LOGINبين القسوة والرحمة... بين الحب والانتقام... تقف ريم، الفتاة التي أخفت خلف حجابها قلبًا مكسورًا، تحارب عالمًا لم يرحمها يومًا. آسر... الرجل الذي لا يعرف الضعف، يدخل حياتها ليقلب كل الموازين، بين حمايته لها وناره التي قد تحرقها. وبين عدو يتربص بها في الظلام... تصبح حياتها ساحة حرب بين قلبين... ونار لا تنطفئ. فهل يكون الحب طوق نجاتها؟ أم بداية النهاية؟
View Moreاسم الرواية: بين قلبين ونار
--- الشخصيات أولًا: عائلة ريم (المنصورة) ريم محمد بطلة الرواية، 22 سنة، طالبة في السنة الثالثة كلية طب القاهرة. بنت جميلة بملامح هادية وعيون عسلي، مختمرة. قلبها طيب جدًا وقريبة من ربنا، بتصبر على أذى كبير جوا بيتها، لكن جواها قوة محدش متوقعها. أميرة والدة ريم، 51 سنة. ست حنينة جدًا، بسيطة وطيبة، بتحب أولادها بشكل كبير وبتحاول تحميهم على قد ما تقدر، لكنها ضعيفة قدام قسوة جوزها. محمد والد ريم. رجل قاسي، عصبي، دايمًا غضبان، بيعامل ريم بعنف وكره واضح. متجوز واحدة تانية وميظهرش أي رحمة في تصرفاته. ياسمين زوجة محمد التانية. مدلعة ومهتمة بنفسها جدًا، شخصيتها أنانية شوية، ووجودها بيزود التوتر في البيت. تاليا بنت محمد وياسمين، 15 سنة. بنت طيبة وبريئة، بتحب ريم جدًا وبتتعاطف معاها رغم الظروف. تيم محمد أخو ريم، 24 سنة. في آخر سنة كلية نظم ومعلومات في أمريكا. ذكي جدًا، قوي جسديًا، بيعشق أخته وبيكره والده بسبب اللي بيعمله فيها. --- ثانيًا: قصر السيوفي (التجمع الخامس) آسر السيوفي بطل الرواية، 26 سنة. رجل أعمال ناجح جدًا وأحد أكبر الأسماء في الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت عميل سري. قوي، مسيطر، عصبي، وبيبان قاسي… لكنه جواه مشاعر عميقة ناحية ريم وبيحبها بجنون. حنان السيوفي والدة آسر. ست طيبة وحنونة، قريبة من ابنها جدًا، وعارفة بحبه لريم وبتحبها هي كمان. عماد السيوفي والد آسر. رجل أعمال ناجح، ذكي، شخصية قيادية، مهتم بعيلته وشغله، لكنه مش عارف تفاصيل حياة آسر السرية. معتز السيوفي أخو آسر. هادي وعاقل، ماسك إدارة جزء من شركات العيلة، طيب وبيحب الاستقرار. سلمى زوجة معتز. ست طيبة وحنونة، مهتمة ببيتها وابنها. ياسين ابن معتز وسلمى، 5 سنين. طفل بريء بيضيف جو لطيف وسط التوتر. ملك السيوفي أخت آسر وصديقة ريم المقربة، في السنة الثالثة هندسة. بنت طيبة، مختمرة، بتحب ريم جدًا وبتعتبرها أختها، وغالبًا بتبقى حلقة الوصل بينها وبين آسر. --- ثالثًا: شخصيات خارجية مؤثرة عبد الوهاب 30 سنة. رجل قاسي وخطير، عنده هوس بريم وعايز يمتلكها بأي طريقة. مستعد يؤذي أي حد في طريقه، وبيلاقي دعم --- الفصل الأول كانت الساعة تشير إلى الثالثة وخمسٍ وأربعين دقيقة فجرًا. ذلك الوقت الذي تغرق فيه المدينة في صمتٍ عميق، فلا يُسمع سوى همسات الرياح، بينما تبقى القلوب المثقلة بالأوجاع وحدها عاجزة عن السكون. في شقةٍ متواضعة بمدينة المنصورة، كان ضوء خافت يتسلل من أسفل باب غرفة صغيرة، كأنه يرفض أن يستسلم لظلام الليل. داخل