LOGINRédaction
الحنين لم تكن أسماء تعرف ماذا يحدث داخل منزلها. فالرجل الذي عرفت عنه القسوة، والذي كان صوته وحده كافياً ليجعل الجميع يصمتون، أصبح يتغير بطريقة لم تستطع تفسيرها. كان عادل القادري يقاوم شيئاً في داخله. شيئاً بدأ يكبر كل يوم. كان الحنين إلى الأطفال يلاحقه منذ سنوات، لكنه اعتاد أن يخفيه خلف قسوته وكبريائه. لم يكن يسمح لأحد بأن يرى ضعفه، ولم يكن يعترف حتى لنفسه بأنه كان يتمنى أن يسمع يوماً كلمة "أبي". لكن وجود طفل أسماء في حياته حرّك شيئاً مدفوناً في أعماقه. في البداية، كان يقترب منه بحجة عابرة. — "هل أنهيت طعامك؟" ثم يتركه ويمضي. وبعد أيام، أصبح يجلس بجانبه أثناء اللعب، ثم بدأ يشتري له الألعاب والملابس دون أن تطلب أسماء منه شيئاً. وفي إحدى الليالي، استيقظت أسماء على صوت ضحكات خافتة. خرجت من غرفتها، فتوقفت فجأة. كان عادل جالساً على الأرض، والطفل بين ذراعيه، يضحك بينما يحاول عادل تقليد أصوات الحيوانات. لم تصدق ما تراه. الرجل الذي لم يكن يبتسم أمام أحد، كان يضحك من قلبه. لكن ما أثار خوفها أكثر هو الطريقة التي كان ينظر بها إلى الطفل. لم تكن نظرة رجل يعطف على طفل. كانت أعمق من ذلك. كانت نظرة شخص وجد شيئاً فقده منذ زمن طويل. قالت أسماء: — "عادل؟" رفع رأسه بسرعة. عاد وجهه جامداً في لحظة. — "ماذا تفعلين هنا؟" اقتربت منه أسماء وقالت: — "كنت أسمع ضحكاً… ولم أصدق أن مصدره أنت." عبس وقال: — "الطفل كان يريد اللعب." ابتسمت. — "وأنت؟" سكت. لم يجب. لكن الطفل مد يديه نحوه مرة أخرى، فحمله عادل دون تردد. تجمدت ابتسامة أسماء. شيء ما لم يكن طبيعياً. كانت تشعر بذلك. وفي اليوم التالي، بدأت تراقبه أكثر. لاحظت أنه يعرف تفاصيل لم تخبره بها. يعرف متى يشعر الطفل بالجوع. يعرف اللعبة التي يفضلها. يعرف كيف يهدئه عندما يبكي. بل إنه في إحدى المرات طلب من الخادمة شراء نوع معين من الملابس، وحين سألته أسماء كيف عرف مقاس الطفل، أجاب ببرود: — "لاحظته." لكن أسماء لم تقتنع. وفي تلك الليلة، بينما كان عادل نائماً، دخلت إلى مكتبه تبحث عن شيء لم تكن تعرف حتى ما هو. لم تكن تعرف لماذا قادها الشك إلى هناك. فتحت أحد الأدراج. وجدت أوراقاً قديمة. ثم توقفت يدها فجأة. كانت هناك صورة لطفل صغير. أمسكتها، وقلبها بدأ يخفق بعنف. قلبت الصورة. كان خلفها تاريخ قديم واسم مكتوب بخط عادل: "ابني..." تجمدت أسماء في مكانها. ابنه؟ لكن عادل أخبرها طوال الوقت أنه أرمل بلا أطفال! أعادت النظر إلى الصورة، ثم إلى الأوراق. وفي اللحظة التي همّت فيها بفتح الملف، جاء صوت خلفها: — "ماذا تفعلين في مكتبي؟" شهقت أسماء والتفتت. كان عادل واقفاً عند الباب. وجهه لم يكن غاضباً هذه المرة. كان مرعباً. نظر إلى الصورة في يدها، فتغيرت ملامحه. اقترب منها ببطء وانتزعها من يدها. — "من سمح لك بفتح هذا الدرج؟" ارتجف صوتها: — "من هو هذا الطفل؟" لم يجب. — "أنت قلت إنك لم تنجب أبداً!" رفع عادل عينيه إليها، وكان في نظرته ألم غريب لم تره أسماء من قبل. ثم قال بصوت منخفض: — "هناك أشياء في الماضي لا يجب أن تعرفيها." — "بل يجب أن أعرف!" اقترب منها أكثر. — "أسماء... لا تسأليني عن هذا الطفل." — "ولماذا؟" صمت للحظات. ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقها: — "لأن الحقيقة قد تكون أخطر مما تتخيلين." وقبل أن تستوعب كلماته، رن هاتف عادل. نظر إلى الشاشة. تغير وجهه بالكامل. كان المتصل رقماً مجهولاً. تردد قليلاً، ثم أجاب. لم يسمع الطرف الآخر، لكن أسماء رأت عادل يشحب. قال الرجل بصوت مرتجف: — "أنت متأكد أنه مات؟" ثم صمت. وبعد ثوانٍ، قال: — "ماذا قلت؟" توقف قلب أسماء تقريباً. أغلق عادل الهاتف، وبقي واقفاً دون حركة. سألته: — "ماذا حدث؟" نظر إليها. ثم إلى الطفل النائم في الغرفة المجاورة. وقال: — "الخبر الذي انتظرته عشرين سنة... وصل الليلة." اقتربت أسماء منه: — "أي خبر؟" لم يجب. لكن عينيه كانتا تقولان إن شيئاً من الماضي عاد ليطرق باب حياته. وفي تلك اللحظة، وصلته رسالة جديدة. فتحها. قرأها. ثم أسقط الهاتف من يده. اقتربت أسماء والتقطته. وكانت الرسالة قصيرة جداً: "الطفل الذي ظننته مات... ما زال حياً." رفعت أسماء عينيها بصدمة. ثم نظرت إلى الطفل. ثم إلى عادل. وفجأة، بدأ سؤال واحد يصرخ داخل عقلها: من يكون هذا الطفل بالنسبة إلى عادل؟ ولماذا كان عادل، منذ دخوله حياتها، يشعر نحوه بذلك الحنين الغريب؟ لكن ما لم تكن أسماء تعرفه بعد... أن السر لم يكن متعلقاً بعادل وحده. بل بها هي أيضاً.كان عادل يتحدث في الهاتف بصوت خافت، وكلما اقتربت منه أسماء كان يبتعد قليلًا، وكأنه يخشى أن تسمع شيئًا لا ينبغي لها سماعه. حاولت أن تتجاهل الأمر، لكن ذلك الابتعاد الصغير ظل عالقًا في ذهنها، يوقظ أسئلة لم تجد لها جوابًا.في البداية أقنعت أسماء نفسها بأن الأمر لا يعنيها. ربما كانت مكالمة من العمل، أو من أحد شركائه، أو مجرد حديث عابر. لكنها، كلما تذكرت نبرته المتحفظة، شعرت بانقباض خفيف في صدرها، كأن حدسها يرفض أن يطمئنها.وفي اليوم التالي، عندما التقت به في الشركة، لاحظت أنه كان شارد الذهن على غير عادته. كان حاضرًا بجسده، لكن ذهنه بدا بعيدًا عنها، منشغلًا بأمر لا تعرفه.راقبته أسماء من بعيد، ثم سألت أحد رجال عادل دون أن تظهر له شكوكها:— إلى أين سيذهب السيد عادل اليوم؟تردد الرجل للحظة، ثم أجاب:— حسب علمي، سيتوجه إلى المطار.— المطار؟ ولماذا؟— سيستقبل السيدة مروى الخالدي.توقفت أسماء عن الحركة، وشعرت بأن الاسم سقط في داخلها بثقل مفاجئ.مروى الخالدي!لم يكن الاسم غريبًا عليها. كانت قد سمعت عنه أكثر من مرة، بل كانت تعرف أن مروى صديقة قديمة لعائلة عادل، وأنها رافقته منذ أيام الإعدادي والثا
