LOGINجوليا
صمت المكتب بعد الثامنة مساءً كائن حي. يثقل على كتفي، يتسلل إلى رئتيّ، يحل محل الدم في عروقي بسائل جليدي وراكد. تحت ضوء مصباحي القاسي، وجهي في انعكاس الشاشة الأسود قناع من التعب. الهالات تحت عينيّ وديان بنفسجية حفرتها ليالٍ كهذه، بنظرات تخترق، بابتسامات يجب أن تحتمل.
التقرير. ثلاث سنوات من وجود شركة كونتي للصناعات مختصرة في أعمدة لا ترحم. أرباح، خسائر، توقعات. لورينزو طلب مقارنات سخيفة، تقاطعات بيانات لا معنى تشغيلي لها. هذا ليس عملاً. إنه مشنقة من ورق، وأنا الجلاد الذي يجب أن يتأكد من متانتها. إنه طقسنا: غضبه يرسم الدائرة، جمودي هو مركزها.
أغمض عينيّ، وهذا خطأ. فورًا، ذكرى الغداء تغمر الظلام خلف جفونيّ، أوضح، أكثر قسوة من الواقع.
في وقت سابق من اليوم. المقهى الصغير.
ضوء الظهيرة كان مرحًا جدًا. غمر القاعة، جعل الأواني الفضية تلمع، أعطى كل وجه مظهر صحة مصطنعة. رأيتها قبل أن تراني. كيارا، جالسة بجانب النافذة، متجهة نحو الشارع. كانت في وضعية السعداء، منحنية قليلاً إلى الأمام وكأنها تنتظر أن تأتيها السعادة من الشارع لتقبلها مجددًا.
حين رأتني، أضاء وجهها بابتسامة صافية جدًا، نقية جدًا، لدرجة أنها أوقفتني فجأة على عتبة الباب. ألم حاد، خاطف، اخترقني أسفل الأضلاع مباشرة.
— جوليا! هنا!
صوتها، كالجرس، عبر ضجيج المطعم. أجبرت نفسي على التقدم، عضلات وجهي مشدودة بالفعل في ما سيصبح ابتسامة خلال الساعتين التاليتين.
تعانقنا، خدّاً لخدّ. كانت تفوح بالليلك والسعادة.
— تبدين بحال جيدة، كذبت وهي تتفحصني، ظل قلق في عينيها الظبية. متعبة قليلاً، ربما. هذه الوظيفة الجديدة مرهقة لهذه الدرجة؟
— لا بأس، إنها محفزة، أجبت، الكلمات تخرج وحدها، جوفاء ومتفق عليها. وأنتِ؟ تشعين.
احمرّ خدّها، وردي رقيق يرتفع إلى وجنتيها. كان صحيحًا. كانت تشع. نور من الداخل، دافئ وذهبي، يحرق شبكيتيّ.
— لا أستطيع التوقف عن التفكير في الأمر، همست منحنية، وكأنها تشارك سر دولة. في كل شيء. الزهور، الموسيقى، الفستان... لورينزو صبور كالملاك، هل تتخيلين؟ يستمع لهذياني حول درجات البيض لساعات!
أخرجت من حقيبتها كيسًا من القماش واستخرجت منه برفق، كآثار، عدة عينات من الحرير. نشرتها على مفرش المائدة الأبيض، بين أكوابنا.
— انظري. هذه الساتان الدوقي. ثقيل جدًا، ألا ترين؟ وهذه، الموسلين الحريري. خفيف، ساحر... لكن بسيط جدًا. ثم هناك المفضل لدي.
أخذت مربعًا ثالثًا، وردي بودري بالكاد ملحوظ، كتنهيدة ملونة.
— الكريب الحريري. يمتص الضوء بطريقة... ناعمة. إنه حي. اختاره لورينزو معي. قال...
توقفت، عاطفة تعقد صوتها.
— قال إنه لون روحي. مرح وناعم. يريدني أن أمشي نحوه مرتديةً روحي الخاصة.