الغرفة، وقفت ريم بين يدي الله. ارتدت إسدالًا أبيض بسيطًا، وانسدل خمارها في هدوء، بينما ارتسمت على وجهها ملامح سكينة تخدع كل من يراها. لكن عينيها كانتا تحكيان قصة أخرى... قصة فتاة أنهكها الألم، ولم يُطفئ الإيمان نور قلبها. كانت دموعها تنساب في صمت، دون شهقات أو أنين، وكأنها اعتادت أن تبكي وحدها حتى لا تُثقل أحدًا بأوجاعها. انحنت ساجدة، وأطالت سجودها، كأن الأرض أصبحت الملجأ الوحيد الذي تجد فيه راحتها. خرج الدعاء من قلبها قبل أن يخرج من شفتيها. "اللهم إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين." رددتها بصوتٍ مرتجف، مستحضرة دعاء نبي الله أيوب عليه السلام، الذي صبر على البلاء ولم يفقد يقينه في رحمة ربه. رفعت رأسها ببطء، وأغمضت عينيها للحظة، ثم همست بصوت بالكاد يُسمع: "يا رب... أنا تعبت، لكن عمري ما هبعد عنك." جلست فوق سجادة الصلاة، وأسندت ظهرها إلى الحائط، بينما شردت نظراتها في الفراغ. تذكرت حديث النبي ﷺ: "إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم." ابتسمت ابتسامة باهتة، امتزج فيها الرضا بالألم، ثم قالت في همسٍ خافت: "يارب... أنا راضية، بس قوِّيني... لأني بقيت بتعب." قطع ذلك السكون طرقٌ عنيف على باب الغرفة. ارتجف قلب ريم قبل أن يصلها الصوت الذي كانت تحفظه عن ظهر قلب. "ريم! افتحي الباب!" تجمدت في مكانها لثوانٍ، ثم نهضت بسرعة، ومسحت دموعها بطرف إسدالها، وعدلت خمارها، وأخذت نفسًا عميقًا تحاول به إخفاء ارتباكها. فتحت الباب بهدوء. كان محمد يقف أمامها، بوجهٍ متجهم ونظرات لا تحمل سوى القسوة. نظر إليها لثوانٍ، ثم قال بحدة: "إنتِ لسه صاحيه لحد دلوقتي؟" خفضت ريم بصرها وأجابت بصوت هادئ: "كنت بصلي يا بابا." لم يمهلها فرصة لتكمل. ارتفعت يده فجأة، واستقرت على خدها في صفعةٍ قوية جعلتها تتراجع خطوة إلى الخلف، بينما دوى صوتها في الممر الضيق. وضعت يدها على خدها تلقائيًا، وشعرت بحرارته تزداد، لكنها لم تنطق بكلمة. اعتادت أن يكون الصمت هو وسيلتها الوحيدة لتقليل الخسائر. صرخ فيها بغضب: "بطلي تمثيل! فاكرة نفسك ملاك؟!" ظل رأسها منخفضًا، وعيناها معلقتين بالأرض. كانت تعرف أن أي كلمة ستشعل غضبه أكثر، وأن الصمت أحيانًا يكون أرحم من الدفاع عن النفس. خرجت أميرة من غرفتها على عجل، وقد أفزعها الصوت. ما إن رأت أثر الصفعة على وجه ابنتها حتى شهقت قائلة: "يا محمد! حرام عليك... دي كانت بتصلي!" التفت إليها بعصبية، وصاح: "إدخلي جوا، ومتدخليش في اللي ملكيش فيه!" توقفت أميرة مكانها، وعيناها تمتلئان بالعجز، لا تعرف كيف تحمي ابنتها من رجلٍ لا يعرف الرحمة. التفتت إليها ريم، ورغم الألم الذي يعتصر قلبها، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "ادخلي يا ماما... أنا كويسة." كانت تعلم أنها ليست بخير. وكانت أمها تعلم ذلك أيضًا. لكن تلك الكلمة أصبحت ستارًا تخفي خلفه جراحًا لا تُحصى. اقترب محمد منها خطوة أخرى، ثم انخفض صوته بطريقة جعلته أكثر قسوة. "اسمعيني كويس... أنا مش طايق