دخلت أسماء إلى مقرّ شركة القادري بخطوات هادئة وواثقة، تحمل ابنتها الصغيرة على كتفها. كانت الطفلة لم تتجاوز عامها الثاني بعد، وقد أسندت رأسها إلى كتف أمها في براءة، بينما كانت أسماء تمسك بها بحنان واضح.وما إن ظهرت عند مدخل الشركة حتى خيّم صمت قصير على المكان.توقفت بعض الموظفات عن العمل، وارتفعت أعينهن نحوها دون أن يشعرن. لم تكن أسماء مجرد امرأة دخلت إلى الشركة، بل كانت تحمل معها هيبة سيدة اعتادت أن تكون محط الأنظار أينما حلت.كانت في الخامسة والأربعين من عمرها، ومع ذلك احتفظت بجمال أخاذ وأناقة راقية جعلتها تبدو أصغر من سنها. كانت ترتدي لباسًا أنيقًا يليق بمكانتها، وشعرها مرتب بعناية، وملامحها تجمع بين الرقة والقوة.همست إحدى الموظفات لزميلتها:— هذه هي السيدة أسماء؟أجابتها الأخرى وهي تتابعها بعينيها:— نعم... زوجة السيد عادل القادري.ثم أضافت بصوت خافت:— ما زالت جميلة كما كانت... بل أصبحت أكثر هيبة.لم تكن قصة أسماء وعادل القادري عادية.فقد تزوجت أسماء وهي في الثامنة عشرة من عمرها، بينما كان عادل في الأربعين، أرملًا بلا أطفال. كانت فتاة صغيرة دخلت إلى حياة رجل عاش سنوات من الوحدة،
عاد السكون الجميل إلى قصر القادري، وكأن جدرانه العتيقة تنفست أخيرًا بعد سنوات طويلة من المحن والمصائب. اجتمع شمل العائلة من جديد، وعادت الابتسامات تملأ الوجوه، بعدما اجتمعت أسماء بابنتها وبفلذة كبدها، وعادت الحفيدة الصغيرة سمر لتكون مصدر فرح وسعادة للجميع.كانت أسماء تشعر بسعادة لا توصف وهي تنظر إلى حفيدتها الصغيرة بين أحضان أفراد العائلة. ظلت تتأمل وجهها البريء وتبتسم، وكأنها تريد أن تحفظ تلك اللحظة في قلبها إلى الأبد.وفي صباح اليوم التالي، قررت أسماء أن تقيم وليمة كبيرة على شرف حفيدتها الصغيرة سمر، وتجمع فيها جميع أفراد عائلة القادري، لتكون مناسبة للاحتفال بعودة المحبة والدفء إلى القصر.منذ الصباح، بدأت الحركة تدب في أرجاء القصر الكبير. امتلأت المطابخ برائحة الأطباق الشهية؛ فعبق الزعفران واللحم المتبّل والقرفة والنعناع الطازج امتزج في الهواء، وتسلّل إلى الممرات والغرف، حتى بدا القصر كله وكأنه يستعد لاستقبال فرحة طال انتظارها. أُعدت المائدة بأجمل ما يمكن، وفرشت الأغطية المطرزة، ولمعت الصحون والأكواب تحت ضوء الصباح. تنوعت الأطباق بين اللحوم والخضار والحلويات المغربية التقليدية، بينما
كان رعد يظن أن الشركة أصبحت في متناول يده، وأن الساعات القليلة القادمة ستمنحه السيطرة الكاملة على إمبراطورية عادل.جلس أمام عادل بثقة مصطنعة، وأخرج مجموعة من العقود والمستندات التي سلّمه إياها أخوه برق، ثم وضعها فوق الطاولة ببطء، وكأنه يضع أمامه حكمًا نهائيًا لا يمكن الطعن فيه.قال بلهجة حاسمة:— هذه الوثائق تثبت أن برق اشترى نصف الشركة والأسهم، وبموجبها أصبحت لي حصة كاملة فيها بصفتي شريكه.ساد الصمت للحظات. كان الصمت ثقيلًا إلى درجة أن رعد سمع صوت عقارب الساعة المعلقة على الجدار. أما عادل، فظل ينظر إلى الأوراق دون أن يبدو عليه أي خوف، وكأن ما أمامه لم يكن سوى مجموعة أوراق لا قيمة لها.