تسجيل الدخولكان يحيى يعمل في اليوم ما يقرب من الثماني عشرة ساعة متواصلة دون توقف أو هوان؛ كان يطحن نفسه بين أوراق القضايا وملفات الشركات في مكتبه وعيناه جافتان من قلة النوم، يبحث عن أي مجهود بدني أو ذهني خارق لعله يستطيع الخروج من دائرة ذكرياته الملعونة تلك، أو يهرب من طيفها الذي يطارده في كل ركن. وفي لحظة سكون مباغتة، تخونه قواه ويهرب تركيزه ليشرد بباله قليلاً؛ متسائلاً بنحيب صامت في أعماقه: متى تأتي تلك اللحظة التي يتخلص فيها من ذل انتظارها؟ وكيف سيقنع قلبه المتمرد أنه خرج تماماً من دائرة اهتماماتها وأولوياتها، بعد أن كان هو الرجل الأول والأخير في عالمها؟ وكيف تحول من نبض حياتها إلى شخص غريب تلفظه وتهرب منه؟ طوال الساعات الماضية، كان يقاوم جاهداً بكل ما أوتي من كبرياء رجولته ألّا يطالع صورتها التي ما زالت تقطن زاوية خاصة في هاتفه، لكن في النهاية، رضخ مرغماً تحت وطأة رغبة قلبه العارمة التي انتصرت على عقله. فتح هاتفه بأنامل مرتجفة ليطالع صورتها بعتاب مرير وعينين يملؤهما الشوق والخذلان؛ يتساءل كيف لامرأة أن تبيع ببساطة عشقاً تضخم به قلبه حتى بات لا يتسع لغيرها؟ كيف هانت عليها تلك الليالي والعهو
وقفت رنيم على محطة الطريق، وحيدة، منكسرة، تنتظر أي سيارة تستقلها للعودة إلى شقتها البسيطة في العاصمة ومحو هذا اليوم المشؤوم من ذاكرتها تماماً. وفجأة، تناهى إلى مسامعها صوت يلهث ويهتف باسمها الحقيقي القديم.... غادة. لم تكن معتادة على هذا الاسم فاستغرقت ثوانٍ حتى استوعبت، لتستدير ببطء وتتفاجأ بذلك الفتى الشاب الذي يقف أمامها بأنفاس متقطعة؛ لم يكن سوى شقيقها "عمر". تطلعت إليه بدهشة شديدة؛ فقد كان يحمل شبهاً كبيراً وصارخاً من أختها أمل التي قابلتها منذ قليل. كانت أنفاس عمر لاهثة، وعلامات الإنهاك تبدو عليه، ليتقدم منها ويردد سريعا بنبرة تقطر رجاءً وتوسلاً انبعث من ذل الحاجة - خدينا معاكي والنبى يا غادة ومش هتحسي بينا.. أبويا وأمى رمونا وذلونا بعد ما إنتي مشيتي وبقينا متبهدلين في الشوارع وملناش حد.. أنا والله هشتغل أي شغلانة وأصرف على أختي أمل وعليكي ومش هنسببلك أي مشاكل خالص، حتى لو هتأجري لنا أوضة صغيرة نقعد فيها لوحدنا بعيد عنك.. بس متسبيناش هنا معاهم نظرت رنيم إليه وإلى ملابسه البسيطة المتسخة بهيئتها العمالية الشاقة، وأدركت في تلك اللحظة أنها لم تكن وحدها من تعاني في هذا العالم؛ فه
أصابت سارا حالة حادة من الاكتئاب المزمن، فتلك الزهرة اليانعة التي كانت تشع نشاطاً وتملأ البيت حيوية وبهجة، انطفأ بريقها تماماً وذبلت أوراقها؛ خسرت الكثير من وزنها وجفت نضارة وجهها، ولكن خسارتها الكبرى وال حقيقية كانت في خسارتها لنفسها ولروحها القديمة. لم تستطع سارا حتى اللحظة تقبل الوضع القائم أو استيعابه، فما زالت في أعماق عقلها الباطن تعيش على أمل زائف، وتنتظر عودة مروان في أي ثانية ليوقظها من هذا الكابوس الأسود ويرد إليها الحياة. أصبح حديثها نادراً، وتكاد لا تنطق إلا مجبرة؛ كانت تكتفي بإيماءات باردة وبابتسامة باهتة ومصطنعة ترتسم على شفتيها مجاملة فقط عندما تحاول ريناد أو رنيم مداعبتها وإخراجها من عزلتها. لقد فارقت الحياة وهي ما زالت على قيد الحياة، وماتت في جوفها البهجة ولم يعد للمستقبل في عينيها أي لون. بالرغم من انقطاعها عن العالم، إلا أن خيط الاتصال الوحيد الذي حافظت عليه بقدسية كان بينها وبين والدة مروان وأخته الصغرى ندى؛ حتى جاء ذلك اليوم الذي تبدلت فيه الأحداث، حين فوجئت باتصال من شقيقة مروان تخبرها بنبرة حماسة مشوبة بالرجاء - سارا.. أبيه علي كلمني وقالي إنه قدر يوفر لك فر
