Share

6- ذكرى

Author: Hope49
last update publish date: 2026-07-12 06:38:00

منذ الصباح…

كان هناك شيء مختلف في آدم.

لم تستطع إيلا أن تضع يدها عليه.

لكنه كان واضحًا.

استيقظ قبلها كعادته.

إلا أنه لم يُعد القهوة.

ولم يفتح حاسوبه المحمول.

كان يقف أمام نافذة غرفة المعيشة، يحدق في المدينة الصامتة بينما تتسلل أشعة الصباح الأولى بين المباني.

توقفت عند باب الغرفة.

راقبته للحظات.

لم يتحرك.

وكأنه لم يشعر بوجودها.

اقتربت منه بهدوء.

“صباح الخير.”

التفت إليها ببطء.

بدت عيناه مرهقتين، وكأن النوم لم يزره طوال الليل.

“صباح الخير.”

ابتسمت محاولة كسر ذلك الصمت الغريب.

“هل نمت جيدًا؟”

هز رأسه هزة خفيفة.

“لا بأس.”

لكنها أدركت من صوته…

أن كل شيء لم يكن على ما يرام.

مرّ النهار ببطء.

انشغلت إيلا في عملها.

لكنها وجدت نفسها تفكر به أكثر من مرة.

كانت تلتقط هاتفها كل فترة.

تتساءل إن كان قد أرسل رسالة.

ثم تعيده إلى مكانه.

لم يصل شيء.

أما آدم…

فكان في مكتبه.

الملفات أمامه.

والاجتماعات تتوالى.

لكنه لم يكن حاضرًا بالكامل.

أعاد قراءة السطر نفسه أكثر من مرة.

حتى دخل كيفين وهو يحمل بعض المخططات.

توقف أمام المكتب.

نظر إليه طويلًا.

“أنت هنا… لكن عقلك في مكان آخر.”

رفع آدم رأسه.

“أنهِ ما عندك.”

تنهد كيفين.

ووضع الملفات أمامه.

“اليوم…”

تردد قليلًا.

“…أليس كذلك؟”

ساد الصمت.

لم يجب آدم.

لكنه لم ينكر.

اكتفى بإغلاق الملف.

ونهض من مكانه.

“سأخرج ساعة.”

لم يسأله كيفين إلى أين.

كان يعرف.

مع اقتراب المساء…

توجه آدم إلى منزل والده، توماس.

فتح له الباب قبل أن يطرق.

نظر إليه الرجل بعينين امتلأتا بالشفقة.

ثم احتضنه بصمت.

ولم ينطق أيٌّ منهما بكلمة.

…

حين غادر بعد ساعات…

كان الليل قد أرخى ستاره.

قاد سيارته دون أن يشغل المذياع.

ودون أن يدرك كم مضى من الوقت.

كانت إيلا ما تزال مستيقظة.

جلست في غرفة المعيشة، والكتاب مفتوح بين يديها.

لكنها لم تقرأ صفحة واحدة.

ما إن سمعت صوت المفتاح يدور داخل القفل…

حتى نهضت.

دخل آدم ببطء.

أغلق الباب خلفه.

خلع معطفه.

ووضع المفاتيح فوق الطاولة.

رفع رأسه.

التقت عيناه بعينيها.

توقفت إيلا مكانها.

لم يكن الإرهاق وحده ما ظهر على وجهه.

كان يبدو…

مكسورًا.

اقتربت منه بحذر.

“آدم…”

لم يجب.

“هل حدث شيء؟”

ظل ينظر إليها.

بصمت طويل.

كأن الكلمات تاهت منه.

ازدادت قلقًا.

اقتربت خطوة أخرى.

ثم رفعت يدها ولمست ساعده برفق.

“أنت تقلقني.”

في اللحظة التالية…

شدها إليه دون سابق إنذار.

اتسعت عيناها دهشة.

لكنها لم تقاوم.

كان عناقه مختلفًا.

قويًا…

وطويلًا…

وكأنه يتمسك بها بكل ما بقي لديه من قوة.

شعرت بأنفاسه المضطربة.

وبنبضات قلبه السريعة.

مرت ثوانٍ…

ثم دقائق.

وهو لم يبتعد.

رفعت ذراعيها ببطء.

وأحاطت ظهره.

ثم بدأت تمرر أصابعها بين خصلات شعره الأسود برفق.

