مشاركة

الفصل الثامن

last update تاريخ النشر: 2026-08-07 11:06:21

**قلب في غيبوبة**

**الفصل الثامن**

مرت أربعة أيام على استعادة زياد لوعيه الكامل تقريباً. صار يتكلم بجمل أوضح، ويجلس في السرير مدعوماً بالوسائد لفترات أطول، ويطلب الماء والطعام بنفسه. جسده لا يزال ضعيفاً جداً، وعضلاته لم تستعد قوتها بعد، لكن عينيه صارتا حادتين، وعقله يعود إليه ساعة بعد ساعة.

لينا استمرت في روتينها بهدوء. تدخل في الصباح، تسلم عليه باحترام، تسأل الممرضة عن العلامات الحيوية، ثم تجلس عند النافذة وتقرأ أو تخيط أو تكتب في دفتر صغير. لم تعد تقترب من السرير إلا إذا احتاج شيئاً لا تستطيع الممرضة تقديمه فوراً. لم تلمسه، ولم تحاول أن تمسك يده كما كانت تفعل طوال الشهور السابقة.

زياد كان يراقبها من طرف عينه.

في البداية كان يزعجها وجودها. ثم صار يلاحظ تفاصيل صغيرة: كيف تضع كوب الماء دائماً في المكان الذي تصل إليه يده بسهولة، كيف تعدل الستارة إذا دخل نور الشمس مباشرة على وجهه، كيف تخرج بهدوء حين يدخل أبوه كي تترك لهما وقتاً خاصاً. كانت تفعل كل ذلك دون أن تنتظر شكراً أو حتى نظرة.

في اليوم الخامس، بينما كانت لينا ترتب الطاولة الصغيرة بجانب السرير، قال زياد فجأة بصوت خشن:

ـ لماذا لا تذهبين إلى أسرتك أكثر؟ أبي قال إنهم يسكنون قريباً.

توقفت لينا لحظة، ثم ردت بهدوء دون أن ترفع رأسها:

ـ أزورهم مرتين في الأسبوع. الباقي من وقتي هنا... لأن هذا بيتي الآن، سواء قبلتَ أنت أم لم تقبل.

زياد صمت. نظر إلى يديها وهما ترتبان الزجاجات والأدوية بدقة، ثم قال:

ـ أنتِ لا تشبهين الفتيات اللواتي كنّ يحاولن التقرب مني قبل الحادث.

ابتسمت لينا ابتسامة خفيفة حزينة:

ـ لأنني لم أحاول التقرب منك أصلاً. أنت كنت نائماً، وأنا كنت أؤدي ما وعدت به والدك.

في تلك الليلة حدث ما غيّر شيئاً في داخله.

سليمان دخل الجناح في ساعة متأخرة، وكان وجهه شاحباً أكثر من المعتاد. جلس على الكرسي وتحدث مع ابنه قليلاً عن الشركة وعن بعض الأوراق التي يحتاج توقيعها لاحقاً. فجأة انحنى إلى الأمام ممسكاً بطنه بقوة، ووجهه امتلأ بالعرق. لينا كانت حاضرة. ركضت إليه فوراً وأمسكت كتفيه.

ـ عمي... ما بك؟

سليمان حاول أن يبتسم وقال بصوت ضعيف:

ـ الألم... عاد أقوى الليلة.

زياد حاول أن ينهض من السرير رغم ضعفه، لكن لينا أشارت إليه أن يبقى. ضغطت على زر الطوارئ، وجاء الممرض والطبيب خلال دقائق. أعطوا سليمان حقنة مسكنة ونقلوه إلى غرفته الخاصة تحت المراقبة.

بعد أن هدأ الوضع، بقي زياد ولينا وحدهما في الجناح. الصمت كان ثقيلاً. زياد كان ينظر إلى الباب الذي خرج منه أبوه، ويده تمسك بحافة السرير بقوة.

ـ هو يموت... أليس كذلك؟ سأل بصوت منخفض.

لينا جلست على الكرسي القريب هذه المرة، ونظرت إليه بصدق:

ـ نعم. المرض في مراحله الأخيرة. هو يعرف، ويحاول فقط أن يراك مستيقظاً قبل أن يرحل.

زياد أغلق عينيه. دموع صامتة نزلت على خديه لأول مرة منذ استعاد وعيه. لينا لم تقترب. بقيت في مكانها، لكنها قالت بصوت دافئ:

ـ أنا هنا إذا احتجت أي شيء.

بعد ساعة تقريباً، قال زياد دون أن يفتح عينيه:

ـ اجلسي أقرب... لو سمحت.

