Share

دخول الشركة

Author: مايا
last update publish date: 2026-08-17 05:28:38

لم يكن تعيين والد أسماء مديرًا جديدًا في إحدى أهم الشركات التابعة لعائلة زوجها قرارًا عاديًا، ولم يكن مجرد نتيجة طبيعية لعلاقته القديمة بالعم النافذ. كان وراء ذلك القرار شيء أكبر بكثير، شيء خفيّ يتسلل في الظلال، كأن هناك يدًا غير مرئية تدفع الأحداث نحو مسار لا يمكن التراجع عنه، لكن أسماء لم تكن ترى سوى القشرة الخارجية لما يحدث.

منذ اليوم الأول لدخوله الشركة، بدا والد أسماء مستمتعًا بمنصبه الجديد إلى حدٍّ مريب، يتجول بين المكاتب بثقة المنتصر وكأنه أصبح صاحب القرار الأول بلا منازع، بل تصرف وكأنه يعرف كل موظف فيها معرفة شخصية، يقيّمهم بنظرات حادة ويصدر أحكامه عليهم دون تردد، وكأن ملفاتهم مكشوفة أمامه منذ سنوات. ومع مرور الأيام، بدأ يتعامل مع الشركة وكأنها ملكه الخاص، حتى إنه اتخذ قرارات مفاجئة بفصل مجموعة من الموظفين بحجة ضعف الولاء أو التقصير، رغم أنهم كانوا من أكثر العاملين تفانيًا ومصداقية، وكأن هناك رسالة خفية يريد إيصالها للجميع: لا أحد آمن هنا بعد الآن.

هذا السلوك جعل الكثيرين يتهامسون في أروقة الشركة، أصوات خافتة تتصاعد ثم تختفي بسرعة كلما مرّ، لكن والد أسماء كان يزداد اقتناعًا بأنه الرجل المناسب في المكان المناسب، حتى وصل به الأمر إلى أن يتصرف كأنه المالك الفعلي للشركة لا مجرد مدير مؤقت، وكأن شيئًا داخله كان يدفعه إلى تجاوز حدوده دون خوف.

هذا الشعور المتضخم بالسيطرة انعكس حتى على أسماء نفسها، التي بدأت تشعر بأن وجود والدها في هذا المنصب قد يفتح لها أبوابًا جديدة، فاندفعت بشكل مفاجئ وطلبت من زوجها أن يلتحق بالعمل داخل الشركة أيضًا، وكأنها تحاول تثبيت وجود عائلتها داخل هذا الكيان القوي قبل أن يتغير كل شيء فجأة.

وفي الخفاء، كان السيد عادل قد بدأ يكتشف خيوطًا خطيرة تتعلق به وبالعم عاصم، خيوطًا لا تشبه الأخطاء العادية، بل تشبه شبكة محكمة تُنسج بصبر طويل، تهدف إلى إسقاط الشركات والتلاعب بالأسهم، بل وتزوير توقيع الجد للاستيلاء على قرارات مصيرية داخل العائلة، وكأن هناك حربًا صامتة تُدار منذ سنوات دون أن يشعر بها أحد.

وحين وصل الخبر إلى السيد عادل، كان في اجتماع مهم عندما دخل مساعده مسرعًا وكأن الأرض تشتعل تحت قدميه، ووضع أمامه ملفًا سميكًا.

قال المساعد بصوت متردد:

"سيدي... هناك أمر خطير ظهر هذا الصباح، شيء لم نره من قبل."

رفع عادل عينيه عن الأوراق ببطء، وكأن حدسه بدأ يلتقط الخطر قبل الكلمات:

"تحدث."

"والد أسماء... تم تعيينه رسميًا في منصب حساس داخل الشركة، لكن الطريقة التي تم بها التعيين غير طبيعية إطلاقًا."

ساد الصمت للحظات، صمت ثقيل كأنه يضغط على الجدران.

أغلق عادل الملف ببطء ثم قال ببرود حاد يخفي خلفه توترًا متصاعدًا:

"هذا ليس ما يهمني... من يقف خلفه؟"

أجابه المساعد بعد تردد:

"العم عاصم... وهناك إشارات واضحة لتواطؤ بينهما، وكأن الأمر كان مُعدًا مسبقًا."

اشتدت ملامح عادل، وارتسمت في عينيه نظرة رجل بدأ يرى الصورة كاملة لأول مرة.

"إذن بدأ اللعب الحقيقي... ولم يعد هناك مجال للخطأ."