كما لو أنها تحاول تهدئة طفل أنهكه البكاء.

أغمض آدم عينيه.

ولأول مرة…

سمح لنفسه أن يستريح.

همست بالقرب من أذنه:

“أنا هنا…”

ارتخت كتفاه قليلًا.

وبقي صامتًا.

بعد لحظات…

ابتعد عنها ببطء.

لكن يديه بقيتا تحيطان بها.

رفع كفه.

وأبعد خصلة من شعرها خلف أذنها.

كانت عيناه تدرسان ملامحها وكأنه يراها للمرة الأولى.

ابتسمت له ابتسامة صغيرة.

امتزج فيها القلق والحنان.

“لا تحمل كل شيء وحدك.”

لم يجب.

اقترب أكثر.

وطبع قبلة هادئة على جبينها.

أغمضت إيلا عينيها.

شعرت بدفء تلك القبلة يسري في قلبها قبل جبينها.

وحين فتحت عينيها…

كان لا يزال قريبًا.

إلى درجة أنها استطاعت أن تسمع أنفاسه.

تلاقت نظراتهما.

ولم يهرب هذه المرة.

مال ببطء.

ولامست شفتاه شفتيها في قبلة رقيقة…

هادئة…

طويلة.

قبلة لم تحمل استعجالًا.

بل حملت صمت عامٍ ونصف.

ابتعد قليلًا.

لكنها، دون وعي، تشبثت بطرف قميصه.

رفعت عينيها إليه.

كان الخوف يمتزج بالأمل داخلها.

ابتسم ابتسامة خافتة بالكاد ظهرت.

ثم ضمها إليه من جديد.

وطبع قبلة أخرى على جبينها.

ثم على شعرها.

وأخيرًا…

قبّلها برفق مرة أخرى.

أغمضت إيلا عينيها.

وتركت قلبها يصدق…

أن شيئًا تغير أخيرًا.

تشابكت أصابعهما.

وسارا معًا نحو غرفة نومهما.

وفي تلك الليلة…

اختفت المسافة التي فصلت بينهما طويلًا.

واعتقدت إيلا…

أنها أخيرًا وصلت إلى قلب الرجل الذي أحبته منذ أول يوم.

…

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قبل أن ينتهي زواجنا   189- سُلاف الأيام العذبة- النهاية

    مرّ أسبوعان كاملان كنسيم هادئ ومحمّل بالسكينة. في تلك الفترة، استردّ الوالد عافيته وتماثل للشفاء تماماً بفضل الرعاية والعناية، ليعود إلى بيته أقوى وأكثر تصالحاً مع ماضيه وحاضره. ومع انقضاء هذين الأسبوعين، غمرت السكينة أرجاء منزل آدم وإيلا، ليُتوج هذا الهدوء بجملة من اللقاءات العائلية الدافئة التي أسدلت الستار على كل مخاوف الماضي. في ذلك المساء، كان الصالون يعج ببهجة حقيقية؛ فقد اجتمع الجميع حول مائدة واحدة تضم الوالد، ووالدي إيلا اللذين قدما لزيارتهما، إلى جانب ريما والصغيرة ميلا التي كانت تملأ المكان بضحكاتها البريئة. كانت الأجواء تنبض بالدفء والتصالح، فبينما كان الآباء يتبادلون أطراف الحديث بذكريات الماضي وابتسامات الرضا ترتسم على وجوههم، لم تكن إيلا قادرة على إخفاء ارتباكها الخفيف وتورد وجنتيها؛ فآدم لم يعد يكترث بنظرات الآخرين أو خجل البدايات. كان يجلس قريباً منها للغاية، مترقباً لكل حركة لها، وكفّه مستقرة باسترخاء على مسند المقعد خلف كتفها، يشاركها النظرات والهمسات المبطنة بابتسامات دافئة أمام الجميع، غير آبه بتعليقات والدها المداعبة أو نظرات والدتها المليئة بالرضا والمحبة. قا

