로그인استدار آدم بخطوات ثقيلة ومتوترة، متجهًا نحو صالون الاستقبال حيث تركت الطفلة نايمة هناك. حمل ميلا برفق بين ذراعيه، وعاد بها إلى غرفة النوم، ليوضعها بحذر على السرير بجانب إيلا التي كانت قد أدارت ظهرها لهما متمسكة بصمتها الجليدي. وما إن استقر آدم واقفًا بجانب السرير، حتى فاض به الكيل. لم يصرخ، ولم يعلِ صوته، بل كان هدوؤه أشبه بعاصفة تسبق الموت؛ هدوء ثقيل وبارد يقطر خطراً. انحنى ببطء نحوها، وبصوت منخفض، أجش، ومقيد بأعصاب كادت تنفجر، قال بكلمات معدودة: "إيلا... كفاكِ هرباً. تحدثي... ما هذا كله؟" التفتت إيلا نحوه ببطء، وعيناها ممتلئتان بالدموع والوجع، لتنفجر بصوت مبحوح ومرتجف: "عن أي حديث تسأل يا آدم؟! ألا تكفي مهزلة الليلة؟! تجاهلك لي، نظراتك، وحتى أخذك رقم تلك الفتاة أمامي بحجة العمل! الجميع يعلم أنني أصبحت سمينة وثقيلة... وأنت أولهم!" تجمّد آدم مكانه. لم تتحرك عضلة واحدة في وجهه للوهلة الأولى، لكن النار التي اشتعلت في عينيه كانت كفيلة بحرق الغرفة بأسرها. تناثرت دماءه في عروقه كالبركان المظلم؛
ظل الطريق طويلاً وصامتاً كالمقبرة. لم يطق أحدهما نطق حرف واحد؛ إيلا كانت تحبس دمعاتها ومرارتها في صدرها طوال المسير، غارقة في هواجسها المظلمة، بينما كان آدم يشتعل غضباً وحيرة من صمتها الثقيل، غير قادر على فك شفرة ما يدور في ذهنها. وما إن توقفت السيارة أمام المنزل وصعدا إلى شقتهما، حتى توجهت إيلا بخطوات سريعة ومترنحة نحو غرفة النوم. تخلت عن فستان الحفل الضيق، وارتدت بيجاما قصيرة وضيقة للغاية تلتصق بجسدها كجلد ثانٍ، ثم وقفت أمام مرآة طاولة الزينة تتأمل انعكاسها بتمعن؛ فالقماش الضيق كان يفضح كل تفصيلة، حيث تركز الامتلاء بوضوح طاغٍ وفاتن في صدرها ومؤخرتها، لكنها، وفي قمة عمى بصيرتها وغرقتها في جلد الذات، كانت تنظر إلى تلك التضاريس بنظرات مشككة ومنكسرة، مقنعة نفسها بأنها تحولت إلى امرأة سمينة وثقيلة الوزن، وبأن هذا التغيير هو ما جعل تصرفات آدم طوال الليلة تتسم بالتوتر والهرب. انساحت دمعة حارقة على وجنتها بصمت، وألقت نظرة أخيرة مليئة بالقهر على انعكاسها، وهمست لنفسها بصوت مبحوح ومرتجف: "أنا حقاً أصبحت سمينة..." وفي تلك اللحظة بالضبط، فتح آدم باب الغرفة بهدوء ودخل، متتبعاً أثرها ومصمماً
وسط هذا الضغط الهائل، وبينما كان آدم يحاول كبح ثورته الداخلية حتى لا ينفجر بالجميع، شقّ صوت ناعم ومألوف الصخب الدائر حولهما، ليهتف بابتسامة متكلفة تتظاهر باللطف الزائف:"آدم؟! يا للصدفة! لم أكن أتوقع أبداً أن أراك هنا!"التفت آدم ببطء، لتتجمد عيناه على فتاة ترتدي فستاناً ساهراً صارخاً؛ إنها "لينا"، زميلته القديمة أيام الجامعة. كانت تقترب منهما بخطوات مدروسة، مرتدية قناعاً براقاً من اللطف المصطنع والترحيب المبالغ فيه، وعيناها تجولان في وجهه بتلميحات دلال لم تكن خافية على أحد.فتحت إيلا عينيها على وسعهما بذهول وصدمة مباغتة، وهي ترى هذه الفتاة الغريبة تتحدث إلى زوجها بهذه الجرأة والدلال العلني، مما زاد من اضطرابها وتوترها في تلك اللحظة.وما إن استقرت نظرات لينا على إيلا، حتى مسحتها بنظرة فاحصة ومبطنة من رأسها حتى قدميها، متوقفة بذكاء وخبث عند الفستان الضيق وقوامها الممتلئ بفعل الحمل، لتعود وتخفي سخريتها خلف ابتسامة متسعة ومصطنعة بالكامل، قائلة بنبرة تقطر عذوبة كاذبة:"يا له من لقاء جميل! لم أعرف أبداً أنك أصبحت عائلياً إلى هذا الحد يا آدم... مبارك لك، لم أكن أعرف أن ذوقك قد أخذ هذا المنع