اقتربت لينا وجلست على الكرسي الملاصق للسرير. ظل الصمت يلفهما وقتاً طويلاً. ثم فتح زياد عينيه ونظر إليها نظرة مختلفة هذه المرة: أقل برودة، وأكثر تعباً وصدقاً.

ـ طوال الشهور التي كنت نائماً فيها... هل كنتِ حقاً تقبلينني؟

احمرّ وجه لينا، لكنها لم تنكر.

ـ نعم. على جبينك... وأحياناً على شفتيك حين كنتُ أظن أن لا أحد يراني. كنتُ أخجل من نفسي كل مرة، لكنني لم أستطع التوقف.

زياد نظر إليها طويلاً، ثم أدار وجهه نحو السقف وهمس:

ـ أنتِ غريبة... أو ربما أنا من صار غريباً بعد كل هذا النوم.

في الليلة نفسها، بينما كانت لينا قد عادت إلى غرفتها أخيراً لتنام قليلاً، تحرك شيء في الظلام داخل الفيلا.

فهد دخل إلى جناح الممرضين في ساعة متأخرة جداً. التقى بالممرض الليلي الجديد في غرفة صغيرة خلف المخزن. دفع إليه ظرفاً سميكاً وهمس:

ـ الليلة القادمة. الأب في غرفته تحت المسكنات، والولد لا يزال ضعيفاً. غيّر المحلول كما اتفقنا. الكمية محسوبة... لن تقتل فوراً، لكنها ستُحدث مضاعفات كافية.

الممرض عدّ النقود بسرعة وأومأ برأسه.

ـ تمام. فقط تأكدوا أن البنت لا تبقى الليلة كلها بجانبه كما تفعل عادة.

فهد ابتسم ابتسامة باردة.

ـ سأتولى أمرها.

في الصباح التالي، جاء فهد إلى جناح زياد بحجة السؤال عن صحة عمه. تحدث مع ابن عمه بدبلوماسية، ثم التفت إلى لينا وقال بصوت مهذب جداً:

ـ الآنسة لينا... أو السيدة، عذراً. أمي تدعوكِ لتناول القهوة في الجناح الغربي بعد الظهر. تريد أن تتعرف عليكِ أكثر بعد أن استيقظ ابن عمنا.

لينا ترددت. نظرت إلى زياد الذي كان يراقب الحوار بصمت. لم يقل شيئاً، لكنه لم يمنعها أيضاً. في النهاية قبلت بأدب.

عندما ذهبت بعد الظهر، بقيت غرفة زياد هادئة لفترة. ثم دخل الممرض الليلي مبكراً بحجة تغيير المحلول. استبدل الكيس الشفاف بآخر بدا مماثلاً تماماً... إلا من تفاصيل صغيرة لا يلاحظها إلا خبير.

وفي الجناح الغربي، كانت لينا تجلس أمام زوجة عبد الرحمن وفهد، تستمع إلى أسئلة ناعمة مليئة بالسم، بينما ساعة الحائط تمشي ببطء نحو اللحظة التي قد يتغير فيها كل شيء.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • قلب في غيبوبة   الفصل الثامن والعشرون

    **قلب في غيبوبة** **الفصل الثامن والعشرون**مرت الأسابيع بهدوء تدريجي يشبه الشفاء البطيء بعد مرض طويل.زياد لم يعد يستيقظ مرعوباً في منتصف الليل كما في الأيام الأولى بعد اكتشاف الحقيقة. الكوابيس صارت أقل حدة، وإذا جاءته واحدة كانت لينا هناك دائماً، تضع يدها على صدره وتهمس له حتى يعود تنفسه إلى طبيعته. في الصباح كانا يجلسان على الشرفة يشربان القهوة وينظران إلى الحديقة التي بدأت تستعيد حيويتها مع أيدي البستانيين الجدد الذين عيّنهما زياد.الجناح الغربي ظل مغلقاً لأسابيع. ثم قرر زياد يوماً أن يفتحه مع لينا. مشيا معاً في الممرات التي كانت مليئة بالظلال، فتحا النوافذ واحدة تلو الأخرى، وسمحا للشمس أن تدخل الغرف المظلمة. لينا اقترحت أن يُحوَّل الجزء الأكبر منه إلى مركز للقسم الاجتماعي الذي أسسوه: مكاتب صغيرة، قاعة اجتماعات للعائلات المستفيدة، وغرفة ألعاب للأطفال. زياد وافق فوراً وقبّل يدها وقال:ـ أحب كيف تحولين الأماكن الميتة إلى أماكن حية.العمل في الشركات عاد إلى إيقاعه الطبيعي، بل صار أفضل. لينا أثبتت وجودها كشريكة حقيقية لا كاسم على الورق. في اجتماعات مجلس الإدارة كانت تطرح أسئلة مباشر