  • قبل أن ينتهي زواجنا   188- لقاء على عتبة الأمان

    كان البيت غارقاً في صمت ثقيل يشبه ترقب العاصفة، ريما جالسة على أحد المقاعد بقلب يخفق خوفاً ووجعاً، وتضم الصغيرة ميلا إلى صدرها بحنان دافئ تحاول به إلهاء الطفلة وتهدئة رعبها. فجأة، انفتح باب الشقة الخارجي بصوت هادئ، فترددت أنفاس ريما في صدرها ورفعت عينيها بلهفة وترقب. لكن ما ظهر على محيا آدم لم يكن سوى وميض من النور والراحة؛ فقد كانت عيناه تلمعان بدموع الفرح المكبوت، وابتسامة واسعة ومؤثرة ترتسم على شفتيه التعبتين بعد عودته من المشفى. تقدم آدم بخطوات واسعة وسريعة نحو الداخل، حيث كانت إيلا تقف بانتظار، فمد يديه وأحاط بكتفيها بامتنان عميق، ثم نظرا معاً نحو ريما التي نهضت ببطء وهي تحتضن ميلا بخوف. ابتسم آدم وتقدم منهما، وهمس بصوت متهدج يفيض بالدموع والارتياح: — "لقد انتهى الخوف يا ريما... أبي استيقظ، وعلم بكل شيء، وسامحنا جميعاً." أطلقت ريما شهقة مخنوقة وتحولت دموعها إلى فيض من البكاء المكتوم، بينما تنفست إيلا الصعداء ووضعت يدها بحنان على كتف آدم، شاعرة بأن جبال الجليد قد تهاوت أخيراً. أكمل آدم بصوت دافئ وثابت وهو ينظر إلى ريما: — "وأكثر من ذلك يا ريما.. أبي طلب مني أن أحضركِ

  • قبل أن ينتهي زواجنا   187- نبضات تتصالح مع الحقيقة

    كانت أروقة المستشفى هادئة كأنها تتنفس بصعوبة تحت أضواء بيضاء شاحبة. في غرفة العناية المركزة، بدأ والد ادم يفتح عينيه ببطء، محاولاً تشتيت غشاوة التعب. لم يكن وحده؛ فآدم كان جالساً بجانب السرير طوال الليل، عيناه محمرتان من السهر والدموع التي جفت على وجنتيه، ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر. ما إن رأى آدم والده يحرك يده بضعف، حتى نهض بسرعة وانحنى نحوه بلهفة، مقبلاً كفه الباردة بحنان بالغ، وهمست شفتاه بصوت متهدج: — "أبي... الحمد لله على سلامتك. هل تسمعني؟" نظر إليه الأب بنظرات محملة بثقل الصدمة والوجع القديم، وأجاب بصوت خافت بالكاد يخرج من حلقه: — "أسمعك يا بني... لكن قلبي لا يستوعب. كيف لعمر كامل عشته مع أمك، أن أكتشف في النهاية أنني لم أكن أعرف سوى نصف حقيقتها؟" شعر آدم بغصة حارقة تمزق صدره. عاد ليركع بقرب السرير، ودموعه تسقط بغزارة على كف أبيه، ليبرر بأسلوب يقطر ترجياً ومحبة: — "أرجوك يا أبي... لا تحزن عليها ولا تغضب منها هكذا. اقسم لك، لم تكن تخونك يوماً ولا تقصد خداعك، بل كانت امرأة مكسورة أنهكها الخوف قبل أن تعرفك." تابع آدم بنبرة يحاول من خلالها ترميم ما انكسر في روح أبيه

  • قبل أن ينتهي زواجنا   186- نبضات على جمر العتمة

    بينما كان أنينه المكتوم يهدأ شيئاً فشيئاً، وبقي جسده يرتجف بخفة مدفونة بين أحضانها، شعرت إيلا بأن حاجزاً سميكاً من الجليد الأبدي قد تكسر وتحول إلى ما يشبه الندى الدافئ فوق قلبيهما. كانت تمسد بحنان يقطر عشقاً على شعره المبعثر، كمن يعيد ترتيب روح رجل مزقتها عواصف السنين، حين تحرك آدم ببطء وابتعد قليلاً، لترتطم عيناه الدامعتان والمحمرتان بعينيها في عتمة الغرفة التي أضاءها سحر القرب. تنهد بعمق، وكأن صخرة ثقيلة كانت تطبق على صدره واستطاع أخيراً أن يزيحها، ليتدفق صوته مبحوهاً وخافتاً يكاد يتداخل مع أنفاسهما: — "تعرفين يا إيلا... طوال تلك الفترة التي عشناها معاً تحت سقف واحد قبل قدوم ميلا عزيزتنا، حين كنت أتعمد أن أكون رسمياً، بارداً، وخالياً من أي مشاعر ظاهرة تجاهك... لم يكن الأمر عبثاً، ولم أكن أنفر منكِ قط؛ بل كنت أراكِ أبهى وأعمق من أن تتحمل روحي فتنتك." عقدت إيلا حاجبيها بتعجب خفيف، وظلت تنظر إليه بعينين تفيضان شغفاً وهي تمسح بإبهامها آثار الدموع الحارقة عن وجنته، ليكمل هو بصوت يقطر ألماً وغصة قديمة: — "كثيراً ما لاحظتِ جفائي، وكثيراً ما شعرتِ أنني اعود إلى الخلف أو أبتعد كلما حاولت