أشوف وشك. وجودك في البيت ده بقى حمل." توقفت أنفاسها للحظة. لم تكن هذه أول مرة يجرحها، لكن بعض الكلمات تترك أثرًا لا يزول مهما تكرر سماعها. رفعت عينيها إليه بهدوء، وقالت بصوت ثابت، رغم ارتجاف قلبها: "ربنا شايف كل حاجة يا بابا." ساد الصمت بينهما لثوانٍ. ثم أضافت بهدوء: "ورسول الله ﷺ قال: «اتقِ دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب.»" انعقد حاجباه، وبدا الانزعاج واضحًا على وجهه. لم يرد. اكتفى بأن أشاح بوجهه عنها، ثم استدار وغادر، قبل أن يغلق الباب خلفه بعنف اهتزت له جدران الشقة. ما إن اختفى صوت خطواته، حتى أسرعت أميرة إلى ابنتها. احتضنتها بقوة، وكأنها تحاول أن تحميها من سنواتٍ كاملة، لا من صفعةٍ واحدة. انهمرت دموعها وهي تردد بصوتٍ مختنق: "حقك عليا يا بنتي... سامحيني." بادلتها ريم العناق، وربتت على ظهرها برفق، رغم أن قلبها كان يحتاج هو الآخر إلى من يربت عليه. قالت بابتسامةٍ باهتة: "متعيطيش يا ماما... والله أنا بخير." نظرت إليها أميرة طويلًا، وكأنها تبحث في عينيها عن تلك الطمأنينة التي تدّعيها، لكنها لم تجد سوى وجعٍ تحاول ابنتها إخفاءه. مسحت دموعها على عجل، ثم خرجت من الغرفة بخطواتٍ بطيئة، وقلبها يعتصره العجز. أغلقت ريم الباب خلفها بهدوء. وظلت واقفة لثوانٍ تحدق في الفراغ. كانت تقاوم... تقاوم تلك الدموع التي اعتادت أن تؤجلها حتى يختفي الجميع. لكنها هذه المرة لم تستطع. استندت بظهرها إلى الباب، ثم انزلقت ببطء حتى جلست على الأرض. ضمت ركبتيها إلى صدرها، وانفجرت في بكاءٍ مكتوم، تحاول بكل ما تملك ألا يصل صوتها إلى أحد. خرجت الكلمات من بين شهقاتها: "أنا عملت إيه بس...؟" كان السؤال يتكرر في قلبها منذ سنوات... ولم تجد له جوابًا حتى الآن. --- في الغرفة المجاورة... كانت تاليا مستيقظة. لم تنم منذ أن سمعت صوت الصفعة. جلست على سريرها تحتضن دميتها الصغيرة، بينما كانت الدموع تلمع في عينيها. همست بحزن: "ريم دي أطيب واحدة في الدنيا..." ثم رفعت رأسها نحو السقف، وقالت ببراءة الأطفال: "يارب... متزعلهاش." --- وفي الجانب الآخر من العالم... كانت سماء أمريكا لا تزال تكتسي بظلام الليل. داخل صالة ألعاب رياضية، كان صوت احتكاك الحديد يتردد بقوة. وقف تيم أمام الأوزان، يرفعها بعنفٍ واضح، وكأنه يفرغ غضبًا لا يعرف مصدره. اقترب منه أحد أصدقائه، وهو يضحك قائلًا: "إيه يا عم؟ ناوي تكسر الأجهزة ولا إيه؟" أنزل تيم الوزن ببطء، ثم أخذ نفسًا عميقًا. مرر يده على وجهه وقال بصوتٍ شارد: "مش عارف... حاسس إن في حاجة مش طبيعية." عقد صديقه حاجبيه باستغراب. "تقصد إيه؟" أخرج تيم هاتفه من جيبه. توقفت عيناه على صورة تجمعه بريم. ابتسم ابتسامةً حزينة، ثم مرر إصبعه على الصورة وهمس: "استحملي يا ريم..." وسكت لحظة، قبل أن يضيف بثقة: "أنا راجع قريب." --- في التجمع الخامس... وقف قصر السيوفي شامخًا وسط مساحاتٍ واسعة من الحدائق، يحيط به هدوء لا يشبه هدوء البيوت العادية، بل هدوء المكان الذي اعتاد أصحابه السلطة والنفوذ. ورغم فخامة القصر... كانت إحدى الغرف تغرق في صمتٍ مختلف. وقف آسر أمام النافذة الزجاجية الممتدة من الأرض حتى السقف، ينظر إلى الأضواء البعيدة دون أن يراها حقًا. