LOGINكان لدي حسابان متوازيان على مواقع التواصل الاجتماعي. في الحساب الثاني والأقل نشاطًا، كنت صديقة لأخت محمود الصغرى، وكانت صورة البروفايل فيه تعكس مشهدًا غامضًا؛ نُظرة عينيّ فقط في كادر ضيق، دون إظهار ملامح وجهي كاملاً.في تلك الفترة الطويلة من الجفاء والحظر، أصبح محمود هوايتي السرية الجديدة، رغم كل الصفعات والمعاملة الجافة التي يتلقاها كبريائي منه. كنت أفتح حسابه كل يوم تقريبًا، وأجلس أتأمل شاشته الصامتة؛ ورغم أنه لم يكن ينشر شيئًا يُذكر، إلا أنني كنت أقنع نفسي بلعبة طفولية؛ لعبة "التجاذب غير المباشر"، كأنني أحاول استدعاء طيفه وجذبه ونقله نحو طاعتي بصمت ودون أن يدرك.وفعلاً، كما تدربت في خيالي، تواصل معي في أحد الأيام عبر ذلك الحساب البديل.قررت هذه المرة أن أرتدي قناع الثبات وألعب دوري التكتيكي بإتقان؛ فلم أرد على طلب التواصل إلا بعد أربعة أيام كاملة من الانتظار القاتل، لأثبت لنفسي أولاً وله ثانيًا أنني لم أعد تلك الفتاة المتاحة دومًا. أرسلت له رسالة قصيرة ومحايدة:— سلام، من معي؟لم تمضِ ثانية واحدة، حتى وصلني الرد في تسجيل صوتي مفاجئ، لم يحمل دفقًا من الشوق ولا نبرة اعتذار، بل جاء بن
الإنسان يتغيّر وفق ظروفه الصعبة، ومعتقداته تتطوّر وتتنقّح بناءً على ما يراه وما يطّلع عليه من تجارب الحياة. وعلى هذا الأساس، يمكنني القول بثقة إنني أنا أيضًا تغيّرت كثيرًا، بعدما نظرت إلى مسار حياتي وقسّمته على خمس مراحل متتابعة، كل مرحلة منها تمتد لخمس سنوات كاملة من النضج والألم.مررت بتجارب قاسية وخيبات أمل متتالية، تجارب أبكتني شلالات من الدموع الحارقة في ظلمات الليالي، وأخرى كادت تدفعني نحو أفكار سوداوية لا أرغب حتى في مجرد تسميتها أو تذكرها. لكن هل توقف عجلة الزمن حينها لأجلي؟ هل بكى معي أحد أو انتشلني من قاع حزني؟ لا، لم يفعل أحد.لذلك، اتخذت قرارًا مصيريًا بأن أبقي شخصيتي وكرامتي في المرتبة الأولى دائمًا، وأن يكون البقية مجرد ضيوف يعبرون حياتي ويخرجون منها، مهما طال بقاؤهم أو قصر، دون أن يتركوا شرخًا لا يُبرأ.لطالما دعوت على محمد في صلواتي القديمة، بسبب هجره القاسي لي وبسبب وعوده البراقة التي لم يفِ بأي منها. لكن مع مرور الوقت ونضج الفكر، أصبحتُ أحمد الله وأشكره في كل لحظة لأنني لم أكن من نصيبه.أما محمود، فبنرجسيته المتأصلة تلك، كان يتضح لي يومًا بعد يوم أنه رجل لا يتغيّر أب
مثل كل أفراد المجتمع حول العالم، كان كوفيد-19 نقطة توقف كاملة ومباغتة في حياتي. عطلة غير مدفوعة الأجر، بل يمكنني تسميتها سجنًا خانقًا لغير المذنبين.أثر ذلك الوباء على حياتي بشكل مزدوج، محملًا بتناقض غريب بين السلب والإيجاب.سلبًا، أن تجد نفسك تنام وتستيقظ وتأكل وتعيش في خوف مستمر، خوف دائم من إصابة خاطفة قد تعني الموت، خاصة إذا كنت تعاني من أمراض ومشاكل صحية معقدة تجعل جسدك أضعف، مثلي أنا تمامًا.وإيجابًا، أن تأخذ زمام الأمور بنفسك وتتحمل المسؤولية. وهذا ما فعلته أنا بالضبط. كان تدفق الإنترنت متوفرًا، فوجدت نفسي أُكوّن نفسي بنفسي، عبر منصات تعليمية مختلفة لم أكن أعرفها من قبل. وبهذا، اكتشفت نفسي من جديد، وطموحًا آخر، وأهدافًا لم أكن أعرف أنها موجودة بداخلي تنتظر من يكتشفها.الإنسان سريع التأقلم مع كل ما يحيط به، حتى وإن كان جحيمًا، سيجد طريقًا أو مكانًا يحميه فيه. غريزة إنسانية موجودة بالفطرة لا يمكن لأحد أن يخلو منها تمامًا.في تلك الأيام الصعبة، كنت على يقين أن تلك العطلة القسرية سيكون لها ثمن باهظ لا محالة. لكنني لم أكن أعلم أن الثمن سيكون عجيبًا إلى هذا الحد.بعد مرور سنة كاملة،