السكين الذي يخترقني منذ وصولي تغلغل أعمق، ببطء شديد. رفعت يديّ إلى فمي، متظاهرة بالسعال.
— هذه... جملة جميلة جدًا، تمكّنت من النطق.
— أليس كذلك؟ تنهدت، عيناها تلمعان بدموع السعادة. أحيانًا، جوليا، أقرص نفسي. هو، لورينزو كونتي، معي. إنه... غير متوقع جدًا. رائع جدًا. أنت تعرفينه جيدًا في العمل. ترين ذلك الجانب... الحازم، المقرر. لكن معي...
خفضت صوتها، نظرتها تاهت، وكأنها تحلم.
— معي، هو رجل آخر. منتبه. يستمع. يتذكر كل ما أقول. حتى التفاهات. أحيانًا، في المساء، حين نتناول العشاء، لديه تلك النظرة... البعيدة. وكأنه يتبع فكرة بعيدة جدًا، وراء الجدران. أسأله عما يحلم به، فيلتفت إليّ، وتلك الابتسامة... تعود، لكنها وكأنها تقطع رحلة طويلة لتعود إليّ. وحين يعود...
أغمضت عينيها، مستمتعة بالذكرى.
— حين يعود، وكأن الشمس تشرق لي وحدي. إنه مكثف. تقريبًا... مؤلم من السعادة.
كل كلمة مشرط. كل صورة رسمتها، يداه على يديها، ابتساماتهما المتشاركة، صمتهما المتواطئ، كانت مشهدًا من الحياة التي تخيلتها لنفسي. معه. الحياة التي ضحيت بها.
جاء النادل، قاطعًا العذاب. طلبت سلطة ملونة، مليئة بالحياة. أشرت بإصبعي إلى أول طبق في القائمة، دون أن أراه.
— وأنتِ، يا كبيرة؟ سألت بينما كانوا يأخذون عينات الحرير. شيء جديد في الأفق؟ رجل غامض وسيم ينسيكِ رئيسك العجوز المتذمر؟
الضحكة التي خرجت من فمي كان صوتها غريبًا، معدنيًا.
— لا، لا شيء. العمل يكفيني.
— لا يجب، تعلمين. ما زلتِ جميلة. تستحقين الكثير من السعادة.
وضعت يدها على يديّ. كانت بشرتها دافئة، مليئة بالحياة. بشرتي باردة، كالرخام.
— سعادتي أنا هي رؤيتك سعيدة، كيارا. حقًا.
---
جوليا أنظر إلى الخاتم في إصبعي. لا أستطيع منع نفسي. منذ أن مرره لورينزو في إصبعي، لا أتوقف عن النظر إليه. في كل مرة يضربه الضوء، يضيء، يتلألأ، يلقي نجومًا صغيرة على الجدران وعلى الأثاث. إنه ماس بسيط، نقي، بدون زخارف. لا علاقة له بالمجوهرات الباهظة التي كان يهديني إياها في الماضي، تلك القلادات الثقيلة جدًا، تلك الأساور المبهرجة جدًا، تلك الهدايا التي كانت علامات تملك أكثر مما كانت براهين حب. هذا الخاتم مختلف. إنه متحفظ، أنيق، حميمي. يقول أحبك بدون صراخ، أحترمك بدون فرض، أختارك بدون امتلاك. إنه على صورة الرجل الذي أصبح عليه. — إنه جميل، أقول للمرة العاشرة. نحن في الصالون، حل المساء، ستيلا نائمة. لورينزو جالس بجانبي على الأريكة، يمسك يدي في يده، ينظر إلى الخاتم هو أيضًا. — ليس بقدر جمالك. جوابه فوري، تلقائي، شبه انعكاسي. لكنه صادق. لا يسعى لتملقي، لإغوائي، لإبهاري. إنه يعتقد ذلك حقًا. — توقف، ستجعلني أحمر خجلاً. — هذا هو الهدف.