لكن المفاجأة لم تكن في المنصب، بل في ما اكتشفه عادل لاحقًا من تقارير سرية متراكمة: تحركات مالية مشبوهة تتم في الظل، وأوامر تحويل غير منطقية، ومحاولات منظمة لزعزعة أسعار الأسهم في توقيتات دقيقة، وأوراق تحمل توقيعات مزورة باسم الجد، وكأن الماضي نفسه يُعاد كتابته بالقوة.

كان واضحًا أن هناك خطة تُدار في الخفاء بدقة مرعبة، وأن والد أسماء، رغم استمتاعه بمكانته الجديدة، لم يكن يدرك أنه مجرد قطعة صغيرة في لعبة أكبر بكثير، لعبة لا ترحم من يدخلها دون وعي.

وفي المساء، عاد عادل إلى القصر وهو أكثر حذرًا من أي وقت مضى، خطواته بطيئة لكن ذهنه يعمل بسرعة جنونية، ولم يخبر أسماء بشيء. كان عليه أن يجمع الأدلة أولًا، وأن يفهم من يحرك الخيوط قبل أن يواجه أي أحد.

اقتربت منه أسماء وسألته بقلق:

"ما بك؟ تبدو منشغلًا جدًا وكأن شيئًا خطيرًا يحدث."

نظر إليها طويلًا، نظرة تحمل صراعًا داخليًا، قبل أن يقول بهدوء محسوب:

"هل لاحظتِ أي شيء غريب في تصرفات والدك مؤخرًا؟"

ارتبكت أسماء فورًا، وكأن السؤال أصاب شيئًا حساسًا داخلها.

"لا... لماذا تسأل؟ هل هناك مشكلة؟"

لم يجبها، بل اكتفى بالصمت، وكأن الإجابة أخطر من أن تُقال.

وفي تلك اللحظة، رن هاتفه فجأة، صوت الرنين بدا كإنذار غير مرحب به.

كان الاتصال من موظف قديم في قسم الأرشيف، قال بصوت خافت وكأنه يخشى أن يُسمع:

"سيدي... وجدت مستندات تثبت وجود تلاعب قديم في توقيع الجد، لكن الأمر أعمق مما نتخيل."

تجمد عادل في مكانه.

"تلاعب؟"

"نعم... وهناك أسماء متورطة، بينها اسم العم عاصم، وربما أكثر من ذلك بكثير."

أغلق عادل الهاتف ببطء، وقد اتضحت الصورة أمامه أكثر، لكنها لم تعد صورة عادية، بل لوحة مظلمة تتكشف طبقاتها واحدة تلو الأخرى.

وفي صباح اليوم التالي، توجه إلى الشركة، ليكتشف أن والد أسماء ما زال غارقًا في نشوة منصبه، يتصرف كأنه المالك الحقيقي، يصدر القرارات ويعيد تشكيل الإدارة وفق رؤيته، بينما الحقيقة كانت تقترب منه بخطوات صامتة لكنها قاتلة.

لكن الصدمة الأكبر لم تكن قد ظهرت بعد...

فما كان يُحاك في الخفاء لم يكن مجرد إسقاط شركة، بل إسقاط عائلة كاملة من الداخل، عبر خيانة مدروسة وتوقيعات مزورة ستقلب كل الموازين، وتفتح بابًا لن يُغلق بسهولة.

وفي تلك اللحظة، كان السيد عادل قد قرر أن الحرب الحقيقية قد بدأت بالفعل، وأن كشف الحقيقة لن يرحم أحدًا، وأن كل من شارك في هذه اللعبة سيدفع الثمن مهما طال الزمن.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قانون الغابة    ابتعاد مؤقت

    Rédactionتمكنت أسماء أخيرًا من إبعاد والدها، ولو بصورة مؤقتة، عن إدارة الشركة الرئيسية، بعد فترة طويلة شعرت خلالها بأن وجوده المستمر في العمل يزيد الأجواء توترًا ويجعل كل قرار يتحول إلى مواجهة جديدة. لم يكن الأمر بالنسبة إليها مجرد انتصار عابر، بل كان خطوة ضرورية حتى تستعيد الشركة بعض هدوئها، وتتمكن هي من ترتيب الأمور بعيدًا عن الضغوط التي ظلت تلاحقها داخل أروقة العمل.ومع انتهاء هذه المرحلة، اتخذت أسماء قرارًا لم يتوقعه كثيرون. فقد تركت العمل وعادت إلى القصر، مؤكدة لنفسها أنها لا تفضل أجواء الشركة مهما كانت الظروف. كانت تدرك أن مسؤولياتها هناك كثيرة، وأن وجودها في الإدارة قد يكون مهمًا، لكنها لم تعد تجد في الاجتماعات الطويلة والمشاحنات اليومية شيئًا من الراحة التي تبحث عنها.عندما دخلت أسماء القصر، شعرت وكأنها تترك خلفها عالمًا كاملًا من التوتر. كان المكان أكثر هدوءًا، والوجوه التي تستقبلها أكثر قربًا إلى قلبها. لم تكن بحاجة إلى أوراق أو ملفات أو اجتماعات، بل كانت بحاجة إلى الجلوس مع أولادها وأحفادها، والاستمتاع بتلك التفاصيل الصغيرة التي افتقدتها طوال فترة انشغالها بالشركة.جلست في

