق قلبه حين أخبره بأن تلك الرجفة ما هي إلا نيران غيرة تشتعل في صدرها؟ انتبه يامن لتحركها محاولةً الفرار من أمامه، فأسرع واعترض طريقها من جديد منعًا لذهابها، وقال بنبرة يملؤها الرجاء: _ روفيدا أرجوكي، أنا مينفعش أسيبك تمشي وأنتِ بالحالة دي، فلو سمحتي تعالي معايا المكتب و... هزت روفيدا رأسها برفض قاطع؛ فهي لن تقوى على مواجهة شقيقته مرة أخرى، ويكفيها ما تشعر به من اشتعال قلبها بتلك الغيرة وتألمها لضياعه من بين يديها، وقالت بصوت مخنوق: _ لا يا يامن، أنا مش هقدر أرجع معاك، أنا كان لازم أفهم إن معدش ليا مكان في حياتك، ومكنش مفروض فعلاً إني أظهر في حياتك تاني بعد ما استقرت مع غيري. احتدت نظرات يامن فجأة، واعتراه غضب مبهم من إصرارها المستمر على الهرب منه كلما حاصرها الحنين، فقبض على أصابعها بقوة تمنعها من الإفلات، وقال بصرامة: _ لو سمحتي بطلي شغل العيال ده وتعالي معايا! أنا محتاج أتكلم معاكي طالما الظروف سمحت إننا نتقابل من تاني، وبلاش تهربي، كفاية هروب لح
وصل شادي إلى مكتب جلال بخطوات واثقة، فوقع بصره على "رقية" وهي تنهمك بتركيز شديد في تزيين المكتب بالزهور، منغمسة في عالمها الخاص وكأنها في حديقة وليست في مقر عمل. وقف شادي يراقبها بابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيه، وهو يرى كيف تركت مهامها الوظيفية لتتفرغ لتنسيق الورود، ورأى في ذلك فرصة ذهبية لمباغتتها، فاقترب منها بهدوء ومال على أذنها قائلاً بنبرة تهكمية: _ والله عال يا آنسة! بقى سايبة شغلك وقاعدة تلعبي بالورد؟ أنا مش عارف إحنا هنا في شركة ولا في محل ورد! انتفضت رقية بذعر، والتفتت بسرعة لتجد شادي أمامها، فعقدت حاجبيها بغضب واعتدلت في وقفتها، ثم شبكت ساعديها أمام صدرها وأخذت تتفحصه من رأسه حتى قدميه بنظرات تقيمية ساخرة، وقالت بحدة: _ محدش قالك قبل كدا إن دمك تقيل؟ زم شادي شفتيه ببرود، ورفع إصبعه يلوحه أمام وجهها بحذر وقال: _ لسانك يا ماما، خلي بالك منه لأنه هيوديكي في داهية لو اتكلم أكتر من كدا! ضربت رقية الأرض بقدمها بنفاد صبر وصاحت بصوت مرتفع: _ واضح كدا إنك جاي تستظرف، ممكن أعرف سيادتك مين وعاوز إيه؟ تخطاها شادي بلا مبالاة واتجه مباشرة صوب مكتب جلال الخاص، فأسرعت رقية واعترضت ط