ابتسم ابتسامة غامضة وقال:— أنت واثق جدًا من هذه الأوراق يا رعد؟أجابه رعد، وقد ارتفعت نبرة صوته:— لأنها تحمل التوقيعات والأختام. لا يمكنك إنكارها.ضحك عادل بهدوء، لكن ضحكته لم تحمل أي مرح، بل بدت كأنها إنذار أخير.— وتحمل أيضًا تاريخًا لم تعد فيه الشركة ملكًا لي وحدي.تغير وجه رعد فجأة.تابع عادل وهو يراقب ارتباكه:— قبل أن تبدأ أنت وبرق مخططكما، كنت قد قسمت ممتلكاتي وثروتي بين أبنائي وزوجتي. الشركة و
لم يكن أحد داخل قصر القادري يتوقع أن تنتهي تلك الليلة بتلك السرعة. بعد أن تمكن برق الشمال من الفرار، اختفى في الظلام كما ظهر تمامًا؛ رجلًا غامضًا، خطيرًا، لا يترك خلفه سوى الفوضى والخوف. كان قد أخذ معه العقود والمستندات التي كانت بالنسبة إلى عادل وأسماء أخطر من الذهب نفسه، لأنها كانت مرتبطة بمصير الشركة ومستقبل العائلة. بحثت الشرطة عنه في كل مكان، وأغلقت الطرق المؤدية إلى المدينة، لكن برق الشمال كان قد أعد طريق هروبه منذ وقت طويل. أما داخل القصر، فلم يكن أحد يفكر في شيء سوى أسماء. كانت أسماء قد أصيبت إصابة خطيرة أثناء المواجهة، وساءت حالتها بسرعة. لم ينتظر عادل طويلًا، فنقلها إلى أحد أكبر المستشفيات، حيث أخبره الأطباء بأنها تحتاج إلى عملية جراحية دقيقة وعاجلة. وقفت العائلة أمام غرفة العمليات في صمت ثقيل. كان عادل يمشي ذهابًا وإيابًا، ويداه ترتجفان رغم محاولته إخفاء خوفه. قال أحد أبنائه: — أبي، اطمئن... أسماء قوية وستتجاوز الأمر. رفع عادل عينيه إليه وقال بصوت متهدج: — أعرف أنها قوية، لكنني رأيتها بين يديّ تنزف... هذه الصورة لن تفارقني. مرت الساعات بطيئة وقاسية. و
لم يعد عادل يحتمل رؤية حفيدته وهي تذبل أمام عينيه.منذ اختفائها، كانت حالتها النفسية تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، بينما كانت والدتها غارقة في الانهيار، عاجزة عن التفكير أو حتى الوقوف طويلًا دون أن تنهار بالبكاء.جلس عادل في مكتبه ساعات طويلة يقلب الأوراق أمامه، حتى استقر نظره على مجموعة من العقود ومستندات الشركة.كانت تلك الأوراق تساوي ثروة.وكان يعلم جيدًا أن الرجل الذي اختطف حفيدته لا يريد المال وحده... بل يريد السيطرة.أغلق عادل الملف، ثم نهض.قال بصوت حاسم:— إذا كان يريد الشركة مقابل حفيدتي، فسأعطيه ما يريد.تقدمت أسماء نحوه فورًا.— ماذا ستفعل؟نظر إليها عادل للحظات، ثم أجاب:— سأعيد حفيدتي.هزت أسماء رأسها بسرعة.— لن تذهب وحدك.— أسماء، هذا الأمر خطير.— وأنا لن أسمح لك بالذهاب إلى رجل مثل برق الشمال بمفردك.حاول عادل الاعتراض، لكنه رأى الإصرار في عينيها، فعرف أنه لن يستطيع تغيير رأيها.بعد وقت قصير، كانت السيارة تشق طريقًا مهجورًا في أطراف المدينة.كان الليل قد أسدل ستاره، والضباب يغطي الطريق المؤدي إلى قصر قديم مهجور، تحيط به الأشجار من كل جانب.توقفت السيارة.ترجل عادل وأسماء