  • قلب في غيبوبة   الفصل السابع والعشرون

    **قلب في غيبوبة** **الفصل السابع والعشرون**في الأيام التالية لعملية القبض، بدت الفيلا أكبر وأكثر فراغاً من أي وقت مضى.الجناح الغربي أُغلق رسمياً بأمر من زياد بعد أن نُقل أثاث عبد الرحمن وأبنائه إلى مستودع خارجي تحت حراسة الشرطة كجزء من التحقيق. الغرف التي كانت مليئة بالهمسات والخطط صارت مظلمة ومهجورة. الخدم كانوا يمرون بها بسرعة ودون كلام، كأن المكان أصبح محرماً.زياد لم ينم جيداً طوال ثلاث ليالٍ متتالية. كان يستيقظ فجأة في منتصف الليل، يتعرق، ويجلس على حافة السرير يحدق في الظلام. لينا كانت تستيقظ معه في كل مرة، تضع يدها على ظهره، وتمسح شعره برفق دون أن تسأله أن يتكلم إن لم يرد. في الليلة الثالثة فقط فتح فمه وقال بصوت أجش:ـ كل مرة كنت أفتح عيني في الغيبوبة وأرى عمي يقف عند الباب مبتسماً... كان قد دفع مالاً كي أبقى نائماً إلى الأبد. كيف يبتسم إنسان بعد أن يفعل هذا؟لينا جلست خلفه ووضعت خديها على كتفه.ـ لأن بعض الناس يفقدون إنسانيتهم حين يتعلق الأمر بالمال. لكنك لم تفقدها أنت. ولهذا نجوت، ولهذا نحن هنا الآن.التفت إليها فجأة وسحبها إلى حضنه بقوة. دفن وجهه في عنقها وظل كذلك وقتاً ط

  • قلب في غيبوبة   الفصل السادس والعشرون

    **قلب في غيبوبة** **الفصل السادس والعشرون**الصباح بدأ عادياً داخل الجناح الشرقي.زياد ولينا كانا يجلسان على طاولة الإفطار الصغيرة قرب النافذة، هو يقرأ تقريراً سريعاً على جهازه اللوحي وهي تسكب له القهوة وتضيف لها الحليب كما يحب. تالا كانت قد نامت في غرفة الضيوف مع أمها بعد ليلة هادئة نسبياً، والحراسة خارج الأبواب مشددة كما في الأيام السابقة.فجأة رنّ هاتف زياد من رقم رسمي. نظر إلى الشاشة ثم رفعه إلى أذنه.ـ نعم، زياد الراشد.الصوت في الطرف الآخر كان لضابط تحقيق يعرفه من قضية التهديدات الأخيرة.ـ السيد زياد... نعتذر عن الإزعاج في هذا الوقت. لدينا تطور مهم يتعلق بحادثك القديم. تم القبض فجر اليوم على سائق الشاحنة الذي اصطدم بسيارتك في الحادث الذي أدى إلى غيبوبتك. الرجل كان مختبئاً في مدينة أخرى تحت اسم مستعار. بعد التحقيق الأولي اعترف بأشياء... نحتاج إلى وجودك في مركز الشرطة في أقرب وقت ممكن.تجمد زياد مكانه. لينا رأت التغيير في وجهه فوراً وأمسكت ذراعه.ـ ماذا قالوا؟أغلق الخط ببطء ونظر إليها بعينين مليئتين بصدمة قديمة تفتح من جديد.ـ قبضوا على سائق الشاحنة... سائق الحادث الذي كاد يقتل