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وقد وضع إحدى يديه في جيبه، بينما استند بالأخرى إلى حافة النافذة. بدت ملامحه جامدة كعادتها... لكن عينيه كانتا تحملان قلقًا لم ينجح في إخفائه. فُتح الباب بهدوء. دخل معتز، ثم أغلقه خلفه، واتجه نحوه بخطوات هادئة. توقف إلى جواره، ونظر إليه لثوانٍ قبل أن يقول: "لسه صاحي؟" لم يلتفت آسر. اكتفى بأن يجيب بصوتٍ منخفض: "النوم مش بييجي كل يوم." تنهد معتز، ثم قال وهو يعقد ذراعيه: "من ساعة ما رجعت... وإنت واقف هنا." ساد الصمت للحظات. ثم أردف بنبرة يعرف أنها قد تزعج أخاه: "لسه بتراقبها؟" أغمض آسر عينيه للحظة قصيرة، قبل أن يجيب: "طول ما هي هناك... مستحيل أبقى مطمن." نظر إليه معتز باهتمام. "إنت بقالك سنين بتقول نفس الكلام." استدار آسر ببطء، واستقرت عيناه على أخيه. كانت نظراته حادة، لكنها تخفي خلفها ألمًا قديمًا. قال بهدوء: "لأن الوضع هناك عمره ما اتغير." صمت معتز. كان يعرف أن الحديث عن ريم دائمًا ينتهي بالصمت. اقترب آسر من المكتب، ثم التقط هاتفه، وفتح صورة التقطت لريم من بعيد. ظلت عيناه معلقتين بها لثوانٍ طويلة. ثم قال وكأنه يحدث نفسه: "كل مرة أقول هصبر شوية..." رفع رأسه، وتحولت نبرته إلى حزمٍ واضح. "بس المرة دي... خلاص." رفع معتز حاجبيه. "ناوي تعمل إيه؟" نظر آسر إليه مباشرة، ثم قال: "هتدخل." ساد الصمت في الغرفة. لم يسأله معتز كيف... ولم يسأله متى... لأنه كان يعرف أخاه جيدًا. حين يقول إنه اتخذ قرارًا... فقد انتهى الأمر بالفعل. --- في الجهة الأخرى من القصر... كانت ملك تجلس على سريرها، تمسك هاتفها بين يديها. فتحت محادثة ريم، وكتبت بسرعة: "إنتِ عاملة إيه؟ صحيتِ بدري النهارده؟" ظلت الرسالة تحمل علامة الإرسال، دون أن يأتيها أي رد. تنهدت، ثم وضعت الهاتف بجوارها. وقعت عيناها على صورة تجمعها بريم في الجامعة. ابتسمت بحنين وهي تتمتم: "وحشتيني..." ثم رفعت بصرها إلى السماء من خلف النافذة، وهمست: "يارب احفظها." --- في أحد الشوارع الهادئة بمدينة المنصورة... توقفت سيارة سوداء في مكان لا يلفت الانتباه، بينما كانت أضواء الأعمدة تنعكس على زجاجها الداكن. داخلها، جلس عبد الوهاب في صمت. كانت عيناه مثبتتين على نافذة غرفة ريم، وكأنهما لا تريان سواها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، لا تحمل سوى الهوس. فتح درج السيارة ببطء، وأخرج صورة صغيرة لها. ظل يتأملها طويلًا، ثم مرر أطراف أصابعه على الصورة وهمس: "مهما هربتي... في الآخر هتكوني ليا." رن هاتفه. رفع السماعة دون أن يحول نظره عن النافذة. "أيوة." استمع لثوانٍ، ثم قال بنبرة حاسمة: "نفذوا اللي اتفقنا عليه... وكل حاجة لازم تبقى جاهزة." ساد صمت قصير. "قريب جدًا... حياتها كلها هتتغير." أنهى المكالمة، وأعاد الصورة إلى مكانها، ثم