كانت أجواء الحفل صاخبة ومفعمة بالموسيقى والأضواء الملونة، لكن شيئاً من هذا الصخب لم يجد طريقه إلى محيطهما الضيق. بقيت إيلا واقفة بجانب آدم قرب إحدى الطاولات الجانبية، تشعر بأن كل عيون الحاضرين موجهة نحوها، أو بالأحرى نحو ذلك الفستان الذي بات يشكل عبئاً ثقيلاً على أعصابها بسبب ضيقه ووضوحه. التفت آدم برأسه ليرصد نظرات أحد المعارف الجالسين على الطاولة القريبة، والذي كان يطيل النظر نحوهما بابتسامة مجاملة، فلاحظ كيف امتدت تلك النظرات لتستقر على إيلا. تجمّدت ملامح آدم تماماً، واشتعلت عيناه بنظرة داكنة ومظلمة، وشعر بكتفيه يشدان من شدة الغيظ والغيرة الذكورية التي تكاد تخرج عن سيطرته. مال برأسه نحوها قليلاً، وبصوت منخفض وخشن كفحيح الأفعى، همس في أذنها بحدة محذرة: "الجميع هنا يبدو وكأنهم نسوا أسباب مجيئهم للحفل... اجمعي أطراف شالكِ جيداً، ولا تنظري حولك كثيراً." توترت إيلا أكثر من نبرته الحادة، وابتلعت ريقها بصعوبة، لتشعر برغبة عارمة في مغادرة المكان فوراً. لكن قبل أن تتمكن من الرد، اقترب منهما أحد أصدقاء آدم القدامى يتبادل معه التحية، وما إن وجّه نظره نحو إيلا للسلام حتى بادرها بابتسام
مع أول خيوط النور التي تسللت عبر الستائر، بدأ آدم يستعيد وعيه ببطء. فتح عينيه المعبأتين بالتعب، ليجد نفسه في وضع أربكه تماماً؛ رأسه مستقر بعمق على صدر إيلا، ويداه تحيطان بها بينما كانت هي مسجونة بين ذراعيه وتحبس أنفاسها بصمت مطبق. نهض بسرعة مباغتة وكأن تياراً كهربائياً لسعه، وبدت على محياه ملامح الذهول وهو يرمش غير مصدق كيف انتهى به المطاف هكذا. في المقابل، كانت إيلا متلبكة لأقصى درجة، تشتت عينيها هرباً من نظراته ووجهها يشتعل بحمرة واضحة. وقف آدم بصمت، ودون أن ينطق بكلمة تفسير واحدة، غادر الغرفة بخطوات سريعة ومضطربة. مرت ساعات النهار بسرعة، وجاء المساء محملاً بصخب تحضيرات حفل زفاف لعائلة يعرفونها جيداً. في غرفة الطابق العلوي، كانت إيلا تقف أمام المرآة تطالع انعكاسها بعد أن انتهت من ارتداء فستان أنيق لحفل الزفاف. وبفعل امتلاء الحمل، كانت أماكن أنوثتها قد امتلأت بشكل واضح، مما جعل الفستان يبدو ضيقاً ومفصلاً بشكل لافت ومحرج في تلك الأماكن أكثر مما اعتادت عليه، وأتمت إطلالتها بحذاء بكعب عالٍ زاد من أناقة وقفة جسمها. وما إن انتهت حتى انفتح الباب، ووقف آدم على العتبة ببدلته الرسمية.
في عتمة الغرفة المجاورة، كانت أنفاسه الحارقة تضرب وجهها مباشرة قبل أن تدرك هوية الشخص حتى. لم يكن سوى آدم، الذي استغل ظلمة المكان ليوقعها في شباكه، محاصراً إياها برفق بين جسده الصلب وجدار الحائط البارد. حاولت إيلا التقاط أنفاسها المرتجفة، وبعيون متسعة في الظلام، رمقته بنظرة مليئة بالذهول والارتباك. رفعت يديها المرعشتين لتستند بهما على صدره، وهمست بصوت مبحوح ومهتز: "آدم... ماذا تفعل هنا؟!" لم يبدُ عليه أي توتر أو عجلة؛ بل ظلّ ينظر إليها بهدوء بالغ في عتمة المكان، وبنبرة عادية وبسيطة للغاية كأن شيئاً لم يكن، سألها بصوت خفيض: "نامت ميلا؟" رمشت إيلا بعينيها عدة مرات غير مصدقة بروده المفاجئ وقدرته على التحول من تلك اللحظة الحميمة إلى هذه الدرجة من الهدوء، فأجابت بصوت خافت ومتقطع وهي تكاد لا تصدق أذنيها: "أ... أجل..." أومأ برأسه بهدوء وهو يتأمل وجهها المشتعل في الخجل، وقال بكل ببساطة: "حسناً." ثم تحرك بخطوات هادئة ليترك لها مساحة، ويدعها تقف وحيدة في العتمة تحاول استيعاب ما يجري، بينما غادر الغرفة بكل سلاسة متوجهاً للخارج، تاركاً إياها تقف مذهولة أمام هذا الرجل الذي يتقن بعثرة حواس