  • قانون الغابة    محاولة فصل والد اسماء

    Rédactionكان والد أسماء رجلاً غريب الأطوار، حادّ الطباع، فظّ الكلام، لا يعرف للمجاملة طريقاً ولا يعبأ بمشاعر من حوله. منذ اليوم الأول الذي وطئت فيه قدماه الشركة، شعر الموظفون بأن شيئاً ثقيلاً حلّ فوق رؤوسهم. لم يكن أحد يرحب بوجوده، بل صار حضوره مرتبطاً بالصمت والقلق والشكوى.كان يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، يرفع صوته على الموظفين، ويعامل بعضهم وكأنهم أقل قيمة منه. أما الضعفاء، فقد وجد فيهم فرصة سهلة ليستولي على حقوقهم أو ينتزع منهم ما يستطيع. شيئاً فشيئاً، تغيرت أجواء الشركة. لم تعد مكاناً للعمل والتعاون، بل تحولت إلى غابة حقيقية، لا يبقى فيها إلا الأقوى، ومن لا يملك القوة كان عليه أن يخضع.كانت أسماء تسمع الشكاوى باستمرار.كلما دخل عليها موظف، كان يبدأ حديثه بجملة واحدة:— «يا آنسة أسماء، لم نعد نستطيع تحمّل والدك.»كانت تشعر بالحرج والألم في آن واحد. تعرف أن والدها مخطئ، لكنها لم تكن قادرة على تجاهل حقيقة أنه والدها في نهاية المطاف. حاولت أكثر من مرة أن تتحدث معه بهدوء، وأن تشرح له أن الشركة ليست ملكاً شخصياً له، وأن الموظفين لهم حقوق وكرامة يجب احترامها.لكنه كان يضحك ساخراً.— «الضع

  • قانون الغابة    دخول الشركة

    لم يكن تعيين والد أسماء مديرًا جديدًا في إحدى أهم الشركات التابعة لعائلة زوجها قرارًا عاديًا، ولم يكن مجرد نتيجة طبيعية لعلاقته القديمة بالعم النافذ. كان وراء ذلك القرار شيء أكبر بكثير، شيء خفيّ يتسلل في الظلال، كأن هناك يدًا غير مرئية تدفع الأحداث نحو مسار لا يمكن التراجع عنه، لكن أسماء لم تكن ترى سوى القشرة الخارجية لما يحدث.منذ اليوم الأول لدخوله الشركة، بدا والد أسماء مستمتعًا بمنصبه الجديد إلى حدٍّ مريب، يتجول بين المكاتب بثقة المنتصر وكأنه أصبح صاحب القرار الأول بلا منازع، بل تصرف وكأنه يعرف كل موظف فيها معرفة شخصية، يقيّمهم بنظرات حادة ويصدر أحكامه عليهم دون تردد، وكأن ملفاتهم مكشوفة أمامه منذ سنوات. ومع مرور الأيام، بدأ يتعامل مع الشركة وكأنها ملكه الخاص، حتى إنه اتخذ قرارات مفاجئة بفصل مجموعة من الموظفين بحجة ضعف الولاء أو التقصير، رغم أنهم كانوا من أكثر العاملين تفانيًا ومصداقية، وكأن هناك رسالة خفية يريد إيصالها للجميع: لا أحد آمن هنا بعد الآن.هذا السلوك جعل الكثيرين يتهامسون في أروقة الشركة، أصوات خافتة تتصاعد ثم تختفي بسرعة كلما مرّ، لكن والد أسماء كان يزداد اقتناعًا بأ