جوليابعد عام من ولادة ستيلا.عام. اثنا عشر شهرًا. ثلاثمئة وخمسة وستون يومًا. انساب الوقت كنهر، هادئ أحيانًا، عاصف أحيانًا أخرى، لكنه دائم الحركة. لم أكن لأصدق، قبل عام، أنني سأكون هنا اليوم. لم أكن لأصدق أنني أستطيع أن أكون سعيدة مجددًا. لم أكن لأصدق أنني أستطيع أن أحب بلا خوف. لم أكن لأصدق أننا، لورينزو وأنا، نستطيع أن نعيد بناء شيء ما على أنقاض ماضينا.ومع ذلك، ها نحن هنا.نحن على شرفة الشقة. إنها شرفة صغيرة، بل دقيقة، بالكاد تتسع لطاولة وكرسيين ومظلة. لكنها ركن الجنة خاصتنا، ملاذنا، فقاعتنا خارج العالم. وضعت فيها نباتات، ياسمين يتسلق الجدار، أواني من نبات الغرنوقي الأحمر المتوهج في الشمس. تفوح رائحة الربيع، الأرض المبتلة والأزهار المتفتحة.الطقس جميل اليوم. الشمس تشرق على ميلانو، الضوء ذهبي، الهواء عليل. تبدو المدينة كأنها تزينت للاحتفال بهذه الذكرى. ستيلا تلعب على الأرض فوق غطاء فرشته لها. عمرها الآن عام. عام كامل منذ أن وصلت إلى حياتنا، قلبت كل شيء، أنقذت كل شيء، أصلحت كل شيء دون أن تدري.إنها جالسة وسط مكعباتها ا
لورينزوفي جلسة، أنهار تماماً.إنها جلسة كالأخريات، ظاهرياً. نحن جالسان في مكتب الدكتور ماركيتي، جوليا وأنا، أمامه. نتحدث عن تلك الليلة، مرة أخرى. نتحدث عنها في كل جلسة، من زوايا مختلفة، وفي كل مرة يكون الألم هو نفسه، سليم، كجرح لا يلتئم.لكن اليوم، مختلف. اليوم، تحكي جوليا تفصيلاً لم أسمعه أبداً. تفصيلاً يخترقني كالنصل.— كنت خائفة جداً، تقول بصوت هادئ، شبه منفصل. في لحظة ما، اعتقدت حقاً أنك ستقتلني.كلماتها تطفو في هواء الغرفة، معلقة في الضوء المصفي. "كنت خائفة جداً". "اعتقدت أنك ستقتلني".— لم أكن لأقتلك، أحتج بضعف.— لم أكن أعرف ذلك، في تلك اللحظة. هل تفهم؟ لم أكن أعرف ذلك. لم أكن أعرف ما أنت قادر عليه. كنت ثملاً، غاضباً، خارج السيطرة. يداك كانتا حول عنقي. كنت تصرخ بإهانات لم أسمعها أبداً. لم أكن أعرف إلى أين ستذهب. لا أحد كان يعرف. ولا أنت، ربما.هذه الكلمات تعبرني كرصاصة. "لم أكن أعرف". "لم أكن أعرف ما أنت قادر عليه". هذا صحيح. لم تكن تعرف. ولا أنا، لم أكن أعرف. تلك الليلة، كنت قادراً على كل شيء.