استند برأسه إلى المقعد وهو يبتسم ابتسامةً أثارت الرهبة أكثر مما أثارت الغضب. "وأي حد يقف في طريقي..." توقف لحظة، ثم أكمل بصوت خافت: "هيختفي." --- في الوقت نفسه... كانت ريم قد غسلت وجهها بالماء البارد، ثم وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاسها. لا يزال أثر الصفعة ظاهرًا على خدها. رفعت يدها ولمسته برفق، ثم تنهدت. لثوانٍ، بدت وكأنها على وشك الانكسار... لكنها تماسكت. اعتدلت في وقفتها، ونظرت إلى نفسها بثبات. "أنا مش ضعيفة..." خرجت الكلمات هادئة، لكنها كانت تحمل يقينًا لم تعرفه من قبل. "أنا بس مستنية الوقت اللي ربنا هيأذن فيه يتغير كل شيء." ارتدت خمارها من جديد، وعادت إلى سجادة الصلاة. وقفت بين يدي ربها، وأغمضت عينيها. ثم قالت بقلبٍ امتلأ يقينًا: "حسبي الله ونعم الوكيل." لم تكن مجرد كلمات ترددها... بل كانت عهدًا جديدًا بينها وبين الله، أن تواصل الصبر حتى يأتي الفرج. --- وفي تلك اللحظة... كانت أربعة قلوب تدور حول ريم. قلبٌ بعيد، لكنه يشعر بألمها رغم المسافات. وقلبٌ قريب، يطعنها كل يوم دون أن يرف له جفن. وقلبٌ امتلأ بالهوس، يخطط لامتلاكها مهما كان الثمن. وقلبٌ آخر... استعد لأن يقف في وجه العالم كله، إذا كان ذلك هو الطريق الوحيد لحمايتها. نهاية الفصل الأوليمضي الزمن... مهما ظن الإنسان أنه توقف.ويأتي اليوم الذي ينهض فيه القلب المثقل بالحزن، لا لأنه نسي، بل لأنه أدرك أن الدعاء للراحلين خيرٌ من البكاء عليهم، وأن الحياة أمانة لا يجوز تركها.هكذا بدأت ريم أول خطوة في طريق التعافي...وفي صباح اليوم التالي... عادت ريم إلى الجامعة.كانت المرة الأولى منذ وفاة أمها.وقفت أمام البوابة للحظات.شعرت أن ساقيها لا تحملانها.كم مرة كانت أمها تدعو لها قبل خروجها؟كم مرة أوصتها أن تهتم بطعامها؟تنهدت...ثم قالت في سرها:"اللهم أعني."ودخلت.استقبلتها ملك عند البوابة.احتضنتها بصمت.ثم سارتا معًا.لم تحاول أن تفتح موضوعًا يؤلمها.اكتفت بأن تكون بجوارها.وأحيانًا...وجود شخص صامت...أفضل من ألف كلمة.---انتهت المحاضرات.خرجت ريم مع الحراسة كالمعتاد.وعلى الجانب الآخر من الطريق...كانت سيارة سوداء تقف في هدوء.داخلها...كان آسر.لم ينزل.ولم يلوح لها.فقط انتظر حتى رآها تدخل السيارة المخصصة لها.ثم قال للسائق:"اتحرك."نظر إليه السائق باستغراب."مش هتكلمها يا فندم؟"ابتسم آسر ابتسامة حزينة.وقال:"هي محتاجة وقت...مش محتاجة حد يضغط عليها."وانطلقت السيا
توقفت سيارة الأجرة أمام العمارة في اللحظة نفسها التي توقفت فيها سيارة تيم. اندفع خارج سيارته دون أن يشعر حتى بأنه ترك الباب مفتوحًا، بينما كانت ريم تهبط من سيارة الأجرة بخطوات سريعة مضطربة، وما زالت حقيبتها معلقة على كتفها بعدما غادرت الجامعة في منتصف اليوم إثر اتصال الجيران. منذ تلك اللحظة وقلبها يخبرها أن شيئًا سيئًا قد وقع.التقت عيناهما.لم يكن أي منهما بحاجة إلى سؤال، فقد قرأ كل واحد الخوف في وجه الآخر.اقتربت ريم منه بسرعة، وقالت بصوت يرتجف:"تيم... الجيران كلموني وقالولي أرجع حالًا... ماما كويسة؟"