تلتئمُ الجروحُ الظاهرة، لكنَّ ندوبَ القلوبِ تظلُّ نابضةً بالوجع، تئنُّ مع كلِّ ذكرى. نخرجُ من معاركِ الفقدِ مثقلين بالخسارات، نجرُّ خلفنا أرواحاً طعنها الغياب، ونظنُّ أنَّ الستارَ قد أُسدِل... حتى تأتي اللحظةُ الفارقة التي تفصلُ بين ما كنا عليه، وما سنصبحُ فيه إلى الأبد. نركضُ خلفَ خيوطِ الحقيقةِ، غافلين عن أنَّ بعضَ الحقائقِ حين تتجلى... تحرقُ أصابعنا.... ففي الممراتِ المظلمةِ للماضي، تكمنُ العناوينُ كفِخاخٍ مَنصوبة؛ إما أن تمنحنا طوقَ النجاةِ الموعود، وإما أن تُهشمَ ما تبقى من شتاتِ الروحِ الممزقة وتفتحَ تحت أقدامنا أبوابَ جحيمٍ لم نحسب له حساباً. والآن، بين ورقةٍ مَطويةٍ ورجفةِ أصابع، يسقطُ قناعُ الترقب لتبدأُ الرحلةُ نحو المجهول... عندما ينطقُ الصمتُ بـعرفنا مكان أهلك، يقفُ القدرُ مبتسماً في خفاء، ليعلنَ أنَّ السرَّ الأعظمَ قد حان وقتُ انفجاره... فهل أنتم مستعدون لفتحِ كتابِ الأسرار؟ 🌹🌹🌹🌹🌹🌹 كانت الآهة المكتومة في صدر فارس تقطع أحشاءه؛ وبالرغم من نيرانها المستعرة وقوتها، إلا أنه أبقاها حبيسة داخله كبركان يغلي في صمت. لقد خسر في لحظة واحدة كل شيء؛ خسر صديق عمره وأخاه مرو
لم تكن تعلم أذلك واقع مرير تعيشه أم كابوس خانق تمر به؟ لا.. من المستحيل أن يرحل مروان هكذا ببساطة، من المستحيل أن يتركها بقلب محطم ينزف ألماً؛ فبموته، لم يرحل وحده، بل أخذ روحها ونبض حياتها معه ولم يترك لها سوى جسد بلا حراك. كانت في طريقها إلى المقابر، تجلس في السيارة بصحبة ريناد ورنيم، وعقلها الباطن يرفض تماماً تصديق فكرة الموت؛ كان ينسج لها بغرابة سيلًا من السيناريوهات الوردية هروباً من الصدمة. أقنعت نفسها بأن كل ما يحدث ليس سوى خدعة ومزحة مجنونة من مروان، وأن أخيها فارس قد ساعده فيها ليختبر حبها، وأنها بمجرد أن تصل، ستتفاجأ به يخرج لها مبتسماً يحمل خاتم الزواج وينتظرها أمام إحدى قاعات الأفراح ليصالحها. هي تعلم أنه يعشقها، ومجنون بها وبعشقها، ويمكنه فعل أي شيء وكل شيء لإرضائها؛ نسجت هذا الخيال الواهم وصدقته بكامل جوارحها لتلوذ به من واقع لا تقوى أصلاً على احتماله أو مواجهته، بل وقامت في عقلها بإعداد رد فعلها، ورتبت كلمات العتاب والغضب التي ستصبها عليه عندما تكتشف تلك المزحة السخيفة والثقيلة التي حبكها مع أخيها. توقفت السيارة أخيراً عند أسوار المقابر، ليترجل الجميع بخطوات مثقلة ب
كانت سارا تشعر في تلك الساعات وكأنها تحلّق في أعالي السماء، حتى خُيّل إليها أنها تستطيع لمس النجوم اللامعة بكفيها الصغيرتين. كانت الفرحة تملأ أركان روحها، متغاضية تماماً عن غصّة خفية في قلبها كانت تراودها بين اللحظة والأخرى، وعن خفقات صدرها المتزايدة وتوترها الغريب غير المبرر؛ إذ كانت تعزو حالتها تلك وتوترها إلى الخوف الطبيعي من رد فعل أخيها فارس، بعد أن زفّ إليها مروان في المكالمة أنه اعترف له بكل شيء وبحبهما. لم تطق سارا البقاء بمفردها مع هذا السيل من المشاعر، فشعرت ببعض الضيق والاضطراب، وقررت الصعود إلى شقة شقيقها فارس لتقضي بعض الوقت مع زوجته ريناد، لعلها تبدد توترها حتى يعود فارس ومروان من المهمة. طرقت الباب بخفة، وما إن انفتح حتى تجمدت الابتسامة على شفتيها؛ كانت ريناد تقف أمامها بعيون حمراء منتفخة بشدة من أثر بكاء مرير. سألتها سارا بلهفة وقلق فوراً بالعامية المصرية - مالك يا ريناد؟ بتعيطي كده ليه؟ فارس كويس؟ حصل له حاجة؟ سارعت ريناد بمسح دموعها بكفيها في محاولة يائسة لإخفاء انهيارها، ورددت بصوت مبحوح ومتحشرج - أبداً يا حبيبتي، مفيش حاجة خالص.. عيني بس فيها حساسية شديدة من ا