جوليانبدأ علاجاً للأزواج.إنه قرار اتخذناه معاً، بعد مناقشته طويلاً. لورينزو يخضع لعلاج فردي منذ شهور، لكننا شعرنا أنه يجب أيضاً أن نتحدث معاً، أن نواجه معاً أشباح الماضي، أن نبني مستقبلاً على أسس سليمة.يقع مكتب الطبيب النفسي في وسط ميلانو، في مبنى قديم بنقوش متآكلة وباركيهات تصر. غرفة الانتظار صغيرة، بمقاعد بلاستيكية ومجلات عمرها عدة أشهر. غرفة الاستشارة أكثر دفئاً، بأريكة مريحة، نباتات خضراء، ضوء مصفى.الطبيب النفسي رجل في الخمسينيات من العمر، الشعر مشيب، العينان ناعمتان خلف نظارات بإطار رفيع. اسمه دكتور ماركيتي، ولديه ذلك الصوت الهادئ، الرزين، الذي يلهم الثقة. يستمع دون حكم، دون انحياز، دون أن يندهش من شيء. لا بد أنه سمع الكثير من القصص مثل قصتنا. ربما أسوأ. ربما أقل خطورة. لكنه لا يظهر ذلك.الجلسات الأولى صعبة. صعبة جداً.نتحدث عن تلك الليلة. عن الاغتصاب. عن الكلمات. عن الإيماءات. عن التفاصيل التي طمرتها لشهور والتي تصعد الآن إلى السطح، كجثث نخرجها من بحيرة متجمدة.— كنت في غرفة الفندق، أقول بصوت أبيض. دخ
لورينزوأنا صبور.أصبح هذا انضباطي، فني، ديني. دخل الصبر حياتي بقوة الأشياء، بضرورة إصلاح ما كنت قد دمرته. وشيئاً فشيئاً، أصبح طبيعة ثانية، طريقة للوجود في العالم، فلسفة.قبل، لم أكن أعرف ما هو الصبر. كنت أريد كل شيء، فوراً. النساء، المال، السلطة، النجاح. كنت آخذ، أمتلك، أستهلك. كنت أخلط بين السرعة والفعالية، بين نفاد الصبر والتصميم، بين العنف والشغف.الآن، أتعلم الانتظار.لا أجبر شيئاً. هذه هي القاعدة رقم واحد. لا أجبر جوليا على التحدث إلي عندما تحتاج إلى الصمت. لا أجبر جسدها عندما لا تكون مستعدة. لا أجبر قلبها عندما يكون لا يزال مغلقاً. أقترح، أقدم، أمد يدي. وأنتظر.لا أطلب شيئاً. هذه هي القاعدة رقم اثنان. لا أطلب حسابات، لا أطلب أدلة حب، لا أطلب اعترافاً. أعطي، دون انتظار مقابل. أحب، دون أن أطلب أن أكون محبوباً في المقابل. أنا هنا، دون أن أسأل كم من الوقت سيدوم هذا.أنتظر. هذه هي القاعدة رقم ثلاثة. أنتظر أن تعود الثقة، ببطء، بهشاشة، كنبتة تنمو في تربة قاحلة. أنتظر أن تتباعد الكوابيس، أن تتلاشى المخاوف، أن تف
جولياتمر الأيام. سعيدة. هادئة.لورينزو هنا، كل يوم، كل ليلة. ينام في سريري الآن، ليس على أريكة الصالون. يشاركني صباحاتي وأمسياتي، أفراحي وتعبي، ضحكاتي وصمتي. أصبح بديهية، وجوداً طبيعياً مثل الهواء الذي أتنفسه، لا غنى عنه مثل الماء الذي أشربه.تكبر ستيلا. تحقق تقدماً كل يوم. كلمات جديدة، إيماءات جديدة، اكتشافات جديدة. تمشي الآن، تكاد تركض، تستكشف العالم بفضول لا يشبع. ولورينزو هنا، عند كل مرحلة، فخور كالطاووس، مندهش كطفل.الأيام مليئة بسعادات صغيرة بسيطة. قهوة الصباح التي يعدها بالضبط كما أحبها. المشتريات التي نقوم بها معاً في سوق الحي. الوجبات التي نطهوها بأربعة أيد. حمامات ستيلا، قصص المساء، العناق على الأريكة أمام فيلم.نضحك كثيراً. نتحدث بشكل هائل. نعيد ممارسة الحب، بهدوء، بحنان، بشكل مختلف. كل إيماءة هي اكتشاف، كل مداعبة هي إعادة استيلاء، كل ليلة هي انتصار صغير على الماضي.لكن الشكوك تعود.تعود في الليل، خاصة. عندما يكون كل شيء هادئاً، عندما ينام لورينزو بجانبي، عندما يغلف الصمت الشقة. هناك تصعد الذكريات،