  • قانون الغابة    مؤامرة

    لم يكن تعيين والد أسماء مديرًا جديدًا في إحدى أهم الشركات التابعة لعائلة زوجها قرارًا عاديًا، ولم يكن مجرد نتيجة طبيعية لعلاقته القديمة بالعم النافذ. كان وراء ذلك القرار شيء أكبر بكثير، شيء لم تكن أسماء تعرف عنه شيئًا.منذ اليوم الأول لدخوله الشركة، لاحظ الموظفون تغيرًا غريبًا في الأجواء. فقد بدأ والد أسماء يتصرف بثقة مفرطة، وكأنه لا يخشى أحدًا، حتى إن بعض المديرين القدامى شعروا بأنه جاء وفي يده صلاحيات تتجاوز منصبه.وحين وصل الخبر إلى السيد عادل، كان في اجتماع مهم عندما دخل مساعده مسرعًا ووضع أمامه ملفًا.قال المساعد بصوت متردد:"سيدي... هناك قرار صدر هذا الصباح."رفع عادل عينيه عن الأوراق:"أي قرار؟""تعيين والد أسماء مديرًا عامًا للشركة الفرعية."ساد الصمت.حدق عادل في الملف طويلًا، ثم قال ببرود:"ومن أصدر القرار؟"أجابه المساعد:"العم... بحكم نسبة الأسهم التي يملكها."ضرب عادل بيده على الطاولة."ومن سمح له بأن يتخذ قرارًا كهذا دون الرجوع إليّ؟"لكن المفاجأة لم تكن في التعيين نفسه، بل في الأوراق المرفقة بالقرار. فقد اكتشف عادل أن والد أسماء حصل على صلاحيات مالية وإدارية واسعة جدًا،

  • قانون الغابة    الاب الطماع

    لم يكن أحد يتوقع أن يظهر عدو جديد من داخل ماضي أسماء نفسه. فبعد سقوط شيماء ودخولها السجن، ظن الجميع أن الكابوس انتهى، وأن العائلة تستطيع أخيراً أن تستعيد أنفاسها. لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة؛ فشيماء لم تكن سوى واجهة، أما اليد التي كانت تحرك الخيوط من خلف الكواليس فلم تكن غريبة عن أسماء.كان والدها.الرجل الذي قطعت أسماء صلتها به منذ سنوات، بعدما أدركت أن مشاعره تجاهها لم تكن مشاعر أب حقيقي، بل حسابات باردة ومصالح لا تنتهي.كان يعتقد أن ابنته يمكن أن تكون مفتاحاً للثروة.فمن خلال زواجها ونسبها إلى عائلة القادري، كان يحلم بأن يجد لنفسه مكاناً بين أصحاب النفوذ والمال. لم يكن يرى في أسماء ابنة تحتاج إلى الحب والحماية، بل كان يراها جسراً يعبر به من الفقر إلى الثراء.لكن أسماء رفضت أن تكون تلك الأداة.وعندما واجهته بحقيقته، قطعت علاقتها به، وتركت خلفها أباً لم يتقبل هزيمته أبداً.مرت السنوات، ثم جاءت الضربة التي جعلته أكثر حقداً.أفلست شركته.انهارت مشاريعه الواحد تلو الآخر، تراكمت الديون فوق رأسه، واضطر إلى بيع ممتلكاته، حتى وجد نفسه يعيش في فقر مدقع بعدما كان يحلم بالثراء.وفي كل ليلة، كان

  • قانون الغابة    الرأس المدبر

    Rédactionلم تكن نهاية شيماء داخل القصر كما توقعت. فبعد أن انكشفت ألاعيبها، وظهرت الأوراق المزورة والتوقيعات المشبوهة والختم الذي استعملته لتحقيق أطماعها، لم يعد أمامها أي مخرج. واجهتها أسماء بالحقيقة، وتوالت الشهادات والأدلة حتى سقط القناع الذي ارتدته طويلاً.حاولت شيماء الإنكار، ثم بدأت بالصراخ واتهام الآخرين بالتآمر عليها، لكنها وجدت نفسها محاصرة بالأدلة. وبعد التحقيق، صدر القرار بإيداعها السجن ريثما تستكمل القضية.كان الجميع يظن أن سقوط شيماء يعني نهاية المؤامرة، وأن الأسرة ستستعيد أخيراً هدوءها وحقوقها. لكن عادل لم يكن مقتنعاً.قال وهو ينظر إلى الأوراق أمامه: "شيماء كانت طماعة ومخادعة، نعم... لكنها لم تكن تملك وحدها كل هذه المعرفة."رفعت أسماء رأسها باستغراب."ماذا تقصد؟"أجاب: "من زوّدها بالمعلومات؟ من كان يعرف تفاصيل أملاك العائلة، والوثائق القديمة، وأماكن حفظها؟ ومن كان يعرف نقاط ضعف كل فرد في هذه الأسرة؟"ساد الصمت.وفي تلك اللحظة، ظهر دليل صغير قلب كل شيء.كان أحد الاتصالات القديمة التي أجرتها شيماء قبل أيام من انكشافها. رقم مجهول، لكنه لم يكن مجهولاً بالنسبة لأسماء.تغير لو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status