ظل ينظر إليها للحظات، وكأن الكلمات تأبى أن تخرج من فمه، ثم أمسك يدها بقوة وقال بصوت مبحوح:"اطلعي معايا."أومأت في صمت، وركضا معًا نحو مدخل العمارة.كان المصعد في الطابق السادس، لكن انتظار ثوانٍ قليلة بدا لهما عمرًا كاملًا، فاتجها إلى السلم وصعدا درجاته ركضًا. كانت أنفاسهما تتسارع مع كل طابق، حتى توقفت ريم في منتصف الطريق واضعة يدها على صدرها وهي تلهث.قالت بصعوبة:"مش... مش قادرة آخد نفسي."التفت إليها تيم بسرعة، وأسندها برفق."استندي عليا... خلاص قربنا."هزت رأسها وهي تحاول أن تستجم
لم ينم أحد في تلك الليلة.كانت الساعات تمر ببطء شديد، وكأن عقارب الساعة تعمدت أن تختبر صبرهم.جلست أميرة بعد صلاة الفجر تقرأ ما تيسر من القرآن، بينما كانت ريم بجوار النافذة، تراقب أول خيوط الضوء وهي تتسلل إلى السماء.أما تيم...فكان مستندًا إلى الحائط، يراقبهما في صمت.لم يكن يفكر في عبد الوهاب هذه المرة.ولا في التهديدات.بل في الرجل الذي سيقابله بعد ساعات...الرجل الذي أقسم يومًا ألا يناديه "أبي" مرة أخرى....بعد شروق الشمس بقليل...ارتدت ريم عباءتها الواسعة، وعدلت خمارها أمام المرآة.خرجت من غرفتها لتجد أميرة قد أعدت الإفطار.ابتسمت أميرة وهي تقول:"تعالوا يا ولاد... كلوا لقمة الأول."جلس الثلاثة حول المائدة.ورغم أن الطعام كان بسيطًا...إلا أن أحدًا لم يمد يده.لاحظت أميرة ذلك، فقالت بنبرة أم حازمة:"لازم تاكلوا."نظر إليها تيم."مش قادر."ابتسمت له بحنان."القوي مش اللي يشيل الهم لوحده يا ابني... القوي اللي يحافظ على جسمه علشان يعرف يكمل."تنهد، ثم تناول قطعة صغيرة من الخبز.ابتسمت ريم وهي تراه يستجيب أخيرًا.قالت بخفة تحاول أن تكسر التوتر:"أهو... أخيرًا سمعت الكلام."رفع عينيه
جلست ريم على طرف الأريكة، بينما بقيت الفلاشة السوداء الصغيرة فوق الطاولة بينهما، وكأنها قطعة معدنية عادية لا تستحق كل هذا القلق. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا؛ فمنذ اللحظة التي وصل فيها ذلك الظرف إلى يدها أمام بوابة الجامعة، لم يعد أي شيء يبدو طبيعيًا. نظرت إلى أمها التي كانت تقبض على مسبحتها بقوة حتى ابيضت أطراف أصابعها، بينما ظلت عيناها معلقتين بالفلاشة دون أن تقترب منها.قالت أميرة بعد صمت طويل، بصوت خرج متعبًا أكثر مما خرج خائفًا: "أنا قلبي مش مطمن يا ريم... والله حاسة إن اللي جواها عمره ما هيكون خير."أخذت ريم نفسًا عميقًا، ثم أمسكت الفلاشة بين إصبعيها وهي تتأملها من جميع الجهات."وأنا كمان... بس إحنا لو فضلنا خايفين مش هنعرف هو عايز إيه."هزت أميرة رأسها بسرعة."أوقات الجهل أرحم."ابتسمت ريم ابتسامة صغيرة باهتة وقالت: "بس أوقات تانية بيكون أخطر."وقبل أن تضيف شيئًا، اهتز هاتفها بإشعار رسالة جديدة.التقطته بسرعة، وما إن فتحت الرسالة حتى اختفت الابتسامة من وجهها تمامًا.> "قدامك تلاتين دقيقة... وبعدها هبدأ أزور الناس اللي بتحبيهم واحد واحد."شحب وجهها، وانتبهت أميرة إلى التغير ال