  • قبل أن ينتهي زواجنا   185- شظايا الانهيار ودفء النجاة

    صوت السقوط كان مدوياً، مرعباً، وكأن أركان المنزل بأسرها قد هوت دفعة واحدة. في تلك اللحظة التي تجمد فيها الزمن وانقطعت الأنفاس، اندفع آدم بجنون مطلق، مخترقاً الفراغ الفاصل بينهما، ليلقي بنفسه على ركبتيه على الأرض الباردة قبل أن يصطدم رأس أبيه بها. رفع نصف جسد أبيه بين كفيه المرتجفتين بعنف، وضمّه إلى صدره بستماتة من يحاول إيقاف زحف الموت بيده العاريتين. كانت عيناه شاخصتان بوحشة على وجه الأب الذي شحب تماماً وانطفأ بريق الحياة في مقلتيه، وصوته يخرج من عمق روحه مبحوحاً، متوسلاً، ومحطماً: — "أبي! أبي أرجوك... افتح عينيك! لا ترحل هكذا... أقسم أنني ما أردت سوى حمايتك! أبي... اسمعني!" لم تمر سوى دقائق معدودة، لكنها كانت كفيلة بأن تبتلع أعماراً، حتى وصلت سيارة الإسعاف لتنقل الأب إلى المستشفى وسط هلع طحنه القهر. في ممر المستشفى المعقم والمضاد لكل دفء، جلس آدم على المقعد الفولاذي بوجه أشبه بالرماد. لم يكن يبكي، ولم يكن يصرخ؛ بل جلس بجمود مرعب، دافناً وجهه بين كفيه المتسختين بآثار السقوط والذهول، بينما كانت أنفاسه المتقطعة تفضح رجلاً احترق من الداخل. كان يعلم جيداً أن الحقيقة التي أشعلها،

  • قبل أن ينتهي زواجنا   184- انهيار الصمت وسقوط الجدار

    وقف آدم مسمّراً مكانه بعد أن انقطع الاتصال الفجائي، والهاتف يرتجف في يده كأنما يحمل جمراً ملتهباً، بينما كانت إيلا تطالعه بعينين يملؤهما الرعب والترقب الممزوج بالفخر لثباته. لم يعد هناك متسع للمواربة، ولا وقت لاختيار الكلمات؛ فالأب وضع السيف على الرقبة، وإما الخضوع لتهديده القاسي أو إشعال حريق الحقيقة الذي سيأتي على الأخضر واليابس. بدون أن ينطق بحرف، ألقى آدم الهاتف على الطاولة، والتفت نحو الباب بخطوات عاصفة وحاسمة. أدرك أن الهروب انتهى، وأن المواجهة وحدها هي طوق النجاة الوحيد قبل أن يرتكب والده خطيئة لا تُغتفر في حق ريما وفي حقهما معاً. لم تمنعه إيلا، بل اكتفت بأن مدت يدها لتربت على كتفه بقوة ودعم صامت، وهي تدرك تماماً أن ما سيحدث خلف تلك الأبواب المغلقة سيغير شكل حياتهم إلى الأبد. لم يمضِ وقت طويل حتى وجد آدم نفسه يقف أمام منزل أبيه. فتح الأب الباب بنفسه، وكانت ملامحه تشي بحجم الخيبة والوجع؛ فالرجل الذي عاش طوال عمره موقناً بنقاء بيته وثقته المطلقة، كان يحمل في عينيه نظرات مكسورة لا ترحم. دخل آدم بخطوات ثقيلة ومترددة، ليغلق الأب الباب خلفهما بهدوء مفزع جعل الأنفاس تختفي في الصدو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status