تحوّلت حكاية الميراث إلى سلسلة تُروى كل يوم في منزلنا. كل مرة يصل اتصال، تهرع أمي مسرعة، وتعود فارغة اليدين. ومع مرور الوقت، أصبح الأمر شبه روتيني، حتى فقد الجميع شغفهم في متابعة تلك القضية، وكأنهم أخيرًا رضخوا لأمر الواقع الأليم. حياتي أنا الخاصة دخلت هي الأخرى في روتين مشابه. لا عمل ثابت، وأصبحت فريسة سهلة لرؤوس أموال التسويق الشبكي، كل واحد منهم يعرض عليّ فرصة تدخل شهريًا مبالغ خيالية، وآخر يعرض شركة أجنبية واعدة. هاتفي لا يتوقف عن الرنين، وحسابي على مواقع التواصل امتلأ بإعلانات ورسائل لا تنتهي. حتى جاء يوم، وتواصل معي شخص يُدعى محمد، اقترح عليّ مؤسسة تعمل في نفس المجال، لكنها شركة تونسية جزائرية، في بداياتها. حضرت بعض ملتقياتها، ووجدت أسعارها معقولة، لا تعِد بأحلام وهمية كالسابقة، لكنها كانت جيدة من عدة نواحٍ. وبما أن مبلغ الدخول كان زهيدًا جدًا، قلت لنفسي: — هيا يا ريم، لننطلق. ربما تكون هذه فرصتنا الحقيقية. دخلت الشركة، وبدأت أبيع منتجاتها، أصمم صورًا وفيديوهات، وأشارك في فعالياتها في كل الولايات. وهذا بالضبط ما كنت أحبه في التسويق الشبكي: مكان تجني منه المال، وتتعرف فيه عل
لم يكن هناك الكثير لنفعله في بيت جدي بعد الدفن. أمضينا تلك الليلة، ثم في الصباح توجهنا إلى مدينتنا، إلى منازلنا، وانشغل كل واحد منا بحياته الخاصة من جديد.يقال إن موت عمود البيت انكسار لأهله. لكن في موت جدي، لم يكن الأمر كذلك.بدأت الحكايات تدور حول الميراث وتقاسمه، وبدأت تظهر القلوب الحقيقية لأخوالي وخالاتي، قلوب امتلأت فجأة بالجشع والطمع. كل واحد منهم بدأ يبحث عن طريقة يلمع بها جيبه، وكأن الأسى على رجل صنع لهم طفولتهم لم يدم أكثر من أيام الدفن القليلة.إحدى خالاتي، التي تزوجت وأنجبت ابنة ثم انفصلت عن زوجها، ولم يكن لديها سكن خاص فهي تستأجر بيتًا كل سنة، رفضت أن ترفع قضية نفقة على زوجها السابق. لكنها بدأت تُرغم أمي على التنازل عن حصتها من الميراث، بحجة أن أمي لديها زوج ومنزل زوجية، بينما هي بلا مأوى.وخالتي الثانية طالبت هي الأخرى بأن يكون البيت الذي سيُشترى بحصة الأولى باسم ابنتها، لأنها هي من ربّتها.وصل الجشع بينهما إلى حد قذف شرف أمهما وأبيهما، حين قالتا إن أمي ليست أختهما من والدهما، وأنها مجرد ابنة جدتي، تولى جدي، رحمهما الله، تربيتها فقط.ولم يكن الجشع محصورًا بينهما فقط. حتى
توفي جدي مع الفجر. أحيانًا أفكر أن سجل الوفيات في عائلتي أصبح أكثر امتلاءً من سجل الولادات. كأن الموت وجد في بيتنا بابًا مفتوحًا لا يُغلق، يزورنا مرة بعد مرة، ويأخذ في كل مرة عزيزًا جديدًا، ويترك خلفه فراغًا لا يملؤه شيء. جدي، والد أمي، رحمه الله. كان جدي يحمل معه ذكريات كثيرة، ذكريات توقفت عندي في زمن معين، طفولة كاملة عشتها في كنفه. لكن ذكره، مع مرور السنوات، تحوّل عند بعض أخوالي إلى شيء آخر، شيء يُستخدم كسوط وعقاب، لا كذكرى تُروى بحب. لم أفهم يومًا كيف يمكن لذكرى إنسان رحل أن تتحول إلى أداة إيذاء بين من بقوا. في الصباح الباكر، خرجت من المنزل بعدما رأيت كل شيء يتحرك من حولي بسرعة. كان أخي، رحمه الله، قد سبقني، ومن بعده أبي، رحمه الله، متوجهَين إلى المدينة التي كان يقطن فيها جدي. كان ذلك اليوم ماطرًا. ركبت الحافلة وحدي، جلست قرب النافذة، أراقب المطر يتساقط بهدوء على الزجاج، بينما الناس في الخارج يركضون مسرعين نحو أعمالهم، غير مبالين بشيء سوى الوصول في الوقت. وأنا، جالسة هناك، كنت بعيدة تمامًا عن كل ذلك الزحام، أفكر في موتى عائلتي، واحدًا تلو الآخر. كم مرة أتى الموت ليزورنا؟