  • قلب في غيبوبة   الفصل الخامس والعشرون

    **قلب في غيبوبة** **الفصل الخامس والعشرون**بعد الاتصال المجهول، لم تعد الفيلا هادئة تماماً كما بدت في الأسابيع الأولى بعد الحكم.زياد ضاعف عدد رجال الأمن حول الجناح الشرقي والشقة التي تسكنها أم لينا وتالا، رغم أنهما تقضيان أياماً متزايدة داخل الفيلا. صارت سيارة ثانية ترافقهما أينما ذهبا، وكاميرات إضافية رُكّبت في نقاط كانت خفية من قبل. لينا في البداية شعرت بضيق من هذا الطوق الأمني، لكنها فهمت سريعاً أنه ثمن الأمان في عالم سليمان الراشد القديم الذي ورثاه معاً.في أحد الصباحات جلسا في المكتب يراجعان تقريراً أمنياً أولياً. مدير الأمن، رجل في الخمسينيات يدعى أبو فهد (لا علاقة له بابن العم)، وضع أمامهما ملفاً صغيراً.ـ الرقم الذي اتصل بالسيدة لينا مرتبط بشبكة قديمة كانت على خلاف تجاري حاد مع والدكم قبل ثماني سنوات. القضية انتهت بخسارة الطرف الآخر لمبلغ كبير جداً. الرجل الأساسي في تلك الشبكة اسمه راكان الغامدي، يقيم معظم الوقت في الخارج، وله بعض الوكلاء هنا. لا نملك دليلاً دامغاً أنه وراء الاتصال، لكن التوقيت واللغة يشيران إليه أو إلى أحد مقربيه.زياد استمع بوجه جامد ثم قال:ـ راقبوا كل

  • قلب في غيبوبة   الفصل الرابع والعشرون

    **قلب في غيبوبة** **الفصل الرابع والعشرون**الأسابيع التالية لحكم المحكمة مرت بهدوء لم تعرفه الفيلا منذ زمن طويل.زياد ولينا استيقظا كل صباح على روتين جديد دافئ. يجلسان معاً على شرفة الجناح الشرقي يشربان القهوة، يراجعان جدول اليوم، ثم ينزلان إلى المكتب أو يخرجان إلى الشركات حسب الحاجة. لينا صارت تحضر معظم الاجتماعات المهمة، وصوتها أصبح مألوفاً ومحترماً. المديرين الذين كانوا ينظرون إليها في البداية بعين الشك صاروا يطلبون رأيها في بعض التفاصيل التسويقية والإدارية.في أحد الأيام اقترح زياد فكرة أثناء اجتماع مغلق:ـ أريد أن نؤسس قسماً جديداً للمسؤولية الاجتماعية داخل المجموعة. جزء من أرباحنا يذهب لدعم الأيتام والأرامل في الأحياء الفقيرة... مثل الحي الذي جاءت منه لينا. هي من ستشرف على هذا القسم.لينا نظرت إليه بدهشة وسعادة صامتة. بعد الاجتماع أمسكت يده في الممر وقالت:ـ لماذا فعلت هذا؟ـ لأنني أريد أن أرى بعينيكِ الفرحة نفسها التي رأيتها حين انتقلت أسرتكِ إلى الشقة الجديدة. ولأن المال الذي تركه أبي يجب أن يصنع شيئاً طيباً أكثر من مجرد زيادة في الحسابات.في المساء احتفلا بالفكرة بطريقتهما

  • قلب في غيبوبة   الفصل الثالث والعشرون

    **قلب في غيبوبة** **الفصل الثالث والعشرون**الصباح الأول بعد حكم المحكمة كان خفيفاً كأن الهواء نفسه قد تغير داخل الفيلا.زياد استيقظ قبل لينا كالعادة، لكن هذه المرة لم يكن هناك ثقل على صدره. نظر إلى السقف لحظة ثم التفت إليها وهي نائمة على جانبها، يدها لا تزال ممدودة نحوه حتى في النوم. ابتسم وقبّل كتفها العاري برفق حتى تحركت وفتحت عينيها.ـ صباح الخير يا شريكتي... الشريكة الرسمية والنهائية الآن.ضحكت ضحكة ناعسة ومدّت يديها لتحيط رقبته وتسحبه إليها لقبلة صباحية طويلة. بعد أن افترقا قال وهو يمرر إبهامه على خدها:ـ اليوم لا اجتماعات طويلة. اليوم لنا فقط. أريد أن أمشي معكِ في الحديقة، وأن نأكل معاً دون أن ننظر إلى الساعة، وأن أقبلكِ في كل غرفة من هذا الجناح إن أردتِ.ـ أريد كل ذلك... وأكثر.نزلَا بعد ساعة إلى الحديقة. الطقس كان معتدلاً والشمس دافئة دون حر. مشيا ببطء بين الأشجار والنوافير، يدا أحدهما في يد الآخر. زياد كان لا يزال يستخدم عكازاً خفيفاً أحياناً، لكنها كانت تسير إلى جانبه ببطء يناسبه. توقفا عند المقعد الخشبي نفسه الذي جلسا عليه أول مرة بعد استيقاظه، وجلسا من جديد.زياد وضع ذر

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status